تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
(خارج المكان).. مذكرات إدوارد سعيد
#1
أفكر، بطباعة ونقل مذكرات المفكر العربي الفلسطيني إدوارد سعيد. ووضعها في هذا الموضوع. أتمنى أن أستطيع استكمال هذا الموضوع حتى النهاية
"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"
الرد
#2

خارج المكان

ترجمة فواز طرابلسي

دار الآداب


"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"
الرد
#3

ما ورد على الغلاف الخلفي للمذكرات.


هذا الكتاب قصة استثنائية عن المنفى وسردٌ لارتحالات عديدة واحتفال بماضٍ لن يستعاد.
عام 1991، تلقى إدوارد سعيد تشخيصاً طبيا مبرماً اقنعه بضرورة أن يخلف سجلا عن المكان الذي ولِد وأمضى طفولته فيه. في هذه المذكرات يعيد إدوارد سعيد اكتشاف المشهد العربي لسنواته الاولى -" أماكن عديد زالت، وأشخاص عديدون لم يعودوا على قد الحياة... بإختصار، إنه أساسا عالم قد اندثر".
فقد طرأت على ذلك المشهد تحولاتُ عديدة إذ تحولت فلسطين إلى إسرائيل، وانقلب لبنان رأسا على عقب بعد عشرين سنة من الحروب الاهلية، وزالت مصر الملك فارق الكولونيالية إلى غير عودة عام 1952.

يحيي هذا الكتاب عالما يصعب تخيله من الشخصيات الغنية الجذابة. إنه نص غنائي وجميل الصنعة، يبلغ أحيانا درجات عالية من الصراحه بقدر ما هو، في الآن ذاته حميم ومرح.
ويكشف إدوارد سعيد فيه دقائق ماضيه الشخصي، ويستعرض لنا الافراد الذين كوّنوا شخصيته ومكّنوه من أن ينتصر ليصبح واحداً من أبرز مثقفي عصرنا.

إدوارد سعيد (1935ّ_ 2003)*** ولد في القدس، وهو بروفسور شرف في اللغة الانجليزية والأدب المقارن في جامعة كولمبيا في نيويورك. ألف سبعة عشر كتابا منها، الاستشراق، وصور المثقف، والثقافة الامبريالية.

********************
*** على غلاف المذكرات بالطبع لم يكن موضوعا سنة وفاته وضعتها أنا.. لأنه وللاسف اكتملت حلقات حياته..
"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"
الرد
#4
الإهداء
إلى الدكتور كانتي راي
وإلى مريم قرطاس سعيد

"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"
الرد
#5
مقدمة المؤلف للطبعة العربية


صدر اول كتاب لي في العام 1966. كان عن جوزف كونراد، الروائي البولوني الكبير الذي غادر وطنه عام 1874 وهو في السابعة عشرة من العمر. عاش كونراد في فرنسا وعمل قرابة اربع سنوات في البحرية التجارية الفرنسية، وفي عام 1878، جدد حياته فجأة فعمل بحارا في البحرية البريطانية إلى العام 1895 عندما نشر روايته الاولى "جنون الماير". سحرني في الرجل انه كتب باللعة الانجليزية اعماله العديدة من روايات وقصص ومذكرات، وكلها يغرف من حياته الغنية على نحو مستبعد التصديق بوصفه بحارا ومكتشفا ومغامرا. ومع ذلك كانت الانجليزية لغته الثالثة بعد البولونية والفرنسية. في كتابي عن هذا الكاتب الذي ظل يثيرني، بل إني بالتأكيد مهووس به من نواح عديدة، أحاجج انه عاش تجاربه في اللغة البولونية لكنه وحد نفسه مسوقا الى الكتابة عن تلك التجارب في لغة ليست هي لغته. فإذا النتيجة كاتب متفرد في الادب العالمي من حيث الاسلوب والمحتوى معا. فما من احد له نبرة كونراد وما من احد مثله يكتب عن أوضاع غريبة ومتطرفة، وما من احد حقق تلك الاثار الكابوسية والمقلقة التي حققتها كتبه. واعتقد ان السبب في ذلك يعود الى شعور كونراد بوجود تفارق دائم بين تجاربه وبين اللغة التي استخدمها لوصف تلك التجارب. فكانه عاش في لغة وكتب في تغلة اخرى، وإذا إداركه لذلك الاختلال المربك هو في الصميم من كل أعماله.

لست اريد أن اضع نفسي في مصاف كونراد، وإنما أن أقارن فقط بيني وبينه من حيث استخدام اللغة الانجليزية. غير أن الفارق بين لغتي العربية الام، والإنجليزية التي نشأتُ عليها واستخدمتها في كل ما كتبته تقريبا، وأكبر من ذلك الفارق البولونية والانجليزية الذي وسم ادب كونراد. وحتى لو اعترفنا بأن بولونيا بلد سلافي فيما انكلترا بلد اوروبي غربي يبقى ان العالم الذي نشأ فيه كونراد واللغة التي استحدمها في اعماله ظلا محصورين ضمن اوروبا بوصفهما وجهين لمنطقة واحدة. وأما في حالتي انا، فالفارق بين الانجليزية والعربية يتخذ شكلتوتر حاد غير محسوم بين عالمين مختلفين كليا بل متعاديَيْن، العالم الذي تنتمي اليه عائلتي وتاريخي وبيئتي وذاتي الاولية الحميمية –وهي كلها عربية- من جهة، وعالم تربيتي الكولونيالي وأذواقي وحساسياتي الكتسبة ومجمل حياتي المهنية معلما وكاتبا من جهة اخرى، لم يعفني هذا النزاع منه يوما واحد، ولم أحظ بلحظة راحةٍ واحدة من ضغط واحدة من هاتين اللغتين على الاخرى، ولا نعمتُ مرة بشعور التناغم بين ماهيتي على صعيد اول وصيرورتي على صعيد آخر. وهذا فالكتابة عندي فعلُ استذكارٍ، وهي، إلى ذلك، فعلُ نسيانٍ، أو هي عمليةُ استبدالِ اللغة القديمة باللغة الجديدة.

