تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
ادوارد سعيد: البدايات عمل اهم من الاستشراق الذي صنع شهرته..!!!!
#1
ادوارد سعيد: البدايات عمل اهم من الاستشراق الذي صنع شهرته
2004/09/28

في الذكري الاولي لرحيله

ابراهيم درويش
يوم السبت الخامس والعشرون من ايلول (سبتمبر) الحالي حلت الذكري الاولي لوفاة الناقد والاكاديمي الفلسطيني ـ الامريكي المعروف ادوارد سعيد.
وهناك العديد من الفعاليات للاحتفال به وباعماله، وسيعاد فيها التركيز علي اهميته في حقل الدراسات الثقافية وحقل المعرفة الانسانية والادبية بمعناها العام. وسعيد، ناقد معقد وصعب، ومثل الموضوعات التي تصدي لها طوال حياته يظل محلا للجدل والنقد، وبعيدا عن الهجمات التي لقيها طوال حياته من الاطراف المثقفة في امريكا، من اصحاب الاتجاهات اليمينية المتحالفة مع الصهيونية، فهو ناقد لا يزال يحتاج لقراءات نقدية اكثر، ووجه هذا الزعم ان كل الذين حللوا او كتبوا عن ادوارد سعيد انطلقوا من كتابه المهم الاستشراق والذي اثر كثيرا في فهمنا لطبيعة المعرفة وعلاقتها بالسلطة، والدور الذي لعبه الاستشراق الاوروبي في تهيئة الظروف لاستعمار الشعوب الاخري في اسيا وافريقيا ونهب ثرواتها. ومن هنا تجاوز النقد الادبي لسعيد، الحلقات التأسيسية التي قادت لولادة الاستشراق، الذي جعل من ادوارد سعيد من اهم المثقفين المؤثرين في القرن العشرين، وربط اسمه بحقول عدة منها دراسات ما بعد الاستعمار.
وتطور كتاب الاستشراق ليصبح عدة كتب كما المح سعيد نفسه، بعد ترجمته لاكثر من 36 لغة، ولكن الاهتمام بنقد الاستشراق الذي قدمه سعيد، وهو النقد الذي تميز في غالبه بعمومية الطرح، والتكرار، والسطحية، خاصة من خبراء الاسلام الجدد في امريكا من المتخصصين في علم الاجتماع السياسي والذين اصبحوا المتحدثين الرسميين عن الاسلام في الاعلام الامريكي لم يربط الكتاب/ المحاولة بالمسار الفكري لسعيد، والذي انتهي بكتابته لمذكراته الجميلة خارج المكان . وهو ما دعا سعيد في مرحلة لاحقة لتعرية هذا الفريق، الذي افتقد الكثير من ملامح الاستشراق الاوروبي، المتميز والمتعاطف في بعض الوانه مع موضوع الاسلام. وجاء كتابه تغطية الاسلام ليعكس الطريقة التي تعامل فيها الاعلام الامريكي وخبراء الاسلام في المعاهد ومراكز البحث العلمي مع موضوع الاسلام، الناس والشعب والدين. وعري بهذه الطريقة الاستشراق الجديد الذي يمثل الامبريالية الامريكية الجديدة والتي تم اختطافها من قبل الايديولوجية الصهيونية. واللافت للانتباه ان كل النقد للاستشراق تعامل مع الادوات المعرفية والوسائل النظرية التي استخدمتها سعيد لدراسة علاقة المعرفة بالسلطة باعتبارها انعكاسا لافكار المفكر الفرنسي فوكو.
وعند ربط سعيد بفوكو فان الانطباع العام هو ان سعيد، الناقد والمفكر كان معادا للانسان. وهذا الفهم لعمل سعيد المهم وليس الاهم، يظل مجزوءا لان الناقد الفلسطيني انطلق من فهم اوسع للمعرفة، باعتبارها حقلا متعدد النشاط، مليء بالتوتر، والتناقض العملي والظاهري.
