إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
الكاتب الموضوع
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #21
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
أهبط على الدرج الحجري الطويل وسط الزجاج المهشّم .
لاأعرف إن كانت الطوابق السفلى قد أصيبت.
وأتساءل ماذا أفعل لو إنقضّت عليَّ جثة؟
كيف سأحملها؟ولمَن أنقلها؟
ماذا أفعل لو لم أجد أحداً أتحدث إليه،
لمَن أنقل كلامي ومَن يشاطرني صمتي؟
سأصفِّر لحناً..مطلع أغنية من أغاني بيروت المتفجرة من هذه الحرب.
لم تكن بيروت للغناء،ولم يستخدم الشعر اللبناني اسم بيروت
القابل للاستعمال في جميع بحور الشعر.
اسم موسيقى ينساب بسلاسة في قصيدة النثروفي القصيدة...
وماذا أفعل لو لم أجد قطة أداعبها؟
ماذا سأفعل لو لم أجد ما أفعل؟
على الطابق الرابع باب مفتوح.صباح الخير ياأستاذي_
هكذا كنت أخاطبه منذ عشر سنين.في الثمانين من العمر،
وسيم هادئ،كأنه قلب يمشي على قدمين.
رحل من منزله الكائن على خطوط التماس بعدما إنهارت عليه جدرانه الثلاثة،
وأقام في شقتي ستة شهور عندما كنت مختفياً في أوروبا،
ثم أقام في شقة ابنته.
كنت أزوره يومياً وأحمل عنه عبئ الحرب.
وأحمل له الكعكةوالجريدة ،
كان شاعراً مجدداً،ولعله أول مَن كتب قصيدة النثر
ثم توقف عن كتابة الشعر ليتفرغ كلية لمجلته الادبية الشهرية.
كان هو هيئة التحرير والادارة والموزِّع والمصحح...
لم تعادل شكواه من وحشية القصف غير شكواه من الماء وصاحب البناية.

كان يأنس إليَّ والى أحفاده ،كان يتقبَّل زوجته ذات الشخصية الطاغية
بابتسامة اعتذار عن ذنب لم يرتكبه .وحين كان يصرخ من الألم العصيِّ
الذي يسببه إلحاح الطائرات المغيرة:كفى،ماذا تريدون منَّا.
نحن نعرف أنكم اقوى منَّا،ونعرف أنكم تمتلكون طائرات أحدث،
وأسلحة أشد فتكاً.ولكن ماذا تريدون منا...كفىّ ....
كانت زوجته تزجره:دعهم....وشأنهم عايزين يضربوا الفلسطينيين.
وكنت أمازحه لأقطع تيار الحرج المكهرب حقاً،لماذا تعرقل عمل الطيارين؟
فيضحك،وهي لاتضحك.كانت في داخلها التربوي المعادي لما هو خارج طائفتها
تحتفل بالخدمة المجانية التي يقدمها الاسرائيليون لبطل أحلامها الوحيد:بشير الجميَّل،
كانت تعتقد أن هذه الحرب مجرد تطوُّع اسرائيلي لتنظيف لبنان من الغرباء والمسلمين،
وحين ستنتهي بوصول بطل أحلامها إلى رئاسة الجمهورية،
وبخروج الغرباء من لبنان،سيعود الاسرائيليون من حيث جاؤوا دون أن يحصلوا على أي أجر.
كان في وسعك أن تجادلها في سيرة السيد المسيح والسيدة مريم العذراء
ورسائل بولس دون أن تنفعل
أما البشير،فتحيط اسمه بحزام التابوت المقدس.ياسيدة لبنان احفظيه لنا!!
ومع ذلك لم أكنُّ لها العداء بل الاحساس بالشفقة على ما قطَعَته من اشواط الوهم ورفض الآخر.
ولم أحمل لها الضغينة،بل حملت لها ما أجده لدى الباعة ومن خبزوعنب.
فأمام مثل هذا الانغلاق الصلب والتشكُّل النهائي تتوقف محاولات الاقناع.
وعبثاًحاول الاستاذ ذوالماضي العلماني أن يُقْنِعها أنَّ الاسرائيليين لا يحبون
لبنان ولا يدافعون عن لبنان،وأن صاروخاً واحداً من طائراتهم سيحولنا نحن
الموارنة والمسلمين الى كَفْتة،وهي،هي المحصنة بقناعاتها النهائية،تحب المناقشة العقيمة
ويسألني الاستاذ رأيي ليساعدني عليها،فأتجنب الاستفزاز وما قد تغدقه عليَّ من باطن،
قائلاً:ليست تلك مشكلتي،فتُحرِّك هي الماء الراكد بقولها:إذن ماهي مشكلتك؟
أناور قائلاً:مشكلتي هي أن أعرف ما مشكلتي.
وفي المناسبة،هل أفرج صاحب البناية عن الماء؟
تقول:لا تتهرب مما نحن فيه،أنت تعرف أن لامشكلة بين الموارنة واليهود
أقول:لاأعرف ذلك.
تقول أنت تعرف أننا حلفاء.