لذا ساورني شعور عظيم بالارتياب عندما أقدمتُ على تأليف هذا الكتاب عن حياتي المبكرة وقد شتها في معظمها في القدس والقاهرة، وضهور الشوير. إذ أدركتُ أنني مقدم على عمل متناقض جذرياً هو إادةبناء عالم من مصطلحات عالم آخر. كان لي ان استخدم اللغة الانجليزية، ولكن كان علي ان أستذكر التجارب وأعبر عنها بالعربية. طبعا كان من العبث إنكار التغاير والتباعد الكاملين بين هذين العالمين. ولكن لا يقعل أن يكونا منفصلين وحدهما عن الاخر. كأنما نتيجة لعملية بتر جراحية، ما داما قد تعايشا سنوات وسنواد داخل شخص واحد. الاحرى انهما كان سجمين متوايين بل توأمين يتحسس احدها أيديولولجياً وروحانيا كل عنصر غريب يتعذر استيعابه عند الاخر وينفعل إزاءه. لقد اختبرت دوما ذلك الشعور بالغربة المزدوجة. فلا انا تمكنت كلياً من السيطرة على حياتي العربية في اللغة الانجليزية، ولا أنا حققت كليا في العربية ما قد توصلتُ الى حقيقة في الانجليزية. هكذا طغى على كتاباتي كم من الانزياحات والتغايرات والضياع والتشوه، ولكني كنت مدركا على الاقل لكل ذلك وقد حاولتُ استظهاره في مؤلفاتي.
فالذي عشته صبيا في البيت مع شقيقاتي وأهلي، مثلا، اختلف كليا عما قرأته وتعلمته في المدرسة. تلك الانزلاقات والانزياحات هو قوام هذا الكتاب، وهي السبب التي يحدوني الى القون ان هويتي ذاتها تتكون من تيارات وحركات لا من عناصر ثابتة جامدة.

علىأن الفكرة التي احاول التعبير عنها هنا هي ان السبب الوحيد الذي مكنني من خوض غمار هذا المشروع المتناقض الذي هو كتابة مذكراتي، هو اني بعد سنوات من حياتي خارج العالم العربي، هي سنوات دراسة وتعليم وعيش وكابة كلها باللغة الانجليزية، اتخذتُ قراري بُعَيد حرب 1967، بأن اعود سياسياً الى العالم العربي الذي كنتُ قد اغفلته خلال سنوات التعليم والنضج الطويلة تلك. ولكن ما عدت اليه لم يكن له أن يكون عالم طفولتي، تلك الطفولة التي دمَّرتها أحدث العام 1948 والثورة المصرية والاضطرابات الاهلية اللبنانية التي بدأت عام 1958.

كان العالم العربي الجديد عالما سياسيا وثقافيا -على الصعيدين الشخصي والعام- يتكون من عناصر عديدة، لكن علاماته الفارقة عندي كان الهزيمة العربية وانبثاق الحركة الفلسطينة و الدروس الخصوصية في اللغة والادب العربيين التي كنت اتلقاها يوميا خلال عام بأكمله على يد الاستاد أنيس فريحه، وهو معلم رائع، ومَعين على ينضب من الحكمة اللغوية في اللغات السامية كلها. إلى ذلك نما لدي شعورد متزايد بأنه إذا كنتُ اشعر بوجود هوة من سوء التفاهم تفصل بين عالميّ الاثنين، عالم بيئتي الاصلية وعالم تربيتي فإن مهمة تجسير تلك الهوة انما تقع عليّ وحديدون سواي. فلم يكن لي من خيار غير السعي إلى هويتي العربية وتمثلها تمثلا على الرغم من الحاولات الحثيثة التي بُذلت لإقناعي بالتخلي عنها خلال فترة تربيتي (بواسطة أهلي، وإن يكن بدرجة أقل). بعبارة اخرى، كان علي ان اعيد توجيه حياتي لتسلك حركة دائرية تعيدني الى نقطة البداية مع اني كنت قد بلغت نهاية الثلاثين من عمري، اخترتُ ان استعيد هوتي العربية ولكني عربيلا يتلاءم تاريخه تماما مع تقدمه في العمر. ومن منظاري الجديد بوصفي عربيا بالاختيار، اعدتُ قراءة حياتي المبكرة بما هي حياة من البحث عن الانعتاق والتحرر من القوالب الجامدة للعائلة والدين والقومية واللغة ايضا- قراءة تعيد إليّ ما كنتُ أرغب فيه من تكيفٍ افضل وأكثر تناغماً بين ذاتي العربية وذاتي الامريكية. وكلما أوغلتُ في ذلك الجهد ازدت اقتناعا باني انما اسعى الى تحقيق فكرة طوباوية.
ذلكانه لم يعد يوجد في حياتنا المعاصرة دعم كبير للفكرة القائلة بأن الانتماء العربي لا يزال يقتضي، بحكم العادة و التقليد، اقامة علاقة متنافرة مع الغرب.
واعتقد ان هذا الكتاب، فيما يؤول إليه، هو صورة شخصية غير تقليدية لتلك العلاقة التي تنطوي على مقدار من التوتر، نعم، ولكنها لا تقتصر على العداء وحده. وآمل أن لا أبدو متبجحا ان قلت ان التجديد في ((إدوارد سعيد)) المركب الذي ظهر في خلال هذا الصفحات هو عربي أدّت ثقافته الغربية، ويا لسخرية الأمر، إلى توكيد أصوله العربية وإن تلك الثقافة، أذ تلقي ظلال الشك على الفكرة القائلة بالهوية الاحادية، تفتح الآفاق الرحبة امام الحوار بين الثقافات.

