إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
عبدالرحمن منيف رفض نشرها في حياته فصدرت بعد وفاته: «أم النذور» رواية مجهولة تسرد سيرة الطفولة
الكاتب الموضوع
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #1
عبدالرحمن منيف رفض نشرها في حياته فصدرت بعد وفاته: «أم النذور» رواية مجهولة تسرد سيرة الطفولة
عبدالرحمن منيف رفض نشرها في حياته فصدرت بعد وفاته: «أم النذور» رواية مجهولة تسرد سيرة الطفولة
عبده وازن الحياة - 27/08/05//

كتاب رفض صاحبه نشره خلال حياته هل يمكن ان يُنشر بعد وفاته؟ أليس في الأمر شيء من خيانة لهذا الكاتب وإساءة إليه؟ وماذا إذا كان الكاتب هو عبدالرحمن منيف وكان الكتاب روايته الأولى، المجهولة وغير المنشورة وعنوانها «أم النذور»؟

طبعاً اسئلة كهذه تُطرح دائماً كلما صدر كتاب بعد وفاة صاحبه، لكن الأجوبة عليها تظل مؤجلة وغير حاسمة. فمعظم اعمال كافكا على سبيل المثل صدرت بعد رحيله وكذلك اعمال الشاعر رامبو... والأسماء كثيرة في هذا الصدد. ويمكن هنا تذكر الكثير من دواوين الشعر العربي التي جمعت بعد رحيل اصحابها فاحتلت مواقعها في الحركة الشعرية العربية.

«أم النذور» كتبها عبدالرحمن منيف، كما تدل الإشارة في الصفحة الأخيرة من الرواية، عام 1970 عندما كان يقيم في دمشق. انها اذاً اولى رواياته، لكنه رفض ان ينشرها بل تردد كثيراً في نشرها. وكان كلما انكب على «معالجتها» وتنقيحها ينفضّ عنها الى ان أعدّها عملاً مجهولاً قدره ان يرقد في الدُّرج وألا يخرج الى النور. وهكذا اعتبرت «الأشجار واغتيال مرزوق» روايته الأولى وكانت صدرت في العام 1973.

ربما لم يسئ نشر هذه الرواية الى صاحبها ولا الى تجربته الفريدة ونتاجه الروائي، فهي عمل أول في كل ما يحمل العمل الأول عادة من ارتباك على مستوى البناء واللغة والشخصيات. إلا ان «ام النذور» تلقي ضوءاً على بداية منيف وانطلاق مشروعه الكبير الذي أنجزه لاحقاً، وتمنح القارئ (والناقد) مفتاحاً إضافياً للدخول الى عالم هذا الروائي، بل تقدم مقترحاً جديداً لمقاربة المرحلة الأولى من مساره الأدبي.

قد تكمن الإشكالية الأولى في هذه الرواية في ضياع هويتها كنوع ادبي، فهي تتأرجح بين السيرة الذاتية والعمل الروائي وكأنها سيرة ذاتية ورواية في وقت واحد، أو كأنها لا هذه ولا تلك، بل نص يستعين بالفن الروائي ليرسخ طابع السيرة الذاتية. فالفتى الذي يسرد الراوي «حكايته» يتحول بدوره راوياً في بعض الأحيان فيواصل مهمة الراوي ويشهد له ويؤكده. يدعى الفتى «سامح» مثلما يدعى ابوه «الحاج حسيب» وأخواه سامي وماجد... وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره كما تدل شخصيته وأفعاله. وفي هذا المعنى يبدو الفتى اشبه بالشخصية - المرآة التي يرى الكاتب فيها بعضاً من ملامحه الطفولية. وإن كان معروفاً ان والد منيف توفي عندما كان عمره ثلاثة اعوام فإن من المعروف ايضاً ان منيف امضى طفولته في عمان والتحق في سنّه الأولى بـ «كتّاب» في العاصمة الأردنية. وهكذا يمكن افتراض ان حضور «الكتّاب» الذي يحتل جزءاً كبيراً من الرواية هو بين الواقعي والمتخيل، ولكن لا يمكن جزم حقيقة ما حصل من احداث طريفة نظراً الى ان السيرة هنا تتخلى عن «وقائعيتها» وتنحاز الى الفن الروائي. وكم سيبدو «الكتاب» لدى منيف مختلفاً عن «كتاب» طه حسين في «الأيام»، فالأول اوغل في لعبة السرد فيما انجز الثاني سيرته الذاتية وكأنه مؤتمن عليها.

اما الإشكالية الثانية التي يمكن التوقف عندها فهي تكمن في ما يسميه النقد الحديث «سيطرة» وجهة نظر الكاتب على الرواية وشخصياتها. فشخصية الفتى «سامح» هي شخصية مختلقة بمقدار ما هي شخصية حقيقية، وكذلك بعض الشخصيات الأخرى ولا سيما الشيخ زكي المعلم الوحيد في «الكتّاب» او الشيخ درويش الذي فضح الفتى خروجه عن الصراط المستقيم. وإن كان يؤخذ احياناً بمقولة الشاعر وردزورث الشهيرة «الولد هو والد الرجل» في سياق الكلام عن السيرة الذاتية، فالمقولة هذه تنقلب هنا وتصبح: «الكاتب يخلق الفتى على صورته»، ولعل هذا ما تؤكده الحكمة والنضج والمعاناة التي يتميز بها هذا الفتى الذي يصبح في احيان وكأنه شخصية «وجودية» أو «عبثية». وهكذا لا يبدو الفتى صورة عن الكاتب في طفولته بقدر ما يبدو صورة رسمها الكاتب بنفسه للفتى الذي كانه ذات يوم، ولكن انطلاقاً من رؤية الحاضر. الكاتب في هذا المنحى يعيد «خلق» هذا الفتى مثلما كان يريد ان يكون. إنها اذاً «سيرة ذاتية مقنّعة» بحسب ما يقول الناقد الفرنسي هنري بيناك و»الأنا» او «الضمير الراوي» هو ملتبس بين ان يكون حقيقياً او مختلقاً. وإن بدا في إمكان الفتى ان يثور على التقاليد والخرافات الشعبية وعلى «الكتاب» وشيخه الظالم فهو لا يستطع حتماً ان يتلفظ بجمل لا عهد له بها ولا يمكنه ان يختبرها كأن يقول مثلاً: «كنت امتلئ برغبات غامضة في تلك الساعة»، او «أحس ان شيئاً في داخلي ينفجر»، او «ظللت عند النافذة أتطلع في الفراغ»، او «شعرت انني منبوذ مثل كلب ولا تربطني بالعالم اية صلة». ويتحدث عنه الراوي احياناً واصفاً إياه وكأنه بطل من ابطال البير كامو او سارتر او نجيب محفوظ او فؤاد التكرلي: «لم يعد راغباً في شيء، بدت له الدنيا مثل ذبابة، بصق اكثر من مرة وخطر له ان يغمض عينيه ويمشي...».

غير ان هذا الفتى الذي حمّله الكاتب في احيان أكثر مما يستطيع احتماله، عاش «هاجس» الضرب الذي كان يمارسه الشيخ زكي في «الكتّاب». وكانت ثارت ثائرته عندما قدّمه والده الى الشيخ قائلاً له: «مثل اخويه، اللحم لك والعظام لنا»، ما يعني ان الوالد سمح للشيخ بتأديب الفتى الصغير، ضرباً. وكان شيخ «الكتّاب» الظالم يعامل الأولاد بقسوة شديدة، يضربهم بالعصا ويرفسهم ويعاقبهم ويكيل لهم الشتائم: يا قرنة الزفت، يا خنزير، يا كلب أعور، يا أعمص، سوف اقطع لسانك، سوف أهري بدنك... وعندما سأل الشيخ «الفتى» (سامح) عن اسمه ارتبك وارتجف واحمرّ وتلعثم ولم يستطع ان يحسر دموعه فقال الشيخ: «ما له هذا الحمار». وهال الفتى ان يرى الشيخ ينهال على احد التلامذة ضرباً ورفساً وخطيئته انه كان مريضاً ولم يحفظ الدرس (البدائي جداً) وأمره من ثم ان يقف مقابل الجدار رافعاً يديه ورجله اليمنى «مثل كلب يوشك ان يبول» كما يقول الفتى - الراوي مضيفاً: «شعرت بالألم في يديّ وجنبيّ».