وعليه فقراءة سعيد تستدعي قراءة عضوية لاعماله، وهو الناقد الذي اكد علي دور المثقف العضوي، الذي استعاره من غرامشي واكده في تمثيلاته للمثقف. وقبل ان يقدم علي دراسة الاستشراق، قام سعيد بدراستين تأسيسيتين، مهمتين، ولم تحظ اي منهما بالاهتمام والانتباه الذي لقيه الاستشراق. فعمله الاول الذي كرسه لرواية السيرة الذاتية كما تعبر عنها كتابات جوزيف كونراد، والعمل الاكثر اهمية هو البدايات الذي قدم فيه دراسة فلسفية عن فكرة البداية في العمل الادبي، وفيها جرب وانتقد العديد من المفاهيم الفلسفية المعروفة ورفضها مثل الانطباعية والمثالية، هذان العملان يشكلان الارضية الفكرية لسعيد، وضمن هذا السياق لا يمكن فهم موقف سعيد من الاستشراق دون قراءة اعماله الاخري، مسألة فلسطين وتغطية الاسلام، والكتابات الاخري العديدة التي تصدي فيها سعيد لشخصيات استشراقية رومانسية، او اعاد فيها قراءة الاستشراق عبر منظور اكثر راديكالية، وهذه عادة سعيد الذي كان يعيد قراءة نفسه ويبحث معاني جديدة في كتاباته ويضفي عليها طابعا اكثر راديكالية، حيث كان يري ان العمل او الفكرة النقدية قابلة للولادة في فضاء ثقافي اخر مختلف. عاني اذن سعيد ومدرسته السعيدية من القراءات المجزوءة القراءات المثقلة بالايديولوجية، والنقد الذي ركز علي ما يبدو انه تناقض في ما يطرحه الكاتب من افكار، او تناقض علي المستوي النظري وتطبيقاته المعرفية. وكل هذه الاعمال النقدية في ظاهرها فشلت في التعامل مع تراث واعمال سعيد باعتبارها شكلا من اشكال التجريب والبحث المخلص والتراكم المعرفي، الذي قاد سعيد لاعادة دراسة فكرة الحداثة الغربية بقراءة فكرها وفلسفتها، واختيار منها ما يناسب اسلوبه وقضيته ورؤيته النقدية.
وضمن هذا السياق يطرح سعيد في اعماله التي سبقت الاستشراق رؤي فلسفية حادة فيها نقد للفلسفة الانكلو ـ امريكية والتي ان مضي عليها اكثر من قرن الان انها فشلت فشلا ذريعا في حقول لها علاقة بالحياة الثقافية الانسانية.
المشكلة الاخري التي تدعو القارئ لاعمال سعيد، انه اي الناقد قارئ متعدد الاتجاهات، وذو اطلاع عميق علي التراث الفكري الغربي، ومتمثل له، والموضوعات التي عالجها سعيد في حياته الاكاديمية تبدو متعارضة ومتناقضة، مثل الاساليب النظرية التي استخدمها، حيث كان انتقائيا في مداخله، مما يعطي انطباعا انه كان مزاجيا ويفتقد التساوق والانسجام في رؤيته للاشياء ولكن النظرة الشاملة لرحلة سعيد الفكرية تقدم صورة مختلفة بل ومتعارضة مع هذا الفهم الظاهري. خذ مثلا، الاتهام الذي وجه لسعيد بانه يهاجم الغرب وينتقده وفي الاطار نفسه يدعو للعدالة والحرية والمساواة والديمقراطية وهي مفاهيم تعبر كما يقول نقاده عن روح الغرب. والسؤال هذا او النقد مشروع، الا انه يتجاهل او يفشل في فهم المدي الفكري لسعيد الذي رفض الاشكال الجاهزة واليقينيات، الدوغما، العقائد والافتراضات، واستبدلها بتقنية جديدة هي تقنية المشكلة/ الازمة كما ظل يبحث عن التوتر بين الناقد - او النقد والعادية في محاولة للتأكيد علي المصير الانساني وقدر الانسان الجمعي القائم علي التشاركية والعالمية. فسعيد في اعماله التأسيسية، خاصة عن كونراد قدم تفسيرا جميلا عن الثمن الذي يدفعه المثقف والشاهد ـ الناقد الذي يعمل في ظروف متطرفة للوصول الي النقد.