لكن اذا كان تأليف الكتاب قد اقتضى المرواحة بين عالم وآخر، فإن استقباله في العالم الناطق بالانجليزية كان مراوحة اكثر تعقيداً وتدويخاً. فقبل شهر من صدور هذا الكتاب في ايلول/سبتمبر 1999، كانت الحياة التي يصفها موضوع هجوم مذهل في مجلة كومنتري، الشهرية الامريكية اليهودية اليمينية المتطرفة. فقد زعم الكاتب، وهو محامٍ امريكي-إسرائيلي مغمور، أنه امضى ثلاث سنوات بكاملها ينقب عن حياتي المبكرة، مُجْريا مقابلات مع عشران من الاشخاص (وقد عمد الى تشويه شهاداتهم او اغفالها كليا)، ومنصرفاً إلى قراءة الوثائق في القرات الاربع. وقد مَوَّل دراسته نصاب عالمي امريكي-يهودي معروف امضى وقتا في السجين لتعاطيه الاجرامي بما سمي ((سندات خزينة مزورة)). وكانت خلاصة تلك التحريات المزيفة في معظمها هي اثبات اني لست فلسطينيا حقا، مع ان الكاتب بدا عاجزا عن تحديد هويتي الفعلية. ان هجوم ذلك الكاتب هو هجوم مكشوف للطعن في مصداقيتي. وكانت عملية التزوير كلها معدة بهدف سياسي محدد هو اظهار انه لا يمكن الوثوق بالفلسطينيين عندما يتحدثون عن حق العودة. فإذا كان مثقف بارز يكذب، فما بالك بما قد يقدم عليه الناس العاديون من اجل استعادة ارضهم، تلك الارض التي لم تكن لهم أصلا؟
ولكن الى جانب سيل من المراجعات، كانت ردود العفل الاكثر اثارة على الكتاب هي تلك التي صدرت عن اناس مذكورين في الكتاب ذاته، والعديد منهم لم أره ولا سمعت عنه منذ خمسين سنة. اكتشفت ألفرد كورونيل، الصبي الاسباني اليهودي الذي كان يركب الباص معي الى المدرسة الامريكية في المعادي، وهو الان يعيش في البرازيل، منكفئاً على ذاته، ولايزال يعتبرني افضل صديق عرفه إطلاقا، منذ احدى وخمسين سنة تماما. قال في رسالة كتبها لي انه لا يذكر اي ظل لعداوة نشبت بيننا، على الرغم من قصة فلسطين التالية. واكتشافي الاخر هو آدا، أرملة الدكتور فريد حداد التي تعيش الان في اوستراليا مع ابنيها (الابن البكر طبيب سمي على اسم جده النادر المثال، وديع) وابنتها. قبل ان تغادر الشرق الاوسط نهائيا عام 1964، عملت آدا معلمة عند مسز بولِن (المديرة العجوز لمدرسة "إعداديةالجزيرة") في بيروت، حيث أنشأتْ هذه الانجليزية العاصية مدرسة على مثال المدرسة التي كانت لها ولزوجها في القاهرة. والاشد مفارقة في الام ان آدا أبلغتني على الهاتف من منزلها في سيدني ان فريد كان طبيب مستر بولن أيضا. فإذا فكرة ان معذِّبي الرئيسي وأنا طفل كان في عناية نموذجي البطولي الرئيسي مفاجأة لا توصف. وأخيرا بعد اسابيع قليلة من صدور كتابي في انكلترا تلقيتُ رسالة من مدلين دابل، التي تعيش الان في لشبونه، والتي كانت في "مدرسة القاهرة للاولاد الامريكيين" ، فملأت الفراغات عندي في ما يتعلق بالعديد من زملائنا. والأكثر إثارة للمشاعر انها ارسلت صورة لي وقعتُ عليها عام 1948 (لم يتغير خطي كثيرا منذ ذلك الوقت) بصفتي "بابا غوميز" الجنتلمان الاسباني العجوز الذي مثَّلت شخصيته في المسرحية المدرسية عن شوبان التي اصفها في هذا الكتاب. ولعل المفاجأة الاكثر اشباعا هي التي وردت في ميشيلي ليندل، الصبية التي طالما سحرتني وأنا صبي، عندما كنت اشاهدها ليلة بعد ليلة في دور أليس في مسرحية "أليس في بلاد العجائب" منذ أربع وخمسين سنة في القاهرة، وقد منعني خجلي الشديد حينها من أن أتحدث إليها. وها نحن نتراسل بسهولة عبر البريد الاكتروني، هي المحامية الساكنة في اوستراليا أيضا وأنا البروفسون الساكن في نيويورك.