وإن كان الفتى هو الشخصية الرئيسة في الرواية كونه «المرويّ» عنه والراوي في آن واحد، فإن الشخصيات الأخرى اساسية بدورها وإن بدت ثانوية ظاهراً. فشيخ «الكتّاب» (زكي) يحضر من خلال هاجس الفتى الذي انعم في تشويهه: «قصير، طوله وعرضه متساويان، وجهه مكتنز غليظ، عيناه تدوران بلا توقف». ومثل هذه الصفات سترد اكثر من مرة في الرواية مما يدل على الكراهية الشديدة التي يكنها الفتى له. ويبلغ خوفه من «الشيخ» شأوه انه يذهب الى شجرة «ام النذور» ويعلق عليه خرقتي قماش ويلقي قطعة نقود ويخاطب «الشيخ مجيب» الولي الغائب الذي تحمل «التكية» المجاورة للشجرة اسمه: «يا شيخ مجيب... اريد منك ان تكسر عصا الشيخ زكي... ليصبْ اصبعه بالورم حتى يعجز عن الأكل، ليتورّم كله...». ولن يتوانى الفتى عن تسمية الشيخ المعتوه بـ «الكلب».



اما الحدث الرئيس في الرواية فهو يتمثل في مواجهة الفتى للشيخ زكي الذي اراد ان يعاقبه لمشاهدته الرجل السكير والمشرد سالم اليماني الذي تلعنه البلدة وتعدّه «كافراً». وكان الفتى يرفض اضطهاد هذا «الكافر» معتبراً إياه افضل من الشيخ الظالم. وعندما ناداه الشيخ في «الكتّاب» ليعاقبه، وقف الفتى بجرأة تامة صارخاً في وجهه: «لن تضربني، لو متّ لن تضربني، رأيت اليماني...». هجم عليه الشيخ وتعاركا ووقع الفتى ارضاً وتأذى. هذا الحادث الوحيد سيكون مدخلاً الى مرحلة جديدة في حياة الفتى، فهو يتحول فتى متمرداً و «حراً» كما يقول لأمه لاحقاً. فبعد الحادث لا يعود الفتى الى البيت بل يهيم في الشوارع مردداً في نفسه: «أستطيع ان اتخلص من أبي وأمي ومن «ام النذور» القبيحة الجرباء، حتى الشيخ «مجيب» لم أعد أحبه...». وعندما يقترب من نهر البلدة ينزع ملابسه ويلقي بنفسه في الماء. وسيؤدي الماء هنا دوراً رمزيا،ً فالنزول فيه والخروج منه اشبه بولادة جديدة. ويقول الراوي في هذا الصدد: «عندما لامس الماء جسده شعر بالراحة. شعر بأنه تخلص من كل شيء: الشيخ وامه وأبيه. وتمنى لو يبقى في الماء». لقد تحرر اذاً من سلطة العائلة والشيخ والخرافة.

كان هاجس الفتى ان يتخلص من «الكتّاب» وأن يلتحق بالمدرسة الحكومية. وكان ابوه التقليدي والمحافظ يرفض ذلك، وفي ظنه ان المدارس تعلّم الكفر والإلحاد، لكنه سيذعن في النهاية لإلحاح الفتى وموقف الأقارب وخصوصاً بعد ان يعلم ان الشيخ زكي ألحق ابنه بالمدرسة وليس بـ «الكتّاب»، فيقول لأبنه الصغير: «اذهب غداً الى خالك، ليأخذك الى المدرسة».

لم يُبدِ الفتى كراهية حقيقية ازاء ابيه و»عقليته» المحافظة، فهو كان يحترمه ويكنّ له ودّاً واصفاً إياه بـ «الرجل المتزن في كل شيء»، ولم يلجأ الى «قتله» مجازياً (وفق الطريقة الأوديبية) على رغم ميله الى أمه. فهو وجد في الشيخ صورة «الأب» الآخر التي لا بد من كسرها و»قتلها». ولعل خوف الفتى من الشيخ زكي رافقه خوف آخر من الشيخ صالح الذي كان مولجاً بغسل الموتى وتكفينهم. وهو خوف ليس من الشيخ نفسه مقدار ما هو خوف مما يمثل هذا الشيخ «الأعور» في وجدان الفتى: الموت. ولذلك كان يخشى النظر الى الطاولة التي يمدد عليها الميت وإلى الكفن والنعش والحفرة والتراب الذي يرمى فوق الميت. هنا يستحيل الموت كابوساً يقض مضجع الفتى فيلجأ الى امه (وليس الى ابيه) ليسألها: «ما معنى ان يموت الإنسان؟».

ولئن حضرت شخصيات الرواية من خلال سرد الراوي والفتى كليهما، قوية حيناً وهامشية حيناً آخر، فإن «أم النذور» غدت بدورها أقرب الى الشخصية (الجامدة) كونها شجرة اسطورية تحتل ذاكرة اهل البلدة ووجدان الفتى على رغم تمرّده على الرمز الذي تمثله. فالشجرة التي كانت تفتن الفتى في البداية مزروعة امام باب تكية الشيخ «مجيب» الذي لا احد يعرفه في البلدة، ويكتفي اهلها بتبادل الأخبار عنه والقصص. فيقول بعضهم انه عراقي استقر في البلدة وكان تقياً وله بركات لا تحصى وإنه هو الذي غرس اشجار الدلب وشيد المزار. ويقول آخرون انه مغربي نشأ في هذه البلدة وأصبح حجة زمانه ولم يتزوج. اما شجرة «ام النذور» فهي غريبة الشكل، ساقها قصيرة وقد اضحت ناعمة من فرط ما امتدت إليها الأيدي ولامستها الأفواه. وتبدو في عيني الفتى وكأنها «ذات شعر منفوش» تبعاً لما تحمل اغصانها من خرق ملونة وخيوط وأثواب بالية وممزّقة وأغطية رأس... وكلها مربوطة الى الأغصان بإحكام. ويقول الفتى: «أشجرة هذه ام فزاعة زرع ضخمة؟». وفيما كان المؤمنون بالشيخ مجيب يسمون الشجرة «أم النذور» كان «أعداؤها» يسمونها «ام الخرق». اما الأسطورة الشعبية فتقول ان الشجرة كانت تحمل ثمراً، وعندما مات الشيخ «مجيب» لم تعد تثمر فهي حزنت وتحولت ثمارها جذوراً تمتد الى قبر الشيخ. اما النسوة فيروين ان ثمارها كانت اكثر من أوراقها وفي حجم البيض، وهي كانت تشفي من الأمراض وتعيد المسافرين الى وطنهم وتكشف المسروقات... ولهذا كان اهل القرية يتقدمون بالنذور ويعلقون على الشجرة الخرق والمناديل وسواها. إلا ان الشجرة والتكية لا تكتملان من دون الحاج درويش الذي يقطن الغرفة الملاصقة للتكية. ولن ينثني الفتى عن فضحه والسخرية منه مصوراً إياه بالشيخ «المزوّر». فهو خمسيني، طويل ومنحني الظهر، كثّ اللحية، «لم يزر مكة ولا رأى الكعبة»، لكنه يسمى بـ «الحاج» وينظر إليه المؤمنون كأنه وارث الوليّ. لا احد في البلدة يعرف كيف يعيش هذا الحاج في غرفته الصغيرة، وكان الناس يسمعون بكاءه في الليل قبل ان ينام. ومرة نام اربعين يوماً وليلة وكشف بعد هذا النوم عن قاتل ارتكب جريمته قبل سنة. ولم يكن الحاج يختلط بالناس فهو يصاب بنوبات الصرع فينقلب على ظهره والزبد يتطاير من فمه ويقع في غيبوبة. وعندما يصحو يلطم رأسه بالأرض ويتمرغ في التراب. وكان بعض اهل البلدة يزيدون من تقديره وفي ظنهم انه خلال الغيبوبة «يتصل بأجداده وأسياده» فيما يعده البعض الآخر «مريضاً ومهبولاً». إلا ان الفضيحة الكبيرة التي سيعلنها الفتى فهي تدور حول نزعته المثلية.