هناك جانب هام يلاحظه او تكشفه القراءة العميقة لسعيد، ان اعماله تعتبر تحديا ليس في مجال الفلسفة التحليلية ولكن للحقول الانسانية عامة. ووجه هذا التحدي ان سعيد اصر علي وجود علاقة مباشرة لا تفاوضية، وذات صلة نسبية للمفهوم التاريخي النقدي ومعانيه. ولهذا ركز علي ان دور المثقف العضوي الذي يجب ان يكون غير عادي، ليس بمعني الانعزال عن العالم المحيط به، فالمثقف الحقيقي عند سعيد هو الذي لا يتخلي عن استقلاليته، وهو - اي المثقف الذي لا يتحرج من طرح اسئلة محرجة، وهو ما فعله سعيد في الاستشراق، حيث لم يتحرج عن تعرية فضائح المدنية الغربية، ولم يتورع عن تعرية اثار المشروع الصهيوني علي حياة الفلسطينيين. ومن هنا كان سعيد من اوائل المفكرين العرب الذين فهموا العلاقة بين فكرة اوروبا الحديثة والمشروع الصهيوني، كما تجاوز هذا التحليل والتعرية للبحث عن اثار اوسلو وتبعاتها علي حياة الفلسطينيين، حيث ادي المصافحة المثيرة للتقزز بين عرفات ورابين الي بناء اقطاعية متخيلة يحكمها عرفات وتمارس اسرائيل دور الامر الناهي. كل هذه المواقف تعكس اهمية دور المثقف واستقلاليته، فمعرفته ليست معرضا للولاء السياسي او بعبارة اخري لا يمكن التخلي عن المعرفة لصالح الولاء.
واكثر من هذا، قام سعيد بتفكيك الاسطورة ونزع الاسطرة في مجال العلاقة بين الممارسة العقلانية النظرية والاهتمامات العملية للانسان. وقد دعا هذا سعيد، في الاستشراق مثلا، للنظر للافكار والمثل ليس باعتبارها ـ جوهرا ـ ولكن، كما يناقش فيكو مصنوعة من قبل الانسان عبر ادوات اجتماعية متصارعة علي السلطة، التميز والقوة.
وعبر عن خبرة نقدية عالية من خلال الذهاب ـ الي ـ و ـ من الاشياء ، مع ان سعيد مقارنة ببقية الفلسطينيين الذين وجدوا انفسهم في الخيام، كان محظوظا، وما يعني هنا في فهم بحث سعيد عن الهوية في اطار وضع المنفي هو الفكرة ذاتها التي تجرد الانسان من علاقته بالمكان وتعطيه حسا بالانقلاع والتشرد، او كما قال سعيد نفسه في ما بعد السماء الاخيرة لان تاريخنا ممنوع، والسرديات نادرة: اي قصة الاصل، البيت، الوطن، سرية، وعندما تظهر، فهي متشظية،.. بعيدة ومشفرة وباشكال غاضبة..الحياة الفلسطينيية مبعثرة، لا متواصلة.. معلمة دائما بترتيبات مصطنعة ومفروضة لفضاء محدد او منتهك . حديث سعيد لوضع المنفي الفلسطيني، كان يهدف لما اسماه نفسه الترخيص بالسرد اي الحصول علي فضاء نقدي وفكري يمكن الفلسطيني من اعادة سرد سيرته او تكرارها. ولهذا اكد سعيد علي اهمية السرد والتكرار.