ربما توجد عناصر لتأليف كتاب جديد سجل ردود الفعل هذه على الكتاب وسواها. والعديد منها ورد من قراء عرب، لا من مجرد فلسطينيين يشاطرونني الشعور بأن نشأتهم وهويتهم التالية هما بمثل ارتباك الهوية التي اصفها في مذكراتي او بمثل تعقِّدها على الاقل. وقريبا تصدر ترجمة عبرية من الكتاب، وسوف أراقب ردود الفعل عليها بافتتان عظيم. كذلك انتظر بشغف كبير ردود فعل القراء على ترجمة فوار طرابلسي الانيقة. لقد سبق لزميل عربي ان قال إن بعض ما ورد في كتبي لا يُسِرّ إلا لطبيبه النفساني. وأنا طبعا مدرك أن الكتابة الصريحة عن الذات نادرة في تراثنا. وإني لآمل أن يُسهم هذا الكتاب في تنمية هذا التقليد. فإذا تحقق ذلك، بلغتُ الغاية في الرضى. وربما عليّ أن اضيف أن هذا الكتاب ليس الجزء الاول من مذكرات متسلسلة. بل إنه كلُّ ما نويتُ ان اكتبه في هذا النوع الادبي

إدوارد وديع سعيد.
نيويورك، تموز يوليو 2000


يتبع إن شاء الله تعالى
"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"
الرد
#6
عرفته قليلاً وكنت متأخراً ..
عرفته متأخراً وكنت قليلا ً ..
وأود المشاركة بتقديمه لكتابه خارج المكان إذا سمحت لي ديانا .