من يقرأ «أم النذور» يشعر في قرارته ان هذه الرواية كان لا بد من نشرها على رغم قرار عبدالرحمن منيف بعدم النشر. فهي رواية جميلة وجريئة وذات خصائص وأولاها اللعبة التقنية في إدخال صوت الراوي وصوت الفتى بعضهما في بعض، حتى بدا الصوتان وكأن واحدهما يكمّل الآخر. علاوة على اللغة السردية التي تتجلى هنا في اول تجلياتها وهي لغة تنساب انسياباً يحف بها الشعر حيناً وتغرق في النثرية والوصف حيناً... لكن الرواية لم تخل من التكرار الذي اثقل كاهلها، وكان من الممكن حذف بضعة مقاطع وفصول تكرّر ما قيل سابقاً. واللافت ان «ام النذور» غدت ضائعة بين ان تكون سيرة ذاتية او ان تكون رواية فإذا بها «بين بين» أن سيرة ذاتية تتوق الى أن تكون رواية ورواية تسعى الى ان تكون سيرة ذاتية.

http://www.nadyelfikr.com
08-27-2005 11:31 AM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #2
عبدالرحمن منيف رفض نشرها في حياته فصدرت بعد وفاته: «أم النذور» رواية مجهولة تسرد سيرة الطفولة
عبد الرحمن منيف: عندما يبني النص علي الصوت الواحد - تقنية سردية تثير شجاراً بين الراوي والمروي له - ناظم عودة
ما دام ظني بكم سيئاً لدرجـة كبيرة، قد تسألون: لماذا إذن أقصّ عليـكم هذا الذي حصل؟ وماذا أريد منكم؟
ــ قصة حبّ مجوسية ــ

الراوي والقارئ
من يقرأ رواية عبد الرحمن منيف (قصة حبّ مجوسية) سوف يلحظ شجاراً لا ينتهي بين الراوي والقرّاء المفترضين، فهو لا يكفّ عن توجيه اللوم والانتقاد والوعيد لهم، ولا يعدم القارئ الحقيقي فائدة من هذا الشجار، الذي يخمّن فيه الراوي معارضة من هؤلاء القرّاء لأفعاله وأفكاره، لأنه سيئ الظن بهم لدرجة كبيرة. ويكشف هذا الصراع عن بنية سيكولوجية تتحكم في أداء الراوي، ويكشف كذلك عن الأحكام الأخلاقية التي تترتب علي سلوكه، فهو يفتش باستمرار عن مسوغات لعلاقة تعدّ محظورة في نظر الأديان، كما في تشريعات السيد المسيح في هذا الشأن، التي يذكرها الراوي بنوع من الرفض. فالانحراف عن حكم من الأحكام، يفضي إلي خلق حال من التضاد بين الصورة الأصولية، والصورة الرافضة التي عليها الراوي. وهو يعلم بهذا الحرج، ولذلك يبتكر وسيلة للتخفيف من غلواء توتره النفسي، وهي تعرية منطق القارئ المعارِض ضمناً لسلوك البطل. ويبدو لي أحياناً أنّ صوت القارئ المكرّس نصّياً في الرواية، هو الصوت الداخلي للبطل، فثمة نزاع عنيف ينشب بين داخل الراوي وخارجه. فالعرف الاجتماعي والقاعدة الدينية لفعل الحبّ، لا تتهاون في عشق النساء المتزوجات، لكنّ هذا الحكم الأخلاقيّ لا يتقيد به بطل قصة حبّ مجوسية، فهو يخترق القاعدة الأخلاقية بمسوّغ سيكولوجي محض. ويؤدي به هذا الاختراق إلي صراع من نوع خاص، بين النشاط الملحوظ للقوي السيكولوجية الطليقة من أعنتها، وما يسمي بالأنا الأعلي التي تقاوم تمرد الرغبات علي هذه الشاكلة. يتبني الراوي، الذي يعشق امرأة متزوجة، وجهة نظره الباطنية بقوة، فيصغي إلي صوت قلبه وحده، ويسعي جاهداً إلي تصوير الكدمات التي لحقت به من جرّاء مكابداته. فهو يشعر أنّ هذه المأساة الباطنية تستحقّ أنْ تُبلَّغ إلي القارئ بالكلمات، ليكتب (سيرة قلب) يخفق بين جنبيه، أو يريد أن يقدم اعترافاته أمام القارئ، نظير الاعترافات التي تجري في الكنائس، كأنه يشعر بخطيئة ويريد أن يكفّر عنها. لكنّ العلاقة بين الراوي والقارئ في هذه الرواية، لم تتسم بالتوافق، أو الإصغاء كما في الاعترافات الحقيقية، فالراوي يواجه اعتراضاً شديداً من فئة من القراء، لكنَّه يستميل فئة أخري، وهنا يبرز تخطيط الصنعة الأسلوبية من لدن المؤلف الحقيقي، الذي أراد أنْ ينشئ حكاية من لحظة التعارض بين فئات القرّاء والراوي.