سعيد، كما يقول عبدالرحمن حسين في كتابه المهم ادوارد سعيد: النقد والمجتمع انه يمكن فهم سعيد كمثقف عاش في المابين او ضمن الحدود، ومن هنا يمكن تركيز سعيد وبحثه الدائم عن هوية من نوع ما تبعده عن الواقع الذي لا مفر منه في المنفي. وكتاب عبد الرحمن حسين هو العمل الذي قدم تحليلا عميقا لابعاد المشروع السعيدي منطلقا من علاقته، العاطفية مع جوزيف كونراد، ومن ثم قراءته للفلسفة الاوروبية ومعني البدايات فيها وبعدها اعماله الاخري التي اشتهر اكثر من الاعمال الاولي، ويقترح عبدالرحمن حسين قراءة جديدة لمجمل تراث واعمال سعيد في كتابه الذي اعيدت طباعته في لنــدن هـذا العام من خلال التركيز علي مدخل نظري يشير لهذا التوزع ما بين ما سماه سعيد اما ـ او ، و المنحني المزدوج ، او القيام بالحفر النقدي والعمل علي تنسيب العمل او اي البحث في شجرة عائلته، وقد مكنت هــذه الادوات النقدية سعيد لاعادة النظر، تفكيك، نزع الاسطورة، التنقل من فضاء معرفي ونقدي لاخر، والمشاركة في مجالات للمعرفة متناقضة لكنها بدت في تحليل سعيد ذات صلة نسبية.
ويؤكد الكاتب هنا علي اهمية عمل البدايات لمشروع سعيد النقدي، فهو مع دراساته لكونراد يشكلان الخميرة او الارضية التي اسس عليها سعيد مشروعه السعيدي الذي اخذ ولفق ورفض وانتقد وشعر بحس الخديعة من داخل الفكرة نفسها. ومن هنا يري حسين ان اعادة التركيب التاريخي التي قام بها سعيد مع نشاطه، تدخله كناقد، فجل اعمال سعيد تحمل في طياتـها تلك المواجهة بين موقفين متعارضين، يشيران الي تكريس كامل من جانب الناقد للمبادئ العلمانية للانسانية، وفي نفس الوقت شك وشعور بالخيبة والخداع من المبادئ نفسها. واختار سعيد الناقد طريقة مواجهة هذه المشاعر، الخيبة، وتفكيكها واعطائها بعدا راديكاليا بدلا من رفضها والبحث في داخل تناقضاتها.
وبدا المشروع السعيدي في هذا الاتجاه كتاريخ مضاد او تواريخ جديدة تواجه التواريخ والمفاهيم الجاهزة او المتعارف عليها، بما في ذلك اساطير التأسيس والنشوء. عبدالرحمن حسين يقدم في هذا الاتجاه قراءة نقدية معمقة لمشروع سعيد، مع اعترافه ان اثر سعيد لا يكمن فقط في عمله علي الاستشراق وما تبع ذلك من نشوء دراسات ما بعد الاستعمار وازدهار حقل الدراسات الثقافية. يكتب حسين اذن عن سعيد المثقف الشاب، الذي ظل شابا، لان سعيد الذي مات في عمر 68 عاما لم يتقبل فكرة اثر تقدم العمر علي الغضب والقلق الذي يعمر الانسان، مشيرا الي ان اهم اعمال بيتهوفن الصاخبة قدمها الموسيقار الالماني وهو في عمر متقدم، وسعيد الشاب هو ذلك الذي انهي دراسته للتو، وبهذه المثابة تشكل الكتابات الاولية البذور التي ولد منها المشروع السعيدي، كما يشير حسين. اللافت للانتباه ان الكاتب هنا يعتبر دراسة سعيد العالم والناقد والنص عملا جدليا، انشغل فيه سعيد بالمماحكة والجدل ولكنه يدخل بطريقة او باخري ضمن مشروع سعيد، الرافض للاعتراف باليقينيات، واقامة مشروعه بناء علي تقنية الازمة او المشكلة. سعيد علي الرغم من لغة الكاتب ـ حسين ـ المعقدة والصعبة في غالب الاحيان، ناقد ليس للنص الادبي ولكنه باحث داخل هذا النص عن علاقات القوة والسيطرة والتملك وانعكاسات هذا النص علي العالم الذي ولد في داخله وقدرته علي تجاوز الحدود وبداية حياة جديدة في المنفي او في الهامش وحتي في داخل ما يعرف بتيار الثقافة الرئيس.
وفي بحث سعيد عن التناقضات والتوتر في النص فقد قام بنقد مجمل للبنية الفلسفية لثقافة الحداثة، وهذا النقد تمظهر عبر سلسلة من الاهتمامات المعرفية ـ التاريخية ـ السياسية ـ الثقافية ـ والسيرة الذاتية.
سعيد كناقد للامبريالية، وهو الكتاب الاهم الاخر الذي جاء بعد عقدين من صدور الاستشراق، قام بتفكيك ونقد اسسها الفلسفية، هذا الانجاز كما يقول حسين، لم تنتبه الا قلة من النقاد الجادين لاعمال سعيد، وبعيدا عن هذا فكل النقد الذي قدم في امريكا بالذات ظل نقدا يضرب علي وتر الحقد والتطرف والنظرة الفوقية. سعيد كما يبدو من كتاب حسين كان ناقدا منشغلا بالهم الانسـاني في شروط ثقافة الحداثة واتقن لعبة التحرك بين الحدود والفضاءات، وابدي قدرة في تخليق الابداع من هذا التناقض الظاهري، والذي لم تسلم منه صورته، فهو الفلسطيني المنفي الذي لم يجرب العيش في خيمة، كان يسكن مانهاتن، ويحب البدلات من كبار محلات المصممين، ولكن هذا السلوك الانساني، لا يلغي التزام سعيد بقضيته، كفلسطيني وكمنفي مثقف في العالم. سعيد في تحليل عبد الرحمن حسين، واصل صعوده الفكري، وتحليله للنص، باعتباره مساحة للعلاقات، والوجوه والصور والثقافات، ومن البدايات راكم تجربته المتنوعة والتي استلهمت كما اكدنا اكثر من مرة جوهر النص الادبي وعلاقته بالحياة الانسانية، وموقف الناقد كرجل داخل/ خارج الحياة، وشاهد متنور ومسؤول لا يعترف باليقينيات او السلوكيات الجاهزة للمجتمع. ويمكن تفسير موقف سعيد من دور المثقف وصوره بكونه نابعا من قلقه الدائم من ثقافة المؤسسة والحاجة الدائمة لتجاوز القشرة العامة والبحث عن ملامح اخري من التوتر والتناقض والتعارض، وانتاج ابداع خاص ومسؤول. ومن هنا، فقراءات سعيد في النصوص الادبية التي عبرت في اشكالها عن واقع الاستعمار لم يمنعه من الاعتراف بجماليات النص علي الصعيد الفني. وبنفس السياق ينظر هذا الحس في معالجته لنصوص الاستشراق التي وجد فيها تعاطفا وحبا ورومانسية مرتبطة بعالم الشرق. ولكن سعيد، الجارح في نقده المعتز برأيه لم يكن ليغفر للمثقف الذي وضع نفسه في خدمة المؤسسة، ولهذا السبب كان حادا في نقده لاعمال ومسيرة الكاتب البريطاني الترينندادي الهندي، فيشا نايبول، الذي لم يصدر في رؤيته عن عالمه القديم الا من خلال رؤية صحافية تعمم ولا تسأل. يدعونا كتاب عبدالرحمن حسين، اذن، للنظر لمجمل المشروع السعيدي، وقراءته عبر منظور الناقد، انشغالاته المعرفية، همومه وقلقه الوجودي، واشكاليته كشخص يعيش هم اللامنتي، وفي ضوء هذا علينا التخلص، وقبل الولوج للنص السعيدي من المقاربات الجاهزة والاحكام الجائرة، والتعميمات التي تعلن ان سعيد اخذ عن فوكو او غرامشي، بدون تمثل او استيعاب، فسعيد كان قادرا علي الاخذ والتمثل والاستيعاب والنقد في نفس الوقت. ومن هنا لم يبالغ احد النقاد الذين تناولوا سعيد باعتباره اهم القوي الثقافية المؤثرة في القرن العشرين، واعماله تنافس اعمال فوكو ودريدا وغيرهم.

ہ ناقد من اسرة القدس العربي

اعتمد هذا النص في مجمله علي القراءة الجميلة التي قدمها عبد الرحمن حسين، الذي ولد في الصومال ويعمل حاليا مدرسا في جامعة تينسي نوكسفيل .
عنوان الكتاب:
Edward Said: Criticism and Society
By: Abdirahman a.Huein
Verso/ London
First Edition 2002/
Paperback Edition/ 2004
0
QPT3

الرد
#2
تذكر إدوارد سعيد لا يكون بالأرشفة المعلبة
نجم عبد الكريم

تتناول بعض الصحف العربية إحياء الذكرى السنوية لرحيل أي علَم من الأعلام، بطريقة أرشيفية ممجوجة ومملّة، إذ يتم نشر حِزَم مهولة من المعلومات المعلبة عن الراحل، وكأنها تأرشفت خصيصاً لملء فراغات مجدولة سلفا لمثل هذه المناسبات، المعدة للنشر اليومي.
فصار إحياء ذكرى الراحلين من رجال الفكر والأدباء والفنانين، ناهيك عن السياسيين، لا يخرج عن هذا الإطار المؤرشف البليد منذ عقود..!!
ولأن الراحل ادوارد سعيد يمثل أنموذج المثقف، الذي يملك رؤية، والرؤية موقف، وهذا الموقف قاده إلى إحداث حركة، وهي حركة غير عادية، فكان من المتوقع أن يتم تناول ذكراه، بعد مرور عام على رحيله، بدراسات تحليلية معمقة، تشرح الأسس التي تقوم عليها تلك الرؤية وذلك الفكر المتميز!.. بدلاً من ذلك الغث الذي أمطرتنا به الصحف، حيث أسرفت بإطناب جُلّه لا يتجاوز حدود التسطيح المشبع بالمسلّمات البديهية، كتاريخ ومكان مولده، والمناطق التي تنقل إليها، والمدارس التي تلقّن التعليم فيها.. وعدد الكتب التي قام بتأليفها.. إلخ.. إلخ!.
مع ان ادوارد سعيد قامة مثيرة للجدل، وهناك الكثير ممن جادلوه في أطروحاته أثناء حياته، كجورج طرابيشي، وفؤاد زكريا، والعشرات سواهما.. والغريب أن الذين كتبوا عن ادوارد سعيد في ذكرى رحيله، ليس فيهم من أشار إلى أيّ من المنزلقات التي كثيراً ما تتعثر بها خُطى من يخوضون في المعارك الفكرية والثقافية والسياسية!. في حين ان ادوارد سعيد نفسه أشار في مقدمته لمذكراته إلى بعض من هذه المنزلقات عندما قال: «لم أعف نفسي قصداً من السخرية، ولا من الروايات المحرجة».
ومحزن حقاً أن نجد الصحف الإسرائيلية قد تناولت ذكرى رحيل ادوارد سعيد، بملفات ودراسات، أشرف على البعض منها ديفيد فروم، وهو أكاديمي إسرائيلي، طُرحت في تلك الدراسات، تساؤلات حول علاقات ادوارد سعيد الحميمة ببعض أصدقائه من اليهود.. أمثال (دانيال بارنبويم)، الذي أسس معه فرقة موسيقية.
والطبيب النيويوركي اليهودي الذي كان ادوارد يثق به ثقة عمياء، لدرجة أنه لم يكن يأتمن على حياته سواه.. كذلك علاقته بالمفكر اليهودي (ناعوم تشومسكي)، الذي ارتبط ادوارد سعيد معه بصداقة وطيدة.. وقد جاء في ما كتب في الدراسة ذكر العديد من اليهود ممن ارتبط بهم ذلك المفكر العربي.
ومما جاء في ما كتبته عنه الصحف الإسرائيلية، رأيه في حركة حماس، حيث أجاب عندما سُئل عن ذلك في أحد المؤتمرات، فقال: «حركة احتجاج فلسطيني. لكن، إن سألتني كمواطن فلسطيني، إذا ما كانت حماس تمثل بديلاً حقيقياً على صعيد الحركة الوطنية الفلسطينية، أقول فوراً وبلا تردد: «لا»، والسبب هو أنني لا أعرف لحماس رؤية فلسطينية أو قراءة للتاريخ الفلسطيني.. وينبغي ألا ننسى أن بداية ظهور حماس إلى الوجود، ارتبطت برغبة إسرائيل في ضرب منظمة التحرير، والانتفاضة».
* والواضح مما كتب عن ادوارد سعيد في الصحافة الإسرائيلية، والصحف الأخرى التي تناولت ذكراه باللغة الإنجليزية، قد تم الإعداد له من المختصين والدارسين، والنقاد، فبحثوا ونقّبوا في مختلف الجوانب، في مشروع المفكر العربي ادوارد سعيد وآثاره في الرؤية المستقبلية، فمنذ ظهوره في العلن كسياسي، بالمشاركة في الحوارات التي بدأت في جامعة هارفارد مع بعض المثقفين اليهود في بداية السبعينات، ومع حركة «ميريتس»، التي كان ادوارد سعيد يراهن عليها باعتبارها حركة ممثلة لعناصر اليسار العمالي الإسرائيلي، إلى أن دبّ الخلاف بينه وبين عرفات!. ذلك كله وغيره جاءت عليه الصحف غير العربية!.. بينما حفلت الصحف العربية بالحديث عن بعض أطروحات ادوارد التي سبق أن أعلنت، ونشرت عشرات المرات!.
* ولي مع ادوارد سعيد تجربة حزينة، ولا بأس من الإتيان عليها هنا، لأنها تصور ملمحاً من ملامح شخصيته.
ففي عام 1994، كنت أشرف على إذاعة تبث برامجها باللغة العربية من مدينة لندن، وكنت أتحيّن فرص وجود السياسيين والإعلاميين والفنانين ورجال الفكر، لأتحاور معهم على الهواء مباشرة في برنامج (ليالي لندن)، حيث كانوا في تماسٍ مباشرٍ مع جمهور المشاركين عبر الاتصالات الهاتفية.
وكان البروفيسور ادوارد سعيد مؤلف أهم كتابين: (الاستشراق).. و(الثقافة والاستعمار)، كثيراً ما كان يزور لندن، محاضراً حيناً، ولمتابعة علاجه حيناً آخر.. فهذا البروفيسور المتميز في الأدب المقارن، والنجم اللامع على كل أقرانه من أساتذة جامعة كولومبيا الأمريكية، والسياسي الذي طرح اسمه وزير خارجية أمريكا ـ سيروس فانس ـ ليكون ممثلاً للشعب الفلسطيني في مؤتمر جنيف للسلام، وغير معترض عليه لا من أمريكا ولا من إسرائيل!.
هذا البروفيسور الشهير، كنت اعتبره صيداً ثميناً لبرنامجي، لكنه كلما جاء إلى لندن، وفاتحناه في موضوع المشاركة، كان يرفض رفضاً باتاً، لأنه ضد مبدأ الاتصالات الهاتفية التي تأتيه من أناس يتستّرون وراء حجب الهواتف ـ على حد تعبيره ـ وهو لا يرغب أن يعرّض نفسه لتساؤلات قد تكون غير مسؤولة أو ملتزمة بالحدود اللائقة!
وقد بذلت جهداً كبيراً في محاولة لإقناعه، إلا أنه كان مُصرّاً على الرفض.. وبعد وساطات تدخل فيها مكتب المفوضية الفلسطينية في لندن، ممن شرحوا له موقف الإذاعة الإيجابي من القضية الفلسطينية، فوافق شريطة أن أُسجّل له حواراً بعد أن أقدم له الأسئلة مكتوبة.
ولم أجد بُداً من استغلال فرصة كهذه، وذهبت إليه في الموعد المحدد، فوجدت البروفيسور واجماً، وردّ عليّ السلام ببرود لم أكن أتوقعه، وبادرني بالقول: «قبل أن تفتح أجهزتك، أريدك أن تعرف أنني لن أُجيب عن أسئلة اصطبغت بالصبغة العرفاتية..!؟». فالدكتور ادوارد سعيد اعتبر سؤالي إليه في ما قاله عنه عرفات ـ ونشرته مجلة «المصور» المصرية ـ عندما سُئل أبو عمار عن رأيه في كتاب (غزة ـ أريحا: سلام أمريكي)، اعتبره تحيّزاً لعرفات، لأن الزعيم الفلسطيني قال عن كتاب ادوارد سعيد: «إنه كتاب تافه، وأنا قرأته على سبيل التسلية، وهو أتفه من أن أرد عليه.. وادوارد سعيد يعيش في أمريكا، ولا يدرك حجم الانتفاضة، ولا يشعر بعذاب شعبه، وهو من (المتشعلقين) على حبال الوطنية، بينما الشعب الفلسطيني يفقد آلاف الشهداء أثناء الانتفاضة، بيد أن ادوارد سعيد يعيش في أمريكا دون أن يدرك المأساة!».
اعتبر البروفيسور أن هذا السؤال استفزازي، وعرفاتي، فقلت له: «لنلغ هذا السؤال، ولنسجل الحوار بالأسئلة الأخرى، ونحذف منها كل ما لا تراه مناسباً.. لكن ادوارد سعيد رفض بإصرار وكان غاضباً جداً، حيث قال لي: «إن عرفاتك هذا ينسى أو يتناسى ما أقوم به من دور من أجل القضية الفلسطينية، حتى وإن كنت أعيش في أمريكا، بينما عرفات نفسه، يعيش بالنعيم في قصور تونس ويتنقل بالطائرات الخاصة وسيارات الليموزين الفارهة، وينام في غرف الحكم الفخمة.. وهي بعيدة كل البعد عن الانتفاضة وشعبها زماناً.. ومكاناً..!».
فقلت له: «لندع الكلام عن عرفات وعن القضية الفلسطينية، وعن السياسة بعمومها، وليكن حوارنا عن حياتك الخاصة!».
فسألني: «وماذا تعرف عن حياتي الخاصة؟!».
فأجبت: «ليكن حديثنا مثلاً عن فرقتك الموسيقية التي أنشأتها مع صديقك الأرجنتيني الأصل، الإسرائيلي الجنسية، دانيال بارنبويم، أو نتكلم عن قصة حبك لـ«ايفا»..».
فاستوقفني غاضباً.. ولم أجد بداً من قطع المناقشة بترك الفندق.. وقد تركت تلك التجربة أثراً حزيناً في نفسي لعدم تمكني من إجراء ذلك الحوار مع عملاق في حجم ادوارد سعيد.
الرد
#3
......
الرد
#4
إقتباس :  مونيكا   كتب/كتبت  
......


أتفق مع مونيكا :D
الرد


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  في ذكرى ادوار سعيد .. ذاك المشعل بشاير 29 14,417 04-15-2009, 02:09 PM
آخر رد: وائل أحمد
  حين كتب ادوارد سعيد عن تحية كاريوكا سيناتور 5 5,123 10-07-2007, 07:32 AM
آخر رد: سيناتور
  إدوارد سعيد في مرآة إعجاز أحمد سيناتور 0 2,891 07-09-2007, 12:58 PM
آخر رد: سيناتور
  تمهيد جديد لكتاب الاستشراق- أدوار سعيد سيناتور 0 2,579 06-21-2007, 12:57 AM
آخر رد: سيناتور
  ادوارد سعيد... عامان على الرحيل غرامشي 1 2,843 09-29-2005, 02:37 AM
آخر رد: الـنـديــم

التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 1 ) ضيف كريم