تقديم

هذا الكتاب هو سجل لعالم مفقود أو منسيّ . منذ عدة سنوات ، تلقيّتُ تشخيصاً طبّياً بدا مٌبرَماً ، فشعرتّ بأهمية أن أخلّف سيرة ذاتية عن حياتي في العالم العربيّ ، حيث ولدتُ وأمضيتّ سنواتي التكوينية ، كما في الولايات المتحدة حيث ارتدتُ المدرسة والكلية والجامعة . العديد من الأمكنة والأشخاص التي أستذكرها هنا لم تعد موجودة ، على الرغم من أني أندهش باستمرار لاكتنشافي إلى أيّ مدى أستبطنها ، وغالباً بأدق تفاصيلها بل بتشخيصاتها المروّعة .
لعبتْ ذاكرتي دوراً حاسماً في تمكيني من المقاومة خلال فترات المرض والعلاج والقلق الموهِنة . ففي كل يوم تقريباً ، وأيضاً فيما أنا أؤلف نصوصاً أخرى ، كانت مواعيدي مع هذه المخطوطة تمدّني بتماسك وانضباط ممتعين ومتطلِّبين معاً . ومع أنّ كتاباتي الأخرى وتدريسي أبعدتني كثيراً عن العوالم والتجارب المختلفة التي ينطوي عليها هذا الكتاب ، فالأكيد أنّ الذاكرة تشتغل بطريقة أفضل وبحريّة أكبر عندما لا تُفرَض عليها الأساليبُ أو النشاطات المعًدّة أصلاً لتشغيلها . فلا شك في أنّ كتاباتي السياسية عن الوضع الفلسطينيّ ، ودراساتي عن العلاقة بين السياسة والجماليات ، وخصوصاً الأوبرا والنثر المتخيّل ، وافتتاني بموضوع كتابٍ أكتبه عن الأسلوب المتأخر ( بدءاً ببتهوفن وأدورنو ) قد غذّت هذه المذكرات بروافد خفية .
عندما انتهيتُ من تأليف هذه المخطوطة ، قمتُ برحلة إلى القدس ومنها إلى القاهرة في تشرين الثاني / نوفمبر 1998 . في الأولى ، حضرتُ ندوة عن المشهد الطبيعيُ الفلسطينيّ في بيرزيت ثم سافرتُ إلى مصر للمشاركة في أطروحة دكتوراه قدمها طالبٌ من طلابي الموهوبين يدرِّس في جامعة طنطا ، خمسين ميلاً إلى الشمال من القاهرة . في فلسطين ، اكتشفتُ مجدداً أنّ ما كان شبكةً من البلدات والقرى عاش فيها أبناءُ عائلتي الموسعة ذات يوم - القدس وحيفا وطبريا والناصرة وعكا - أضحت الآن مطارح إسرائيلية تعيش فيها الأقلية الفلسطينية تحت السيادة الإسرائيلية . صحيح أنّ الفلسطينيين يتمتعون بالحكم الذاتيّ ، أو الاستقلال الذاتيّ ، على أجزاء من الضفة الغربية وغزة ، لكنّ الجيش الإسرائيليّ يحتفظ فيها بالسيطرة الأمنية الشاملة ، وهي سيطرة تبدو أشد نفوراً على الحدوود وعند نقاط التفتيش والمطارات . وكان أحد الأسئلة الروتينية التي وجهها إليّ الموظفون الإسرائيليون ( لمّا كان جواز سفري الأميركيّ يشير إلى أني ولدتُ في القدس ) هو الموعد المحدّد الذي غادرتُ فيه إسرائيل بعد الولادة . فكنتُ أجيب أني غادرت فلسطين في كانون الأول / ديسمبر 1947، مشدِّداً على كلمة (( فلسطين )) . (( هل لديك أنسباء هنا؟ )) كان السؤال التالي الذي أجبتُ عليه ب (( لاأحد )) وقد امتلكني شعورُ من الحزن والخسران لم أكن أتصوّر أني سوف أختبره . ذلك أنه مع حلول ربيع 1948 كانت عائلتي الموسعة كلها قد أُجليَتْ عن المكان وعاشت في المنفى منذ ذلك الحين . على أني في عام 1992 تمكنتُ ، للمرة الأولى منذ مغادرتنا عام 1947 ، من زيارة المنزل الذي تملكه عائلتي في القدس الغربية والمنزل الذي نشأتْ فيه أمي في الناصرة ومنزل خالي في صفد وغيرها من المنازل . وإذا هي في زيارتي الثانية ، يسكنها جميعَها ساكنون جدد تذرّعوا بأسباب عاطفية كابحة جداً ومبهمة جداً لعرقلة دخولي إليها مرةً ثانية ، بل لمنعي عملياً من الدخول ، ولو من أجل إلقاء نظرة خاطفة .
خلال زيارتي القاهرة في نوفمبر 1998 ، زرت جاراتنا السابقات ، نادية وهيلدا وأمهما ، السيدة جندي ، اللواتي عشن لسنوات عديدة تحتنا بثلاثة طوابق ، في الطابق الثاني من البناية الواقعة في رقم 1 شارع عزيز عثمان . فأبلغنني أنّ شقتنا القديمة ، ذات الرقم 20 ، لا تزال شاغرة ومعروضة للبيع . بعد التفكير لبرهة باقتراحهنّ إعادة شرائها ، لم أشعر بأيّ حماس لإعادة امتلاك مكانٍ تركناه منذ نحو أربعين سنة . قبل تناول الغذاء ، أبلغتني نادية وهيلدا أنه يوجد شخص ينتظرني في المطبخ . فهل أرغب في لقائه ؟ دلف إلى الغرفة رجلٌ صغير نحيل وصلب العود يرتدي الثوب الداكن واللفّة ، وهما اللباس التقليديّ للفلاح الصعيديّ . وعندما قالت له المرأتان إنّ هذا هو إدوارد الذي كنتَ تنتظر رؤيته بفارغ الصبر ، تراجع مطأطئاّ رأسَه : (( لا . كان إدوارد طويلاً ويضع نظارتَين . هذا ليس إدوارد )) . وبسرعة تعرفتُ إلى أحمد حامد ، الفرّاش الذي عمل عندنا خلال ما يقارب ثلاثة عقود ، وهو رجل ساخر ومتزمّت في صدقه وإخلاصه وكنا جميعاً نعتبره بمنزلة فرد من أفراد العائلة . حاولتُ إقناعه بأني أنا إدوارد حقاً ، ولكنْ بدّلني المرض والعمر بعد غياب 38 سنة . فجأةً وقع كلٌّ منا في حضن الآخر نجهش بدموع الفرح للقاء المتجدد والحزن على زمن لن يستعاد . روى لي أحمد كيف كان يحملني على كتفيه وعن أحاديثنا في المطبخ وكيف كانت العائلة تحتفل بعيد الميلاد ورأس السنة وما إلى ذلك . فصعقتُ كيف أنه لايتذكر كلَّ واحد منا نحن السبعة - الوالديْن والأبناء الخمسة - فحسب ، وإنما يتذكر أيضاً كلَّ واحد من عمومتي وعماتي وأبناء عمومتي وجدّتي بالإضافة إلى البعض من أصدقاء العائلة . وبعد أن انتهى العجوز ، المتقاعد في بلدة إدفو البعيدة قرب أسوان ، من تفريغ الماضي الذي في داخله ، أدركتُ مجدداً مدى هشاشة وقيمة وزوالية التاريخ والظروف التي تمضي إلى غير رجعة ولاتجد من يستعيدها ويدوّنها ، اللهم إلا على شكل ذكريات عرضية أو أحاديث متقطعة .
زاد هذا اللقاء بالمصادفة من اقتناعي بجدوى هذا الكتاب الذي يَكْشف - قدرَ ما أستطيع - من حياتي ، خصوصاً بين العام 1935 ، عام مولدي ، والعام1962 ، الذي كنتُ فيه على أهبة نيل شهادة الدكتوراه . وهو سجلُّ شخصيّ غير رسميّ عن تلك السنوات المضطربة التي عاشتها منطقةُ الشرق الأوسط . فوجدتُني أروي قصة حياتي على خلفية الحرب العالمية الثانية وضياع فلسطين وقيام دولة إسرائيل وسقوط المَلَكية في مصر والسنوات الناصرية وحرب عام 1967 وانطلاقة حركةالمقاومة الفلسطينية والحرب الأهلية اللبنانية واتفاقية أوسلو . كل هذه الأحداث موجودة ضمناً في مذكراتي ، ويمكن تبيُّن حضورها العرضيّ هنا وهناك .
والأكثر إثارة بالنسبة إليّ ككاتب هو إحساسي بأنّي أحاول دائماً ترجمة التجارب التي عشتها لا في بيئة نائية فحسب وإنما أيضاً في لغة مختلفة . ذلك أنّ كُلاً منا يعيش
حياته في لغة معينة ، ومن هنا فإنّ الكل يختبر تجاربه ويستوعبها ويستعيدها في تلك اللغة بالذات . والانفصام الكبير في حياتي هو ذلك الانفصام بين اللغة العربية ، لغتي الأم ، وبين اللغة الإنكليزية ، وهي اللغة التي بها تعلّمتُ وعبّرتُ تالياً بما أنا باحث ومعلّم . لذا كانت محاولتي سردِ التجارب التي عشتُها في اللغة الأولى بواسطة اللغة الأخرى مهمة معقّدة ، ناهيك عن الطرائق المختلفة التي بها تختلط عليّ اللغتان وتعبُران من حقل إلى آخر . وهكذا صَعُبَ عليّ التعبير في الإنكليزية عن الفروقات اللفظية ( والوشائج العينية ) التي تستخدمها العربية ، للتمييز مثلاً بين العم/ة والخال/ة ، ولكني اضطررتُ إلى محاولة التعبير عن تلك التلاوين لأهمية الدور الذي لعبته في حياتي المبكرة .
إلى جانب اللغة ، كانت الجغرافية في مركز ذكرياتي عن تلك السنوات الأولى ، خصوصاً جغرافية الارتحال ، من مغادرة ووصول ووداع ومنفى وشوق وحنين إلى الوطن وانتماء ، ناهيك عن السفر ذاته . فكل واحد من الأمكنة التي عشتُ فيها - القدس والقاهرة ولبنان والولايات المتحدة - يَمْلك شبكة كثيفة ومركبة من العناصر الجاذبة ، شكلتْ جزءاً عضوياً من عملية نموي واكتسابي هويتي وتكوين وعيي لنفسي وللآخرين . وفي جميع تلك الأمكنة ، احتلّت المدارس مكاناً مميزاً في قصتي ، وهي صورُ مصغّرة عن المدن أو البلدات حيث عثر لي أهلي على مدارس وسجلوني فيها . ولما كنتُ أعمل في حقل التربية ، فطبيعيّ أن أرى أنّ البيئة المدرسية تستحق الوصف والسرد بنوع خاص . لكني لم أكن متأكداً من جهوزية ذاكرتي عن المؤسسات الأولى التي درستُ فيها ، وعن أهمية الدور الذي لعبه الأصدقاء والمعارف في حياتي قياساً إلى الأصدقاء والمعارف أيامَ الجامعة أو المدرسة الداخلية في الولايات المتحدة . ومن الأمور التي حاولتُ استكشافها ضمناً السطوةُ التي مارستْها تلك التجاربُ المدرسية المبكرة جداً عليّ ، وسبب استمرار تلك السطوة ، ولماذا لا أزال أنبهر وأهتمّ بها إلى درجة الكتابة عنها للقراء بعد مضيّ خمسين سنة .
غير أنّ الدافع الرئيسيّ لكتابة هذه المذكّرات هو طبعاً حاجتي إلى أن أجسّر المسافة ، في الزمان والمكان ، بين حياتي اليوم وحياتي بالأمس . أرغب فقط في تسجيل ذلك بما هو واقع بدهيّ دون أن أعالجه أو أناقشه ، علاوة على أنّ انكبابي على مهمة إعادة تركيب زمن قديم وتجربة قديمة قد استدعى شيئاً من البُعاد ومن السخرية في الموقف والنبرة .
لايزال العديد من الأشخاص الوارد وصفهم هنا على قيد الحياة ، ولعلهم سوف يخالفونني تشخيصي لهم وللآخرين بل قد يستاؤون منه . أؤكد أني لا أحمل أية رغبة في الإساءة إلى مشاعر أحد ، ولكني بالمقدار ذاته أرى أنّ واجبي الأول ليس أن أكون لطيفاً وإنما أن أكون وفياً لذكرياتي وتجاربي وأحاسيسي ، ولعلها غريبة بعض الشيء . فأنا وحدي مسؤول عما أستذكر وأتصوّر ، لا أفرادٌ من الماضي قد يَجْهلون الأثر الذي مارسوه عليّ . وأرجو أن يكون واضحاً أيضاً أني ، بصفتي راوي هذه السيرة وواحداً من شخصياتها ، لم أُعفِ نفسي قصداً من السخرية ولا من الروايات المحْرِجة .
الرد
#7
أشكرك جزيل الشكر
وأتمنى ان تساعدني _إن لم يكن هذا يشكل ازعاجا لك- في اتمام المذكرات
تحياتي الخالصة (f)
"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"
الرد
#8
أستطيع المحاولة وهذا لايشكل لي إزعاجا على الإطلاق ، وربما يشكل لي وقتاً لاأملكه .
(( فلنسر ، فلنسر وإما هلكنا
قبل إدراكنا المنى والمواعد
فكفانا أنا ابتدأنا وأنا
إن عجزنا فقد بدأنا نشاهد ))

نسيب عريضة
الرد
#9
صحيح .. أناس يطويهم الموت
وأناس ينشرهم .

الفصل الأول

تخترع جميع العائلات آباءها وأبناءها وتمنح كلَّ واحدٍ منهم قصةً وشخصيةً ومصيراً ، بل إنها تمنحه لغته الخاصة.
وقع خطأٌ في الطريقة التي تمّ بها اختراعي وتركيبي في عالم والديّ وشقيقاتي الأربع . فخلال القسط الأوفر من حياتي المبكرة ، لم أستطع أن أتبيّن ما إذا كان ذلك ناجماً عن خطئي المستمر في تمثيل دوري أو عن عطب كبير في كياني ذاته . وقد تصرّفتُ أحياناً تجاه الأمر بمعاندة وفخر . وأحياناً أخرى وجدتُ نفسي كائناً يكاد أن يكون عديم الشخصية وخجولاً ومتردداً وفاقداً للإرادة . غير أنّ الغالب كان شعوري الدائم أنّي في غير مكاني .
هكذا كان يلزمني قرابة خمسين سنة لكي أعتاد على (( ادوارد )) وأخفف من الحرج الذي يسببه لي هذا الاسم الإنكليزيُّ الأخرق الذي وُضِع كالنير على عاتق (( سعيد )) ، اسم العائلة العربيّ القحّ . صحيح أنّ أمي أبلغتني أنّي سُمّيتّ ادوارد على اسم أمير بلاد الغال ( وارثِ العرش البريطانيّ ) الذي كان نجمُه لامعاً عام 1935، وهو عام مولدي ، وأنّ سعيد هو اسم عدد من العمومة وأبناء العم . غير أنّ تبرير تسميتي تَهافَتَ كلياً عندما اكتشفتُ أنْ لاأجداد لي يحملون اسم سعيد . وخلال سنوات من محاولاتي المزاوجةَ بين اسمي الإنكليزيّ المفخّم وشريكه العربيّ ، كنتُ أتجاوز (( إدوارد )) وأؤكّد على (( سعيد )) ، تبعاً للظروف ، وأحياناً أفعل العكس ، أو كنتُ أعمد إلى لفظ الاسمين معاً بسرعة فائقة بحيث يختلط الأمرُ على السامع . والأمر الوحيد الذي لم أكن أطيقه ، مع اضطراري إلى تحمله ، هو ردود الفعل المتشككة والمدمِّرة التي كنت أتلقّاها : ادوارد ؟ سعيد ؟
اندغم عندي تحمّلُ مشقّات مثل هذا الاسم مع ورطةِ لم تكن أقل إقلاقاً ، تتعلّق باللغة . فأنا لم أعرف أبداً أية لغةٍ لهجتُ بها أولاً : أهي العربية أم الإنكليزية ، ولا أيَّا منهما هي يقيناً لغتي الأولى . ما أعرفه هو أنّ اللغتين كانتا موجودتين دوماً في حياتي ، الواحدة منهما ترجِّع صدى الأخرى ، وتستطيع كلُّ منهما ادعاءَ الأولوية المطلقة ، من دون أن تكون هي فعلاً اللغة الأولى . وأنا أعزو مصدر هذا الاضطراب الأوّليّ إلى أمي التي أذْكر أنها كنت تحدّثني بالإنكليزية والعربية معاً على رغم أنها كانت تراسلني بالإنكليزية على مدى حياتها ، وبمعدّل مرّةٍ في الأسبوع ، وكنتُ بدوري أعاملها بالمثل ، إلى أن طواها الموت . كانت بعض عباراتها المحكية عربية ، مثل (( تِسْلَمْ لي )) و(( مش عارفة شو بدّي أعمل )) و(( رُوحها [ للماما] )) والعشرات غيرها ، ولم أضطرّمرّة إلى ترجمتها أو حتى إلى أن أفقه معناها تماماً ، كما في حال (( تِسْلًمْ لي )) . وكانت تلك العبارات جزءاً من مناخ الأمومة الغامر الذي أحنّ إليه في الأوقات العصيبة ، وتضفي عليه رقّةُ عبارة (( يا ماما )) مناخاً يغري كالحلم وإذا به يُنتزع فجأةً منك انتزاعاً بعد أن يكون قد وعدكَ بأشياء لم يفِ بها أبداً .

على أنّ أمي كانت توشّح لغتها العربية بالكلمات الإنكليزية ، مثل naughty boy ( ياشيطان) وتوشِّحه طبعاً باسمي ذاته الذي تلفظه Edwaad ( إدوآاد) . ولا تزال تراودني ذاكرةُ جَرْسِ صوتها ، في المكان والزمان عينهما ، وهو يناديني (( إدوآاد )) منزلقاً على نسيم الغسق عند موعد إقفال (( حديقة الأسماك )) ( الحديقة الصغيرة في الزمالك المزوّدة بحوض للأسماك ) ، وشخصي يتردّد بين أن أجيبها وبين أن أبقى مختبئاً برهةً قليلةً أطولَ مستمتعاً بلذةِ أنني المنادى وأنني المطلوب ، بينما الجزءُ غير الإدواردي من شخصي يَنْعم بترف التمهّل في الإجابة ، إلى أن يضيق كياني بصمته . كانت لغتها الإنكليزية محمّلةً ببلاغة تعبير وقاعدةِ سلوكٍ لم تغادرني أبداً . وما إن تنتقل أمي من العربية إلى الإنكليزية حتى تصير نبرتُها أكثر موضوعيةً وجديةً ، فتكاد تَطرد نهائياً الحميميةَ المتسامحة والموسقة للغتها الأولى ، العربية .
في الخامسة أو السادسة من عمري ، أدركتُ أني (( شيطان)) ميؤوس من إصلاحه ، تنطبق عليّ في المدرسة كلُّ الأوصاف التي تُطْلَق على أفعال غير حميدة مثل ((fibber)) ( كذّاب ) و ((loiterer)) ( متسكّع ) . وما إنْ أدركتُ تماماً أني أجيد الإنكليزية بطلاقة ، من دون أن يعني ذلك أني كنتُ أتكلّمها دوماً على نحو سليم ، حتى صرتُ أشير إلى نفسي بصفتي (( هو )) بدلاً من (( أنا )) . كانت تقول لي : (( ماما لا تحبّك ، ياشيطان )) فأردّ مؤكِّداً في مزيج من الإلحاح الشاكي والتحدي : (( ماما لا تحبك ، لكن آنطي ميليا تحبّك )) . وآنطي ميليا هي خالتها العانس التي شغفتْ بي وأنا بعدُ طفلُ يحبو . (( لا . إنها لا تحبّك )) ، تصرّ أمي . فكنتُ أختم بالقول : (( لا بأس ، صالح ( سائق آنطي ميليا السوداني ) يحبُّك )) ، مبدّداً شيئاً من الوجوم المخيّم .
لم أكن أعرف من أين جاءت أمي بلغتها الإنكليزية ، أو أيَّ شيء عن هويتها القومية . وقد استمرتْ تلك الحال الغريبة من الجهل إلى فترة متأخرة نسبياً من حياتي ، عندما بلغتُ المدرسة الثانوية . في القاهرة ، وهي أحد الأمكنة التي نشأتُ فيها ، كانت عربيّتها المحكية تبدو مصرية طليقة . على أنها ، لأذنيّ الأكثرَ رهافةً وللعديد من معارفها من المصريين ، بدت لهجة شامّية صرفة أو على الأقل شديدة التأثر بهذه اللهجة . وحقيقة الأمر أنّ أمي كانت متمكّنة على نحو ممتاز من العربية الفصحى ، كما من المحكية ، وكانت في ذلك أفضل بكثيرٍ من أبي الذي تبدو مؤهِّلاته اللغوية بدائيةً إذا ما قورنت بمؤهلاتها . على أنها لم تكن تملك من المحكية ما يكفي لكي تُقْنع بأنها مصرية . وهي لم تكن مصرية أصلاً . فقد وُلدتْ في الناصرة ثم أُرسِلتْ إلى مدرسة داخلية ومنها إلى (( الجونيور كوليج )) في بيروت ، أي أنها فلسطينية مع أنَّ أمها منيرة لبنانية . لم أعرف أباها قطّ ، ولكني اكتشفتُ أنه كان القسيس المعمدانيّ في الناصرة ، بعد أن أقام فترةً في تكساس، وهو أصلاً من صفد .
ولم يقتصر الأمر على عجزي عن استيعاب كل مراوحات ومقاطعات تلك التفاصيل ، ناهيك عن التحكم بها ، التي تبتر سياقاً سلالياً بسيطاً ، واستعصى عليّ أيضاً إدراكُ لماذا لم تكن أمي أماً إنكليزية بكل بساطة . ولقد امتلكني هذا الشعورُ المقلق بتعدّد الهويات - ومعظمُها متضارب - طوال حياتي ، ورافقته ذاكرةُ حادة أني كنت أتمنى بشكلٍِ محموم لو أننا جميعاً عرب كاملون أو أوروبيون أو اميركيون كاملون أو مسيحيون أرثوذكسيون كاملون أو مسلمون كاملون أو مصريون كاملون وما إلى ذلك . واكتشفتُ أني أمام خيارين أُجابهُ بهما اسئلةً أو ملاحظات شكّلت بالفعل سياقَ تحدٍّ واعترافٍ وهتكٍ ، من نوع (( ما أنت ؟ )) ؛ (( لكن سعيد اسم عربي ... )) ؛ (( هل أنت أميركي ؟ )) ؛ (( تقول إنك أميركي مع أنّ اسمك ليس أميركياً وأنت لم تزر أميركا قط )) ؛ (( لايبدو شكلك أميركياً ! )) ؛ (( كيف يُعقل أن تكون ولدتَ في القدس وأنت تعيش هنا؟ )) ؛ (( أنت عربيّ ، في نهاية المطاف ، ولكنْ من أيّ نوع ؟ هل أنت بروتستاني ؟ ))
لا أذكر أنّ أياً من الأجوبة التي جاهرتُ بها رداُ على تلك الاستجوابات كانت مقنعة أو حتى جديرة بأن تَعْلق في الذاكرة . وكان عليّ أن ابتكر خياراتي بمفردي : فأحدها قد يصلح في المدرسة مثلاً ، ولا يَصْلح في الكنيسة أو في الشارع مع الأصدقاء . الخيار الأول كان أن أتبنّى نبرة أبي التوكيدية الوقحة فأقول لنفسي (( أنا مواطن أميركي )) ، وهذا كل ما في الأمر . وقد اكتسب أبي المواطنية الأميركية لأنه عاش في الولايات المتحدة الأميركية وخدم في الجيش خلال الحرب العالمية الأولى . ولكنْ لمّا كان مثل ذلك الخيار سيجعل مني كائناً خرافياً ، فقد ألفيتُه الخيارَ الأقلَّ إقناعاً . فالإعلان عن نفسي ب (( أنّي مواطن أميركيّ )) في مدرسة إنكليزية في القاهرة زمنَ الحرب ، [ وهي عاصمةُ ] يسيطر عليها الجنود البريطانيون ويعيش فيها مصريون بَدَوا لي شديدي التجانس ، كان مغامرةً خرقاء لم أجازف بها علناً إلا جواباً على التحدي الرسميّ بأن اعرّف بمواطنيتي . أمّا في الجلسات الخاصة فلم أستطع التمسك بذلك الجواب طويلاً ، لسرعة تهافُتِ التوكيد أمام التمحيص الوجودي ّ .
يتبع إن شاء الله
الرد
#10
بوح عاجزة عن شكرك تماما
كنت قد طبعت تقريبا نفس كمية هذه المادة ولكنك سبقتني .. اشكرك على هذا المجهود الرائع منك..
تحياتي الصادقة (f)
"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"
الرد


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  في ذكرى ادوار سعيد .. ذاك المشعل بشاير 29 14,417 04-15-2009, 02:09 PM
آخر رد: وائل أحمد
  حين كتب ادوارد سعيد عن تحية كاريوكا سيناتور 5 5,122 10-07-2007, 07:32 AM
آخر رد: سيناتور
  إدوارد سعيد في مرآة إعجاز أحمد سيناتور 0 2,891 07-09-2007, 12:58 PM
آخر رد: سيناتور
  تمهيد جديد لكتاب الاستشراق- أدوار سعيد سيناتور 0 2,579 06-21-2007, 12:57 AM
آخر رد: سيناتور
  ادوارد سعيد... عامان على الرحيل غرامشي 1 2,842 09-29-2005, 02:37 AM
آخر رد: الـنـديــم

التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 1 ) ضيف كريم