الرواية ذات البعد السردي الواحد

لا تتضمن رواية (قصة حبّ مجوسية) تعقيداً فنياً، يمكن أن يقف حجر عثرة في طريق القارئ، الذي يجمع خلال زمن قراءته مجموعة من الجمل السردية، القادرة علي تكوين الفحوي النهائية للعمل من جهة، والقادرة علي تكوين حكم نهائي حيال الرواية كلّها. فالبناء السردي في هذه الرواية يقوم أصلاً علي الصوت الواحد الباطني للراوي، ومن هنا يمكن وصف (قصة حبّ مجوسية) بأنها رواية تعتمد البعد الواحد في سرد الحكاية، وقد ساهمت هذه التقنية السردية في إثارة الشجار بين الراوي والقارئ علي طوال هذه الرواية. فهذا الراوي يبني هرماً من القيم الذاتية، ويرتقي إلي قمته، وينظر إلي العالم الذي يحيط به، ولذلك فإنّ الفارق بين الأعلي والأدني هو السبب الأساسي في نشوب الصراع بين الراوي والقارئ. فثمة جزء من الصراع غير مذكور في السياق السردي لهذه الرواية، يتلاقي فيه الراوي والقارئ معاً ليتجادلا حول مجموعة من القيم المتعارضة، تشكل صلب هذا الصراع غير المذكور. فالقيم التي يعتنقها الراوي، والخاصة بعلاقته مع امرأة متزوجة تدعي ليليان، ليست قيماً معيارية ثابتة، بل قيماً ذاتية محضة. وعلي هذا الأساس، فإن الراوي يقدّم نموذجين من الصراع: الأول يتبني الفلسفة الذاتية، التي تقوم علي المنطق الفردي، وعلي فرضيات فرويد وهوسرل، غير الظاهرة نظرياً في السياق السردي، وإنما مُضَمَّنة تضميناً يتيح للراوي أن يعتنق أفكاراً ذاتية، يفسر بها قضيته التي يدافع عنها في وجه خصوم مفترضين. والثاني (وهم القرّاء المفترضون) يتبني التفسير العقلاني للقضية الأساسية، أي عشق امرأة متزوجة. وهكذا ينشأ الاختلاف في القيم استناداً إلي هاتين الفلسفتين، الفلسفة الذاتية، والفلسفة العقلانية، وقد كان هذا الصراع الفلسفي، هو الجزء غير المذكور في السياق السردي لرواية (قصة حبّ مجوسية)، ومنذ البداية أراد الراوي أن يجد وسيلة فنية لتفجير هذا الصراع، فوضع صيغة نصّية تقوم علي جعل القارئ طرفاً نصيّاً في البناء السردي. وفي مقابل هذا الصراع الثنائي، ثمة صراع ثنائي آخر، ذو صلة بالبناء الفني لهذه الرواية هو صراع الأجناس، جنس الشعر وجنس النثر:
قلت لنفسي بنزق: أيتها العيون التي انفجرت في ظلمة الحياة التي أعيش فيها. سوف أعبدك. أنا مجوسيّ أكثر من مجوس الأرض كلهم.
صرخت دون صوت وأنا أنتفض مثل ديك مبلول: الزجاج بيننا يحصد خفقة القلب ثم يعجنها كتلة نار ويدحرجها.. ثم يأتي المطر ليذيب لذة الحلم.
ليست هذه الرواية رواية أصوات متعددة، فهي لا تكترث بأية وجهة نظر أخري غير وجهة نظر الراوي، الذي يضيق ذرعاً بالآراء المفترضة للقراء، قال مخاطباً هؤلاء القرّاء الذين يتوهم الراوي معارضتهم، ويستبطن منطقهم وحجمهم:
وأنتم أيها الشديدو التزمت.. ماذا تستطيعون أن تقولوا عن الأفكار الصغيرة التي تحركت في رأسي؟ الخطيئة؟ ولكن أين الخطيئة؟ حتي هذه اللحظة لا أشتهيها. ووصية المسيح التي تستندون إليها لا يمكن أن تجعلوها مقصلة لتنتزع رأسي بكلّ هذه البساطة. لم أشته امرأة غيري.. كل ما أردته أن أغفو في تلك الجنة لحظة واحدة ثم أموت. من الواضح أن هذا الراوي يشعر بأن الفعل الذي أقدم عليه، أي عشق امرأة متزوجة، يخرق الأعراف الدينية، ولذلك فهو يتصور هذه المعارضة من الآباء المقدسين، ويقاومها بمنطق آخر، منطق ذاتي محض، قال مخاطباً هؤلاء الآباء المقدسين:
أيها الآباء المقدسون.. تعالوا واسمعوا اعترافات رجل حزين. الأرض مليئة بالرجال الحزاني. وحتي الآن لم تسمعوا سوي اعترافات المخطئين.. أما الذين يموتون كل لحظة.. فأنتم لا تعرفونهم... وعلينا أن ننتبه إلي التكرار الذي يكرّر به الراوي وجهة نظر هؤلاء الآباء المقدسين، الذين أصبحوا الآن في موقع القرّاء المفترضين للحكاية التي تتضمنها رواية (قصة حب مجوسية)، ويمكن أن نطلق عليهم تسمية (القرّاء المقدسون). وعندما يكرر الراوي اعتراضاتهم، فإنه يكشف عن شعوره الباطني بوطأة تلك الاعتراضات عليه، قال يخاطبهم:وأنتم أيها الآباء.. هل تحاسبون رجلاً جباناً، ولا يحمل في قلبه رغبة شريرة، ويريد أن يشعل سيجارة امرأة حزينة ولا يستطيع؟ يجب أن تقولوا شيئاً. إن هذا التوجّه بالسرد إلي هؤلاء (القراء) الذين يفترض الراوي أنهم جزء من حكايته، لا يمكن تفسيره بغير رغبة المؤلف الحقيقي في أن يفجّر السياقات الثقافية والدينية والسيكولوجية المرتبطة بهذه الحكاية، وذلك جزء من التخطيط الشكلي العام لهذه الرواية، التي وجد عبد الرحمن منيف أن القارئ المفترض أو الضمني جزء منها. وعلي هذا الأساس، جاء أسلوب تكرار مخاطبة القراء في هذه الرواية، والسعي إلي فتح حوار معهم، وقد استهلت الرواية بهذا الحوار أو الشجار بصورة أدق. ولكي يكشف الراوي عن وطأة اعتراضات (القرّاء)، فقد استهلّ روايته بالشجار معهم:
وما دام الأمر هكذا.. وما دام ظني بكم سيئاً لدرجة كبيرة، قد تسألون: لماذا إذن أقصّ عليكم هذا الذي حصل؟ وماذا أريد منكم؟ لكي أقطع عليكم الطريق، وأسدّ أفواهكم أقول:
إن الكنيسة الكاثوليكية، الرحيمة القلب، جعلت للإنسان طريقاً للخلاص، عندما كلفت الآباء المقدسين بتلقي الاعتراف. كما أن علم النفس المعاصر، بالضوء الخافت في غرفة الطبيب، والمقعد الوثير الذي يستلقي عليه المريض، أوجد طريقاً لإذابة العذاب.. تمهيداً للشفاء، وأنتم.. هل أنتم آباء الكنيسة أو أطباء نفسيون تتلقون الاعتراف؟
مرّة أخري لا يهمني. أريد أن أقول ما حصل. سأقول ما حصل حتي لو نزلت السماء علي الأرض. وأنتم إذا شئتم اقرأوا.. وإذا شئتم كفّوا عن القراءة.. وحتي لو قرأتم فلن تضيفوا أية صفة جديدة للصفات الكثيرة التي أعرفها عن نفسي.
إنّ القرّاء الذين يتشاجر معهم الراوي، ليسوا صنفاً واحداً، بل أصنافاً متعددة، كل صنف له تكوينه الثقافي والاجتماعي الخاص. فهو يتشاجر مرة مع (قارئ حكيم):
ولكن إذا وجد بينكم حكيم أعور، له لحية تشبه خيوط العنكبوت، فسوف يقول:
إن حالة مثل هذه تعود بأصولها إلي أيام الطفولة.. إنه الحرمان من عطف الأم. نعم ماتت أمي لما كنت صغيراً.. لكن هذا الحكيم الذي يفتح فمه كضفدعة ليغرق الناس بكلمات كبيرة وغامضة تفتقر إلي شيء أساسي يكون جوهر الإنسان والعلاقة الجنسية.. يفتقر إلي الحب. ومرة يوجّه هذا الراوي خطابه إلي (قارئ مجهول): يمكن لأي تحليل يسرف في دراسة حالتي، بحيث ينتهي إلي أشياء كثيرة، لكن الأمر الأكيد إن ما وجدت نفسي فيه لا يجد مأوي في الكلمات القائمة والبلهاء التي تموج في رؤوسكم الآن.
ومرة أخري يخاطب هذا الراوي قارئاً يمكن أن نطلق عليه (القارئ الساخر): آه.. يمكن أن تضحكوا. اضحكوا مثل بغال تفتح أفواهها حتي النهاية. لقد سقطتُ.
ويقول أيضاً مخاطباً هذا القارئ الساخر: وأنتم لا تستطيعون أن تقولوا أي شيء اضحكوا بسخرية، ولكن من دون أن أري. وإذا علت قهقهاتهم فسوف أشتم مثل إبليس، سوف أقول لكم: أيها الخنازير، يا من تفتقرون إلي القلوب، يا من بالت عليكم أمهاتكم لكي تشفي الدمامل المنتشرة فوق صدوركم ووجوهكم.. لن أقول هذا فقط، سوف أقول أكثر: أنتم.. يا أربطة العنق.. سوف أشنقكم بهذه الأربطة ذات يوم. لن أكون رحيماً. الرحمة لا تعرف طريقها إلي قلبي. ومن تريدون أن أرحم؟ الصدور المليئة بالقيح؟ أنتم؟ لا تخافوا.. سوف أتصرف كوحش.
ومرة يخاطب هذا الراوي نمطاً من القرّاء يمكن أن نطلق عليه (القارئ القاسي):
وأنتم أيها الناس.. يجب أن تجلدوني مئات الجلدات. لا تكونوا رحماء معي، وأنا لا أستحق الرحمة أبداً.. ابصقوا عليّ.. لو أن كلمة قلتها، لو أن مسّة قدم أخري، ابتسامة شجاعة... آه اتركوني، لقد تعذبت أكثر مما أطيق.. والآن، وبعد مرور السنين، إذا سقط المطر.. إذا لم يسقط أتعذب.
من خلال هذه الطائفة من القرّاء الذين افترضهم الراوي يعارضون ما يقوم به، نستطيع أن نكشف عن الطابع السيكولوجي المتأزم لهذا البطل، ولكي يجد الراوي أسلوباً أكثر نجاعة في بناء منطقه الداخلي، فإنه يبتكر طريقة سردية خاصة، تتناسب مع بناء شخصيته المزدوجة، شخصية الخطّاء الذي يعرف طبيعة الخطيئة. ومن هنا، فإنّ التصميم الشكلي لرواية (قصة حب مجوسية) لا يخلو من الاجتهاد الجمالي في الاعتقاد بأنّ السرد الروائي الحديث لا يتواني عن التداخل الإجناسي، أي التداخل بين جنسين من أجناس الكتابة الأدبية، لإنتاج جنس هجين. وقد شاعت هذه الدعوة إلي التداخل بين الأجناس في الأدب العربي الحديث، وأراد بعض الكتاب العرب أن يلغي الصفة الجنسية للنوع الأدبي والاكتفاء بتسميته (نصّ). وقد تشتت الرد في هذه الرواية علي جنسي الشعر والنثر، فالراوي ليس شخصاً ذا سلوك عقلاني، بل هو شخصية رومانسية، ذات حساسية مفرطة. ولذلك فإنّ رواية (قصة حب مجوسية) ذات خصائص أسلوبية تقترب من الخصائص الأسلوبية للرواية الرومانسية، بحسب اصطلاح تودوروف، فهي رواية تتصف بـ(التحليقات الغنائية، والخواطر المجردة). ويمكن أن نلحظ أن الراوي نفسه في هذه الرواية يتمتع بهذه الخصائص الأسلوبية، فهو شخصية رومانسية تحلّق عالياً برغباتها، ولا تكترث بالتعارض الذي ينتج عن تلبية هذه الرغبات.