"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:16 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #22
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
اقول:لا أعرف
تقول:إذن ماذا تعرف؟
أقول:أعرف أن للماء طعما ولونا ورائحة
تقول:لماذا لا تذهبون الى بلادكم وتنتهي المشكلة؟
اقول:هكذا ببساطة نعودالى بلادنا وتنتهي المشكلة؟
تقول:نعم/أقول:ألا تعرفين أنهم لايسمحون لنا بالذهاب الى بلادنا؟
تقول :إذن حاربوهم/أقول:ها نحن نحاربهم،ألسنا في حالة حرب؟
تقول:أنتم تحاربون لتبقوا هنا ولا تحاربون لتعودوا.
أقول:كي نعود الى هناك،لابد أن من نكون في مكان ما،فالعائد ...إن عاد...لا يعود من عدم.
تقول:لماذا لا تقيمون في البلاد العربية وتحاربوهم.
أقول:قالوا لنا ما تقولينه الآن.طردونا،
وها نحن نقاتل هنا مع اللبنانيين دفاعاً عن بيروت،ودفاعا عن وجودنا.
تقول:حربكم بلا هدف ولا توصِل الى نتيجة.
أقول:قد لاتوصل الى نتيجة ولكن هدفها هو الدفاع عن النفس.
تقول:عليكم أن تخرجوا من هنا.
اقول:لقد وافقنا على الخروج.سنخرج.وهاهم يمنعونا من
الخروج ولكن ألا يعنيك الى أين سنخرج؟
تقول:لا يعنيني/وارتفع من الراديو صوت فيروز:بحبك يا لبنان.
ارتفع من اذاعتين متحاربتين،
قلت:ألا تحبين هذه الأغنية/قالت:أحبها:وأنت؟
قلت أحبها كثيرا،وتوجعني.
قالت:بأي حق تحبها؟ألا ترى الى أي حد تماديتم.
قلت:إنها أغنية جميلة..ولبنان جميلة.وهذا كل مافي الأمر.
قالت:عليك أن تحب القدس،
قلت:احب القدس،والاسرائيليون يحبون القدس ويغنون لها،
وأنت تحبين القدس وفيروز تغني للقدس وريكاردوس أحب القدس.
قالت:لا...أنا لاأحب القدس.


"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:17 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #23
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
الشارع.الساعة السابعة صباحا,الأفق بيضة ضخمة من فولاذ.
لِمَن اقدِّم صمتي البريئ.صار الشارع أعرض.
أمشي على مهل وأمشي على مهل وأمشي على مهل
كي لا تخطئني طائرة.يفتح العدم أشداقه ولا يبتلعني.
أسير بلا هدف كأنني أتعرَّف على هذه الشوارع للمرة الاولى،
وكأنني أسير عليها للمرة الأخيرة.
وداع من طرف واحد،أنا المشيِّع والمشَّيع،لو قطة...لو أجد قطة،
لا حزن،لافرح،لا بداية،لا نهاية،لا غضب،لارضا،لا ذكرى،
لا حلم،لا سلام،لاماض،لا غد،لا صوت،لا صمت،لا حرب،لا حياة،لا موت،
لا...لا،تزوج الموج طحلب الصخرة على شاطئ بعيد
وخرجت للتو من هذا الزواج الذي دام مليون سنة،
خرجت للتو فلم أعرف أين أنا.لم أعرف مَن أنا..
لم أعرف ما اسمي،ما اسم هذا المكان.
لم أعرف أن في وسعي أن أمتشق ضلعاً من ضلوعي لأجد فيه حواراً لهذا السكون المطلق.
ما اسمي،مَن سمًّاني،مَن سيسميني:آدم!!

أسير وسط الشارع تماماً،ولايهمني أين أعرف الى أين انا سائر،
وكأنني في سرنمة.لا أخرج من شيئ ولاأدخل في شيئ.
ولكن هدير هواجسي المتلاطمة يعلو على هدير طائرات لاأكترث بها.
لم نفهم لبنان.لم نفهمه أبدا،ولن نفهم لبنان،ولن نفهمه أبداً.
لم نر من لبنان غير صورتنا على وجه الحجر المصقول ،
مُخيَّلة تُعيد خلق العالم على شاكلتها،
لا لأنها واهمة بل لأنها في حاجة الى أن تضع للخيال موطء قدم.
شيئ من صناعة الفيديو:نكتب القصة والسيناريو والحوار
ونوزِّع الأدوار دون أن ننتبه الى أننا الموزَّعون في أدوار.
وحين ننظر الى وجوهنا ودمنا على الشاشة،نُصفِّق للصورة
ناسن أنها من صناعتنا وما إن يتحول الانتاج الى اعادة إنتاج
حتى يصدَّق الآخر هو الذي يشير إلينا.

هل كان بمقدورنا أن نرى بشكل آخر غير ما يُسهِّل علينا تأليب الواقع على ماديته؟
بنيتنا التحتية هي المعنويات،
ماركس واقفا على قدميه مُعيداً هيغل للوقوف على قدميه بأدوات ميكافيللي
الذي أسلم على باب خيمة من خيام صلاح الدين،
ألأنَّ لبنان هو هكذا يستعصي على الدراسةوالإدراك؟
أم لأننا لا نملك من أدوات معرفة لبنان غير الطريقة في التوفيق؟
لا أتورَّط بالإجابة بقدر ما أزجُّ نفسي في حيرة:لا أحد يفهم لبنان،
لاأصحابه المجازيون ولا صُنَّاعه،لا مدمروه ولا بُناته،لا حلفاؤه ولا أصدقاؤه،
لا الداخلون ولا الخارجون،
ألأنَّ الواقع المُفكَّك لا يُدرَك،أم لأن الوعي المفكك لا يُدرِك؟
ولاأريد جواباً صحيحا بقدر ما اريد سؤالاً صحيحا،
لم نرى من لبنان غير اللغة التي تُشيع فينا غريزة الوجود،
وعلاقة قربى رفعها الى مستوى الخطاب القومي ذلك المصري الكبير
عبد الناصر الذي خاطب في سكان هذه القارة المتحولة الى فيسفاء حاسَّة الغياب المرهفة،
وسمَّى من النهر ضفافا تُخفي ما في النهر من وَحْل،وطوائف،
ونفايات الصليبيين التي كانت تُجدِّد حياتها في هدوء الظلام،خلف
دوي الخطاب....الى أن انكسر الخطاب فتقدمت بخطابها شبه المشترك.

فيديو....
أن نرى ما تريحنا رؤيته،في لحظة يتحول فيها شريط حياتنا إلى هذه الرؤية،
المتحدرة من الخطاب الكبير،في محاولة لتحويلها الى وعد تراجع عن الوعي
فصار ممثلوا الأغلبية أقلية محاصرة

فيديو...
لأن الزمن ليس زمن أنبياء :تتحول فيه العزلة إلى بوصلة صواب،
والأقلية المترسبة من مشروع الأكثرية إلى هداية.....

فيديو.....
لأن حزيران المصنوع ليكون الفكرة العربية لا تحيله الأنظمة المشاركة في صناعته،
الى انتقام الشارع ليكون بداية البديل،بل لامتصاص ما ينبغي امتصاصه من غضب لا يُرَّد،
تُجري أثناءه الأنظمة عملية تثبيت انعطافها نحو الفكرة الاقليمية،والفكرة الطائفية.

وفيديو...
لأن سقوط المركز بالتوقيع على معاهدة تضمن نهاية الحروب،
يأذن بهجوم الأطراف على مركز الموضوع،
ونقله من موضوع دعوة الى موضوع انشقاق وفتنة.

وفيديو...
لأن اقتسام الساحل والجبل بين العرب والافرنج،في هذه الشروط المعاصرة
لا يرمي الى ضمان احتفاظ العرب بما تبًّقى لهم من قلاع ومدى،لمواصلة الصراع،
بل يرمي الى منح العدو هدنة توفر له امكانية تأسيس نماذج كفيلة بانتقاله
من استثناء الى قاعدة .

فيديو...
لأن هذا الضلع المكسور مطلوب للمحاكمة بتهمة الاعتداء على راحة العروش
بترويج كلمات ممنوعة التداول في الأوساط العربية:
امرأة،معارضة،أحزاب،كتاب،برلمان،حرية،ديمقراطية،شيوعية،علمانية..

فيديو..
لأن فلسطين تتطور من وطن الى شعار ليس للتطبيق،
بل للتعليق على الأحداث ولتزويق خطاب الانقلاب،
وحلِّ الأحزاب،ومنع زراعة القمح،
واستبدال الكدح بالربح السريع،
والى تطوير صناعة الانقلاب الثقيلة منها والخفيفة،
الى أن يُعقَد القِران على آخر حفيدات الخليفة..


"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:20 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #24
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
وعلى الحدود تُعلن الحرب على الحدود
لذلك كان علينا أن نرى من لبنان غير ما رأيناه من صناعة الأمل،
وجه البطولة الساطع المتفجر من المدافعين عن بأسهم العظيم أمام
أمل الصَدَفة المنغلقة ومن هجوم بحر الصحراء على جزيرة الروح الصغيرة.
أسماء الأمكنة تضيق وتنكمش.
من الوطن الممتد من المحيط الى الخليج الى ما هو أضيق:
شرم الشيخ،جبل الشيخ،الضفة الغربية لنهر الأردن،مدرسة البنات في نابلس،
حارة السجعية في غزة،غاليري سمعان،شارع أسعد سعد في بيروت،
فندق طابا في سيناء،مخيم شاتيلا،مستديرة المطار،
الى متراس أخير تكون بعده الصحراء أو البحر.

لتتقدس أيديكم أيها القابضون على الحجر الأخير وعلى الجمر الأخير..
لتتقدس أيديكم الرافعة وحدها جبالاً من أنقاض الفكر اليتيمة،
وليتحول ظلكم المحروق الى رماد عنقاء يُجدِّدكم لتبنوا منه ومنكم مغارة لطفل يُولَد.
ولتُنبِت أسماءكم حبقا وريحانا على سهل يمتد من خطاكم،
سهل لتهتدي حبَّة القمح الى ترابها المسروق،
أيها المشرقون فينا أقمارا
يعجنها دم سخي ينادي حرَّاس القلعة الهاربين الى صفوف الأعداء،
فما يجيب سوى الصدى الساخر:
وحدكم!!
من آثار خطاكم الخطى التي لا تخطو إلا تحت أو فوق،
سنلُّم الجزر المتطايرة المتنافرة
كما يلُّم الشاعر البرق من حوافر خيل على صوًّان.
ومن خيمة هي مايسيل علينا من ريش الصقور المعدنية
سندُّل القبائل على حدود أسمائها.

وحدكم...فاحموا حد النشيد،كما تحمون مما يثلم
القلب في هذه البرية الضيقة،الضيقة كمدى لا يطل من النافذة..
وحدكم...
البحر من ورائكم ومن أمامكم وعن يمينكم وعن شمالكم
ولا يابسة إلا هذه اليد التي تمسك بحجر هو الوطن.
وحدكم...
فارفعوا مائة مدينة أخرى على هذا الزناد لتخرج المدن القديمة
من اسطبلاتها ومن سلطة الجارد النابت في خيام الفراء الصحراوي..
لم يبق لنا من موت إلا موت الموت....
وحدكم،
تحمون سلالة هذا الساحل من إختلاط المعاني،
فلا يكون التاريخ سلس المِراث،
ولا يكون المكان إرثاً يورث.
ولتتقدس أيديكم أيها القابضون على الحجر الأخير والجمر الأخير.


"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:22 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #25
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
وداعا سيدي
الى أين؟
الى الجنون
أي جنون؟
أي جنون ...فقد صرت كلاماً.
......................
مسَّني ما مسَّني من حماسة،وواصل الفضاء المحتّل وجبل صنوبر المُحتل
قصف الهواجس الاولى وسيرة خروج آدم من الجنة،المتعدد في سير خروج لا تنتهي،
لم يعد لي وطن،ولم يعد لي جسد
وواصل القصف أناشيد المدائح وحوارات الموتى
المتحركة في دم كالضوء يحرق الأسئلة الباردة،
عمَّ أبحث؟
عن امتلاء بالبارود،عن تخمة لغضب النفس.
تدخل الصواريخ في مسام جلدي وتخرج سالمة.ما أقواها!!
ولا أحس بالجحيم الذي يوزعه الهواء
طالما صرت أتنفس هذا الجحيم وأتصبب جهنم.
وأريد أن أنشد،نعم ،أريد أن أنشد لهذا النهار المحروق،
أريد أن أنشد.
أريد أن أجد لغة تحول اللغة الى حديد للروح،
الى لغة مضادة لهذه الطائرات..
الحشرات الفضية اللامعة..أريد أن أنشد.
أريد لغة
تسندني وأسندها،
وتشهدني وأشهدها
على ما فينا من قوة الغلبة على هذه العزلة الكونية.
وأمشي لأراني ماشيا،
ثابت الخطوة،حراً حتى من نفسي في منتصف الشارع تماما
تنبح عليًّ الوحوش الطائرة.تبصق نارها ولاأبالي،
لاأسمع إلا وقع خطاي على الاسفلت المحفور.
ولا ارى أحداً
عمَّ أبحث؟لا شيئ،
لعل عناد التحدي الذي يخفي خوف الوحدة،
أو الخشية من الموت بين الأنقاض هوما يُمسك بخطاي
ويضرب الشوارع النائمة..............

"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:25 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #26
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
لم أرَ بيروت ن قبل في مثل هذا النوم الصباحي،
ولأول مرة أرى الأرصفة،أرصفة واضحة،
ولأول مرة أرى الشجر،
شجراً واضحاً،بجذوع وأغصان وأروراق دائمة الخضرة،
هل بيروت جميلة في حد ذاتها؟
كانت الحركة والحوار والزحام وضوضاء التجارة تخفي هذه الملاحظة.
وتحولَّت بيروت من مدينة الى مفهوم ومعنى ومصطلح ودلالة.
كانت تطبع الكتب،وتوزع الصحف،
وتعقد الندوات والمؤتمرات لتعالج قضايا العالم ولا تنتبه الى ذاتها.
كانت تمدِّ لسان السخرية لما حولها من رمل وقمع،كانت ورشة حرية.
وكانت جدرانها تحمل موسوعة العالم الحديث.
وكانت تصنع الملصقات.
وقدتكون هي أول مدينة في العالم طورَّت صناعة الملصقات
الى مستوى الجريدة اليومية ،
ولعل قدراتها التعبيرية المتشكلة من:
تنوع،وموت،وفوضى،وحرية،وغربة،وهجرة،وشعوب،
قد إمتلأت وفاضت عن جميع أشكال التعبير المعروفة،
فوجدَت في الملصق ما يستوعب فائض التعبير عن اليومي،
حتى أصبح الملصق لفظة دارجة في القصائد والقصص ليشير الى خصوصية.
وجوه على الجدران،شهداء طازجون يخرجوت للتو من الحياة ومن المطبعة،
موت يعيد إنتاج موته،شهيد يزُّج وجه شهيد آخر عن الحائط ويجلس مكانه
الى أن يزيحه شهيد جديد أو مطر،وشعارات تمحو شعارات،
تتبدل،وترتب أولويات الحماسة والواجبات الأممية اليومية،
كل ما يحدث في العالم يحدث هنا،إنعكاسا تارة،ونموذجا تارة.
وقد يتشاجر متفقان في مقهى باريسي
فينقلب شجارهما الكلامي الى إشتباك مسلَّح هنا،
لأن على بيروت أن تتضامن مع كل حركة جديدة ونظرية جديدة.
سينما ثورات سريعة الدوران.فيديو للتطبيق المباشر.
القائد الجديد أو النجم الجديد في أي مجال مرشح ليكون قائدها أو نجمها.
تطفح جدرانها بالصور والكلمات،ويلهث المارَّة وراء وعي يتبدَّل
لذا فإن أعمار النجوم والقادة هنا قصيرة،
لا لأن الجمهور هنا سريع الضجر،فالجمهور ليس هنا،
بل لأن السباق يجري على النمط الأمريكي ولو كانت أهدافه معادية لأمريكا،
فهنا مندوبون دائمون لأي وعي جديد،ولأي نغمة جديدة،ولأي طفرةجديدة.
من الولاَّعة المتدلية من صدر فتاة الجينز دليلاًعلى الافراط في اليسارية،
الى حجاب يغطي الوجه واليدين دليلا على الأصالة،الى تلَّقُف كل إشارة
تضع كارل ماركس في فهرست الاستشراق،دليلا على هبوب رياح الشرق.
هنا محطة تحويل كونية لكل خروج عن السياق،وتعميمه الى برنامج لشعب
مشغول بتأمين خبزه وماءه وبدفن قتلاه.


أمشي في شارع لا يمشي فيه أحد،
أتذكر أني مشيت من قبل في شارع لم يمشِ فيه أحد
وأتذكر أن أحدا لم يكن معي.قال لي:
دَعْكَ من هذا الحوار،وتعال معي
الى أين؟
لترى هذا الرجل
ماذا يفعل هذا الرجل؟
يذهب الى بيته.
ولكنه يمشي الى الأمام ويعود الى الوراء
تلك طريقته في المشي
إنه لايمشي،إنه يتأرجح.إنه يرقص.
راقِبْه جيدا.عُدَّ خطواته..
واحدة،اثنان،أربع،سبع،تسع الى الأمام....
واحد،اثنتان،ثلاث،سبع،ثمان الى الوراء..
ماذا يعني ذلك؟
إنه يمشي في هذه الطريقة وبها وحدها يعرف الطريق الى البيت:
عشر الى الأمام وتسع الى الوراء،أي أنه يتقدم خطوة.
وإذا سرح ذهنه وأخطأ في العد؟
عندها لا يصل الى بيته
هل تعني شيئاً؟
لاأعني شيئاً
...................................

"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:38 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #27
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
قريبا من فنق الكافالييه نظرت الى ساعتي،إنها الثامنة،
هل صحاالشاعر"ي"من النوم؟
مَن يستطيع النوم تحت هذه القطعان من الطائرات؟
أثار فضولي أن أعرف كيف يقدر الشاعر على الكتابة،
كيف يجد لغة لهذه اللغة،
و(ي)هو الشاعر صاحب القصيدة اليومية المرئية،
المتأنية،القادرة على التقاط تفاصيل دالة على جوهر إنساني.
هو الشاعر القادر على تحريك الفرح من الركام وعلى إيقاظ الدهش،
وهو حين يكتب يُغنيني عن الكتابة،
لأنه يقول نيابة عنَّا ما نحس بالرغبة في قوله.
يملأني بشجن يوقظ صفاؤه فيَّ مادة الفرح،
ومادام هذا الشعر يكتب فلاأجد دليلاً ملموساً على مأزق الشعر.
وهو باختصار شاعري التقيته أول مرة في بغداد وسرعان ما حاول إغتيالي،
لأنه شرب ما تُيسره المائدة من كحول لا تتجانس إلا لتتشاكس،
فهو لا يعترف بفروق الكحول ،الكحول هي الكحول،ما الفرق؟
بيرة،ويسكي،نبيذ،عرق، كلُّها تُجنِّنْ.
وحين كان يوصلني في آخر الليل بسيارته الى فندق بغداد،
كان يحاول دفع السيارة بِمَن فيها للسباحة في نهر دجلةلولا استغاثة الصاحية.
قال ليُهدِّئ من روعنا:لا تخافوا فأنا الآن موظف في دائرة الري،نعم،الري
وأخيراً انتقل من دائرة الري في بغداد الى دائرة الدم في بيروت،
كُنَّا نُحيي أمسيات مشتركة في بيروت ودمشق،
وفي صور منذ أسابيع في إحدى قواعد المقاتلين رأيته ليلة أمس قرب فندق بلازا.
تَعرَّف عليّ وسط الظلام الكحلي بواسطة مصباح يدوي،
فصرخ بي:كيف تسير وحدك بلا حراسة؟
قلت:ومتى سرت بحراسة.قال:لماذا تقف هنا؟
قلت:أنتظر سيارة أجرى لأذهب إلى غرفة العمليات
................................................................
أنتظرالشاعر في ردهة الفندق،
ولكن،لماذا يطلع الحلزون في وجهي؟
حلزون طويل
حلزون لا يكف عن استعراض رخاوته.
يلعب على المقاعد والجدران.
يدلق لعابه الأخضر على فتاة تعزف البيانو
حلزون يبكي\حلزون يضحك
حلزون يسكر يدخل الشاشة.
يخرج من الشاشة.
يُعلِّق بصره الزائغ على اللاشيئ
حلزون لا ينظر.يتهاوى.يتمايل.
يتأود.يتنهد.يتخلَّع.يتسكع.
حلزون يسير على قدمين من مطاط
يتأرجح.
ولماذا يطلع الحلزون في وجهي هذا الصباح؟
اللهم إحفظنا من بشاعة المنظر.
..........................
ينزل الشاعر من غرفته متكئاً على جرادة..
أفّ...أهذا أيضاً.ماالذي جاء بي الى هذا المكان.
نتعانق.أهزّ على كتفيه لأنفض عنه سمات النعاس،
كيف حالك؟متشائم.هذا يوم عجيب يا أخي.
مش معقول يا أخي.لم يتوقف القصف ثانيةً.
إنهم يحرثون المدينة.أين كنت؟في شقتي..مجنون..
مجنون ياأخي،كيف تنام هناك؟غداً سأنام هنا...ولكن
أينقصنا أن يُسفر القصف عن حلزون وجرادة؟
ماذا تعني؟لا أعني شيئا؟؟
عشر خطوات الى الأمام،وتسع خطوات الى الوراء.
النتيجة خطوة الى الأمام ..حسناً!!هذا حسن..
حطَّت جرادةأخرى خائفة على حضني.
ارتدَت عِفَّة الخوف من الطائرات لتحتك بما يُحَك.
قلت لها مازحاً و ناصحاً:هذا يوم لا نهاية له.
عندهم ألف طائرة تستطيع القيام بعشرة آلاف غارة،
واذا واصلت الرد على كل غارة بهذا الاحتكاك،فإني سأجّف
سأصير رجلاً مثموداً!!وألتَفِتُ الى الشاعر:قل لي
لماذا تندلع شهوات الفتيات في أسوأ الحالات؟
أهذا هو وقت الحب،إنه وقت الشهوة الخاطفة.
يتعاون جسدان عابران على صدِّ موت عابر بموت آخر هو موت العسل.

"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:39 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #28
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
جاء صديقنا"ف"ليساعدني على رفع الشاعر عن عبارة سقطت تحته:
ياأخي مش معقول.
هذا مش معقول.
هذا شيئ غيرمعقول.
إشتبك مع العبارة.
خنقها وتكوم فوقها.
ساعِدْني يا"ف"ساعدني على تخليص العبارة من تأتأة"ي"
نضحك ونقهقه الى حدّ أزعجْنا معه فتاة البيانو.
قلنا لها:ليس هذا وقت البيانو.ولا الضحك،ولا الشعر.
هذا وقت الطائرات،وهذا وقت الحلزون.
................................
هل تكتبان؟سألنا"ف"
"ي"يكتب يومياً..وقرأ لنا احدى لقطات الكاميرا
الداخلية الحساسة التي لا يتخلى عنها.
وأنت؟سألاني.
قلت:إني أختزن حتى الاختناق،وأثير سخرية
زملائي القائلين:ما جدوى القصيدة..
ما جدواها بعدما تنتهي الحرب.
ولكنني اصرخ في لحظة لا يصل فيها الصراخ.
ويبدو لي أن على اللغة ألا تزج بنفسها في معركة
أصوات غير متكافئة.صوتك الخافت يا"ي"أفضل.
ولكن ماذا تكتب؟

قلت أتأتئ صرخة:
أشلاؤنا اسماؤنا..لا..لامفَرُّ
سقط القناع عن القناع عن القناع
سقط القناع
لا إخوة لك يا أخي،لاأصدقاء
يا صديقي،لا قلاع
لا الماء عندك،لا الدواء لا السماء ولا الدماء
ولا الشراع ولاالأمام ولا الوراء
حاصر حصارك ...لا مفرُّ
سقطت ذراعك فالتقطها
واضرِبْ عدوك..لا مفر
وسَقَطْتُ قربك،فالتقطني
واضرب عدوك بي،فأنت الآن حرٌّ
حرٌّ
وحرُّ...
قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب بها.اضرب عدوك..لا مفرُّ
أشلاؤنا أسماؤنا..أسماؤنا أشلاؤنا
حاصر حصارك بالجنون
وبالجنون
وبالجنون
ذهب الذين تحبهم،ذهبوا
فإما أن تكون
أولا تكون
سقط القناع عن القناع
سقط القناع،ولا أحد
الاك في هذا المدى المفتوح للأعداء وانسيان
فاجعل كل متراس بلد
لا..لاأحد
سقط القناع
عَرَبٌ أطاعوا رومَهم
عرب وباعوا روحهم
عرب..وضاعوا
سقط القناع عن القناع
سقط القناع

"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:40 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #29
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
سألنا"ف":الى أين ستخرجان؟
قال"ي"الى عدن..
وأنت؟سألني
قلت:لا اعرف.
صمت صمت من حديد.كنا ثلاثة،فصرنا واحد في ما
ينهار حولنا من عالم،كأننا نعتني بمواد قابلة للانكسار
ونحن نستعدُّ لاستيعاب عملية انتقال الواقع برمته الى
ذكريات،نحن الذكريات.
ابتداءً من هذه اللحظة سيتذكر بعضنا بعضاً كما نتذكر
عالماً بعيداً تلاشى في زرقة صارت أشد زرقة مما كانت عليه
سنفترق في أوج اللهفة.
ونحن الثلاثة نعرف الحقيقة:سنخرج ونعرف قسوة أقسى
لا يجرؤ أحد على أن يُرى وهو يراها:
إن الناس معنا لأننا خارجون.
قلت:لن أخرج،لأنني لاأعرف الى أين أخرج،
ولأنني لاأعرف الى أين أخرج فلن أخرج.
وسألت"ف"وأنت؟
قال:أنا باق،أنا لبناني،وهذه بلادي
فإلى أين أذهب!!
خجلت من سؤالي ومن فرط ما صارت بيروت نشيدي...ونشيد مَن لا وطن له
خجلت من شدة إلتباس الفكرة.
وفي فندق الكومودور وهو معقل الصحفيين الأجانب،
يستجوبني كاتب صحفي أمريكي:ماذا تكتب أيها الشاعر في الحرب؟
أكتب صمتي
هل تعني أن للكلام مدافع؟
نعم،صوتها أعلى من أي صوت
ماذاتفعل إذن؟
أدعو الى الصمود
وهل ستنتصرون في هذه الحرب؟
لاالمهم أن نبقى.بقاؤنا إنتصار
وماذا بعد ذلك؟
سيبدأ زمن جديد
ومتى تعود لكتابة الشِعر؟
حين تسكت المدافع قليلاَ
حين أُفجر صمتي المليئ بجميع هذه الأصوات
حين أجد لغتي الملائمة
أليس لك من دور؟
لا،لا دور لي في الشِعر الآن،
دَوْري خارج القصيدة،
دوري أن أكون هنا مع المواطنين ومع المقاتلين.

"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:41 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الإله ميثرا غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 119
الإنتساب : Sep 2008
مشاركات : #30
هدية لكم"محمود درويش"ذاكرة للنسيان"
لقد وجد بعض المثقفين وقت الحصار ملائما لتصفية حساباتهم الصغيرة.
فشرعوا أقلامهم السامة في صدور زملائهم.
وعبثا كنا نصرخ:ما لكم وهذه الصغائر،
فليس أحد من الكتاب هو الذي يحاصر بيروت،
وليس تقصيرهم أو هروبهم هو الذي يهيل البنايات على سكانها
وفي أسوأ الأحوال ليست كتابتكم هذه أدباً.
وليست مدافع فعَّالة مضادة للطائرات في أفضل الأحوال.
كلا_يقولون:هذا هو المحك الأول والأخير لثورية الكاتب والشاعر.
فإما أن تولد القصيدة الآن،وإما أن تُحرَم من حقها في الولادة.
وكنا نسخر:لماذا أذنتم لهوميروس بكتابة الإلياذة والأوذيسة؟
ولماذا سمحتم لأنجيليوس ويوربيدوس وأرسطوفان وتولستوي وغيرهم؟
ليس ردِّ الفعل واحداً_أيها الكتّاب فمَن يستطيع الكتابة الآن فليكتب.
وإذا أذنتم لي بأن أبدي رأيي دون إتهام فسأعبِّر عن ظنِّي بأن
الجرحى والعطاش والباحثين عن الماء والخبز والملجأ
لا يطالبوكم بالغناء والمقاتلين لا يكترثون بغنائكم.
غَنّوا إذا شئتم أو فاصمتوا إذا شئتم.فنحن هامشيون في الحرب.
وفي وسعنا أن نُقدِّم خدمات أخرى للناس فإن تنكة من الماء تساوي وادي عبقر.

المطلوب منًّا الآن هو الفاعلية الانسانية لا الجمالية الإبداعية.
فلتوقِفوا عمليات الاغتيال:وماذا لو انهارت أعصاب الناقد وخرج من بيروت؟
وماذا لو عجز المسرحي عن إجتياز الشارع من الخوف؟
وماذا لو أضاع الشاعر إيقاعه قليلاً؟
ألأن الناقد لم يُعجَب برواياتكم وقصائدكم تضربون عليه الحصار وتقصفونه بالتشهير؟
لقد اعتادت الأوساط الأدبية العربية أن تطرح سؤال الشعر
في سياق الحرب المندلعة استجابة للراسب الثقافي فينا
الذي يربط صيحة الرحب بحماسة الشعر،
باعتبار الشاعر معلقاً على الأحداث،حاضّا على الجهاد،
او مراسلا جربيا.
في كل معركة يقولون:أين القصيدة؟
لقد اختلط مفهوم الشعر السياسي بمفهوم الحدث،معزولا عن السياق التاريخي..
وفي هذه اللحظة المحددة،حيث تحرث الطائرات أجسادنا،
يطالب المثقفون المتحلقون حول جسد غائب بقصيدة
تعادل قوة الغارة أو تقلب موازين القوى على الأقل.
لإذا لم تولد القصيدة"الآن فمتى تولد؟
وإذا وُلِدت فيما بعد فما هي قيمتها الآن.
سؤال بسيط ومعقَّد يحتاج الى جواب مركب
كأن يتاح لنا القول إن القصيدة تولد الآن:
تولد في مكان ما، في لغة ما،في جسد ما
ولكنها لا تصل الى الحنجرةوالورق.
سؤال بريئ يحتاج الى جواب بريئ لولا
أنه مليئ في هذه الجلسة بالرغبة في اغتيال الشاعر
الذي جرؤ على الإعلان بأنه يكتب صمته.
ومن المثير للمرارة أن تنتزع من زمن الغارات هذا الوقت للثرثرة
وللدفاع عن دور الشاعر الذي يستمد خاصيته من
تاريخ كتابة الشعر في علاقته بتطور الواقع،
أمام لحظة يتوقف فيها كل شيئ عن الكلام،
لحظة تصوغ فيها الملحمة الشعبية تاريخها وإبداعها الجماعي.
بيروت هي الكتابة الإبداعية المثيرة.
شعراؤها الحقيقيون ومنشدوها منهم مقاتلوها وناسها
الذين لا يحتاجون الى ترفيه وتشجيع على عودمقطوع الأوتار.
هم التأسيس الحقيقي لكتابة ستبحث طويلا وطويلا عن المعادل اللغوي لبطولتهم وحياتهم المدهشة.
فكيف تستطيع الكتابة الجديدة،المحتاجة الى كسل أن تتبلور وتتشكل
في اوج معركة لها هذا الايقاع الصاروخي؟
وكيف يستطي عالشعر التقليدي وكل شعر تقليدي في هذه اللحظة
أن يصف هذا الشعر الجديد المختمر في بطن الزلزال؟
صبراًأيها المثقفون!!فسؤال الحياة والموت المهيمن الآن،
سؤال الإرادة التي تدفع بأسلحتها كلها في هذه الساحة،

سؤال الوجود الذي يصوغ شكله المادي والألوهي،
أهم من السؤال الأخلاقي عن دور الشعر والشاعر.
ومن اللائق أن تحترم الرهبة التي تنشرها هذه الساعات،
ساعات انتقال الوجود الانساني من ضفة الى أخرى ومن طور الى طور.
ومن اللائق أن يعرف الشعر القديم كيف يصمت،
في خشوع أمام حضرة هذا المولود الجديد.
وإذا كان من الضروري أن يتحول المثقفين أو بعضهم الى قنَّاصة ،
فليحاولوا قنص مفاهيمهم القديمة وأسئلتهم القديمة وأخلاقهم القديمة
نحن الآن لا نصف بقدر ما نوصف ،نحن نولد تماماً أو نموت تماما..

ولكن صديقنا الكبير الباكستاني فايز أحمد فايز كان مشغولاً بسؤال آخر:
أين الرسامون؟
قلت:أيُّ رسامون يا فايز؟
قال:رسَّامو بيروت
قلت:ماذا تريد منهم؟
قال:أن يرسموا هذه الحرب على جدران المدينة
قلت:ماذا دهالك يا فايز،ألا ترى سقوط الجدران؟

"إن جوهر مشكلة الثقافة في مجتمعنا هي أن العارفين هم أنفسهم السادة الجهلاء"
02-23-2009 03:42 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
Rainbow محمود درويش ليس نبيا بسام الخوري 2 2,448 01-30-2012 02:15 PM
آخر رد: بسام الخوري
  عن الوطن والمنفى.. الشاعر الفلسطيني محمود درويش يتحدث عن طفولته ووطنه ومنفاه.. العلماني 1 4,208 11-01-2010 02:22 AM
آخر رد: مفكر من بعيد
  موضوع مخصص عن سلبيات محمود درويش .... بسام الخوري 4 6,185 10-24-2010 09:05 PM
آخر رد: مارلين مونرو
  محمود درويش يطوف المدن الفلسطينية في "عيد ميلاده" هاله 0 2,795 03-13-2010 08:46 AM
آخر رد: هاله
  عندما غنى محمود درويش للحب تيامت 0 3,622 01-16-2010 02:24 PM
آخر رد: تيامت

التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف