تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
العالم والنص والناقد لـ إدوارد سعيد
#1
كتاب في مدينة: العالم والنص والناقد لـ إدوارد سعيد






إدوارد سعيد
ت: عبد الكريم محفوض


العالــــــم
والنـــص والناقــــــــد


من منشورات اتحاد الكتاب العرب
2000




العنوان الأصلي للكتاب:


[COLOR=orangered]
The World, The Text, And The Critic

Edward W. Said




تمهيد

النقد الدنيوي

[SIZE=3]إن ممارسة النقد في هذه الأيام تتخذ لها أربعة أشكال رئيسية. فالأولى هو النقد العملي الذي نجده في مراجعة الكتب وفي الصحافة الأدبية. والثاني هو التاريخ الأدبي الأكاديمي الذي ينحدر إلينا من الاختصاصات التي كانت قائمة في القرن التاسع عشر كدراسة الأدب الكلاسيكي والفيلولوجيا وتاريخ الحضارة. والثالث هو التقويم والتأويل من زاوية أدبية، وعلى الرغم من أن هذا الشكل بالأساس عمل أكاديمي فإنه، على نقيض سلفيه، ليس مقصوراً على المحترفين وعلى أولئك الكتاب الذين يبرزون من حين إلى آخر. فالتقويم هو الشيء الذي يعلّمه ويمارسه أساتذة الأدب في الجامعة مع العلم أن المستفيدين منه بأبسط المعاني هم كل تلك الملايين من الناس ممن تعلموا في الصف كيفية قراءة قصيدة، وكيفية الاستمتاع بالتعقيد الذي تنطوي عليه فكرة ميتافيزيقية، وكيفية وجوب تصورهم أن للأدب واللغة الرمزية ثمة سمات فريدة يستحيل تقليصها إلى موعظة أخلاقية أو سياسية بسيطة. وأما الشكل الرابع فهو "النظرية الأدبية" التي هي بمثابة مضمار جديد نسبياً، فهذه النظرية برزت كميدان لافت للنظر بالنسبة للبحث الأكاديمي والشعبي في الولايات المتحدة في وقت لاحق لبروزها في أوربا: فأناس كوالتر بينيامين والفتى جورج لوكاش، مثلاً، قاما بعملهما النظري في باكورات سنوات هذا القرن، كما كتبا بلهجة معروفة ولو أنها مثار جدل على أوسع نطاق. ولكن النظرية الأدبية لم تبلغ مرحلة النضج، على الرغم من الدراسات الريادية التي أنجزها كانيث بيرك قبل الحرب العالمية الثانية بزمن طويل، إلا في عقد السبعينات (1970) وذلك من جراء الاهتمام المتعمد الملحوظ بالنماذج الأوربية السباقة (من أمثال البنيوية ودلالات الألفاظ والتفكيك).
فالمقالات المجموعة ضمن هذا الكتاب تستمد وجودها من هذه الأشكال الأربعة كلها، حتى لو كان ميدانا مراجعة الكتب في الصحف والتقويم الأدبي في الصف بعيدين البعد كله عن التمثيل المباشر هنا. ولكن واقع الحال يتجسد في أن الجهود الحثيثة التي بذلتها طيلة اثني عشر عاماً (1969- 1981) في كتابة هذه المقالات ساقتني للتعامل مع كل الأنواع الأربعة التي تتألف منها الممارسة النقدية الأدبية. وذلك بالطبع شيء عادي جداً، وصحيح قوله أيضاً عن معظم نقاد الأدب في هذه الأيام.
ولئن كانت هنالك من مساهمة يساهم بها ما دعوته في هذا الكتاب بالنقد أو الوعي النقدي، فهي محاولة تخطي حدود الأشكال الأربعة كما جاء تحديدها أعلاه. وإن هذا الجهد ليسم (إن لم يسم نجاحه) العمل النقدي الذي تضطلع بعبئه هذه المقالات كما يسم، فضلاً عن ذلك، الأعمال والاصطلاحات التي تدين المقالات بوجودها لها.
إن الوضع السائد في النقد الآن قد بلغ الحد الذي جعل كل شكل من الأشكال الأربعة يمثل بحد ذاته تخصصاً (على الرغم من نشوز النظرية الأدبية بعض الشيء) وميداناً محدداً جداً من ميادين الجهد الفكري. وإن من المفروض، علاوة على ذلك، أن يوجد الأدب وكل الدراسات الإنسانية في صميم الثقافة (أو ثقافتنا كما يقال عنها في بعض الأحيان)، وأن تحظى الثقافة، من خلالهما، بشرف السمو والتعزيز، وأن تبقى ممارسة الثقافة الرفيعة ذات الخطوة الرسمية هامشية أيضاً حيال الهموم السياسية الخطيرة التي يعيشها المجتمع -ولا سيما في تلك النسخة الثقافية التي يغرسها في الأذهان المثقفون المحترفون والنقاد الأدبيون.
وهذا الواقع أدى إلى قيام عبادة الخبرة الاحترافية ذات الأثر المخزي على العموم.
فالخبرة كانت، بالنسبة لطبقة أهل الفكر، خدمة تسدى، لا بل وتباع، للسلطة المركزية في المجتمع بشكل عادي، وهذه هي خيانة الكتبة المأمورين “Trahison des clercs” التي تحدث عنها جوليان بيندا في العشرينات. فالخبرة في الشؤون الخارجية، على سبيل المثال، كانت في العادة تعني إضفاء مسحة الشرعية على مسلك السياسة الخارجية، لا بل والأقرب إلى الصواب أن نقول أنها كانت استثماراً مطولاً لإعادة تعزيز دور الخبراء في الشؤون الخارجية(1). وإن مثل هذا القول الصحيح عن نقاد الأدب والكتاب الإنسانيين المحترفين، عدا أن خبرتهم قائمة على أساس عدم التدخل فيما دعاه فيكو بمنتهى الروعة بعالم الأمم- أي ذلك العالم الذي يمكن دعوته أيضاً، بمنتهى البساطة، "بالعالم أو الدنيا". فنحن نقول لتلاميذنا وعموم جماهيرنا بأننا ندافع عن الآداب الكلاسيكية، مفخرة الثقافة الليبرالية ودرر الأدب النفيسة، حتى في الوقت الذي نكشف فيه عن أنفسنا بأننا صامتون (ولربما عاجزون) حيال العالم التاريخي والاجتماعي الذي تحدث فيه كل هذه الأشياء.
إن المدى الذي يصل إليه الطلاق بين مؤسسة الميدان الثقافي وخبرته وبين صلاتهما الحقيقية بمؤسسة السلطة قد تجلى لي على أوضح ما يكون من خلال حديث مع صديق جامعي قديم كان يعمل في وزارة الدفاع لفترة من الزمن خلال حرب فيتنام. فوفتها كان القصف على أشده، وكنت أحاول بكل سذاجة أن أفهم نوعية ذلك الشخص الذي كان بمقدوره أن يأمر يومياً طائرات ب- 52 بإلقاء القنابل على بلد آسيوي بعيد بحجة المصلحة الأمريكية في الدفاع عن الحرية وإيقاف المد الشيوعي. "يا صاحبي"، قال صديقي، "إن الوزير كائن بشري عديد المكونات: فهو لا ينطبق على الصورة التي ربما حملتها في ذهنك عن السفاح الإمبريالي المتوحش. إذ في المرة الأخيرة التي كنت فيها بمكتبه شاهدت على طاولته رواية (الرباعية الاسكندرانية) لدوريل". ومن ثم توقف عن الحديث بكل مكر وكأنه كان يريد أن يترك لوجود تلك الرواية على الطاولة أن يعود وحده علي بتأثيره البغيض. ولكن المغزى الأدهى لحكاية صديقي كان مفاده أنه ما من إنسان قرأ رواية ما، واستعذبها على أرجح الظن، كان بوسعه أن يكون ذلك السفاح المتوحش الذي قد يتصوره المرء(2). وبعد مضي عدة سنوات تخطر على بالي هذه النادرة التي تتقاذفها كلها الشكوك (وأنا لم أعد أتذكر رد فعلي على ذلك الربط المبهم بين دوريل وبين إصدار الأوامر بالقصف في الستينات) وتقع علي وقع الصاعقة كونها الشيء النموذجي عما يحدث بالفعل على أرض الواقع: فالكتاب الإنسانيون والمفكرون يقبلون الفكرة التي مفادها أن بمقدورك أن تقرأ أحسن القصص وأن تقتل وتشوه البشر في آن واحد معاً لأن باب العالم الثقافي مفتوح على مصراعيه أمام ذلك النوع الخاص من التعمية، ولأن الأنواع الثقافية ليس من المفروض أن تتدخل في تلك الأمور التي لا تصادق المنظومة الاجتماعية على تدخلها بها. وإن الشيء الذي ينجلي من تلك النادرة هو الفصل المستحب بين البيروقراطي الرفيع المقام وبين قارئ الروايات ذوات القيمة المشكوك بها والمكانة المحددة.
وخلال أواخر الستينات (1960) طرحت نفسها النظرية الأدبية بمزاعم جديدة. فالجذور الفكرية للنظرية الأدبية في أوربا كانت طافحة بالتمرد، وهذا عين الصواب على ما أظن.
إن الجامعة التقليدية وهيمنة الحتمية والوضعية وتجسيد الإيديولوجيا البورجوازية "للمنزع الإنساني" والحواجز الصارمة بين الاختصاصات الأكاديمية: كلها جعلت النظرية الأدبية تطرح نفسها على أنها ردود أفعال عنيفة على كل هذه الأمور التي عملت على ترابط الأسلاف النافذين للمنظّر الأدبي الحالي من أمثال سوسور ولوكاش وباتيل وليفي شتراوس وفرويد ونيتشه وماركس. لقد طرحت نفسها تلك النظرية بأنها مركب يعتزم الإحاطة بكل الإقطاعات الصغيرة في قلب عالم الإنتاج الفكري، وكان الأمل المنشود البيّن أن من الممكن، بالنتيجة، توحيد كل ميادين النشاط البشري، فضلاً عن المعاش معها كوحدة.
ولكن ثمة شيء طرأ، ولربما بشكل لا مناص منه. فالنظرية الأدبية الأمريكية انكفأت من حركة تدخلية جاسرة عبر تخوم التخصص في أواخر السبعينات ودخلت في تيه "النصيّة" وهي تجر معها أحدث رواد النصية الثورية الأوربية كديريدا وفوكو اللذين كانا يدأبان، هما نفساهما، بمنتهى الأسف، على تشجيع تقديس تلك النظرية للأشياء وصقلها عبر الأطلسي. وهكذا فليس من المبالغة في شيء أن نقول بأن النظرية الأدبية الأمريكية، أو حتى الأوربية، صارت تتقبل الآن مبدأ عدم التدخل وبلا أي تحفظ، وبأن طريقتها الخاصة في اقتناص موضوعها (وفق صيغة آلثوسر) لا تعني أبداً اقتناص أي شيء دنيوي أو ظرفي أو ملوث اجتماعياً.
وهكذا صارت النصية بمثابة النقيض الحقيقي لما يمكن دعوته بالتاريخ بعد تنحيته جانباً والحلول محله. فالرأي الذي يعتبر أن النصية صار لها وجود لرأي صائب، بيد أنها وبالطريقة نفسها لم تبرز في أي مكان محدد أو في أي زمان معين. إنها استنبات، ولكن لا بفعل أي إنسان على الإطلاق ولا في أي زمان بتاتاً، وإن من الممكن قراءتها وتأويلها، غير أن المفهوم روتينياً أن القراءة والتأويل يحدثان على نحو مغلوط، وهكذا فإن من الممكن تمديد لائحة الأمثلة إلى ما لا نهاية، ولكن بيت القصيد يبقى على ما هو عليه. فالنظرية الأدبية، بالشكل الذي تجري فيه ممارستها اليوم في الأكاديمية الأمريكية، عزلت النصية في أغلب الأحوال عن الظروف والأحداث والحواس الجسدية التي جعلت منها شيئاً ممكناً، وأحالتها إلى شيء واضح جراء اعتبارها نتيجة للعمل البشري.
فحتى لو قبلنا (كما أقبل أساساً أنا) الأدلة التي طرحها هيدن وايت- ومنها أنه ما من سبيل قط لتجاوز النصوص ابتغاء وعي التاريخ "الحقيقي" بشكل مباشر- فإن من الممكن أيضاً أن نقول أن مثل هذا الإدعاء يجب ألا ينسخ الاهتمام بتلك الأحداث والظروف التي نجمت عن النصوص نفسها والتي عبرت عنها النصوص. وإن تلك الأحداث والظروف ما هي إلا نصية أيضاً (فكل روايات وحكايات كونراد تقريباً تطرح لنا وضعاً -من مثل زمرة من الأصدقاء ممن يجلسون على متن سفينة ويستمعون إلى حكاية ما- يفضي إلى السرد الذي يشكل النص)، فضلاً عن أن الكثير مما يدور في النصوص يلمح إلى النصوص في الوقت نفسه، أي يتقرب بنفسه منها على نحو مباشر. فموقفي هو القول بأن النصوص دنيوية، وهي أحداث إلى حد ما، وهي فوق كل هذا وذاك قسط من العالم الاجتماعي والحياة البشرية، وقسط بالتأكيد من اللحظات التاريخية التي احتلت مكانها فيها وفسرتها حتى حين يبدو عليها التنكر لذلك كله.
إن النظرية الأدبية، نظرية اليسار أو اليمين سواء بسواء، قد أدارت ظهرها لكل هذه الأشياء، وهذا الموقف يمكن اعتباره، كما أرى، انتصاراً لأخلاق الاحترافية، ولكن ليس من المصادفة في شيء أن يقترن بروز فلسفة أضيق مما ينبغي، أي فلسفة النصية البحتة وعدم التدخل النقدي، مع سطوع نجم الريغانية( )، أو بعبارة أخرى، مع حرب باردة جديدة وتفاقم التعسكر ونفقات الدفاع، والانجراف الهائل باتجاه اليمين في أمور تمس الاقتصاد والخدمات الاجتماعية والأيدي العاملة المنظمة(4)، فالنقد المعاصر، في عزوفه عن الدنيا بقضها وقضيضها كرمى لنص تكتنفه الشكوك والمغالطات إلى حد لا يتصوره العقل، تخلى عن جمهوره، عن أهالي المجتمع الحديث الذين تركوا تحت رحمة قوى السوق "الحرة" والشركات المتعددة الجنسيات ومضاربات الشهوات الاستهلاكية. وها نحن الآن نشهد ترعرع رطانة طنانة كي تحجب، بتعقيداتها المرعبة، الوقائع الاجتماعية وكي تشجع، ويا للغرابة، دراسة "أنماط التمييز" بشكل بعيد جداً عن الحياة اليومية في مرحلة انحسار القوة الأمريكية.
فالنقد لم يعد بوسعه التعاون مع هذه المغامرة التجارية، أو التظاهر بتجاهلها لأن ممارسة النقد لا تعني البتة إضفاء مسحة من الشرعية على الوضع الحالي أو الالتحاق بركب طبقة كهنوتية من البطاركة والميتافيزيقيين الدوغماتيين. إن كل مقالة في هذا الكتاب تؤكد على الترابط بين النصوص وبين الوقائع الوجودية للحياة البشرية والسياسة والمجتمعات والأحداث. فالوقائع المتعلقة بالقوة والسلطة -والمتعلقة أيضاً بضروب المقاومة التي يبديها الرجال والنساء والحركات الاجتماعية والسلطات والمعتقدات التقليدية- هي الوقائع التي تجعل من النصوص أمراً ممكناً، وهي التي تطرحها لقراء تلك النصوص، وهي التي تستقطب اهتمام النقاد. ولذلك فإنني أقترح أن تكون هذه الوقائع مثار اهتمام النقد والوعي النقدي.
وعند هذا الحد صار من الواضح ولا بد أن هذا النوع من النقد لا يمكن ممارسته إلا خلف وخارج إطار الإجماع المتحكم بهذا الميدان اليوم في تلك الأشكال الأربعة المقبولة التي جئت على ذكرها آنفاً. ومع ذلك فلئن كانت هذه المهمة هي مهمة النقد في الزمن الحالي، ألا وهي الوقوف بين الثقافة السائدة وبين الأشكال التجميعية للمنظومات النقدية، فهنالك شيء من العزاء إن نحن تذكرنا أن هذا المآل كان في الوقت نفسه مآل الوعي النقدي في الماضي القريب
***
ما من قارئ قرأ كتاب "المحاكاة" (Mimesis) لإرخ أورباخ، وهو واحد من أهم الكتب وأكثرها إثارة للإعجاب، وكتاب من أنفس الكتب التي ظهرت على وجه الأرض عن النقد الأدبي، وإلا ودغدغت مشاعره الظروف التي أحاطت بالكتابة الفعلية لهذا الكتاب.
فلقد لمح أورباخ عرضاً تقريباً إلى هذه الظروف في الأسطر الأخيرة من الخاتمة التي تمثل شرحاً موجزاً جداً لعلم المنهج (ميثودولوجيا) عما صار في خاتمة المطاف عملاً بارزاً ذا ألمعية أدبية.
إذ بعد أن يشير أورباخ إلى أنه ما كان بوسعه أن يتعامل مع كل الأشياء المكتوبة من قبل عن الأدب الغربي، وفيه، لتحقيق طموحه في دراسة مستفيضة مثل "تصوير الواقع في الأدب الغربي" يردف قائلاً:
[وقد أذكر أيضاً أن كتابة الكتاب كانت خلال الحرب وفي استانبول، حيث أن المكتبات غير مؤهلة لإجراء الدراسات الأوربية. وبما أن الاتصالات الدولية كانت معوّقة كان لزاماً علي أن أستغني عن كل الدوريات تقريباً، وعن كل أحدث الاستقصاءات تقريباً أيضاً، كما كان لزاماً علي في بعض الحالات الاستغناء عن طباعة نصوصي طباعة موثوقة. ونظراً لذلك فإن من الممكن وحتى من المحتمل أن أكون قد تجاهلت بعض الأشياء التي كان يتوجب علي أن أمعن النظر فيها، وأن أكون قد أكدت أحياناً على شيء دحضه أو عدله البحث الحديث... ولكن من الناحية الأخرى فإن من الممكن جداً أن يكون الكتاب مديناً بوجوده لهذا النقص نفسه المتمثل بغياب مكتبة غنية ومتخصصة.
فلو أتيح لي أن أتعرف على كل ذلك العمل الذي تم إنجازه عن موضوعات عديدة جداً، لما توصلت على الأرجح إلى اتخاذ قرار بالكتابة](5).
إن مأساة هذا الشيء البسيط من التواضع أمر ملفت للنظر وذلك لأن أورباخ يتحدث، أولاً، بلهجة هادئة تخفي الكثير من آلامه في منفاه. فلقد كان لاجئاً يهودياً هارباً من أوربا النازية، وكان باحثاً أوربياً في ذلك التراث العريق الذي يدور حول دراسة (الأدب الرومانسي الألماني).
ولذلك فقد كان هنا في استانبول يائساً من أي اتصال له مع المرتكزات الأساسية السياسية والثقافية والأدبية التي كان يستند عليها ذلك التراث الهائل. وفي كتابة "المحاكاة" لم يكن يمارس، كما يلمح إلينا في عمل لاحق، احترافه فقط على الرغم من كل المعوقات: بل كان ينجز عملاً ثقافياً، وحضارياً حتى، وسرمدياً ذا أهمية قصوى. فالشيء الذي جازف به ما كان مجرد احتمال ظهوره في كتابته ضحلاً، متخلفاً عن العصر، مخطئاً وذا طموح سخيف (إذ من هو ذلك الإنسان ذو العقل السليم الذي يضطلع بعبء مشروع ضخم جداً ضخامة موضوع الأدب الغربي بأسره؟). ولقد جازف أيضاً، من الناحية الأخرى، باحتمال عدم الكتابة والوقوع بالنتيجة فريسة المخاطر الحقيقية للمنفى: أي انعدام النصوص والموروثات والتواصلات التي تشكل شبكة ثقافة ما. فالمنفي الأوربي يصبح، لدى انعدام الوجود الفعلي للثقافة كما تتمثل مادياً بالمكتبات ومؤسسات البحث ووجود كتب أخرى وباحثين آخرين، منبوذاً ومرتبكاً وبعيداً كل البعد عن الحس والأمة والمناخ.
وحين يختار أورباخ أن يذكر استانبول كمكان منفاه فإنه يضيف بذلك شحنة مأساوية أخرى على ظهور كتاب "المحاكاة" بشكل فعلي. فبالنسبة لأي أوربي متمرس أساساً بالآداب الرومانية زمن القرون الوسطى وزمن الانبعاث الحضاري، بالشكل الذي كانه أورباخ، فإن استانبول لا تجسّد ضمناً مكاناً خارج أوربا بتلك البساطة وحسب. فاستانبول تمثل التركي المرعب، والإسلام أيضاً، أي بعبع الديار المسيحية والرمز المجسّم لتلك الردة الدينية المشرقية الكبيرة. لقد كانت تركيا، طيلة العصر الكلاسيكي للثقافة الأوربية، هي المشرق كله ممثلاً بالإسلام العدواني المروّع(6). بيد أن هذا لم يكن كل شيء. فالمشرق والإسلام كانا يمثلان أقصى درجات الغربة عن أوربا ويمثلان التصدي لأوربا والموروث الأوربي المتجسد باللاتينية المسيحية، فضلاً عن التصدي للسلطة المزعومة للكنيسة والمنزع الإنساني في التعليم والجماعة الثقافية الواحدة. لقد بقيت تركيا والإسلام، طيلة قرون وقرون، سيفاً مصلتاً على أوربا كوحش مركب عملاق يهدد أوربا بالدمار، إن وجود منفي أوربي في استانبول وقت الفاشية في أوربا كان يعني شكلاً صارماً ومهيلاً جداً من أشكال النفي عن أوربا.
ومع ذلك فإن أورباخ يكشف علانية سر تلك المفارقة التي مفادها أن بعده بالتحديد عن موطنه -بكل المعاني التي تنطوي عليها هذه العبارة- هو الشيء الذي أتاح له فرصة ذلك الإنجاز الرائع لكتاب "المحاكاة". فكيف تراه انقلب المنفى من تحد أو مخاطرة، لا بل ومن صدمة عنيفة لذاته الأوربية، إلى مهمة إيجابية، ومهمة سيكون نجاحها عملاً ثقافياً ذا أهمية فائقة؟
إن الجواب على هذا السؤال موجود في المقالة التي كتبها أورباخ في خريف حياته بعنوان "فيلولوجيا الأدب العالمي". فالقسط الأكبر من هذه المقالة يحبك تلك الفكرة التي ظهرت على أوضح ما يكون للوهلة الأولى في كتاب "المحاكاة"، والتي من الممكن تقديرها سلفاً في الاهتمام الباكر الذي أولاه أورباخ لفيكو، ومفادها أن العمل الفيلولوجي يتعامل مع الإنسانية جمعاء ويتخطى الحدود القومية. فكما يقول: "إن موطننا الفيلولوجي هو المعمورة، إذ لم يعد بوسعه البقاء ضمن إطار الأمة". ولكن مقالته تبين أن موطنه الدنيوي هو الثقافة الأوربية. بيد أنه، وكأنما يتذكر اقتلاعه من جذوره الأوربية ومنفاه في المشرق، يضيف قائلاً: "إن أثمن قسط من إرث الفيلولوجي، والقسط الذي لا غنى عنه، لا يزال يكمن في إرث وثقافة أمته ذاتها. وإن عمله لن يكون مجدياً قولاً وفعلاً إلا حين ينفصل أولاً عن هذا الإرث ومن ثم يتخطاه"(7) وهكذا فابتغاء التوكيد على القيمة المستحبة التي تكمن في الانفصال عن الموطن يستشهد أورباخ بفقرة مما يقوله هوغو في كتاب "التهذيب" للقديس فيكتور-:
ولذلك فإن مصدراً عظيماً من مصادر الفضيلة بالنسبة للذهن المتمرس هو أن يتعلم بادئ ذي بدء، ورويدا رويداً، تبدل موقفه من الأشياء المنظورة والعابرة كي يتمكن لاحقاً من أن يخلفها كلها وراءه. فالإنسان الذي يرى موطنه أثيراً على نفسه هو إنسان غفل طري العود، والإنسان الذي ينظر إلى أية تربة وكأنها تربة موطنه فهو إنسان قوي، وأما الإنسان الكامل فهو ذلك الإنسان الذي يرى العالم بأسره غريباً عليه. (إن النص اللاتيني بهذا الخصوص على أوضح ما يكون إذ يقول:
perfectus vero cui mundus totus exilium est).
وهذا هو كل ما يقتبسه أورباخ من هوغو، في حين أن بقية الفقرة تتواصل على المنوال نفسه:
إن صاحب النفس الوديعة يركز حبه على بقعة واحدة من العالم، في حين أن الإنسان القوي يوسع حبه كي يشمل الأمكنة كافة، ولكن الإنسان الكامل هو من يخمد جذوة حبه. وأنا معتاد منذ أيام الصبا على أن أقيم في بلاد غريبة، وإنني لأدرك عمق الحزن الذي يشعر به الذهن أحياناً لدى مغادرة الموقد الضيق في كوخ أحد الفلاحين، وأدرك أيضاً عمق الإزدراء الصريح الذي يكنّه الذهن للمواقد الرخامية وللقاعات المزدانة بألواح الخشب الفاخر(8).
إن أورباخ يقرن بين عقيدة هوغو حيال المنفى وبين فكرتي الفاقة والبلد الأجنبي (paupertass- terra aliena) ، على الرغم من أنه في الكلمات الأخيرة من مقالته يؤكد على أن شرعة التقشف الكامنة في التشرد المتعمد هي "وسيلة جيدة أيضاً للإنسان الذي يتمنى أن يحظى بحب لائق للعالم". وهكذا فعند هذه النقطة تتجلى خاتمة أورباخ في كتاب "المحاكاة": "من الممكن تماماً أن يكون الكتاب مديناً بوجوده لنفس هذا النقص المتمثل بانعدام وجود مكتبة غنية ومتخصصة". وبكلمات أخرى كان الكتاب مديناً بوجوده لنفس تلك الحقيقة التي مفادها أن المنفى والتشرد كانا في المشرق لا في المغرب الأوربي. ولئن كان الواقع على هذا النحو فإن كتاب "المحاكاة" نفسه لن يكون كما كان الظن فيه مراراً وتكراراً، مجرد توكيد للتراث الثقافي الغربي وحسب، وإنما سيكون أيضاً عملاً مبنياً على اغتراب هام وحقيقي عن ذلك التراث، وعملاً لا يستمد شروط وظروف وجوده مباشرة من تلك الثقافة التي يصفها بمثل ذلك النوع من التبصر والألمعية النادرين، بل يستمدها على الأرجح من ابتعاد معضل عنها. وعلاوة على ذلك يشتط أورباخ إلى حد القول، كما يروي لنا في فصل سابق من فصول "المحاكاة"، بأنه لو حاول القيام بعمل دراسي كامل وبالطريقة التقليدية لما كان بمقدوره أن يكتب ذلك الكتاب: إذ لكانت الثقافة نفسها، بمؤسساتها الرسمية والمأذونة، قد منعت إقدام رجل واحد على إنجاز مهمة بهذه الجسارة. فمن هنا جاءت القيمة التنفيذية للمنفى، تلك القيمة التي استطاع أورباخ تحويلها واستغلالها لتنفيذ عمل مجد.
وهيا بنا الآن نعيد النظر بفكرة المكان، تلك الفكرة التي تمكن من خلالها إنسان مثل أورباخ أن يشعر في استانبول، طيلة فترة تبعده عن مكانه الطبيعي، بأنه بعيد عن مكانه ومنفي ومتغرب، إن أقرب وصف للمكان قد يحدده على أنه الأمة، إذ أن فكرة الأمة، أي فكرة جماعة ثقافية قومية ككينونة ذات سيادة وذات مكان محدد قبالة غيره من الأمكنة الأخرى، تحظى بالتأكيد بأكمل درجات التحقيق في تلك الحدود الشاسعة المرسومة بين أوربا والمشرق- ألا وهي تلك الحدود الحافلة بموروث طويل وتعيس في أغلب الأحيان في الفكر الأوربي(9). ولكن فكرة المكان هذه لا تغطي الفروق الدقيقة القائمة بالأساس بين التوكيد والتلاؤم والانتماء والتوحد والتجمع، أي كل ما ينجم عن عبارة "في الموطن، أو في المكان المناسب".
وفي هذا الكتاب سوف أستخدم كلمة "ثقافة" للإِشارة إلى بيئة وعملية وهيمنة مطمور فيها الأفراد (في ظروفهم الخاصة) وأعمالهم، فضلاً عن أنهم في الوقت نفسه تحت المراقبة من فوق بواسطة البنية الفوقية، ومن تحت بواسطة سلسلة كاملة من المواقف الميثودولوجية.
ولذلك ففي الثقافة وحدها نستطيع العثور على كل سلسلة المعاني والأفكار التي تنقلها لنا عبارات من أمثال "الانتماء إلى مكان، أو في مكان مناسب، وكون المرء في موطنه وفي مكانه المناسبين".
إن فكرة الثقافة لفكرة فضفاضة بالطبع. ولكن الثقافة، ككتلة منهجية ذات دلالة سياسية واجتماعية وتاريخية أيضاً، فضفاضة بدورها كفكرتها، والدليل على ذلك يقوم في معجم كروبر كلوكون عن معاني كلمة الثقافة في ميدان علم الاجتماع(10). بيد أنني سأتفادى ذكر تفاصيل هذه المعاني المتكاثر بعضها من بعض، وأكتفي بالتطرق مباشرة إلى ما أظنه يخدم أهدافي هنا على أفضل ما يرام. فالثقافة يتم استخدامها، في المقام الأول، لا لتحديد الشيء الذي ينتمي إليه المرء وحسب، وإنما لتحديد الشيء الذي يمتلكه المرء، ناهيك عن تحديدها أيضاً، فضلاً عن عملية الامتلاك السالفة الذكر، ذلك الحد الفاصل الذي تحتدم عليه معركة ضارية بين مفهوم الشيء الدخيل على الثقافة ومفهوم الشيء الذي من صلبها هي، فهذه الأشياء ليست مثار جدل البتة: إذ إن معظم الناس الذين يستغلون مقولة الثقافة يوافقون عليها ولا بد، مثلما يوافق عليها أورباخ في خاتمة كتابه حين يتحدث عن وجوده في استانبول بعيداً عن بيئته الثقافية المألوفة. بعيداً عن صلب مواد البحث والبيئة المعتادة.
ولكن، في المقام الثاني، هنالك بعد أكثر تشويقاً لفكرة الثقافة هذه ألا وهو تملكها الامتلاك، أي بما معناه أن الثقافة بمقدورها، بفضل موقعها الرفيع أو السامي، أن تجيز وتهيمن وتحلّل وتحرّم، وأن تخفض منزلة شيء ما أو أن ترفع من مقامه، الأمر الذي يعني بوجيز العبارة: قدرة الثقافة على أن تكون وسيلة، أو ربما الوسيلة الأساسية، للإتيان بالتمييز القاطع في قلب مضمارها هي وفيما خلف ذلك المضمار أيضاً، فهذه الفكرة هي الفكرة الجلية في الاستشراق الفرنسي، على سبيل المثال، كشيء متميز عن الاستشراق الانكليزي، وهذا بدوره يلعب دوراً رئيسياً في عمل إيرنست رينان ولويس ماسينون وريموند شواب الذين يمثلون أكابر الباحثين، والذين سيكون عملهم موضع التقويم في الجزء الأخير من هذا الكتاب.
وحين يتحدث أورباخ عن عدم قدرته على كتابة كتاب مثل "المحاكاة" لو أنه بقي في أوربا، فإنه يشير بالتحديد إلى تلك الشبكة المتصالبة المتألفة من تقنيات البحث ومن القوانين الأخلاقية- وهي الشبكة التي من خلالها تفرض الثقافة السائدة على الباحث الفرد قوانينها المتعلقة بكيفية إجراء الدراسة الأدبية. ومع ذلك فحتى هذا النوع من الفرض ليس إلا مظهراً ثانوياً من مظاهر قدرة الثقافة على السيطرة على العمل وعلى تجويزه. وأما الشيء الأهم في الثقافة فهو أنها منظومة من القيم التي ترشح إلى تحت كي تغمر بقطراتها كل شيء تقريباً ضمن نطاقها هي، وإلى حد البلل. ولكن المفارقة العجيبة تكمن في أن الثقافة تتحكم من فوق دون أن تكون، في الوقت نفسه، متاحة لأي شيء ولأي إنسان تتحكم به. وواقع الحال في عصرنا هذا، عصر المواقف المتأنية عن وسائل الإعلام، أن الإصرار الإيديولوجي، الذي تصر عليه هذه الثقافة أو تلك لاستقطاب الانتباه إليها على أنها سامية قد حل به الوهن وحلّت محله ثقافة صارت قوانينها ومعاييرها خفية إلى ذلك الحد الذي صارت تبدو فيه بأنها "طبيعية وموضوعية وحقيقية".
إن المرء ليفترض، من منطلق تاريخي، أن الثقافة كانت دائماً تعني ضمناً التسلسلات الهرمية وذلك لأنها عزلت الخاصة عن العامة، الأمير عمن هم أقل تميزاً وهكذا دواليك.
وعلاوة على ذلك فقد جعلت بعض الأساليب والأنماط الفكرية تطغى على ما عداها. ولكن توجهها كان على الدوام يتمثل بالتحرك إلى تحت من ذروة القوة والتميز كي تنثر وتنشر وتوسع نفسها على أوسع نطاق ممكن. فالثقافة في شكلها النفعي هي تلك الثقافة التي يتحدث عنها ماثيو آرنولد في كتابه المعنون بـ "الثقافة والفوضى". باعتبارها تثير في أشياعها حماسة متقدة:
إن جهابذة الثقافة هم أولئك الرجال المتحمسون لنشر أفضل معلومات وأفضل أفكار زمانهم، ولتيسير سيادتها ونقلها من هذا الطرف في المجتمع إلى ذاك، وهم أولئك الرجال المجتهدون لتشذيب المعرفة من كل ما كان فظاً سقيماً عسيراً عويصاً احترافياً ومنّاعاً، بغية إضفاء مسحة إنسانية عليه وجعله مجدياً خارج إطار زمرة المصقولين والمتعلمين شريطة استبقائه بين أفضل معلومات وأفكار الزمان [هذا هو بالتأكيد التعريف الذي ساقه آرنولد للثقافة] وجعله، من ثم، مصدراً حقيقياً للطلاوة والنور.(11)
 إن السؤال الذي تطرحه هنا حماسة آرنولد للثقافة هو العلاقة بين الثقافة والمجتمع فهو يحاول أن يبرهن على أن المجتمع هو الأساس المادي والفعلي الذي تحاول الثقافة أن توسع هيمنتها عليه من خلال جهابذة الثقافة. ولذلك فإن العلاقة المثلى بين الثقافة والمجتمع ما هي إلا علاقة تطابق يغطي الأول فيها الثاني. بيد أن الأمر الذي يتجاهله قراء آرنولد مراراً وتكراراً هو أن آرنولد يتصور هذا الطموح الذي تطمح إليه الثقافة لبسط هيمنتها على المجتمع إن هو بالأساس إلا طموح ديدنه الصراع: أي أن أفضل المعلومات وأفضل الأفكار عليها أن تتبارى مع كل الإيديولوجيات والفلسفات والعقائد والتصورات والقيم المتضاربة فيما بين بعضها بعضاً، علاوة على أن التبصر الذي كان لدى آرنولد كان مؤاده أن الشيء الذي يحدق به الخطر في المجتمع ليس مجرد صقل الأفراد، أو تطوير زمرة من الإحساسات المرهفة، أو بعث الاهتمام بالآداب الكلاسيكية، وإنما كان إحكام الهيمنة المطلقة، بعد نوالها والظفر بها، لزمرة من الأفكار المتماثلة التي يدعوها آرنولد توقيراً لها بالثقافة، على غيرها من الأفكار الأخرى في المجتمع.
ومع ذلك فالشيء الذي لا يزال على صلة وثيقة بالموضوع هو توجيه السؤال إلى آرنولد عن مكان حدوث هذا الصراع من أجل الهيمنة. فإذا قلنا بأنه يحدث في المجتمع نكون قد اقتربنا من الجواب، على ما أظن، ولكن يبقى علينا أن نحدد مكانه في المجتمع، وقصارى القول فإن اهتمام آرنولد يدور حول مجتمع محدد إجمالاً على أنه، مثلاً، أمة -إنكلترا، فرنسا، ألمانيا، ولكن الأكثر إمتاعاً من هذا هو أن آرنولد يتصور المجتمع على ما يبدو وكأنه عملية ولربما كينونة عرضة للانقياد والهيمنة، لا بل وللاقتناص أيضاً، وإن ما كان يفهمه آرنولد على الدوام هو أن المرء حين يكون قادراً على تسليط مجموعة أو منظومة من الأفكار المدعوة "بالثقافة" على المجتمع يعني أن يكون ذلك المرء قد أدرك أن المراهنات التي يراهن عليها هي تشبّه المجتمع بالثقافة، وبالتالي احتياز سلطة مرعبة جداً. ولذلك ليس من باب المصادفة في شيء أن يلزق آرنولد، في خاتمة كتابه "الثقافة والفوضى"، الثقافة المظفرة بالدولة، ما دامت الثقافة هي أفضل ذات المرء والدولة تحقيق لتلك الذات في الواقع المادي. وهكذا فإن قوة الثقافة ليست، على نحو كامن، بأقل من قوة الدولة في شيء. وإن آرنولد ليس على أي شيء من الغموض حيال هذه النقطة إذ إنه يتحدث، أول ما يتحدث، عن معارضته المطلقة لأمور من أمثال "الإضرابات والمظاهرات، كائناً ما كان نبل القضية، وبعدئذ يمضي قدماً ليبرهن على أن مثل هذه "الفوضى" ، كالإضرابات والمظاهرات، تتحدى سلطة الدولة التي شأنها، أخلاقياً وسياسياً وجمالياً، شأن الإضرابات والمظاهرات:
إن الدولة التي يكون فيها القانون حازماً وآمراً، تكون المسيرة الراسخة والمستقرة للنظام العام شرطاً لازماً كي يحقق المرء النضج لكل ما هو ثمين ودائم الآن، أو كي يوطد الأسس لكل ما هو ثمين ودائم في المستقبل.
ولذلك فنحن نرى أن إطار الدولة ونظامها الخارجي، كائناً من يكون الإنسان الذي يدير الدولة، شيء واحد مقدس، وبناء على ذلك فإن الثقافة من ألدّ أعداء الفوضى، بالنظر لتلك الآمال والمخططات التي ترعاها الدولة، والتي تعلمنا الثقافة أن نرعاها أيضاً.
إن التواكل في ذهن آرنولد بين الثقافة، أي السيادة الراسخة للثقافة على المجتمع (كل ما هو ثمين ودائم)، وبين إطار الدولة ونظامها الخارجي شبه اللاهوتي، أمر واضح تماماً، وهذا التواكل يوحي بتطابق السلطة تطابقاً تواظب على حبكه بلاغة آرنولد وتفكيره. فلكي يكون المرء مع الثقافة وفيها، يعني أن يكون في الدولة ومعها بطريقة ولاء قسري. ومع هذا التشابه، تشابه الثقافة مع الإطار الخارجي للدولة، تأتي ثمة أشياء أخرى كالثقة والعهد وحس الأكثرية وكل شبكة المعاني التي نقرنها بعبارة "الموطن" والانتماء والجماعة. فخارج سلسلة هذه المعاني- وذلك لأن الخارج هو ما يحدد الداخل في هذه الحالة- تقف الفوضى والمحرومون ثقافياً شرعاً، أي تلك العناصر التي تعارض الثقافة والدولة: ألا وهم المشردون، بمنتهى الاختصار.
ليس في نيتي هنا أن أبحث بالتفصيل تلك المضامين التي تنطوي على أهمية قصوى، والتي تتجلى في التعليقات الختامية لآرنولد على الثقافة. ولكن من الجدير بنا أن نصرّ، على الأقل، على بعض تلك المضامين في إطار أعرض من الإطار الذي وضعها فيه آرنولد. فحتى لو كانت الثقافة هي المثل الأعلى بالنسبة لآرنولد، يجب النظر إليها بنفس هذا المنظار من أجل الشيء الذي ينتفي منها ومن أجل الشيء الذي تنتصر عليه حين تكون موضع تقديس الدولة ومن أجل حقها بذلك التقديس حين تكون واقعية. وهذا يعني أن الثقافة عبارة عن منظومة من التمييزات والتقويمات- الجمالية أساساً على الأرجح- كما قال ليونيل تريلينغ، بيد أنها ليست أقل قهراً ولذلك السبب نفسه(13) لأن شريحة من الدولة تكون قادرة على التشبه بها، كما يعني أن الثقافة عبارة عن منظومة من النفايات المشترعة من الأعلى ولكن قوانينها مسنونة من خلال جماعتها السياسية، وبتلك المنظومة يمكن رصد أمور من أمثال الفوضى والشغب واللاعقلانية والدونية والذوق السقيم واللا أخلاقية، ويمكن نبذها واستبقاؤها هناك بواسطة سلطة الدولة ومؤسساتها.
إذ لو صحّ القول بأن الثقافة، من ناحية أولى، هي العقيدة الإيجابية لأفضل ما يستخلصه الفكر ويعرفه، فهي أيضاً من ناحية أخرى بمثابة العقيدة السلبية التفاضلية لكل ما ليس بأفضل.
ولئن كنا قد تعلمنا مع ميشيل فوكو أن ننظر إلى الثقافة نظرتنا إلى سيرورة متشحة بالمؤسسات، وسيرورة تستبقي مناسباً كل ما تراه مناسباً لها، فقد رأينا فوكو أيضاً وهو يبين كيف أن آخريات معينة، آخرين معينين، قد استبقوا صامتين، خوارج، أو استبقوا -في الحالة التي درس فيها قانون العقوبات والكبت الجنسي- مدجنين لصالح الاستعمال في قلب الثقافة.
وحتى لو رغبنا بتفنيد كل ما وجده فوكو من النفايات التي نفتها الثقافة الأوربية الكلاسيكية لكل ما وسمته قانونياً بالمعتوه أو اللاعقلاني، وحتى لو لم نقتنع بأن الموقف المتناقض الذي وقفته تلك الثقافة من مسألة الجنس بتشجيعه وكبته في آن واحد معاً كان موقفاً معمماً بالشكل الذي يتصوره فيه فوكو، فإننا سوف نقتنع ولا بد بأن جدلية تحصين الذات وتوكيد الذات التي تحقق من خلالها الثقافة هيمنتها على المجتمع والدولة، لهي جدلية معتمدة عل تلك الممارسة الدائمة التي تمارسها الثقافة لعزل ذاتها عن كل ما تتصوره لا يمت بصلة إلى ذاتها هي. وأما الأسلوب الذي يتم به هذا العزل فهو على الدوام وضع الثقافة المدعومة فوق الآخر. وهذه المقولة ليست بأي حال من الأحوال مقولة ميتافيزيقية كما سيدل على ذلك للتو مثلان إنكليزيان من أمثلة القرن التاسع عشر. وهذان المثلان كلاهما على علاقة بالتعليق الذي سقته من قبل عن أورباخ، ألا وهو أن الثقافة عليها أن تتعامل بحس عدواني لصالح الأمة والوطن والجماعة والانتماء. فالمثل الأول موجود في محضر جلسة رسمية لماكولي في عام 1835 عن التربية الهندية إذ يقول:
ليس لي أية معرفة لا بالسنسكريتية ولا بالعربية، ولكنني فعلت ما بوسعي لتكوين تقويم دقيق لقيمة كل منهما. لقد قرأت ترجمات لأشهر الأعمال العربية والسنسكريتية. ولقد تحادثت، هنا وفي الوطن، مع أناس متميزيين بكفاءاتهم في اللغات الشرقية. وإنني على استعداد للنظر إلى التعليم الشرقي بالتقويم الذي جاء به المستشرقون أنفسهم. بيد أنني ما وجدت واحداً منهم بمقدوره أن يدحض حقيقة كون رف واحد من مكتبة أوربية جيدة يساوي كل الأدب المحلي للهند والجزيرة العربية. إن السمو الجوهري للأدب الغربي محط الإقرار التام فعلاً من قبل أولئك الأعضاء الذين يشكلون اللجنة والذين يدعمون الخطة الشرقية في التعليم.... وليس من المبالغة أن نقول أن كل المعلومات التاريخية المجموعة في اللغة السنسكريتية أقل قيمة مما قد يوجد في تلك الملخصات المبتذلة والمستخدمة في المدارس الإعدادية في إنكلترا، وفي كل فرع من فروع الفلسفة الأخلاقية والمادية نجد أن المكان النسبي لهاتين الأمتين هو نفسه تقريباً.(14)
إن هذا القول ليس مجرد تعبير عن رأي وحسب. لا، ولا يمكن استبعاده، كما استبعد ديريدا في كتابه grammatology ليفي شتراوس، كشاهد نصي عن التشرنق العرقي. وإن ذلك القول، في الواقع، لدليل على التشرنق العرقي بل وعلى أكثر من ذلك لأن رأي ماكولي ما هو إلا تصور غارق في صميم التشرنق العرقي وذو نتائج مؤكدة. إذ إن ماكولي كان يتحدث من موقع السلطة حيث كان بوسعه ترجمة تصوراته إلى قرار يأمر سكان شبه قارة بأسرها أن يذعنوا للدراسة بلغة غير لغتهم الأم.
وهذا ما حدث في حقيقة الأمر. وهذا الموقف بدوره ما عزز لدى الثقافة أمام نفسها مشروعية تصرفها من جراء توفيره سابقة، وواقعة، جرتا الشعور بالتفوق والقعود في دست السلطة إلى الانغمار في كل من بلاغة الانتماء، أو الكينونة "في الوطن" إن جاز التعبير، ومن بلاغة الإدارة ايضاً: كي تحل الواحدة منهما محل الأخرى بمنتهى البداهة.
وثمة مثل ثان يتعلق بالهند أيضاً. فحين تناول بالدراسة إيريك ستوكس، بحدة ذهن تستحق الإعجاب، أهمية الفلسفة النفعية للحكم البريطاني في الهند، يتعجب المرء في كتاب ستوكس المعنون بـ "النفعيون الإنكليز والهند" من الكيفية التي تتمكن بها زمرة قليلة من المفكرين نسبياً –من بينها بينتام بالطبع والثنائي ميل- من الإتيان بالحجج لتعزيز مذهب فلسفي واستكماله لحكم الهند، مذهب ينطوي في بعض جوانبه على تشابه لا يرقى إليه الشك مع آراء آرنولد وماكولي في الثقافة الأوربية من أنها أسمى من كل ما عداها. فها هو جون ستيوارت ميل يحتل اليوم بين (نفعيي البيت الهندي) منزلة ثقافية مرموقة إلى الحد الذي جعل آراءه عن الحرية والحكومة التمثيلية تدور على ألسنة أجيال وأجيال على أنها المقولة الثقافية الليبرالية المتطورة حول هذه القضايا. ولكن عن ميل كان على ستوكس أن يقول ما يلي:"لقد أفاد جون ستيوارت في كتيبه [عن الحرية] قائلاً بدقة متناهية أن مبادئ الحرية مقصود تطبيقها حصراً على تلك البلدان التي تطورت تطوراً كافياً في مضمار الحضارة ليكون بمقدورها تسوية شؤونها بالبحث العقلاني. وعلاوة على ذلك كان مخلصاً لأبيه في تشبثه بالاعتقاد أن الهند ما كان بالإمكان حكمها وقتذاك إلا بشكل استبدادي. ولكن على الرغم من أنه كان يرفض، هو نفسه، تطبيق تعاليم الحرية والحكومة التمثيلية في الهند، فإن حفنة ضئيلة من الليبراليين الراديكاليين وجمهرة متكاثرة من المثقفين الهنود لم يضعوا أمثال هذه القيود.(15) إن لمحة خاطفة على آخر فصل في الحكومة التمثيلية- ناهيك عن التطرق إلى المقطع الوارد في المجلد الثالث من مقالات وبحوث حيث يتحدث عن تغييب الحقوق بالنسبة للبرابرة- توضح بمنتهى الجلاء رأي ميل اذي قال فيه أن ما كان عليه أن يقوله عن هذا الأمر لا يمكن تطبيقه بالفعل على الهند، والسبب بالأساس أن رأي ثقافته بحضارة الهند هو أنها لم تكن وقتها قد بلغت بعد درجة التطور المطلوب.
إن تاريخ الفكر الغربي بأسره إبان القرن التاسع عشر مليء بأمثال هذه التخرصات والتمييزات بين ما هو مناسب لنا وما هو مناسب لهم، إذ إن الأُول مصنفون بأنهم في الداخل، في المكان الصحيح، مألوفون، منتمون، وباختصار فهم فوق، والمثاني مصنفون على أنهم في الخارج، ثنوى، شواذ، تبّع، وباختصار فهم تحت. فمن هذه التمييزات، التي حظيت بسطوتها من خلال الثقافة، ما كان بوسع أي امرئ أن يتفلت منها حتى ماركس- كما ستبين للتو قراءة مقالاته عن الهند والمشرق(16). إن الاسم الوطني الثقافي الكبير للثقافة الأوربية على أنها المعيار الممتاز حمل معه زمرة مرعبة من التمييزات بين ما لنا وما لهم، بين الملائم وغير الملائم، وبين الأوربي وغير الأوربي، وبين الأعلى والأدنى: فهذه هي التمييزات التي يقع عليها المرء في أي مكان في موضوعات وأشباه موضوعات من أمثال علم اللغة والتاريخ ونظرية العرق والفلسفة والأنتروبولوجيا، لا بل وحتى البيولوجيا. ولكن السبب الرئيسي لمجيئي على ذكر هذه الأمور هنا يكمن في الإشارة إلى أنه في نقل ثقافة ما ودوامها هناك عملية متواصلة من التعزيز، من خلالها تضيف الثقافة السائدة إلى نفسها الامتيازات المقصورة عليها والمتأتية لها من جراء إحساسها بالهوية الوطنية، بقوتها كأداة بيد الدولة، أو حليف لها أو فرع منها، بصواب موقفها، بمظاهرها الخارجية وتوكيداتها لذاتها، والأهم من هذا كله إحساسها بمبرر قوتها كمنتصر على كافة الأشياء التي لاتمت لها بأية صلة.
وما من سبب يدعو للشك في أن الثقافات كلها تتحرك بهذه الطريقة، وما من سبب يدعو للشك في أنها كلها عموماً تميل إلى تحقيق الظفر من خلال تعزيز هيمنتها. ومن الجدير بالذكر أنها كلها تعزز هيمنتها بطرق شتى وبمنتهى الوضوح. وإنني لأعتقد أن صحيح القول يكمن في أن بعضها أكثر فاعلية عملياً من الأخريات حين يتعلق الأمر ببعض الأنواع الخاصة بالأعمال البوليسية. بيد أن هذا الواقع من اختصاص علماء الأنتروبولوجيا المقارنة، وليس ميداناً جديراً بالمغامرة هنا للإتيان بتعميمات عريضة عليه. فمثار اهتمامي هو الإشارة إلى أن الثقافة إن كانت تمارس أنواع الضغط الذي جئت على ذكره، وإن كانت تخلق المناخ، لا بل والجماعة التي تتيح للناس الشعور بالانتماء، عندها إذاً يجب أن يكون صحيحاً أيضاً أن مقاومة الثقافة كانت موجودة على الدوام. وفي أغلب الأحيان تتخذ تلك المقاومة شكل العداء الصريح لأسباب دينية أو اجتماعية أو سياسية (وثمة مظهر واحد من مظاهر هذا العداء موصوف على نحو جيد بقلم إيريك هوبزبوم في كتابه "الثوار البدائيون"). ولقد جاء هذا العداء على الأغلب من أفراد أو مجموعات أعلنت عنهم الثقافة جهاراً أنهم من خارج إطارها أو أنهم من مستوى أدنى منها (والسلسلة هنا واسعة بالطبع، من كبش الفداء الشعائري وصولاً إلى النبي المعزال، ومن المنبوذ اجتماعياً إلى الفنان الحاكم، ومن الطبقة العاملة إلى المفكر المتغرب). وهنالك شيء كبير من الصدق في قناعة جوليان بيندا بأن المثقف أو المتعلم (clerc) ، كان بطريقة أو أخرى هو الذي يجسّد القيم والأفكار والفعاليات التي تتسامى وتعترض سبيل العبء الاجتماعي المفروض من قبل الدولة القومية وثقافتها الوطنية.
ومن المؤكد أن ما يقوله بيندا عن المثقفين (المسؤولين عن التصدي بطرق مقصورة على مهنة الثقافة وحدها) يتماشى تماماً مع شخصية سقراط بالشكل الذي تبدو فيه في "محاورات أفلاطون"، أو مع معارضة فولتير للكنيسة، أو مع فكرة غرامشي، الأحدث عهداً، عن المثقف الدستوري المتحالف مع طبقة صاعدة ضد هيمنة طبقة حاكمة. فحتى آرنولد يتحدث عن "الأغراب" في كتاب "الثقافة والفوضى" ويصفهم بأنهم أولئك "الأشخاص المنقادون أساساً، لا بروحهم الطبقية، بل بروح عمومية رحيمة، وهي الروح التي يربطها مباشرة بثقافة مثالية ولا يربطها، على ما يبدو، بتلك الثقافة التي زاوج لاحقاً بينها وبين الدولة. وأما من الناحية الأخرى فإن بيندا مخطئ بالتأكيد حين يعزو الكثير جداً من القوة الاجتماعية للمثقف المعزال الذي تأتيه القوة، وفقاً لما يقوله بيندا، من صوته المنفرد ومن معارضته للمشاعر الجماعية المنظمة. ولكن إذا سلمنا جدلاً أن المصير التاريخي لمشاعر جماعية من أمثال "بلدي مصيب أو مخطئ، ونحن بيض ولذلك ننتمي إلى عرق أسمى من عرق السود، وأن الثقافة الأوربية أو الإسلامية أو الهندوسية أسمى من كل الثقافات الأخرى" هو المسؤول عن تخشين الفرد وتوحيشه، قد يكون عندئذ من الصحيح أن الوعي الفردي المنعزل، المعارض للبيئة المحيطة والمتحالف مع الطبقات والحركات والقيم المناوئة، هو صوت معزول وخارج المكان الصحيح ولكنه حيز كبير جداً من ذلك المكان وواقف بمنتهى الوعي ضد العقيدة السائدة لمناصرة مجموعة من القيم المعروفة جهاراً بأنها عمومية أو رحيمة، ومجموعة تذكي مقاومة محلية هامة ضد هيمنة ثقافة واحدة. وواقع الحال يدل أيضاً على أن المثقفين، وبموافقة كل من بيندا وغرامشي، مفيدون غاية الفائدة في تفعيل الهيمنة. وهذه الحقيقة ما هي بالطبع إلا خيانة المتعلمين المأمورين “Trahison de clercs” ، إذ إن مساهمتهم غير اللائقة في الوصول بالمشاعر السياسية إلى حد الكمال هي الشيء الذي يشكل بمنتهى الأسف نفس جوهر خيانتهم الجماعية المعاصرة. وأما بالنسبة لفكر غرامشي، الأكثر تعقيداً من سابقه، فإن مثقفين معينين مثل كروس جديرون بالدراسة (ولربما بالحسد) لأنهم جعلوا أفكارهم تبدو وكأنها تعابير عن إرادة جماعية.
وهذا كله يبين لنا، إذاً، وضع الوعي الفردي في صميم نقطة حساسة، علاوة على أن هذا الوعي في تلك النقطة الحساسة هو ما يحاول استكشافه هذا الكتاب وبالشكل الذي أدعوه فيه بالنقد. فالعقل الفردي يدوّن، من ناحية أولى، جماعية الكل أو البيئة أو الموقف الذي يجد نفسه فيه وهو على أتم إدراك بذلك. ومن ناحية ثانية، ونظراً لهذا الإدراك بالتحديد- أي وضع الذات في موضع دنيوي، رد فعل حاس تجاه الثقافة المهيمنة- فإن الوعي الفردي ليس مجرد طفل للثقافة بكل بداهة وبساطة، ولكنه فاعل فيها اجتماعياً وتاريخياً. وبسبب تلك النظرة، التي تقدم الظرف والتمايز في المكان الذي لم يكن فيه من قبل سوى المجاراة والانتماء، هنالك مسافة، أو ذلك الشيء الذي يمكننا دعوته بالنقد فمعرفة التاريخ وإدراك أهمية الظرف الاجتماعي وقدرة تحليلية على الإتيان بالفروق: هي الأمور التي كلها تقض مضاجع السلطة شبه الدينية مخافة أن تجد لها مراحاً داخل الوطن وبين ظهرانيي الشعب
الرد


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  في ذكرى ادوار سعيد .. ذاك المشعل بشاير 29 14,417 04-15-2009, 02:09 PM
آخر رد: وائل أحمد
  حين كتب ادوارد سعيد عن تحية كاريوكا سيناتور 5 5,123 10-07-2007, 07:32 AM
آخر رد: سيناتور
  إدوارد سعيد في مرآة إعجاز أحمد سيناتور 0 2,891 07-09-2007, 12:58 PM
آخر رد: سيناتور
  تمهيد جديد لكتاب الاستشراق- أدوار سعيد سيناتور 0 2,579 06-21-2007, 12:57 AM
آخر رد: سيناتور
  ادوارد سعيد... عامان على الرحيل غرامشي 1 2,843 09-29-2005, 02:37 AM
آخر رد: الـنـديــم

التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 1 ) ضيف كريم