(1) قصة حبّ مجوسية ــ عبد الرحمن منيف ــ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ــ بيروت ــ ط5 ــ 1990ـ ص33

http://www.nadyelfikr.com
01-05-2008 10:30 PM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #3
عبدالرحمن منيف رفض نشرها في حياته فصدرت بعد وفاته: «أم النذور» رواية مجهولة تسرد سيرة الطفولة

http://www.nadyelfikr.com
01-05-2008 10:33 PM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #4
عبدالرحمن منيف رفض نشرها في حياته فصدرت بعد وفاته: «أم النذور» رواية مجهولة تسرد سيرة الطفولة
عبد الرحمن منيف في مطار الرياض

GMT 21:00:00 2008 الأربعاء 25 يونيو

فهد الشقيران



--------------------------------------------------------------------------------


فهد الشقيران من الرياض: عبد الرحمن إبراهيم المنيف أشهر روائي سعودي، ولد في مدينة بريدة أحد مدن منطقة القصيم شمال الرياض 360 كيلو متر ولد في عام 1933 وتوفي عام 2004 ويصنّف على أنه من رموز الرواية العربية في القرن العشرين، واستطاع في رواياته أن يدخل الحياة السياسية والاجتماعية العربية عامةً والسعودية بشكلٍ خاص في النص الأدبي على طريقة "غولدمان" النظرية التي تعزو الرواية إلى "سسوسيولوجيا اجتماعية"، فروايته مدن الملح التي طبعت في خمسة أجزاء ضخمة كانت بحق تحكي عن بنى وعلاقات فصّلها بشكلٍ باهر، كما تحكي بإسهاب عن شرارة الاحتكاك التي انفعلت في المجتمع الصحراوي السعودي مع اكتشاف النفط، وكم كان للنفط الكثير من التأثير على كتاباته ومقالاته الأدبية والفكرية، فهو بالأساس "خبير بترول" وعمل في العديد من شركات النفط وكان "النفط" ومستقبله هو الهاجس الذي يحرك حواراته الفكرية وبعض أعماله الأدبية، وهو آخر العمالقة الذين ناقشوا أثر النفط على المجتمع الخليجي، ولا ننسى أيضاً كتابات الكاتب السعودي عبد الله بن علي القصيمي وهو من نفس موطن منيف حيث ولد في بريدة أيضاً حيث رصدا بدقة آثار هذا المارد على البنية الاجتماعية والاقتصادية والفكرية السعودية.
كما حدث نفور بينه وبين الحكومة السعودية سحبت على إثْرها الجنسية السعودية منه وذلك عام 1963 غير أن السعودية حاولت المملكة -وفي أواخر أيامه- أن تقنعه بالمجيء من دمشق إلى الرياض وطمْأنتْه ولكنه عدل عن المجيء، وبعد وفاته أمر الملك عبد الله بن عبد العزيز بدفنه في السعودية، غير أنه رغب في وصيته أن يدفن حيث توفي في سوريا، تدرّس بعض رواياته في بعض الأقسام الاجتماعية في الجامعات العالمية، وهو من أشد المناوئين للنظام الأمريكي وللتطرف الديني وللامبريالية العالمية وللصهيونية، فقد كان مناضلاً ضد أفكاره الحديدية التي لم يتزحزح عنها جراء قناعة تحجّرت حول بعض الموضوعات السياسية الصلبة والتي لم تهزمها تجاعيد الزمن وغبار السنين، ترجمت روايات إلى (15) لغة عالمية.
بعد أن كانت كتب عبد الرحمن منيف ممنوعة في السعودية كغيرها من الروايات الجريئة العربية، لفت نظري توفر هذه الروايات في "كشك الكتب" الموجود في مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ضمن الكتب القليلة التي تباع فيها، هذا فضلاً عن توفر رواياته في بعض المكتبات الأساسية في الرياض، باستثناء "مدن الملح" والتي يدخل فيها بقضايا ترى مؤسسات الرقابة أنها شائكة وصعبة الفسح، غير أن كتابه الجديد 2007 "إعادة رسم الخرائط"- والذي تضمّن كتابات سياسية له نشرها في جريدة السفير اللبنانية- توفر في المكتبات وقد لقي رواجاً هائلاً في بلد هو الأكثر استهلاكاً للكتب وأعني به السعودية، وهو أكبر سوق كتاب عربي وفق إحصائية تابعة للجان في جامعة الدول العربية، ولا عجب فهذا البلد الناشيء يضم طبقة شبابية تشكّل أكثر من 60% من السكان، كما تشهد السعودية خصوبة روائية وفكرية بين الشباب والفتيات، وكأن ناقوس إعلان النهاية يدقّ مؤذناً بخفوت عصر الرواج للخرافيات والأساطير والأباطيل والتي سادت منذ الثمانينات وحتى أوائل التسعينات.
في كتابه الجديد "إعادة رسم الخرائط" يتناول عبد الرحمن منيف الحالة العربية مبتدئاً بأحداث 11 سبتمبر التي رأى أنها بوابة استغلتْها الولايات المتحدة لتمرير مشروعها الأساسي وهو يتمثل بـ"الانتقام" من اتفاقية سايكس بيكو والتي قسّمت الدول وفق مساحات لم تعد تعجبها، الأمر الذي شرّع لها زرع الفوضى في المنطقة عبر خوض العديد من الحروب، كما علق على التقرير الأمريكي الذي رأى أن مستقبل العرب عناوينه الكبر تتمثل في "البطالة، والإرهاب، والأصولية" وأنها هي صورة العرب التي ستسيطر في عام 2015 وذلك في مقالة عنونها بـ"صورة العرب بريشة المخابرات المركزية" وهي مقالة ضمنها قراءة للتقرير الأمريكي والذي تحدث عن "ضغوط ديمغرافية" جمة ستواجه العرب في ظل ازدياد سكاني غير متلائم مع التطور والإمكانيات وفرص العمل المتاحة، وفي التقرير أن العرب في عام 2015 سيتحولون إلى مجرد عصابات من الشباب العاطل المستعد للتطرف والإرهاب، وقد وصف منيف هذا التقرير إنه يحمل مظاهر موضوعية.
ولمناسبة ترشح هيلاري كليتون لنفسها في الانتخابات الأمريكية الحالية، من المهم الوقوف عند مقالة منيف "هيلاري بين الماضي والمستقبل" حيث تضمنت كتابته معلومة أساسية، وهي أن أطروحة هيلاري الجامعية عام 1969 كانت عن "اليسار الراديكالي" وتحدثت فيها عن الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه اليسار للارتقاء بالمجتمع!! ويسأل منيف عن سبب تغييب هذه الرسالة طيلة تلك السنوات؟ فيجيب: (الأطروحة أخفيت بشكل متعمد حين بدأت هيلاري في ارتقاء سلالم المجد والشهرة، إلى جانب زوجها، كلينتون، أولاً في أن يكون حاكم ولاية أركنسو ثم في الاستعداد للوصول إلى البيت الأبيض، وكان من الضرورات لتحقيق هذا الطموح، إبعاد أية شبهة لها صلة باليسار سواء كانت متعلقة به شخصياً أو بأي واحد من فريقه، ومن باب أولى زوجته) ورأى منيف أن إخفاء رسالتها سهّل له-بيل كلينتون- (الوصول إلى منصب حاكم الولاية ثم البيت الأبيض).
في الكتاب أيضاً كتابات عن اليسار الإسرائيلي، الإرهاب وأمريكا، العرب وأمريكا، البحث العلمي، حوارات من أجل تجديد العمل السياسي، هذا هو كتاب عبد الرحمن منيف "إعادة رسم الخرائط" الذي يقع في 198 صفحة وهو الكتاب الأول الذي يصدر ويباع في السعودية ويحتفى به كأحد الكتاب السعوديين، هذا مع العلم أن جنايات كبيرة ارتكبها بعض الأدباء ضده، أبرزها أن (موسوعة الأدباء السعوديين) الضخمة لم تعرج على ذكر منيف بأي شكلٍ من الأشكال، ولم تتطرق إلى ذكره أبداً، ولم يترجمْ له في تلك الموسوعة، فقد واجه أشدّ النكران وأوقحها حينما يأتي التجاهل من "القريب" وقد حدثني صديق هاتفه في عام 2002 أن منيف لديه حنين شديد إلى السعودية التي ولد فيها وعاش فيها زهرة عمره، قبل أن ينتقل إلى فرنسا وبلغراد والأردن والعراق ولبنان إلى أن تزوج من امرأة سورية عاش معها بقية حياته وكانت آخر مواقفه معارضته الشديدة لغزو العراق 2003 مع أنه من المعارضين لنظام صدام حسين، وكان آخر ظهورٍ إعلامي له على قناة "العربية"، أما آخر الممارسات الوقحة التي وجهت إلى منيف كانت بعد وفاته بسنوات، وتحديداً في 20-5-2007 حينما نشر موقع "العربية نت" خبراً جاء فيه "أن قبر منيف تعرض للهدم الجزئي" من قبل أشخاص مجهولين، إلا أن أرملته نفت أي دوافع سياسية أو أيديولوجية للتصرف ورأت أيضاً أن فاعلها يريد أن يجرّها لاتهام السعودية بهذا العمل وقالت: "هذه أذية لي لكي أتهم السعودية. وحاول البعض الإشارة إلى أن السعودية وراء ذلك وأنا لا أتهم السعودية أبدا، فهي لا تقوم بهذه الأمور، كما أنها حاورته وسمحت بكتبه" ومن المرجح أن جهات سورية أرادت إحراج السعودية بهذه الفعْلة التافهة.

http://www.nadyelfikr.com
06-26-2008 10:30 AM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الغريكو2 غير متصل
عضو مشارك
**

المشاركات : 30
الإنتساب : Jan 2006
مشاركات : #5
عبدالرحمن منيف رفض نشرها في حياته فصدرت بعد وفاته: «أم النذور» رواية مجهولة تسرد سيرة الطفولة
لا ادري و لكنني قرأت مرة ان عبد الرحمن منيف من العراق و تعلم في الاردن و في خريف عمره كان في سوريا وهو كان احد اعضاء القيادة القومبة
لحزب البعث العربي الاشتراكي هذا بالنسبة لمكان ولادته و ربما انا مخطيء اما سيرته السياسية فانا متاكد فقد كان عروبيا قوميا و يشهد الجميع له بنظافته
و خلقه ومن عنده معلومات تاكيديه اتمنى ان يخبرنا بها
ف عبد الرحمن منيف هو نيقوس كازانتاكس الرواية العربية و ان كان محيطه العالم العربي فقط فهو قامة عالية لايضاهيها سوى حنا مينا و سعد الله ونوس
08-20-2008 10:01 PM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #6
RE: عبدالرحمن منيف رفض نشرها في حياته فصدرت بعد وفاته: «أم النذور» رواية مجهولة تسرد سيرة الطفولة
عبدالرحمن منيف.. وروايته الأولي التي لم تنشر في حياته

في عام 1970 كتب عبد الرحمن منيف رواية ام النذور مع الأعمال الأخري التي هي: (الاشجار واغتيال مرزوق، قصة حب مجوسية، حين تركنا الجسر، وشرق المتوسك) ولكن أم النذور لم يحالفها الحظ لتنشر في ذلك الوقت وبقيت تؤجل مرة بعد أخري، الي ان أعاد قراءتها في الفترة الأخيرة دون أي تعديل او ملاحظة عازما علي نشرها، لكن... كان الموت أسبق من أم النذور . واليوم وبعد مرور أكثر من عام علي وفاة الروائي الكبير تصدر رواية ام النذور عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر تحمل سيرة من طفولته والتي هي أول أعماله التي كتبها لكن كانت الأخيرة التي تنشر وأفرغ فيها ذلك الحزن الدفين وقلق الموت والحياة بالنسبة لعالم الصغار.
أم النذور رواية ذلك الطفل في مواجهته الأولي مع الحياة خارج منزله وعالم الكتّاب حيث الشيخ زكي يعلم الأطفال وأداته الأساسية في التعليم هي العصاة التي يضرب بها بحجة التأديب والتعليم.الطفل الذي يسمع من اخوته الكبار عن ارهاب الشيخ زكي والذي يقول له الأهالي عند تسجيل كل طالب اللحم لك والعظام لنا :عندما دخلنا الي الكتّاب تدحرج الشيخ زكي نحونا، تدحرج مثل كرة الابتسامة تسبقه وبعد أحاديث لم أفهم إلا جزءا منها أمسكني أبي من أذني وجرني قليلا وهو يقول للشيخ:- مثل اخوته. اللحم لك والعظام لنا. هذه الكلمات التي تسبب لطفل قلقا وهاجسا تجعله يفكر ان يستعين بأم النذور الشجرة التي يعتبرها الناس في القرية مباركة وتحقق الأمنيات. أم النذور، هذه الشجرة المقدسة، حتي الآن اذا جلست النسوة في باحات البيوت، ايام الصيف والخريف وهبت ريح من جهة الغرب حاملة معها رائحة الرطوبة تتنسم كل امرأة رائحة أم النذور وتغمض عينيها وتتمني .
فكرت في الليل ان أنهض من فراشي لأضع خرقة في أعلي مكان من النذور، وأطلب الي الشيخ مجيب ان يمنع الشيخ زكي من ضربي. وتمنيت لو أمرض. او لو يمرض الشيخ. ثم تجرأت وقلت لو يموت .هذا الخوف الذي يستبد بالطفل سامح منذ دخوله الكتّاب ويجعله طفلا قلقا يطرح اسئلة وجودية في داخله وتحاصره الكوابيس وعصا الشيخ زكي وشتائمه: أسود.. يا أسود، وأنت يا ابن الداية، آه منك يا خنزير، أين هو ابن الأغا ؟ أنتم خنازير..... .ذلك الخوف الذي يجعل الجميع خاضعين لقوي الأساطير ولأوهام تجعلهم عاجزين عن المواجهة فيتحولون مثل أمه الخاضعة لوالده، كما لتلك المرأة التي تكتب الرقي او تحضر الأدوية المرة كالعلقم يرفضها الطفل بفطرته الصافية ويتمرد علي قوانين العادات والموروث ويدافع عن نفسه أمام الشيخ بل ويتجرأ ويشتمه ويضربه: كانت أفكاري مضطربة وقلبي يرتجف وفجأة وجدت نفسي اقف دون أن أفكر، وقفت ثم صرخت :
- لن تضربني، أبوك لن يضربني. أنا لم أقف. سامي لم يقف، لم يقف أحد، هذا كذاب، نحن لم نر اليماني، لن تضربني!. ولم يمهلني الشيخ، سمعت صوته يندلق علي مثل الرصاص:
- أخرس يا كلب، يا جرو أعور، سأدق عظامك، سأربيك اذا كان أهلك قد أساءوا تربيتك تعال !.وتقدم نحوي خطوتين..وقفت، كانت قبضتي تمسك بيت الجزو بشدة وفجأة وجدتني اصرخ: - لن تضربني، لو مت لن تضربني.. هكذا يواجه الطفل سامح جبروت الشيخ زكي ويرفض ظلمه وتسلطه وعناد والده ورفضه دخول المدرسة لأن الكتّاب برأيه أفضل.
تقول السيدة سعاد منيف زوجة عبدالرحمن كما كتب عبد الرحمن عن كتابه سيرة مدينة انه ليس سيرة ذاتية لكاتبه وان تقاطعت السيرتان بسرعة وجزئيا وفي بعض المحطات .
كذلك أم النذور، وأن التقت وتقاطعت ببعض الرؤي والصور التي اختزنها الطفل وسمع عنها، في سنيه الأولي، وفي محيط الكبار وممارستهم.
كتبت “أم النذور” في ،1970 ولم تنشر سوى في ،2005 بمعنى آخر ان مجموعة من نتاجات الراحل “عبد الرحمن منيف” وجدت طريقها الى التداول والتلقي، في حين تم تأجيل نشر “أم النذور”.. والملاحظ أن العديد من الكتابات العربية والعالمية خضعت للواقع نفسه، وهو ما لا يمكن أن يفسر الا من طرف المبدع أو الكاتب ذاته.. الا أننا بخصوص “أم النذور” يمكننا اعمال نوع من التفكير والتأويل، في محاولة لطرح المسوغات الأساس لتأجيل النشر، اذا ما ألمحنا لكون زوجة الراحل السيدة “سعاد منيف” أشارت في كلمة تقديمية موجزة، الى أن “منيف” كان عزم على نشر النص قبل وفاته، دون أي تعديل.

ان اعمال التفكير والتأويل كما سلف يرتبط بطبيعة المرحلة ثقافيا وفكريا، ذلك أن ما طبع فترة السبعينات من غليان سياسي، الى مصادرة الحريات، وفاعلية الحركات التقدمية، ألزم باقرار النصوص المواكبة للمرحلة، ذلك وجدت “شرق المتوسط” و”الأشجار واغتيال مروزق” قوة تلقيها، دون أن تحظى بذلك “قصة حب مجوسية” والأمر ذاته ينسحب على “شرق المتوسط ثانية”، علما بأن “منيف من الروائيين العرب الذين تخولهم صنعة الرواية، امكانات الابداع والانتاج مهما كانت قيمة المادة المتوفرة، فنص “أم النذور” لا ينطبع بخاصات المرحلة، ولذلك في تصوري تم تأجيل نشره. ومن ناحية ثانية، فاذا كان النص وليد السبعينات، فيندرج في باب السيرة الذاتية المحددة في مرحلة زمنية بعينها، واللافت أن العديد من الروائيين العرب أسسوا منطلقات القول الروائي من السيرة الذاتية، أو من توظيف عناصر ذاتية في الكتابة الروائية، مما يدعى اليوم ب “التخييل الذاتي”، أو من الغفل عن التحديد الأجناسي خوفا من الأوساط الاجتماعية التي يعيشون فيها.
* نشر الرواية
نشرت “أم النذور” غفلا عن التحديد الأجناسي، ولئن كانت أكثر من قرينة توحي بأن المعنى المنتج في هذه التجربة ذاتي صرف. واذا كان نص “عمان: سيرة مدينة” من النصوص التي تتداخل فيها سيرتان: سيرة المدينة وسيرة الكاتب، بحكم أن لا قيمة للفضاء في غياب من يشغله فان أفق التلقي الراهن يفترض التأسيس للقراءة الواعية من “أم النذور” بداية، وانتهاءا ب:
“عمان: سيرة مدينة”، مع العلم بأنه قد تكون ل “منيف” تجربة أخرى في هذا المسار لم يعلن عنها بعد.
هذا التأسيس يفضي الى تشكيل صورة عن الكاتب وتجربته في الوجود والحياة، خاصة أن الحقبة الزمنية المركز عليها في “أم النذور” هي الطفولة أصلا: من الولادة الى النشأة فالتمرد على الكتاب والالتحاق بالمدرسة. ومن الممكن أن يكون عبدالرحمن منيف، رسم لسيرته الذاتية تصورا تتكامل في ضوئه تفاصيلها مثلما حدث ل “جبرا ابراهيم جبرا” و”سليم بركات” بعيدا عن أن تفوتنا الاشارة الى كون جورجي أمادو حصر سيرته الذاتية فقط في مرحلة الطفولة، حيث وسمها ب “طفل من حقول الكاكاو”.

بيد أن النص الغائب في “أم النذور”: “الأيام” لطه حسين..ذلك أن القراءة المقارنة وبخاصة للجزء الأول تقود الى حصيلة من الاستنتاجات الدالة عن كون “أم النذور” كتبت تحت تأثير “الأيام”.. فمعاناة الطفولة الى أسئلة الحياة والموت، والتمرد على شيوخ الكتاب، قواسم مشتركة بين “الأيام” في جزئها الأول و”أم النذور”. وثمة أكثر من نص سيرة ذاتي يحاور “الأيام” بتمثلها “في الطفولة “عبدالمجيد بنجلون” أو بابداء موقف منها “أوراق” عبد الله العروي.
الاشارة الى كونه يمثل سيرة للطفولة، بعيدا عن الغفل الذي من شأنه خلق التباسات في سياق عملية التلقي.
*”أم النذور : رمزية الشجرة
تتشكل “أم النذور” من فصول تمتد من: 1 الى: ،17 يضعنا الفصل الأول أساسا أمام مشهد وصفي يحيل إلى الفضاء حيث مجرى الأحداث والوقائع، والملاحظ أن التحديد الدقيق بالاسم ينتفي عن الفصل والنص في شموليته، فالسرد في هذا الاستهلال يتعلق ب: الأشجار، النهر، الأزقة، الكتاب والشيوخ.. وهو ما يشير الى أن الأحداث بقدر ما ترتبط بوسط حضري فان الطابع القروي أهم علاماته.
“كانت أشجر الدلب الكبيرة تقوم على طرف زقاق
الشيخ مجيب، الى جانب النهر في أقصى الغرب، وكانت
بمكانها ذاك تحدد المدينة من هذه الجهة ..” (ص/5)
ان العنوان الذي وسم به النص السيرة يرتبط بالعلامات السابقة، حيث يقع التركيز على رمزية الشجرة متمثلة في “أم النذور” ..فدلالة الشجرة الى الأم تتحدد في العطاء: من الثمار الى الوقاية والشفاء..لذلك يلجأ اليها للتندر بتعليق الخرق.
فالعنوان في ضوء هذا، يدل وبعمق عن نوعية التفكير المهيمنة في الوسط الاجتماعي، والتي يسهم الشيوخ والفقهاء في انتاجها، وهي نوعية مميزة بالخرافي والأسطوري، كأن “أم النذور” سيرة ترصد نواة انبثاق الوعي في المجتمع العربي، وما يتطلبه من روح تمردية على ذلك، وفق ما تمثل في شخصية الطفل “سامح”:
“ يقول كثيرون ان الشجرة كانت تحمل ثمرا.. ويقولون ان
الشيخ لم يأكل الا من ثمرها، ويضيف أناس آخرون أنه منذ
السنة التي مات فيها الشيخ لم تعد تثمر، ويفسرون ذلك بأن
الشجرة حزنت وتحول ثمرها الى الداخل، الى جذورها، التي
تمتد بعيدا حتى تصل الى القبر داخل التكية” (ص/13)
ويشكل الكتاب ومن خلفه الشيخ، النواة الأساسية للرفض ..ذلك لأن الصورة التي تشكلت في ذهن “ الفتى / سامح “ منذ البداية، كون الكتاب مؤسسة للعقاب، وليس التعليم والمعرفة.. من ثم نشأ الوعي الرافض لهذه المؤسسة الذي يعد في الأساس وعيا رافضا للشيخ، كما أساليبه في الممارسة التعليمية، القائمة على الزجر والردع والاهانة. واذا كان الأب مثل الوسيط بين الشيخ والكتاب، فإن صورته تخلخلت في وعي الفتى، وهو يرى الى والده يحرض الشيخ على تعنيف ابنه وكأن لا فرق بين الصورتين : صورة الشيخ والأب .. انهما معا نتاج مجتمع ذكوري تقليدي يسهم في احباط الآخر كما ردم مسافة الحوار الفاعل والمنتج :
“ مثل اخوته ..اللحم لك والعظام لنا ..” (ص/24)
“ الله يخزيك يا مهبول يا ذيل الأفعى، أنت
قصبة فارغة، أنت حمار وأجرب، حتى
حمار السقا أفلح منك” (ص/43)
هذه الصورة نتاج المواجهة والرفض ستخلق في الفتى شخصية أخرى، شخصية ستلوذ الى الاحتماء بالأسطوري الخرافي مجسدا في “ أم النذور “بحثا عن الانتقام من الشيخ ..هنا نتدرج نحو نقلة ثانية، نقلة تساؤلية عن جدوى هذه الشجرة المكللة بالخرق ..انها نقلة وعي هدفها اختبار وامتحان السائد على أرضية الواقع:
“فكر في أم النذور، وانتابه الحزن .. أين خرقه
وماذا فعلت ؟” (ص/134)
ان اختبار الجدوى والفاعلية سيقود الى رفض آخر يرتبط بالعائلة ..هذه ممثلة في: الأب، الأم والاخوة.. بمعنى آخر رفض مؤسسة الأسرة، مادامت تساند شخصية “الشيخ زكي” في توجهاته..
من تم ستأتي لحظة الافراغ والتطهير، حيث يثير الفتى أسئلة تفوق وعيه وادراكه، ملتمسا من الأم اجابات دقيقة عنها:
“ما معنى أن يموت الانسان؟” ( ص/59)
“ أمي .. من خلق الله؟” (ص/104)
واذا كان الفتى رسم صورة عن الشيخ مستقبحة، فإنه يعمل النظر في تجديد صورة الأب، وكأن خاصاته من خاصاته وميزاته.. الشيء الذي ينم عن جذور مرجعية ثقافية فكرية موروثة عن الأب:
“كان أبي يحب التفكير والتأمل ..كان يستغرق في
التفكير فترات طويلة، ولكن ملامح وجهه لا تتغير
أبدا..انها ثابتة حازمة أغلب الأحيان ..ومن صفات
أبي أنه يحب الأمثال والحكمة ويحفظ منها الكثير”. ( ص/87)
اذا كان الكتاب والشيخ كما سلف النواة الأساس للرفض، رفض ما درج التعليم عليه سابقا فإن التغير والتحول التربوي الاجتماعي يتجسدان في الرغبة في الانتقال الى المدرسة باعتبارها البديل الحق للكتاب، واقتداء بما ينجزه الخال لأبنائه : أي من مؤسسة لتوليد العنف، الى ثانية قائمة على الحوار والتسامح والتعليم المنتج:
“ خالتي، لا أريد أن أذهب الى الكتاب، أريد
أن أذهب الى المدرسة ..” (ص/155)
“ اذن أذهب الى المدرسة..” (ص/204)
ان “أم النذور”، وبقدر ما ترسم سيرة طفولة “سامح”، تجسد واقع التعليم في العالم العربي.
من الكتاب حيث هيمنة الدرس الفقهي الديني مجسدا في مجتمع الشيوخ (على تناقضاتهم)، الى التحول نحو المدرسة بما هي المؤسسة البديل المنتجة لوعي مغاير ومفارق .. وتم انبثاق أفق التنوير.
من ناحية أخرى، فالسيرة تعكس مدى قوة شخصية الفتى التي كان الكل في حاجة اليها لتشكيل مجتمع آخر، مجتمع متحرر من الفكر الغيبي الأسطوري، نحو عقلانية موضوعية لا تزال مأمولة الى اليوم.
“أم النذور”: وعي المرحلة وطبيعة الكتابة
اقتضت طبيعة المرحلة كما ورد في التقديم تأجيل فكرة نشر “أم النذور” اذا ما ألمحنا لكون الآثار الروائية للراحل عبد الرحمن منيف نحت المسار الذي اقتضته المرحلة، وهو مطبوع بالروح الجمعية التي درج المجتمع العربي عليها تكوينا وتحولا، مما يفرض مسايرة التعبير لطبيعة التكوين والتحول، علما بأن نداء الفردية لم يكن عرف السبيل الى المجتمع العربي الموسوم بهاجس المنع والرقابة والحشمة..هذا المقتضى حتم الخوض في كتابة السيرة الذاتية بوعي ميكانيزماتها أثرا وتأثيرا، كما تمرينا على الروائية ..لكن بالغفل عن التحديد كما ذكرنا.
ان القصدية والايهام المعتمد من طرف “عبد الرحمن منيف”، قصد منهما ترسيخ مرحلة زمنية حددت في الطفولة أصلا، بما تحفل به من مخاوف وأحلام وصراعات وطموحات.
رواية ( أم النذور ) للراحل عبدالرحمن منيف
للتوء إنتهيت من قراءة رواية أم النذور للراحل عبدالرحمن منيف

كانت الرواية في الحقيقة رائعة جداً بحق كانت تحكي عن ذلك الطفل الذي تمرد من أجل خروجه من الكتّاب من أجل التحول للدراسة النظامية . ومع تعرض له كذلك من شيخ الكتّاب .

وعن أم النذور تلك الشجرة العتيقه التي يغازلها جميع سكان القرية كهولها وأطفالها ونسائها وبناتها سواء في السر والعلن عندما تقع لهم مشكله أوكارثه أو طلب عون من هذه الشجرة .

وعن التكية والشيخ مجيب . وعن الحاجه نعيمه


أشياء كثيره حوتها تلك الرواية الرائعه . والتي بحق تستحق القراءة وخصوصاً إذا كان كاتبها الفذ الراحل عبدالرحمن منيف .



mankoul

15215

http://www.nadyelfikr.com
(آخر تعديل لهذه المشاركة : 08-20-2010 12:53 AM بواسطة بسام الخوري.)
08-20-2010 12:48 AM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  أبحث عن روافد مع عبد الرحمن منيف بسام الخوري 0 1,305 05-16-2010 11:34 AM
آخر رد: بسام الخوري
  عام على رحيل عبد الرحمن منيف غرامشي 1 2,327 05-18-2005 12:12 AM
آخر رد: نزار عثمان
  عبد الرحمن منيف والعراق بسام الخوري 0 2,118 05-12-2005 04:16 PM
آخر رد: بسام الخوري
  سنة علي رحيل عبد الرحمن منيف: أين هو التاريخ؟ لا أري إلا ركاما من الأكاذيب والافتراءات! بسام الخوري 2 2,556 02-23-2005 01:22 AM
آخر رد: بسام الخوري
  أزمة الحضارة العربية في أدب عبد الرحمن منيف Jupiter 3 3,130 01-06-2005 03:02 PM
آخر رد: منى كريم

التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف