إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
عميد الطغاة...إعدام معمر القذافي 20/10/2011
الكاتب الموضوع
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #1
عميد الطغاة...إعدام معمر القذافي 20/10/2011
عميد الطغاة
الجمعة, 21 أكتوبر 2011

غسان شربل
هذا الرجل متفرد. لا يشبهه احد. لم يخرج من كتاب. ولم يقلد احدا. من الظلم تشبيهه بآخرين. بطغاة انشغل العالم بارتكاباتهم. مسكين بوكاسا. ومثله عيدي امين. وقساة اميركا اللاتينية. والقساة العرب وليسوا قلة. انهم مجرد هواة. لم يتسع لهم الوقت لارتكاب ما ارتكب. اسعفته الاقامة المديدة. واسعفته الثروة النائمة تحت الصحراء. وجوقات المداحين والمبررين. الدول الضعيفة التي تخشاه. والدول الفقيرة التي تتسول. والضمير العالمي الدجال. سيدخل التاريخ من باب الارقام القياسية. موقعه في كتاب غينيس محفوظ ومميز. انه عميد الطغاة .
استمر العرض اكثر من اربعة عقود. اقلق الرجل العالم. انتهك كل القواعد والاعراف. لا يعترف باي قاعدة. يحتقر الامم المتحدة. والجامعة العربية. والقانون الدولي. وكذبة الديموقراطية. ولا غرابة في الامر. من احتقر شعبه يصعب ان يحترم الشعوب الاخرى. ومن استباح دولته لا يتردد في استباحة دول الآخرين.
ما اصعب ان يحصي المرء ضحاياه. وان يحصي مآثره. مولع باضرام النار. والتبريرات حاضرة لديه. يتلذذ بتغذية الحرائق المندلعة في هذا البلد او ذاك. يسكب المال والسلاح ويبتهج بالولائم القاتلة.
فعل الرجل المريض ما لم يفعله احد. انجب الكثير من الجنازات. من الارامل والايتام. طائرة لوكربي. وطائرة يوتا. وملهى لابيل. اخفى الامام موسى الصدر. وخطف وزراء «اوبك». اشترى رفيقه عمر المحيشي من المغرب وذبحه كالخروف. اخفى منصور الكيخيا. اباد السجناء لانهم تمردوا. سمى معارضيه في الخارج الكلاب الضالة وطاردهم بلا رحمة. وزع المتفجرات في انحاء الدنيا. وكان لديه دائما من يترجم رغباته الجرمية. تنظيمات ومنظمات. وتحت لافتة هذه القضية او تلك كان الدم يسيل. وكان جنون القائد يتعاظم. والقابه تتناسل. القائد الاممي. وعميد الحكام العرب. وملك ملوك افريقيا. وامام المسلمين. على حد ما قال وادعى في قمة الدوحة.
افسد بلاده. وافسد الثورات. وافسد القضايا. وتجاهل العالم جرائمه. ضمير الغرب يقيم في ثلاجة مزمنة. ومن عادة العربي سابقا ان يبرر للطغاة. مرة لأنهم يزعمون محاربة اسرائيل. وثانية لأنهم يتحرشون باميركا. وثالثة لأنهم يعادون الامبريالية. على سلم هذه الاكاذيب يصعد القائد. في الليل يعلق وساما جديدا على صدره. وفي الصباح يستدعي المصورين الى خيمته. والعربي مسكين. يصدق اكاذيب الاذاعة الرسمية. والتلفزيون الرسمي. والكتب المطبوخة بمصل المخابرات. ثم يكتشف العربي متأخرا ان القائد تحول وحشا. وان اكاذيب النضال لم تكن سوى سلم ليتحول الحاكم طاغية اعمى.
انها قصة رجل خطف بلدا. وصار القائد الوحيد. والكاتب الاول. والمهندس الاول. والطبيب الاول. وشرطي المرور. لا دستور ليردعه. ولا مؤسسات لتلجمه. استباحة كاملة من الوريد الى الوريد. اعطى الحكم للجماهير. كذب عليها. اعطاها الكتاب الاخضر ليطيل اقامتها في قيودها.
الطاغية اعمى. لا يصدق ان سبابة سترتفع. وان صوتا سيهدر. وان ربيعا سيصل. كان يعتقد انه سيقيم الى الابد. في خيمته. ملفوفا بأزيائه المزركشة. جالسا وراء نظارتيه. يمارس احتقار المواطنين والضيوف.
الطاغية لا يتعلم. خاف بعد اقتلاع صدام حسين. حاول تنظيف سجله المثقل. لكنه تأخر فعلا. لم يصدق ان فراشات الربيع هي اجراس النهاية. الطاغية نكبة لبلاده. نكبة للعالم. نكبة لاسرته. الطاغية يسبح في دم الناس. ثم يتمدد جثة على شاشات الفضائيات.



***********************************************************************


إعدام معمر القذافي

عبد الباري عطوان
2011-10-20

ان يخرج مئات الآلاف من الليبيين للاحتفال بمقتل الديكتاتور معمر القذافي، بعد استعادة مدينتي سرت وبني وليد آخر معاقلة، فهذا امر متوقع علاوة على كونه مشروعاً، لان ابناء الشعب الليبي عانوا، ولأكثر من أربعين عاما، من ظلمه وطغيانه وفساد نظامه، ولكن ما خيب آمالنا هي الطريقة غير الانسانية التي عومل بها الزعيم الليبي بعد اصابته وأسره، وكذلك بعض ابنائه والمقربين منه.
نحن مع الاحتفالات بسقوط الطغاة وأنظمة حكمهم، وعودة السلطة كاملة الى الشعب، صاحبها الحقيقي، ولكننا لسنا، ولا يمكن ان نكون مع قتل الأسرى، وجرجرة جثامينهم بالصورة التي شاهدناها جميعاً عبر شاشات التلفزة العربية، قبل الأجنبية.
العقيد معمر القذافي نزل من السيارة التي نقلته الى سرت وهو في صحة جيدة، وكان يمشي على رجليه، ولا آثار للاصابة في رأسه، ثم رأيناه جثة هامدة مضرجة بالدماء وهو في سيارة الاسعاف، مع تضارب كامل في الروايات حول مكان وكيفية العثور عليه، والظروف المحيطة بإصابته.
ديننا الاسلامي الحنيف، وتقاليدنا وقيمنا العربية التي نفتخر بها ونعتز، توصي بالعناية بالأسير، واكرام وفادته، وتضميد جراحه، هكذا اوصانا رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وهكذا فعل كل الصحابة وقادة جيوش الفتح المسلمين، وعلى رأسهم المجاهد الأكبر الناصر صلاح الدين الذي ضرب مثلاً للبشرية جمعاء في تعاطيه الاخلاقي مع الأسرى الصليبيين.
العقيد القذافي ارتكب جرائم، وخرج بذلك عن كل قيم الاسلام عندما عذب اسلاميين قبل ان يحرق اكثر من الف منهم في سجن ابوسليم، ولكن علينا ان نتذكر ان الثورة ضد نظامه اندلعت بفعل هذه الممارسات اللاإنسانية، وكنا نتوقع من قادة الثوار ان يقدموا لنا نموذجاً مختلفاً، وممارسات اكثر حضارية وانسانية في التعاطي مع الخصوم، ولكن توقعاتنا لم تكن في محلها للأسف.
ما نستشفه من التقارير الاخبارية المصورة التي وصلتنا حتى الآن، ان قراراً صدر بـ'اعدام' كل، او معظم، رجالات العهد السابق، وعدم القبض عليهم احياء. وهذا يؤكد ما اعلنه السيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي نفسه، من انه جرى رصد مكافأة مالية (مليوني دولار تقريباً) لكل من يقتل العقيد القذافي، وتوفير الحصانة الكاملة له من اي مقاضاة او ملاحقة قانونية على فعله هذا.
فليس صدفة ان يتوالى وصول جثث نجلي العقيد سيف الاسلام والمعتصم، وبعدهما ابوبكر يونس جابر وزير الدفاع الذي كان واجهة فقط، لم يمارس اي صلاحيات، وكذلك السيد عبد الله السنوسي رجل امن النظام القوي وولده او ولديه، ولم يؤخذ اي من هؤلاء بمن فيهم العقيد نفسه الى مستشفى قريب او بعيد لإسعافه.
***
انه اعدام بدم بارد، يعكس رغبة دفينة بالانتقام والثأرية لا يمكن ان تساعد في تأسيس نظام ديمقراطي حضاري يتماشى مع تطلعات الشعب الليبي وطموحاته. ممارسات تذكرنا بما جرى للأسرة الهاشمية في العراق بعد الاطاحة بنظامها بعد ثورة عام 1958 بقيادة المرحوم عبد الكريم قاسم ورفاقه.
الرئيس المصري حسني مبارك الذي لا يقل ديكتاتورية عن الزعيم الليبي المخلوع، عومل بطريقة انسانية يحمد عليها المصريون، فقد احضر الى المحاكمة على سرير، وجرى توفير افضل المحامين للدفاع عنه، وكذلك ابناؤه، وكبار المسؤولين في نظامه الفاسد، وهذا ما كنا نتمنى ان نراه في ليبيا الثورة.
سمعنا عضواً في المجلس الانتقالي يطالب بالقاء جثمان الزعيم الليبي في البحر لتأكله كلاب البحر، في مقابلة على شاشة محطة 'العربية'، وشاهدنا آخر يصف الجثمان بأنه 'جيفة'، وثالثاً يتباهى بأنه وجه اليه الاهانات، فهل هذا امر يعقل وديننا الحنيف وقيمه تنص على انه 'اللهم لا شماتة في الموت'.
اعدام العقيد القذافي هو نهاية مرحلة وبداية اخرى، ولا نبالغ اذا قلنا ان ما هو قادم قد يكون الأصعب، لما ينطوي عليه من تحديات جسيمة نلخصها في النقاط التالية:
أولاً: العمل على تكريس الاستقلال والسيادة الليبيين في مواجهة اي نفوذ لحلف الناتو ودوله. فإذا كان هذا الحلف قد ساعد في اطاحة النظام الديكتاتوري وحمى المدنيين، فلا مانع من ان يكافأ بالاموال، وهناك اكثر من 160 مليار دولار من الودائع المالية في الغرب يمكن تخصيص مبالغ منها لهذا الغرض.
ثانياً: تسوية الخلافات المتفاقمة بين الجناحين الرئيسيين في المجلس الوطني الانتقالي، الاسلاميون من ناحية، والليبراليون من ناحية اخرى، واعطاء كل ذي حقه ودوره، حسب حجم تضحياته في هذه الحرب، ونحن نعرف حجم هذه الخلافات وضخامتها.
ثالثاً: نزع سلاح الميليشيات ودمج أفرادها في القوات الوطنية المسلحة، لان ليبيا تحولت في الأشهر الثمانية الماضية الى غابة سلاح، ولا يمكن ان يستقيم الأمن في ظل هذا الانتشار الكثيف للأسلحة، خارج اطار القانون. وسمعنا السيد محمود جبريل رئيس الوزراء يقول ان لا احد يستمع الى اوامره او يطبقها، وانه يحذر'من فوضى عارمة في البلاد.
رابعاً: لا بد من المصالحة الوطنية، والخطوة الاولى في هذا الصدد تتمثل في عدم التعاطي بمنطق المنتصر مع انصار النظام السابق، فالمجمتع الليبي مجتمع قبلي لا يمكن ان يقبل الاهانة والفوقية.
خامساً: الديمقراطية تعني الحكم الرشيد، وسيادة حكم القانون، والشفافية، والقضاء العادل المستقل والمساواة في توزيع الثروات، والعدالة الاجتماعية، واذا كانت قد وقعت اخطاء وتجاوزات فلا بد من علاج سريع لها، قبل ان تتفاقم وتتحول الى غضب وربما ثورة مضادة.
***
قد يجادل البعض، وهم كثر داخل ليبيا خاصة، ان ما حدث بالأمس هو نهاية دموية لنظام دموي، ولكن الشعوب العربية تريد نهايات وردية ديمقراطية انسانية لهذه الانظمة الدموية، تظهر الفارق بين ممارساتها وممارسات ممثلي الثوار الديمقراطيين، فشيم القادرين المنتصرين تتلخص في الترفع عن النزعات الانتقامية الثأرية.
ندرك جيداً انه في ظل الاحتفالات الكبيرة والمشروعة بسقوط نظام طاغية، تسود العاطفة ويتراجع العقل، ولهذا قد لا يعجب كلامنا هذا الكثيرين، ولكن نجد لزاماً علينا ان نقول ما يجب ان يقال، في مثل هذه اللحظة التاريخية في ليبيا


***********************************************************


بعد مقتل القذافي
الأحد, 23 أكتوبر 2011
عبدالله إسكندر

القتل بشع، أياً كان القتيل وأياً كان القاتل. ولا تقلل من هذه البشاعة عقود من الطغيان والديكتاتورية والقتل الاستنسابي، ولا الانتقام الفردي من الطاغية. وقد يكون بقاء العقيد القذافي حياً مورداً لهموم إضافية للسلطة الجديدة أو أحد مكوناتها، لكنه بالتأكيد ثروة من المعلومات والقضايا الغامضة والملتبسة كان يمكن لبطلها أن يلقي، خلال محاكمة جدية، الضوء على بعضها. خصوصاً أن كثراً من المتورطين معه في صفقاته القذرة، في منطقتنا والعالم، ما زالوا أحياء. وبعضهم ما زال في سدة الحكم. ما كان يسدي خدمة أكيدة لشعوب تواقة، مثل الشعب الليبي، إلى الحرية والديموقراطية.

وقتل القذافي، على النحو الذي شاهدناه، بعدما قبض عليه حياً، إضافة إلى بشاعته، يشكل ثغرة أولى لدى السلطة الجديدة. فهي إما لم تتحسب لاحتمال أن يسقط الطاغية أسيراً في أيدي مقاتلين لن يترددوا في ارتكاب هذا النوع من الانتقام، وتالياً خسارة ثروة المعلومات، القيّمة بالتأكيد، عن ممارسات أربعة عقود من الإرهاب والديكتاتورية وكشف المتواطئين معه، خصوصاً خارج ليبيا. وإما رغبت في التخلص منه على أسرع نحو، بما يريحها من أعباء تحمل وجوده حياً معتقلاً لديها، ما يعني شعورها بالضعف إزاء بقائه حياً، ولو في المعتقل.

تخلصت السلطات الليبية الجديدة من القذافي، وأركان أساسيين في حكمه. لكن مشكلة القذافية قد تستمر لفترة في إزعاج هذه السلطات، عبر عمليات حربية يقوم بها هؤلاء الذين لا يزالون يحنون إلى حكم الطاغية، كما حصل في طرابلس قبل أيام. لكن ذلك لن يتجاوز الإزعاج إلى تشكيل تهديد.

التهديد الذي يعرض الوضع الليبي إلى انتكاسة فعلية قد يكون مصدره أبناء الثورة انفسهم. إذ أن توحدهم حول فكرة القضاء على حكم القذافي لم يعد مضموناً بعدما قتل الطاغية وانهيار حكمه بالكامل.

ولعل ما شهدته السلطة الجديدة، بعيد سقوط طرابلس، من تعارض واختلاف في شأن تركيبة الحكم وقيادته يشكل مقدمة لما يمكن أن يكتنف عملية تشكيل الحكومة الانتقالية، بعد إعلان التحرير وبدء تطبيق خريطة الطريق التي وضعها المجلس الوطني الانتقالي.

ولم تتضح حتى الآن كيفية الانتقال من مرحلة القتال ضد القذافي إلى مرحلة بناء ليبيا الجديدة. فمن المعلوم أن الذين قاتلوا بضراوة على مختلف الجبهات، ليسوا طرفاً واحداً تحت قيادة واحدة وذات برنامج واحد. فإلى الخلافات السياسية والإيديولوجية، تُضاف اختلافات الانتماء المناطقي والقبلي. ما يعني أن عملية التوحيد العسكري، وهي ذات أهمية حاسمة في توحيد السلطة، تشكل التحدي الأساسي أمام الحكم الجديد.

وبمقدار ما تتأخر هذه العملية ستتسع الهوة بين أطرافها، ويندفع كل منها في اتجاهه العسكري أو الأيديولوجي أو السياسي. مع كل ما ينطوي عليه ذلك من خطر مواجهة، كما حصل في أفعانستان بعد رحيل السوفيات وفي العراق بعد إطاحة صدام حسين. وإذا كان رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل يتمتع بسمعة جيدة بين كل فئات الليبيين، فان هذه السمعة وحدها لن تكون ضمانة في وجه التصعيد عندما تصل الأمور إلى أقصاها.

وبالارتباط مع تحدي توحيد القوى العسكرية المتنافرة، وفي موازاته، تطرح مسألة طبيعة الحكم الجديد. وما لم يحصل إجماع، بين جميع القوى، على ضرورة أن تتمكن كل الأطراف من التعبير والعمل السياسي في إطار تعددي، من أجل إقامة الدولة المدنية، فإن خطر الاقتتال يستتبع خطراً لا يقل أهمية، وهو عودة شكل جديد من أشكال الديكتاتورية والذي دفع الليبيون ثمناً باهظاً جداً بالأرواح والمال من أجل التخلص منه.



******************************************************

أضعف الإيمان - إعدام العقيد
الثلاثاء, 25 أكتوبر 2011
داود الشريان

الانطباع السائد عن إعدام العقيد معمر القذافي أن المشهد نُفِّذ بالاتفاق بين المجلس الانتقالي وحلف «الناتو»، لتصفية الرجل فور العثور عليه، والخلاص من تبـــــعات وجوده حياً. قتله على أيدي الثوار، ومن دون إذن من أحد، رواية يصعب تصديقها، وتعدد روايات القـــتل، وأسماء المنفذين، يكرّس الشك بأن قاعدة «لم نأمــــر بها ولم تسؤنا» لا تنطبق على ما حصل، فضلاً عن ان قتل نجله المعتصم بالله، الذي ظهر بصحة جـــــيدة، هادئاً يدخّن ويشرب الماء، يشــــير الى ان المجلس الانتقالي قرر إلغاء وجود الحقبة القذافية، وقطع دابر صاحبها وأنجاله، وعدم الانشغال بمحاكمة تفتح ملفات ينبغي حرقها، وبتكرار تداعيات التجربتين العراقية والمصرية. خطوة الاستعجال هي البداية، وإن شئت النهاية، لكنها خطوة مفرطة، ومرتبكة، ومشوّهة.

الخلاف على الطريقة التي قُــــتل بها القذافي، أثار خلافاً على مشروعية إعدامه، بين من رأى انه يستحق القتل بأي طــــــريقة، مهما كانت قاسية ووحشية، وهي نهاية طــــبيعية لطاغية مــــثل العــــقيد، وآخر تمنى محاكمته، وثالث تعامل مع المسألة على قاعدة «بشِّر القاتل بالقــــتل»، وأن ما حصل كان حتمية تاريخية صنعها القذافي بنفسه. لكن نهايته خفَّفت قسوة عهده المضرّج بالإرهاب والبطش والدماء، والتنكيل بشعب كامل. الـــعهد الجـديد غيَّب الحديث عن استــــبداد القذافي وظــــلمه، واستبدل الثأر والانتقام بالعدل... مؤسف ان تبدأ الثورة عهدها بتغييب الحقيقة، فضلاً عن العدالة.

لا شك في ان إعدام القذافي بهذه الطريقة جعل الثورة تمارس عنفاً قاتلت من أجل وقفه، وضحَّت بآلاف الأبرياء، وهي بدت، بصنع نهاية خاطفة وغامضة للطاغية، كأنها كانت تقاتل شبحاً، وليس طاغية مستبداً، ونظاماً دموياً عنيفاً. مشهد قتل القذافي كان لحظة ضعف درامية في رواية حافلة بأحداث بشعة ومروّعة وشرسة.

لا شك في ان نهاية معمر القذافي ذكّرتنا بنهاية زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، كلاهما قُتل خطفاً. مروّع هذا العبث بشهود الاستبداد، والإرهاب، والقتل الذي نعيشه منذ عقود. خطير خطف فرصتنا لفهم الماضي ومصادرتها، وطمس المشاهد والصور والحقائق التي تحرّضنا على السؤال.
***************************************************



يخافونه حتى في القبر
عبد الباري عطوان
2011-10-25


تطوران اساسيان، وعلى درجة كبيرة من الأهمية، وقعا في اليومين الماضيين في ليبيا يصعب علينا تجاهلهما وعدم التوقف عندهما، الاول هو صدور اعلان عن المجلس الوطني الانتقالي الليبي بدفن العقيد معمر القذافي ونجله المعتصم ووزير دفاعه ابو بكر يونس جابر في مكان مجهول وسط الصحراء، اما الثاني فهو كشف الدكتور علي الترهوني وزير النفط والمال في المجلس نفسه عن مناشدة حلف الناتو لتمديد فترة وجوده وعملياته في ليبيا ولو لفترة شهر على الأقل.
لا نفهم لماذا يصر المجلس، الذي احتفل قبل يومين بالانتصار على حكم نظام القذافي، و'التحرير' الكامل للتراب الليبي، على دفن جثمان العقيد في مكان مجهول وسط الصحراء، وفي سرية مطلقة، ورفض تسليمه لأسرته، او لقبيلته، مثلما تقتضي الاعراف والتقاليد العربية والاسلامية، اللهم الا اذا كان المجلس الانتقالي يخشى الرجل حتى وهو في قبره، وهو الذي يتمتع بدعم الحلف الاقوى في التاريخ.
المسؤولون في المجلس الوطني الانتقالي يبررون هذه السرية بالقول إنهم لا يريدون ان يتحول قبر الزعيم الليبي الراحل الى 'مزار' يحج اليه انصاره، وهذا ينطوي على تناقض كبير، فمفتي المجلس افتى بتكفير الرجل، واخراجه من ملة المسلمين، وحرم الصلاة على جثمانه بالتالي، أو دفنه على الطريقة الاسلامية، فكيف يتحول قبر رجل كافر الى مزار يشدّ اليه الرحال مسلمون ؟
الرئيس العراقي الراحل صدام حسين كان اكثر خطورة في نظر الامريكان الذين احتلوا العراق وخسروا تريليون دولار وخمسة آلاف قتيل من اجل الاطاحة بنظامه، ومن ثم اعدامه، ومع ذلك لم يصدروا فتوى بتكفيره، ولم يقتلوه او يمثلوا بجثمانه، وقدموه الى المحاكمة، وان كانت محاكمة مزورة، وسلموا جثمانه لزعيم قبيلته، وسمحوا بدفنه في قبر واضح المعالم في مسقط رأسه في مدينة تكريت. فهل يعقل ان يكون 'الثوار' الليبيون اكثر قسوة وجبروتا من المحتل الامريكي؟
والأكثر من ذلك ان الامريكيين الذين قتلوا الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم 'القاعدة' بطريقة وحشية امام زوجاته وأطفاله، لم يكفروا الرجل، ولم يخرجوه من ملة الاسلام، بل حرصوا على التأكيد على انه حظي بمراسم دفن اسلامية، وبحضور إمام جُلب خصيصاً الى حاملة الطائرات التي نقل اليها في عرض البحر، حيث جرى غسل جثمانه والصلاة عليه قبل 'دفنه' في البحر.
' ' '
نحن لا نمتدح هنا الامريكيين، معاذ الله، فهؤلاء قتلوا مليون انسان مسلم في العراق الشقيق بعد احتلاله، ومزقوا وحدته الوطنية والترابية، ولكننا نظهر مدى الارتباك الذي يعمّ المجلس الانتقالي الليبي، والنزعات الثأرية والانتقامية التي تسيطر على رئاســـته وأعضــائه، وتدفعهم للتصرف بطريقة غير انسانية في التعاطي مع الزعيم الليبي الراحل وأبنائه وأنصاره.
فهل يعقل ان يوضع جثمان انسان مسلم نطــــق بالشهادتين فـــوق مرتبة قذرة ملطخة بالدماء، في حاوية مخصصة للخرفان، شبه عار، بينما تقوم نساء وأطفال بالفرجة عليه لأكثر من ثلاثة أيام، حتى تعفن وفاحت رائحته الكريهة، وشاهدنا 'الزوار' الشامتين يغلقون أنوفهم لتجنبها.. هل هذا من الاسلام وقيمه التي تنص على ستر الميت ودفنه في أسرع وقت ممكن؟
ثم لماذا يتم اعدام انصار الرجل وهم مسلمون جرحى، ومقيدو الأيدي، مثلما أفادت تقارير هيومان رايتس ووتش الامريكية، فهل هذه مواصفات ليبيا الجديدة الديمقراطية الحريصة على العدالة وحقوق الانسان التي يبشرنا المجلس الوطني الانتقالي بإقامتها في الأسابيع أو الأشهر المقبلة؟ أليست هذه الممارسات هي التي دفعت 'الثوار' للخروج على نظام العقيد، وحمل السلاح والاستعانة بحلف الناتو لإطاحة نظامه واقتلاعه من جذوره؟
وطالما اننا نتحدث عن حلف الناتو، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن الاسباب التي تدفع المجلس الانتقالي للتوسل الى هذا الحلف وقادته لتمديد فترة عملياتهم في ليبيا، ألا يدرك هؤلاء ان النظام الليبي سقط، وان قوات المجلس وثواره استولوا على جميع المدن الليبية، وان رأس النظام تعرّض للتصفية الجسدية، وأبشع أنواع الاهانات بعد اعدامه، ودفن جثمانه في بقعة مجهولة في الصحراء الليبية؟ فلماذا تبقى قوات الناتو، ومن أجل أي هدف، فهل يخشى المجلس الانتقالي ان يخرج القذافي وأنصاره من قبورهم شاهري السلاح لاستعادة حكمهم؟
ان هذه الممارسات تسيء الينا كعرب ومسلمين قبل ان تسيء لليبيا وشعبها، وتشوه صورتنا في نظر الشعوب الاخرى، وتظهرنا كأضحوكة وتجعلنا موضع سخرية الآخرين، مثلما تسيء الى الثورات الشعبية العربية الاخرى، سواء ما هو قائم منها او على وشك القيام، لاطاحة ديكتاتوريات قمعية فاسدة في عواصم عربية عديدة.
' ' '
اي ثقافة هذه التي تدفع اناسا من المفترض انهم عاقلون ومسلمون لإحضار أطفالهم لمشاهدة جثمان رجل ميت، والتقاط الصور له، فهل يمكن تربية اجيال على قيم الحقد والشماتة، وهل يمكن اقامة حكم رشيد ودولة القانون والقضاء العادل المستقل على أرضية سحل جثامين الخصوم والتمثيل بها، واخراجهم من الملّة وهم المسلمون العابدون؟
ليبيا تتعرض لأبشع أنواع التشويه والتزوير، مثلما ستتعرض لاحقاً لأعتى أنواع النهب والابتزاز على أيدي حكومات حلف الناتو، فها هم يطالبونها بتعويضات لأسر ضحايا الجيش الجمهوري الايرلندي البريطانيين، وضحايا تفجير ملهى لابيل الليلي الالماني، وربما غداً ضحايا جبهة مور الاسلامية في الفلبين، وربما الاسرائيليين الذين قتلوا بطائرات ليبية، كل هذا لان النظام السابق زوّد هذه المنظمات بالأسلحة والعتاد، اما ضحايانا في العراق وافغانستان، بل في ليبيا نفسها، الذين قتلوا في قصف طائرات الناتو فلا بواكي لهم، بل ممنوع ذكرهم.
العقيد القذافي كان ديكتاتوراً مستبداً دموياً بدّد ثروات البلاد على امجاده الشخصية، والحفنة الفاسدة الملتفة حوله ونظامه، وأكثر ما نخشاه ان تكون المرحلة القادمة اكثر سوءاً، حيث نرى عملية 'ابتزاز' واضحة للشعب الليبي من قبل القوى الاستعمارية التي جاءت لتحريره، بحيث يجد نفسه قد تخلص من طاغية اصغر ليقع في براثن طاغية اكبر.
المشهد الليبي الحالي لا يبعث على الاطمئنان، فمرحلة ما بعد 'التحرير' قد تكون أصعب كثيراً من تلك التي سبقتها، والمأمول ان تكون ليبيا الجديدة موحدة مستقرة، وأفضل كثيراً من ليبيا القديمة.

****************************************************

الطاغية العربي: واحد، واحد، واحد!
رشاد أبوشاور
2011-10-25


وأنا أُشيح بنظري عن مشهد القذافي الأخير، تساءلت: ترى هل سنرى في يوم غير بعيد احتفالاً شعبيا قوميا حاشدا بالتخلّص من آخر طاغية عربي، ونشيعه بالقسم والعهد، ووضع كل القوانين التي تضمن أن لا يظهر شبيه له ولأسلافه..من جديد، في كل بلاد العرب من المحيط إلى الخليج؟!
هل سيأتي ذلك اليوم بتحقق الأمل المنشود بالتخلّص من آخر طاغية عربي، لتحتفل الأمة بملايينها باليوم التاريخي القومي المشهود، كما تحتفل الشعوب بالتخلّص من الأميّة، والأمراض المستعصية؟!
لم أحدّق مطولاً في مشهد القذافي البائس، الذي فقد غروره وادعاءه، وفي لحظات صار مخلوقا خائفا، مرتجفاـ اللهم لا شماتة ـ وهو ما لم يخطر بباله يوما، حين كان يصعّر خده للناس، ويمشي في الأرض مرحا، يأمر بالقتل، والسجن، ويقرر الناس ما يأكلون، وما يلبسون، وما يتعلمون!
يزعل القذافي من بريطانيا فيعاقب شكسبير..نعم يعاقب شكسبير شخصيا بحرمان تلاميذ ليبيا من تعلّم اللغة الإنكليزية!..في حين يتزلف للمجرم توني بلير، قاتل العراقيين ومدمّر العراق مع بوش، المتآمر على شعب فلسطين، والمنحاز للكيان الصهيوني.. ويضخ لحسابه ملايين الدولارات بحجة أنه مستشار سياسي واقتصادي!
القذافي جعل من ليبيا سجنا كبيرا خانقا، يحرم فيه الإنسان من ابسط الحقوق..فالفوضى تغرق الحياة بالتعاسة حد الجنون، والخوف يفصم شخصية الإنسان المضطر للمجاملة على حساب كرامته، بل والنفاق للطاغية وزبانيته، أو الصمت والانطواء على النفس، وكتم عذاباته في داخله.
في جماهيرية القذافي عاني الليبيون من الشعور بالخجل من هكذا حاكم، وبالقهر وفقدان الأمل، لأن الكابوس أزمن، وبات التخلّص منه في علم الغيب، فكل من يتحرّك، ويرفع الصوت محتجا يغيّب في الظلام، وينطوي ذكره، حيث لا محاكم، ولا قضاة، ولا قانون، ولا دولة!
الطاغية العربي الواحد المتعدد بألقاب مختلفة، في بلاد العرب..تنطوي شخصيته على نفس الأمراض الموحدة: فهو جاهل، أناني، لا يؤمن بشيء، لا بعروبة، ولا إسلام، ولا أهمية لديه بمصير فلسطين والقدس، والعراق لا يعنيه، وخراب أي قُطر عربي لا يقلقه..فالمهم هو..ونسله من بعده!
الطاغية العربي: سمج، منفّر، دعي، ولذا يحقد على كل متعلم، مثقف، مستنير، متميز...
الطاغية العربي نابذ، لذا يهرب، أو يهاجر، أو يصمت.. المتميزون..الذين قد تطاردهم أجهزته لتصفيتهم حتى وهم في المنافي لما يتسببونه من إحراج لمجرّد مطالبتهم بالحريّة لشعبهم!
الطاغية العربي يعيش بالنفاق، فمشروعه لديمومة حكمه لا ينتعش إلاّ بالنفاق، ومع الوقت يصدّق حفلات النفاق التي تعيد إنتاجها أجهزته الإعلامية، والأمنية، ويروجها بعض (كتبته)..أي مرتزقته!.
الطاغية العربي ليس فيه طرافة وأسطورية وغرابة أطوار الديكتاتور في أمريكا اللاتينية ـ الذي انقرض بالثورات هناك ـ ولذا لا يصلح أن يكون شخصية روائية، أو مسرحية، فلا طرافة في شخصيته، فهو شخصية البعد الواحد ليس إلاّ!
الطاغية العربي لا مبادئ له، فهو يكره الأفكار، والشعارات، والأحزاب، والشعراء، والفنانين..يكرههم، ويحسدهم على شهرتهم لأنه يدرك كم أنه وضيع، ودون!
كان القذافي قد أمر في واحدة من لحظات تجلياته (الفكرية) انسجاما مع نظريته العالمية الثالثة،أن يمنح لاعبي كرة القدم أرقاما، لأنه لا يجوز أن يشتهروا بينما الشعب محروم من هذه الشهرة! ..أترون روعة عدالة، ومساواة القذافي؟! فقط عندما رغب ابنه الساعدي أن يلعب كرة القدم سمح بذكر أسماء اللاعبين..وأمده بالملايين ليرشو ناديا إيطاليا ..فقط ليقبل به لاعبا في الاحتياط، ولتلتقط له صورة وهو بزي ذلك الفريق!
الطاغية العربي لأنه أعمى البصيرة، فإنه لا يتوقع أن الدور قادم عليه، وأن مصيره إمّا هاربا كزين العابدين بن علي، أو متماوتا على السرير وهو ينقل إلى المحكمة كحسني مبارك، أو ..خاتمة وميتة شنيعة كالقذافي!
الطاغية العربي يتوهم أنه محبوب الجماهير، وأنه خالد أبدي..وأن الشعب سيبقى يتيما بدونه. ترى: من أدخل هكذا يقين في رأس ونفس الطاغية العربي؟!
لو لم يعش في هذا الوهم..فماذا سيبقى له؟!
هل يمكن أن يستيقظ الطاغية العربي من غفلته، ويخرج من وهمه، ليقول لنفسه: أنا بشر..لست خالدا، الشعب والوطن هما الباقيان..والله هو الخالد، فأنا لست إلها..فليبق ذكري وعملي الصالح..ولأعد الحكم لأصحابه، ولأعيش كباقي الناس في بلد محترم، حياة محترمة!
ونحن نتابع نهاية القذافي، أشاحت زوجتي نظرها عن شاشة التلفزيون، وسمعتها تتساءل: لماذا فعل هذا بنفسه، وبأولاده وأسرته..و..بليبيا؟!
أما أنا فكنت أكرر السؤال نفسه، وإن بكلمات مختلفة، وأنا أبعد عيني عن المشهد الأخير للطاغية.
يقول لمن أسروه: أنا أبوكم..أنتم أولادي!
يا رجل: ولكنك وصفتهم بأنهم جرذان!
وأنت من أمر بملاحقتهم، ومطاردتهم زنقة زنقة.
ذكرني هذا المشهد البائس للقائد الأممي بكلمات سجعية كنّا نرددها بمرح، ونحن صغار:
أنا أبوهم بوكلهم
فترد أصوات:
أنا أمهم باحميهم
الطاغية العربي يأكل من يدعي أنهم أبناؤه..وهو في (زنقته)، ولحظة ضعفه وهوانه وانكشافه يطلب ممن ظلمهم، وأهانهم، وحرمهم من خيرات بلدهم.. أن يتذكروا بأنهم أبناؤه..وأنه والدهم!
الطاغية العربي المتحكم يعيش بعقلية أنه الأب، وأن الشعب أبناء له، وأنه من يقرر مصير هؤلاء الأبناء، وهو يبرر لنفسه..اضطهادهم، وقهرهم، و (تربيتهم) بعنف، ويقمعهم، ليمشوا وفقا لمشيئته..فهو الأب كلي القدرة والمعرفة، وعلى الأبناء أن يخضعوا ويخنعوا ويكونوا مُلكا له!
الطاغية العربي يعيش خارج الزمان، والعصر، وهو مرض مستعص، ولذا فعلاجه النهائي أن ينتهي عصر (الأب) القائد..فالوطن هو الأب والأم ..والشعب هو الباقي، ولا كرامة للإنسان العربي في وطن يملكه شخص وعائلته.
الطاغية العربي مكانه اللائق به حفرة يوارى بها، وإلاّ فإن الحفرة ستتسع لتبتلع الأمة كلها..احفروا لهم، وعمقوا الحفرة، ورصوهم فوق بعضهم، وأنتم تُنشدون مع تركه لكم الشاعر الكبير خليل حاوي:
عمق الحفرة يا حفار
عمقها لقاع لا قرار
الطاغية العربي المستنسخ هو يا أيها العرب مشرقا ومغربا: واحد واحد واحد...
************************************************


أعمار الطغاة



نصري الصايغ
وحده العمر، كان عدو الدكتاتور.
التقدم في السن، إلى الشيخوخة المؤجلة، هو المؤامرة ولا ينتصر عليها أحد. تنفذ بإرادة إلهية، لا رد لها.
وحده الله، كان، إما يمد بعمر الدكتاتور إلى أبده البشري، أي، إلى ما بعد شيخوخته، وإما يأخذه، ونادراً ما فعل ذلك، في عز الشيخوخة.
كان بإمكان الدكتاتور، البقاء في السلطة، حتى بعدما تصير عضلاته رخوة، وسمعه شحيحاً، وبصره كفيفا، وقواه العقلية، في ذمّة الخرف.
والدكتاتور العربي عموماً، أكان رئيساً مقتنصاً سدته، أم ملكا وارثا عرشه، أم أميرا مصادراً سلالته... كان مطمئنا إلى خلوده، وإلى بقائه حياً في ورثته. ومصدر اطمئنانه، محبته الأولى لاجهزة أمنه، وصناديق ماله (المال العام ماله) و(النفط ماله). ينفقها على حفظة أوامره، والمبشرين برسالته الخالدة. وهو لا يشعر أبداً بأنه مدين لأحد بشيء: لا لربه، فهو أعظم منه شأنا، ولا لشعبه، فهو أرفع منه رتبا، ولا لأعوانه، فهم خدمه المطيعون، ورقابهم رهن الرسن الممسوك من قبله.
والدكتاتور، العربي خصوصاً، معتصم بالمال، أكان بلده بلد نفط، أم بلد قحط. هو البنك المركزي. هو البورصة وأسهمها. هو العملة بسلال وفوائد وفوائض. هو الشريك الإلزامي لكل استثمار. هو الوكيل الحصري لشركات متعددة الجنسيات. هو المنتشر في عواصم المال، برطيلا وشراء ذمم وقصور. هو منظم وراعي الفجور الاقتصادي. هو الذي يبذّر. وهو أخيراً، الذي يجوع شعبه ويفقر، ولا يكف عن التحدث عنه وباسمه.
والدكتاتور، العربي تحديداً، شديد الانتباه للرياح. سفنه تجري وفق أهوائها. والريح الغربية شديدة السحر. أميركا على ما يرام، تأخذ وتحمي. تأخذ وترعى. الغرب، قبلة صلاة الدكتاتور. لا كعبة سواها. يطوف حولها ويضحي بطائل الأموال، لينال بركة «رسول» من وزن فيلتمان، أو نعمة «نبي» من حجم أوباما أو ساركوزي او القديس برلسكوني.
ولأنه في هذا الصراط الآمن، فهو مطمئن إلى بقائه في السلطة، إلى أبد الآبدين.
غير أن «الله»، عندما بالغ في السماح لهؤلاء في البقاء، فعاثوا في شعوبهم قهراً وإذلالا وتشريداً وإفقاراً واهانة وخطفا وتعذيبا وقتلا... غير ان «الله»، عندما صبر كثيراً على ما أتوه من كفر سياسي وزندقة اجتماعية وخروج على الجماعة الكبرى (الشعب)، أعطى حجة للناس، ليقولوا للدكتاتور: ارحل.
رحل الأول: نجا بثروته المنهوبة، فاستضافته ملكية تعوم على النفط والنهب وما تفوقت فيه من ظلم... رحل الثاني، إلى «عزبة» فخمة، محتمياً بغباء مزمن، ظناً منه ان «الشعب يحبه». لكن الشباب أمروا العسكر باقتياده إلى المحكمة، لينال حسابه وعقابه. الرجل الثالث، دكتاتور العصر بلا منازع، اللاشبيه له في افلام فرنكشتاين، قرر ان يمارس طقس التدمير الشامل، فقاد عملية «عليّ وعلى أعدائي يا رب». فكان له ما أراد: «ناتو» يدمر، ودكتاتور يغرق في دمه الهمجي...
الدكتاتور الرابع وأشقاؤه، لم يعد بمقدورهم الاعتماد على «الله» الغفور الصبور الحكيم، ولم يعد الزمن رهن مساره القديم الذي يقود الدكتاتور إلى شيخوخته وموته بسلام وجلال واحترام.
صاروا في عهدة شعوبهم. شعوبهم تقرر مصائرهم وآجالهم. فهل يسمعون؟ هل يشعرون؟ هل يفكرون؟ هل يكتشفون؟ أم أنهم على دين من سبقهم.
الشعوب العربية، وأجيالها الشابة، لم تعرف في السلطة إلا هؤلاء. غير انها راغبة في ان تبدل المشهد، كل أربع أو ست سنوات، وليس كل أربعة أو ستة عقود.
ماذا بعد؟
لا شيء أبداً، سوى أن «الله»، تخلى لشعوبه عن القضاء والقدر، وترك للناس ان يتدبروا أمورهم ويصنعوا أقدارهم بأيديهم... ولم يكتمل التغيير بعد.
لذلك، غداً، يوم آخر... وبعد غد، يوم آخر. والأيام القادمة لا تتشابه إلا في انها تحمل معها بشارة الحرية والكرامة والرغيف.
nsayegh@assafir.com

******************************

ربيع عربي أم سايكس بيكو جديد؟



هاني المصري
الطريقة البشعة التي قتل فيها القذافي، التي لم تقتصر على تعرض موكبه لقصف من طائرات الناتو، ما يدل على وجود أصابعه فيما جرى بعد القصف أيضًا، إلى اعتقاله حيًا، وضربه وتعذيبه، وممارسة أعمال شائنة بحقه، ثم قتله دون تحقيق ولا محاكمة، وإلقائه عاريًا في مصراته (إمعانا في الثأر والانتقام)، تطرح علامة سؤال جديدة تعزز أن ما يجري في ليبيا خصوصًا، والمنطقة العربية عمومًا، ليس ربيعًا عربيًا فقط، وإنما ثورات عربية تتسابق مع فرض سايكس بيكو جديد على المنطقة؛ لوراثة - كما قال هيكل - بقايا المشروع القومي العربي لصالح مشاريع أميركية - أوروبية، وإيرانية، وتركية، وإسرائيلية، وهذه نتيجة طبيعية لغياب مشروع عربي يحفظ حقوق ومصالح الشعوب العربية.
إن قتل القذافي يذكرنا بإعدام صدام حسين بعد «مسرحية المحاكمة»، وباغتيال أسامة بن لادن بالرغم من معرفة مكانه منذ مدة، ومن إمكان اعتقاله حيًا، وباغتيال العولقي في اليمن، والمبحوح في الإمارات، وبكل ما تقوم به القوات الأجنبية في أفغانستان والعراق، وما تقوم به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. ولا يوجد سوى الانتقاد اللفظي الخجول من الغرب والمجتمع الدولي، الذي ينتفض ويقيم الدنيا ولا يقعدها إذا تعرض يهودي أو إسرائيلي للاعتقال، أو لأي شكل من أشكال معاداة السامية، ولا يحرك ساكنًا إذا ارتكبت إسرائيل كل جرائم الحرب والعقوبات الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
لن نصدق زعماء الغرب الذين كان صدام حسين حليفهم الأوثق وهو يشن حربه على إيران، وأصبح الطاغية عندما أراد أن يلعب دورًا في المنطقة. وعندما أوقف القذافي برنامجه النووي والكيماوي وتعاون مع الغرب في حربه ضد الإرهاب أصبح مثل الأم تيريزا، حيث تقاطر زعماء أميركا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا لزيارته والإشادة به، وبعد الثورة المصرية دافع الغرب، خاصة الإدارة الأميركية عن نظام حسني مبارك، باعتباره «صمام الاستقرار» في المنطقة، وغير قابل للسقوط ليتحول بين عشية وضحاها إلى طاغية يجب أن يرحل فورًا، الآن الآن وليس غدًا، وهكذا حصل مع زين العابدين، حيث عرضت فرنسا مساعدته في بداية الثورة ضده، ثم انقلبت عليه عندما بات مصيره واضحًا.
لقد أصبح القتل دون اعتقال ومحاكمة نهجًا سائدًا معمما يستحق الترحيب بدلاً من الإدانة، ووصلت المعايير المزدوجة الأميركية والأوروبية ذروتها، بالترحيب بالنهاية الهمجية للقذافي، وبتهنئة إسرائيل من قبل كاترين آشتون وباراك أوباما لتحرير شاليط وعودته سالمًا، وعدم تهنئة الفلسطينيين بإطلاق سراح مئات الأسرى الذين كانوا أبطال الحرية وليسوا إرهابيين، ومورست بحق الكثير منهم عقوبة جماعية جديدة بمنعهم من العودة إلى بيوتهم وديارهم، وفرض تهجيرهم بعيدًا عنها لمدة طويلة تصل إلى عشرين عامًا.
ولم ينبس الغرب ببنت شفة إزاء قيام المستوطنين بتهديد الأسرى المحررين، والإعلان عن مكافأة قيمتها مائة ألف دولار لكل من يقوم بقتل أسير محرر، دون أن تحرك الحكومة الإسرائيلية ساكنًا على مرأى ومسمع من العالم كله الذي واجه هذه الحملة الإرهابية بصمت القبور. ووصل الاستهتار الأميركي بالفلسطينيين إلى حد التحذير من مغبة إطلاق سراح أسرى «مارسوا الإرهاب» ضد إسرائيل.
لم يقدم الناتو المساعدة للثورة الليبية من أجل تغيير النظام الديكتاتوري، وكي تنعم ليبيا بالحرية والديمقراطية والاستقلال، ولكن من أجل تقاسم نفط ليبيا، ومنع الثورة من تحقيق أهدافها، تمامًا مثلما حصل في العراق الذي تم احتلاله وتدميره وقتل أكثر من مليون شخص، وتقسيمه فعليًا، بحيث عاد مائة سنة إلى الوراء، ولا يعرف أحد متى سيعود كما كان عليه قبل العدوان والاحتلال.
وما يفعلونه في ليبيا عبر القوة العسكرية، يحاولون فعله في مصر وتونس واليمن وسوريا وبقية البلدان العربية التي لم تشهد ثورات، من خلال مختلف أشكال التدخل السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، الرامية إلى إبقاء المنطقة العربية أسيرة التخلف والتبعية والتجزئة والجهل والاستبداد، مع تغييرها شكليًا من خلال إقامة أنظمة ديموقراطية مشوّهة.
إن الغرب يدرك تمامًا أن الربيع العربي إذا انتهى بقيام أنظمة عربية ديموقراطية مستقلة، ستكون حرة ومعادية لإسرائيل ولكل أشكال الهيمنة الخارجية المفروضة على المنطقة، لذلك تحرك بسرعة لإجهاض الربيع العربي قبل بلوغه غاياته، تطبيقًا لمشاريع تم وضعها سابقًا لفرض قيام «شرق أوسط جديد»، يقضي على أي أمل بـ«قيامة العرب». فكما قال طوني بلير، أمس الأول، إن الربيع العربي يهدد إسرائيل والسلام معها، لذا يجب إعادة المفاوضات إلى مسارها السابق.
وفي هذا السياق، أضم صوتي إلى هيكل الذي حذر من مؤامرة الفتنة الطائفية التي يراد تعميمها في المنطقة، من خلال إيجاد صراع سني - شيعي، وأضيف إليه صراع إسلامي - مسيحي، واستنفار كل الأثنيات والأقليات والطوائف في صراع لا ينتهي؛ كي تسيطر الفتن والحروب الداخلية والإقليمية على المشهد في المنطقة برمتها، ليحرف الصراع عن مجراه الأساسي نحو صراعات ثانوية، بحيث تصبح إيران والشيعة هما العدو والشيطان الأكبر الذي يستنزف الصراع ضده طاقات شعوب وبلدان المنطقة بعيدًا عن إسرائيل، الذي يشكل قيامها واحتلالها ودورها الاستعماري العنصري مصدر التهديد الأساسي للاستقرار في المنطقة، وبما يمكّن إسرائيل من استكمال تصفية القضية الفلسطينية.
إن وجود مؤامرات خارجية لا يعطي صك براءة لأنظمة التبعية والفساد والاستبداد التي سادت بدرجات متفاوتة في البلدان العربية، فالخيار ليس بين اللامعقول (الأنظمة العربية التي عاثت فسادًا في الأرض)، وبين اللامقبول (الاستعانة بالتدخل الأجنبي الذي يجعل المنطقة العربية تحت رحمة مشاريع الهيمنة الجديدة).
فالمطلوب، انتشار وانتصار الربيع العربي، لكن على أيدي الثورات العربية، وبدعم صادق من كل الأحرار والقوى التقدمية والديموقراطية حقًا في العالم كله، وليس من أدعياء الحرية والديموقراطية الذين لا يهمهم سوى استمرار هيمنتهم وإعادة تقسيم المنطقة.
وأخيرًا، أضم صوتي أيضًا لهيكل، وأنبه الإخوان المسلمين بألا تأخذهم نشوة بداية الاعتراف الأميركي والغربي بهم؛ لأنه ليس اعترافًا بحقهم وجدارتهم وحكمتهم، وإنما محاولة لاستخدامهم في الصراع ما بين «الإسلام المعتدل» و«الإسلام المتطرف»، وفي بث الفتنة بجر المنطقة إلى صراع شيعي - سني، وإسلامي - مسيحي، بعيدًا عن قضايا ومصالح شعوب المنطقة، وهو صراع نعرف كيف يمكن أن يبدأ (وهو بدأ فعلاً)، ولا نعرف إلى أين وكيف يمكن أن ينتهي.
من حق الإخوان المسلمين المشاركة في الحياة السياسية في البلدان التي يتواجدون فيها، لكن هذا ليس منّة تمنح لهم من أحد، لا سيما من الدول المسؤولة عن دعم الأنظمة التي شنت حروبًا ضد الإخوان المسلمين، وغيرها من القوى والحركات العربية التي عانت الأمرين من أنظمة مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، بحجة دعم الاستقرار، وأنه أكثر أهمية من الحرية والديموقراطية وتقدم شعوب المنطقة، التي لا تقبل على حد زعمهم بحكم خصائصها وثقافتها وتخلفها ودينها الديموقراطية.
فالديموقراطية كما يزعمون، اختراع غربي لا ينفع سوى للدول الغربية والدول التي تسير وفق النموذج الغربي، بغض النظر عن اختلاف الظروف والخصائص والمصالح والمراحل، وعندما فاجأهم الربيع العربي يحاولون حرفه عن مساره الطبيعي ليصب في خدمة مشاريعهم ومصالحهم.
نعم للربيع العربي، ومليون لا لسايكس بيكو جديد يريد تقسيم المنطقة، ليس جغرافيًا حسب البلدان، كما جرى سابقًا، وإنما وفقًا للموارد والثروات والأسواق، وهنا، نأمل ألا تنجر تركيا وإيران إلى هذا السباق لكي يأخذا حصصهما من «الرجل العربي المريض»، مثلما أُخِذت الحصص من الدولة العثمانية التي خرجت مهزومة وضعيفة من الحرب العالمية الأولى.
الشعوب العربية، كما أثبت ربيعها، قادرة وجديرة بتحقيق الحرية والسيادة والاستقلال والديمقراطية، وثورتا تونس ومصر برهنتا على إمكانية ذلك وضرورته أيضًا، شرط الوعي بطبيعة المرحلة وحقائقها واتجاهاتها وما يخطط للمنطقة وشعوبها.

Hanimasri267@hotmail.com

http://www.nadyelfikr.com
(آخر تعديل لهذه المشاركة : 10-26-2011 01:36 AM بواسطة بسام الخوري.)
10-26-2011 01:25 AM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #2
الرد على: عميد الطغاة...إعدام معمر القذافي 20/10/2011
مصرع القذافي!
عبد المنعم سعيد
الاربعـاء 29 ذو القعـدة 1432 هـ 26 اكتوبر 2011 العدد 12020
جريدة الشرق الاوسط
الصفحة: الــــــرأي

فصل جديد من فصول «الربيع العربي» انتهى نهاية دموية ووحشية. وعلى الرغم من أنني لم أحمل ودا قط للعقيد القذافي فكريا ولا شخصيا، فإن خوفي على صورة الأمة كان أكبر. فحينما جاءت لحظة الاختبار لم ترتفع إلى مستوى المسؤولية الحضارية، وأتت بأفعال التي لا توجد في الشيم العربية، ولا في الأحكام الشرعية، ولا في القيم الإسلامية. فلا يوجد في كل ما سبق ما يسوغ أو يسمح بقتل أسير، ولا فيها ما يمنح لأحد التمثيل بجثة رجل مهما كان شريرا، فقد باتت في يد خالقها. جاء الخبر بالصوت والصورة وأنا في الولايات المتحدة، ولما لم يعلق أحد على ما كان مذاعا، أدركت أن من سمع وشاهد كان ذلك هو ما يتوقعه تماما من عرب. ولكن المعضلة لم تكن فقط في «الفضيحة»، ولكنها كانت نقطة سوداء في ثوب أبيض لثورة الشعب الليبي، الذي ثار على طاغية امتزج فيه الطغيان بالجنون بعبادة الذات.

مضت شهور ثمانية ما بين خطاب القذافي الشهير، الذي وصف فيه الشعب الليبي بـ«الجرذان» الذين سوف يجري وراءهم حيا بعد حي، وشارعا بعد شارع، و«زنجة بعد زنجة». والأرجح أن العقيد و«القائد» أيضا كان ينوي إجراء سلسلة من المذابح للشعب الليبي إذا ما قدر له «النصر» في معركة البقاء. ولكن هذا القدر لم يكن مقدرا بإرادة الله، ثم بإرادة الشعب الليبي وحلف الأطلنطي، الذي دخل المعركة مؤيدا من الجامعة العربية بعد أن تخلت الدول العربية عن خجلها المعروف من التماس مع كل ما هو أميركي، الذي يتبعه عادة كل ما هو إسرائيلي.

وإذا كان هناك اكتشاف ما على العالم العربي أن يكتشفه من هذه المعركة، فهو أن العالم أكثر تعقيدا بكثير من مجرد اختصاره في الصراع العربي - الإسرائيلي. والحقيقة أن هذه لم تكن التجربة الأولى، فقد طرح الموضوع أثناء حرب البوسنة، كما طرح في حرب كوسوفو؛ حيث ثار التساؤل عما إذا كان جائزا، فضلا عن أن يكون واجبا، تأييد حلف الأطلنطي لإنقاذ شعب مسلم.

ولماذا نذهب بعيدا؛ فقد ثار نفس التساؤل بعد غزو صدام حسين للكويت، حينما طرح السؤال عما إذا كان واجبا التحالف مع دول منتمية لحلف الأطلنطي لإنقاذ دولة عربية من مخالب رئيس عربي؟ مثل هذه التساؤلات لم تعد مطروحة، وربما كان ذلك هو «الربيع العربي» الحقيقي، لأن الأمة لم تعد تسير مغمضة العينين، وباتت تستطيع، بالحكمة والتقدير، أن تميز بين المواقف، وتزن ما بين الأمور.

ولكن مصرع القذافي فتح فصلا آخر في دول عربية أخرى ما زالت تناضل بالعنف اتجاه التاريخ الذي انطلق لا يلوي على شيء، حتى لم يعد هناك فارق بين دولة عربية وأخرى إلا في الوقت الذي ينتظر فيه نشوب الثورة، والزمن الذي تستغرقه الثورة، سواء كانت سلمية أو قرر ولاة الأمر من الحكام أن تكون دموية، كما جرى الحال في ليبيا. وربما كان ما يحدد الزمن والثمن هو تلك السلسة من المواقف التي تتخذها دولة عربية بعد أخرى، حيث إن الشائع دائما هو «الإنكار» أن ما جرى في بلدان عربية أخرى يمكن أن يحدث للدولة العربية المعنية.

المدهش أن كل الدول العربية تعيش ظروفا متشابهة من الناحية البنائية، ففيها تغيرات ديموغرافية تجعل «الشباب» شريحة اجتماعية حاضرة بالسن والعلم والمعرفة بالعالم، ومن ثم الغضب على الفجوة القائمة بين الدنيا وبيننا.

كذلك فإن نمو الطبقة الوسطى الذي جرى لأسباب متعددة جعل الجماعات الحاكمة لا تسيطر وحدها على الثروة، ولكنها في الوقت ذاته تحتكر السلطة، حتى وقد طال العمر بها حتى باتت تنتمي إلى دنيا تخطاها الزمن. الغريب بعد ذلك أنها بعد الإنكار وتجاهل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الجارية، فإنها، وهي تستند تماما إلى قوى الأمن والعسكر، لا تعرف أنها تغيرت هي الأخرى، فإذا ما جاءت اللحظة الحاسمة فإنها إما تنفصل كليا عن الحكم وتسهم في تغيير النظام، كما جرى في تونس ومصر، أو جزئيا فتنشب حرب أهلية ضروس، كما حدث في ليبيا واليمن، وربما كان ذلك هو الطريق الذي تسير إليه سوريا.

«الربيع العربي» سائر مثل القطار السريع، وربما لا يعرف أحد مستقبله، ومن الجائز أنه لن ينتهي إلى زهور أو رياحين، فالشاهد أن المرحلة الانتقالية لا تقل ألما عن الثورة.

ولكن ما نعرفه أنه لم تعد هناك في دولة عربية ما يعد بالاستعداد للقبول بما هو قائم؛ سواء من أفراد أو نظم. ومع اختلاف الظروف بين دولة وأخرى، فإن هذا الاختلاف يؤكد على اختلاف المسار، ولكنه لا ينفي الحاجة الماسة إلى التغيير، والتغيير الجذري الذي تراه العين، وتسمعه الأذن، ويحسه الوجدان.

وهناك تعبير ذائع باللغة الإنجليزية، وهو أنه لكي توقف التغيير أو تتحكم في مساره فإن عليك أن تسبقه بجرعة أكبر، أو أن تكون أسرع من المنحنى الذي يسير فيه. هذا القول يتحدى التغييرات الجزئية، أو عمليات التجميل التي تجري هنا أو هناك، وإنما جوهره يعنى نهاية ما هو قائم وبداية ما هو جديد.

ومنذ فترة قصيرة، استمعت إلى شخصية عربية بارزة يتحدث عن الأحوال في بلاده؛ وكان الحديث منطبقا على النمط الذائع، فهناك أولا الإنكار بأن الدولة التي ينتمي إليها مثل الدول التي ثارت، على الرغم من اعترافه أن المظاهرات والمسيرات لم تتوقف منذ فترة، ولكنه تخلص من وجودها بأنها كانت «بضعة مئات» وأحيانا «بضعة آلاف». وعندما يضاف الإنكار إلى أن الأحوال ليست متشابهة، لأن الإصلاح يجري بالفعل حيث جرت تغييرات دستورية «عميقة».

وعندما تسأل عن مدى عمق هذه التغييرات، وإلى أي حد تقيد سلطات الحاكم التنفيذية، فإنك لا تجد إجابة، فالرئيس أو الملك لا يزال يمتلك سلطات واسعة، حتى لو تنازل عن أمر هنا أو هناك.

مثل ذلك لا يتعدى المنحنى، فالجمهوريات ما لم تعرف كيف تعيش من دون قوانين للطوارئ، مع فصل السلطات، والرقابة على الحكم، فإن التغيير لا يعني الكثير.

ما يجري الآن في العالم العربي ليس هو ما جرى في الخمسينات، حينما تم استبدال طاغية ملكي بآخر جمهوري تحدث عن «الشعب» و«الجماهير»، ولكنها تغييرات تراكمت عبر العقود السابقة التي خلقت كتلة حرجة جديدة إلى ساحة السياسة، ولم يعد بقدرة أحد إخراجها منها. وكل ما هو ممكن، ومطلوب أن يتاح لهم الفرصة للمشاركة في السلطة، وفي القرار. وربما لا يحدث ذلك اليوم في بلد عربي أو آخر، ولكنه سوف يأتي غدا بكل تأكيد.




*******************************************************************

هل استحق القذافي الإعدام العشوائي؟
عثمان ميرغني
الاربعـاء 29 ذو القعـدة 1432 هـ 26 اكتوبر 2011 العدد 12020
جريدة الشرق الاوسط
الصفحة: الــــــرأي

بقي العقيد القذافي مثيرا للجدل في مماته كما في حياته. فالعالم ما يزال يقلب في ظروف مقتله، ويتجادل حول ما إذا كان يجب أن يقتل بهذه الطريقة بعد أسره حيا، أم كان يجب أن يقدم إلى المحاكمة. والواضح أن رواية مقتله في تبادل لإطلاق الرصاص بين بعض مؤيديه والثوار بعد أسره لا تقنع أحدا. فالعالم شاهد في مقاطع الصور التي التقطت بالهواتف الجوالة وتم بثها في مختلف وسائل الإعلام، القذافي حيا يجره الثوار الذين أسروه، كما شاهدوه وهو يتعرض للضرب والدماء تسيل على وجهه، ثم وهو يجر إلى الأرض قبل أن يظهر في مقاطع أخرى وقد فارق الحياة وآثار طلق ناري واضحة على الجانب الأيسر من رأسه. كل ذلك يدفع إلى الاعتقاد بأنه أعدم في تلك اللحظات التي امتزج فيها الفرح بالغضب، وتداخلت صيحات الاحتفال بدعوات الانتقام والثأر.

ظروف قتله في تلك اللحظات الضبابية، طغت على احتفال ليبيا بالتخلص من نظامه، كما شوشت على التغطية الإعلامية لخبر انتصار الثورة الليبية وسقوط آخر معاقل النظام البائد. وأمام استمرار الجدل وتصاعد الضغوط الدولية والأصوات المطالبة بالتحقيق في ملابسات مقتله، اضطر المجلس الوطني الانتقالي إلى الإعلان عن فتح تحقيق. كما تم الإعلان في الوقت ذاته أن جثمان القذافي لن يكون معروضا لكي يشاهده الناس، بعدما ظل على مدى أيام في ثلاجة مفتوحة يتقاطر عليها الناس لرؤية الجثة قبل تحللها والتقاط الصور التذكارية. كان واضحا أن هناك خلافات حول أين ومتى يدفن القذافي، مثلما كان هناك خلاف في البداية حول أين ينقل بعد أسره ثم بعد قتله، لذلك صدرت العديد من الروايات والتصريحات المتضاربة، قبل أن يتقرر أخيراً دفنه في الصحراء.

لقد دفع الليبيون ثمنا غاليا من أجل نيل حريتهم وإنهاء حكم العقيد الذي جثم على صدورهم اثنين وأربعين عاما. أكثر من ثلاثين ألفا قتلوا (البعض يقول خمسين ألفا)، ومثلهم جرحوا، وآلاف اعتبروا في عداد المفقودين خلال المواجهات الدامية التي امتدت نحو ثمانية أشهر بعد أن أعلن العقيد الحرب على شعبه المنتفض. معاناة شديدة عاشها الليبيون خلال هذه الفترة بعد أن استخدم نظام العقيد كل أدوات القتل والإرهاب التي يملكها لقمع انتفاضة الليبيين، فأطلق العنان لكتائبه لكي تقتل وتعذب وتغتصب، وجند المرتزقة، وحاصر المدن قاطعا عنها إمدادات المياه والكهرباء وضروريات الحياة من غذاء ودواء. كان واضحا من أفعال العقيد وخطبه النارية أنه لن يتوقف عن القتل والتدمير حتى بعد تدخل حلف الناتو لدعم الثورة، وحتى بعد محاصرة الثوار لآخر معاقله.

لكل ذلك كان القذافي سينتهي إما هاربا مطاردا من بلاده ومطلوبا من المحكمة الجنائية الدولية، أو مقتولا، أو معتقلا في انتظار المحاكمة. كثيرون كانوا يخشون من استمرار الرجل طليقا لأنه سيستمر يبث الرعب والقلاقل، وسيعمل على زعزعة استقرار الوضع الجديد. وكثيرون أيضا كانوا يرون أن اعتقاله وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية سيعني سنوات من الانتظار والجلسات أمام المحكمة التي سيحيلها القذافي إلى مسرح يستعرض فيه هزلياته ومواهبه في التمثيل، لا سيما أنه يعرف أنه لن يصدر عليه حكم بالإعدام أمام هذه المحكمة، بل سيذهب في النهاية إلى سجن ينتظر فيه ظروفا ربما تسمح له بالخروج ضمن صفقة من صفقات السياسة وتقلباتها.

لا شك أن كل إنسان حريص على الثورة الليبية كان يتمنى القبض على العقيد أو مقتله أو إعدامه بعد محاكمة داخل ليبيا على كل ما سببه للبلد ولشعبها، لكن من منطلق هذا الحرص أيضا لم يكن المرء يتمنى أن تطغى ظروف قتله بتلك الطريقة على إعلان النصر لليبيين الذين دفعوا أغلى ثمن حتى الآن من بين كل الثورات والانتفاضات التي انطلقت شرارتها الأولى من تونس. فلو كان الرجل قتل أثناء أسره، ومن دون كل مشاهد التعذيب والتنكيل لكان ذلك أفضل وأوقع في النفوس. أما قتله بتلك الطريقة ونشر مشاهد التعذيب والتنكيل، فلا شك أنه أخذ من وهج لحظة النصر، وأثار تساؤلات أخلاقية صعبة. فالليبيون الذين قاتلوا لإزالة ظلم العقيد ونظامه الاستبدادي يجدون أنفسهم في حاجة إلى تحقيق في ملابسات قتله وإعدام أسرى آخرين، بدلا من أن يعيشوا فرحة النصر من دون أسئلة من نوع كيف يقوم الناس بأفعال تجعلهم يبدون وكأنهم يمارسون ما يشبه تجاوزات النظام الذي قاتلوا لطرده وإنهاء ممارساته.

هذا الكلام قد لا يعجب بعض الناس الذين يرون أن القذافي يستحق القتل بلا رحمة أو شفقة لأنه قتل الناس بأبشع الطرق، وعلق المشانق، ومارس نظامه أبشع أساليب التعذيب والتنكيل، واستخف بالليبيين حتى آخر أيامه بوصفهم بالجرذان وبسؤاله الشهير: من أنتم؟ لكن ليس هناك مسالك سهلة في هذا الموضوع، فليبيا تريد وتأمل في نظام جديد لا يشبه نظام العقيد في شيء، لا في ممارساته ولا في أخلاقياته، وبالتالي فإنه لا مفر من النظر فيما حدث، ومنع طغيان روح الغضب والانتقام على روح الثورة.

لقد دعا المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي في خطابه الذي أعلن فيه ليبيا حرة ومحررة إلى التسامح والصلح والصبر، والاحتكام إلى القانون وألا يلجأ الناس إلى أخذ حقوقهم بأيديهم. هذا هو ما تحتاجه ليبيا في الفترة المقبلة، فالمهمة الآن ليست فقط في إعمار ما دمرته الحرب، بل في فتح صفحة جديدة من التسامح والتعايش من أجل بناء ليبيا جديدة، تنبذ حكم الفرد، وتؤسس للتداول السلمي الديمقراطي على السلطة، وترسخ حكم القانون، وعدم الاحتكام للسلاح لحل أي خلافات قد تنشأ في الفترة المقبلة التي لن تكون سهلة، بل ستحتاج من الليبيين أقصى درجات الوعي والانضباط من أجل مصلحة الوطن.

o.mirghani@asharqalawsat.com

http://www.nadyelfikr.com
(آخر تعديل لهذه المشاركة : 10-26-2011 09:21 AM بواسطة بسام الخوري.)
10-26-2011 09:20 AM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #3
الرد على: عميد الطغاة...إعدام معمر القذافي 20/10/2011
مذكرات عبدالسلام جلّود


جلّود: طالبت صدام بالانسحاب ورفض فأهدينا إيران الصواريخ واشترينا لها السلاح (1)
السبت, 29 أكتوبر 2011
مع صدام حسين.jpg
روما – غسان شربل

الرجل الذي قتل معمر القذافي ارتكب جريمتين صارختين. الأولى انتهاكه المعاهدات الدولية والأعراف بشأن التعامل مع الأسرى. والثانية انه اغتال رواية مذهلة كان يمكن ان تشكلها اعترافات القذافي امام المحكمة. رواية تكشف قصة مغامرات باهظة وتهورات قاتلة ارتُكبت في عدد من القارات.

كنا صغاراً حين وقعت ليبيا في قبضة حفنة من العسكريين الشبان في «الفاتح من سبتمبر» 1969. وسمعنا منذ تلك الأيام ان اسم القائد معمر القذافي واسم «الرجل الثاني» الرائد عبدالسلام جلّود. وبهذه الصفة جال جلّود حول العالم والتقى شو إن لاي وليونيد بريجنيف وجمال عبدالناصر وصدام حسين وحافظ الأسد وآخرين.

قبل عقد من «الثورة» كان الطالب عبدالسلام جلّود معتقلاً لمشاركته في تظاهرة. وذات يوم أدخلوا معتقلاً آخر اسمه معمر القذافي. وبسبب نقص البطانيات في السجن تشاركا في واحدة منها وتعارفا وبدأت رحلة طويلة. بعد السجن التقى الرجلان في غابة نخيل قرب سبها وولد التنظيم المدني الذي راهن على إسقاط النظام عبر التظاهرات والاحتجاجات. وفي 1963 عسكر القذافي حلم التغيير وكتب بخط يده طلب انتساب جلّود الى الكلية الحربية. لا أحد يعرف القذافي كما يعرفه جلود. عرفه طالباً متقد الحماسة القومية واستضافه مرات كثيرة في منزل والديه. وعرفه مهندساً للمؤامرة بالثياب العسكرية ثم شاركه وخبره في مقاعد السلطة. لكن العلاقة بين الرجلين تراجعت حين راح «القائد التاريخي» يدير البلاد على هواه ويتفرّد بالقرار ما عرّض جلّود لـ «إقامة جبرية» طويلة. وحصل الطلاق الواضح حين انكفأ القذافي إلى قبيلته و «جوقة العبيد والمزمرين والمطبلين». وهكذا أيد جلّود الثورة وغادر في آب (أغسطس) الماضي ليبيا بمساعدة من الثوار. وساهمت مغادرته في تعزيز الانطباع أن نظام القذافي يندفع نحو نهايته.

بحثتُ عن عبدالسلام جلّود لاعتقادي ان روايته يمكن ان تسلط الضوء على قصة الرجل الذي أدمى بلاده والعالم معاً. كانت معركة سرت محتدمة. أمضيتُ معه يومي الثلثاء والأربعاء 18 و19 من الشهر الجاري. غادرتُ روما الغارقة في المطر الخميس ولدى هبوط الطائرة في لندن تلقيتُ خبر مقتل القذافي.

في اليوم التالي، اتصلتُ بجلّود أسأله تعليقه على مقتل رفيقه القديم. وخشيت في الواقع أن يصرف النظر عن النشر. لكنه فاجأني بعبارة قاطعة: «هذه نهاية كل طاغية وعلى باقي المستبدين أن يتعلموا». نشرتُ هذا الكلام السبت الماضي وأرجأتُ نشر الحلقات إلى اليوم بسبب تدافع الأحداث. وهنا نص الحلقة الأولى:

> هل صحيح أنك ذهبت في بداية السبعينات إلى الصين بهدف شراء قنبلة نووية؟

- اعتقد أن محمد حسنين هيكل هو من كتب هذه القصة وهي غير صحيحة. ذهبت إلى الصين مقترحاً أن يكون هناك تعاون يمكننا من إنتاج سلاح نووي. الحقيقة أننا كنا شباناً وتحركنا الحماسة وغضبنا من امتلاك إسرائيل سلاحاً نووياً.

التقيت في بكين رئيس الوزراء شوان لاي كما التقيت رئيس الأركان. شرح شوان لاي لي أن مثل هذا التعاون يفترض وجود قاعدة صناعية ودرجة من التطور التكنولوجي وهذا غير متوافر حالياً لدى ليبيا. أي أن موضوع الأسلحة غير منعزل عن درجة التطور العلمي والتكنولوجي.

كان ذلك في عام 1970 وقد التقيت خلال الرحلة إلى بكين وللمرة الأولى ياسر عرفات. كان علي أن استقل طائرة متجهة من باكستان إلى بكين والتقينا في الطائرة. زيارة عرفات علنية ورسمية وزيارتي سرية. في مطار بكين كانت تنتظره وسائل الإعلام أما أنا فكنت حريصاً على ألا يعرف أحد بوجودي أو مهمتي. لهذا سارعت إلى مغادرة الطائرة مبتعداً عن عيون المستقبلين والإعلاميين.

> كنت نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة؟

- لم يكن هناك منصب نائب الرئيس لكنني كنت الثاني في الترتيب بعد معمر.

> لماذا كنتم تريدون قنبلة نووية؟ لحل النزاع مع إسرائيل دفعة واحدة؟

- كنا شباناً ومتحمسين ونعتقد أن العرب يجب أن يمتلكوا قدرة على الردع في مواجهة الترسانة الإسرائيلية.

> هل كنتم ستلقون القنبلة على إسرائيل لو كانت في حوزتكم؟

- لا. استخدام السلاح النووي ليس أمراً بسيطاً. أريد هنا أن أشير إلى شيء قمنا به وهو تكريس قومية العمل الفدائي. دربنا الكثير من الفدائيين العرب. من سورية والعراق وتونس وغيرها. حاولنا لاحقاً إرسال من تدربوا إلى مصر وسورية فكان الرد بالرفض.

> وما السبب؟

- اعتبرت الدولتان أن وجود الفدائيين يزج البلد الذين يقيمون فيه في معركة.

> وذهبت أيضاً إلى موسكو لشراء السلاح السوفياتي؟

- ذهبت قبل ذلك إلى فرنسا لشراء طائرات من طراز «ميراج». التقيت في باريس رئيس الوزراء ووزير الدفاع ميشال دوبريه.

قبل الذهاب إلى باريس قمت برحلة توقفت فيها في القاهرة في الطريق إلى الخرطوم. وكانت المرة الأولى التي التقي فيها الرئيس عبدالناصر.

طبعاً كان عبدالناصر زعيماً كبيراً وكان مثالاً بالنسبة لنا ولا يزال بالنسبة لي. وكنت اعتقد أنني حين أصل إلى مقره سأشاهد الحراسات والمراسم وأنني سأنتظر في مكتب جانبي قبل الدخول للسلام عليه. وفوجئت بأنهم أخذوني من المطار إلى منزله وفوجئت به واقفاً عند باب السيارة التي أقلتني. واحتضنني بحرارة إلى درجة أن قبعتي العسكرية وقعت.

سألت عبدالناصر: «إلى ماذا نحتاج كي نحرر فلسطين؟». فأجاب: «إننا نحتاج إلى طائرة قاذفة مقاتلة والسوفيات ليس لديهم ذلك». شرحت وجهة نظري وهي أن التوازن مع العدو لا يقوم على توازن بين دبابة وصاروخ بل هو قبل ذلك توازن على الصعيد الإنساني والاجتماعي وأن تحرير الإنسان العربي هو الأساس في التوازن.

طلبت منه خبراء وأطلعته على أنني سأزور فرنسا لشراء طائرات من طراز «ميراج». ابتسم عبدالناصر وقال لي: «انتم أولاد صغار ما تفهموش. الميراج لا يمكن أن تكون في الوقت نفسه عند إسرائيل وعندنا». وكرر انتم أولاد صغار ماتفهموش بالسياسة. قلت له: «مع ذلك نحن سنحاول».

الحقيقة أن زيارة فرنسا كانت ناجحة وشملت الصفقة 110 طائرات ميراج. بعدها التقيت عبدالناصر وسألته رأيه في الصفقة فأجاب ضاحكا: «أنتو بتذلّوني بقى».

> هل صحيح أن القذافي غضب في 1973 لأنه لم يكن على علم بموعد الحرب مع إسرائيل؟

- لا. كان حديث الحرب مفتوحاً في إطار اتحاد الجمهوريات العربية الذي ضم مصر وسورية وليبيا. أنا في الحقيقة كنت أشارك في لقاءات القادة حتى حين كانت تقتصر عليهم فقط. كان معمر يحرص على إشراكي في اللقاءات حتى ولو طلب الرؤساء الآخرون من نوابهم الخروج من قاعة الاجتماع أو عدم المشاركة. في احد اجتماعات مجلس الرئاسة تقدمنا نحن بخطة عسكرية لتحرير الأراضي المحتلة في 1967 وحتى فلسطين. وتقول الخطة أن تكون جبهة سيناء جبهة تثبيت لاستدراج اكبر قوة لدى العدو على أن يكون الهجوم الرئيسي من سورية والأردن وبحيث تدور المعارك على الأرض الفلسطينية المحتلة في 1948 مع الإفادة من البحر. علق السادات: «يا معمر عبد السلام جلّود.jpg وعبدالسلام جرى إيه. نحن نعرف إنكما تعرفان بالثورة لكن الخطة التي نتحدث عنها نحن أعدتها أكاديمية ناصر».

رفضوا خطتنا على أساس أننا نفهم بالثورة لا بالعسكر وأن خطتهم كانت من صنع جنرالات محترفين. وكان ردنا: «سميتم حرب 1967 نكسة. إذا طبقتم خطتكم ابحثوا عن اسم جديد لتغطية النتائج. نحن لا نريد المشاركة في ادعاء النصر لكننا لا نريد أيضاً أن نكون شركاء في الهزيمة. ما تريدونه مالياً من ليبيا سنقدمه لكننا لن نشترك في القرار ولا في ادعاء النصر ولا في الهزيمة».

> كيف كانت علاقة القذافي مع الرئيس حافظ الأسد؟

- كانت علاقة عادية وفيها نوع من الاحترام. نحن كنا متحمسين ولم نكن موافقين على تعبير الصمود ونعتبره موقفاً سلبياً. كنا نريد صموداً إيجابياً ومتحركا. كانت هذه نقطة خلاف.

> وذهبت أيضاً لشراء السلاح من موسكو؟

- نعم. التقيت ليونيد بريجنيف والكسي كوسيغين وبودغورني ومسؤولين في وزارة الدفاع. طلبنا أسلحة فوافقوا ولم يضعوا أي شروط.

في اللقاء مع بريجنيف كان السفير المصري حاضراً. وفوجئ أنني استخدمت لهجة قوية في القول إن الاتحاد السوفياتي لا يتخذ موقفاً قوياً بما يكفي في دعم العرب والفلسطينيين. بعد خروجنا قال لي السفير المصري إن الوضع الاقتصادي صعب في مصر وإن عبدالناصر لا يستطيع أن يقول لبريجنيف ما قلته أنا له.

> كيف كانت العلاقة مع صدام حسين؟

- أنا كنت مختلفاً معه منذ البداية عقليته لم تعجني.

> لماذا؟

- عقليته طاووسية وتتسم بالعنجهية. عقلية ديكتاتور بكل ما للكلمة من معنى. وهو غير مثقف. حافظ الأسد كان مختلفاً. وكذلك هواري بومدين. صدام يعطي انطباعاً أنه قبضاي. عقلياتنا مختلفة.

> لم يحصل انسجام معه؟

- زرته بعد إعلان الحرب على إيران. دخلت فوجدته مرتدياً بزة عسكرية وبرتبة فريق. حاول أن يدخلني إلى غرفة العمليات وكان مبتهجاً لأن الجيش العراقي تقدم بضعة كيلومترات في الأراضي الإيرانية. قلت له: «لن أدخل غرفة العمليات والموضوع ليس عسكرياً. لا أنت عسكري ولا أنا عسكري فلنتكلم في السياسة. إذا كنت تعتقد أن جيش الشاه دمر وأن إيران في موقع ضعيف يجب أن تعرف أنك ستواجه سبعين مليون ثوروي إسلامي وهؤلاء أخطر من جيش الشاه».

> بماذا أجاب؟

- رفض. نحن اتخذنا موقفاً مؤيداً لإيران.

> وزودتم إيران صواريخ أرض – أرض؟

- نعم.

> ومجاناً؟

- نعم. سورية وقفت معنوياً مع إيران. ليبيا وقفت معها سياسياً ومعنوياً ومادياً. الأميركيون قالوا إن ليبيا بموقفها أفسدت محاولتنا جعل الحرب فارسية – عربية.

> من أين اشتريتم السلاح للإيرانيين؟

- من دول شرقية عديدة.

> ويدفعون ثمنه؟

- طبعاً. نحن أعطيناهم الصواريخ بلا مقابل. حصل خلاف في موضوع الصواريخ. معمر كان متردداً. قال لي: «كيف ستضرب صواريخنا مدينة عربية؟». أنا كنت متحمساً واقتنع.

> من أي طراز كانت؟

- صواريخ سكود روسية مداها 280 كيلومتراً.

> وهل مسموح أن تنقلوا هذه الأسلحة إلى طرف ثالث؟

- لم تكن اتفاقاتنا مع السوفيات مرفقة بشروط.

> زرت إيران بعد أيام من عودة الإمام الخميني إليها كيف كانت هذه الزيارة؟

- لا أبالغ إن قلت إنها كانت أهم زيارة في حياتي. تعلمت كثيراً منها واعتبرتها دورة تنشيطية لتفكيري الثوري. وكان اللقاء مع الإمام الخميني دافئاً وحميماً.

> هل كنتم على علاقة بالخميني قبل عودته؟

- حين ضغط شاه إيران محمد رضا بهلوي على صدام حسين لإخراج الخميني من العراق أرسلنا إلى الخميني وأبلغناه استعداد ليبيا لاستقباله وإعطائه إذاعة لدعم تحركه. وكان رده: من سيسمعني هناك؟. وأوضح أنه يريد المغادرة إلى مكان في الغرب يكون له ثقل إعلامي. وشكرنا على مبادرتنا.

حين توجه الخميني إلى فرنسا أرسلنا إبراهيم البشاري وسعد مجبر ولازماه هناك كحلقة اتصال معنا ورافقاه في رحلة عودته إلى طهران. اعتقد أنني توجهت إلى طهران في اليوم الرابع بعد عودته. اتصل قائد الطائرة بالمطار فمنعونا من الهبوط لأنني لست مدعواً من قبل الحكومة. اضطروا إلى القبول بهبوط الطائرة بعدما شارف وقودها على النفاد. بقيت في المطار نحو خمس ساعات. أنا ذاهب لزيارة الثورة والحكومة تقول إنني غير مدعو. بعدها جاءت أعداد غفيرة من رجال الثورة يتقدمها محمد منتظري وحسن الخميني. تلقى صادق طباطبائي صفعة على وجهه ونزلنا في موكب مهيب إلى طهران. ولدى وصولي إلى الفندق استقبلني الصحافي والديبلوماسي الفرنسي أريك رولو بسؤال فأجبته «هذه ليست ثورة إيرانية. هذه ثورة الإسلام وثورة حضارة الشرق ضد الغرب. في اليوم التالي توجهت إلى المكان الذي كانت تشغله السفارة الإسرائيلية فوجدت ملايين الإيرانيين يواصلون الاحتفال برفع العلم الفلسطيني على المكان وكان بعضهم يقبل العلم ويبكي.

> واللقاء مع الخميني؟

- كان ودياً. والحقيقة أنني كنت شاباً ومتحمساً وأثرت نقطة ربما لم تكن ضرورية في ذلك الوقت بالذات. قلت له يا سماحة الإمام كيف تسمون الخليج العربي الخليج الفارس. رد قائلاً أنتم تقيمون على ضفة منه ونحن نقيم على الأخرى. وهو يفترض أن يكون خليجاً إسلامياً. إننا نتناقش الآن على موضوع ليس لنا. الخليج حالياً أميركي فلنحرره أولاً ثم نبحث في التسمية. وتطرقنا إلى التعاون بين الثورتين الإيرانية والليبية واقترحت أن تكون هناك قيادة للثورة الإسلامية على المستوى العالمي. لم تحصل متابعة لهذه المقترحات. زرت قم وأبلغني علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني أنهما كانا يحتفلان في السجن بذكرى ثورة الفاتح فقد كان لدينا إذاعة بالفارسية.

> هل تطرق الخميني إلى موضوع اختفاء رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان الإمام موسى الصدر أثناء زيارته ليبيا في صيف 1978؟

- نعم. تمنى صدور توضيح حول ملابسات هذه المسألة وكي لا تكون هناك أي عقبة أمام التعاون بين الثورتين. خلال وجودي في الفندق نظمت تظاهرة أمامه ضمت 37 شخصاً بقيادة شقيقة الصدر وزوجها وأطلقوا هتافات لكن عناصر الأمن التابعين للثورة سارعوا إلى إبعادهم وتفريقهم.

> هل تحول عدم صدور التوضيح إلى عقبة لاحقاً؟

- لا. وكما قلت لك سابقاً اعطينا إيران صواريخ ولعبنا دوراً أساسياً في حصولها على أسلحة. يجب أن أشير هنا إلى أننا في ليبيا ساهمنا في إسقاط طاغيتين هما شاه إيران وأمبراطور الحبشة هيلاسيلاسي. قدمنا ما نستطيع تقديمه. في 1975 صافحت شاه إيران في الجزائر فقال لي: أكرهكم لكنني أحترمكم. وكان رئيس الوزراء الباكستاني الراحل علي بوتو يقول لنا إن شاه إيران يطلب منكم وقف القنابل وكنا نجيبه هذه قنابل إيرانية.

> ماذا تعرف عن قضية 291005.jpg اختفاء الإمام الصدر؟

- اجتمعت به مرة واحدة في منتصف السبعينات في لبنان. لم أكن أصلاً على علم بزيارته. حين عرفت باختفائه تألمت كثيرًا لسببين الأول يتعلق بشخصه وما يمثله والثاني لأنني اعتبرت الفعل خسيساً إذ ليس من عادات العربي أن يدعو أحداً إلى بيته أو بلده ثم يوقع به. لا الأخلاق العربية تقبل ولا القيم الإسلامية. كانت القصة غريبة وفرض عليها تعتيم شديد.

> الم تسأل القذافي عن موضوع اختفاء الصدر؟

- لمحت مرة إلى الموضوع فاكتفى بالقول سائلاً:»اتتهمني؟». وتوقف الحديث.

> قيل إن مشادة كلامية حصلت بين الاثنين؟

- لا أعرف التفاصيل. لكنني سمعت قبل سنوات أن ضابط الشرطة الذي انتحل شخصية الصدر وزار ليبيا بجواز سفره بعد اختفائه وضع له معمر حراسة مشددة خوفاً من اختطافه بعدما بدأ الحديث عن دوره هذا.

> هل تقديرك أن الصدر قتل ودفن؟

- عقلي يقول لي هذا. يستحيل أن يكون مخفياً حتى الآن. طبعاً أنا كنت سمعت من القذافي قبل الحادثة ما يعبر عن انزعاجه من قيام إيران بإرسال رجال دين ليصبح لديهم نفوذ لدى الشيعة العرب. الحقيقة لم أكن أتصور أن يصل الأمر إلى هذه الدرجة.

> القذافي كان إذاً متردداً في موضوع الصواريخ؟

- نعم. كان متردداً في موضوع آخر وهو تسليح جون قرنق زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان. كان يعتقد أن تسليح قرنق يمكن أن يؤدي إلى انفصال السودان. اجتمعت بقرنق وأقنعني أنه وحدوي وأنه يقاتل لرفع الظلم اللاحق بالجنوب والبلاد بأسرها. وقال لي : أنا لن أسقط جعفر النميري بل سأعمل على استنزافه وحين يحصل ذلك ستبادر القوى المعارضة في الشمال إلى الانقضاض على نظامه. أحضرت قرنق إلى السودان في الثمانينات وسجلنا معه حديثاً تلفزيونياً يقول فيه إنه متمسك بوحدة السودان وإنه يعمل من أجل قيام دولة عادلة تحترم حقوق مواطنيها. وهكذا بدأنا مساعدة قرنق. وأذكر في تلك الفترة أنني لعبت دوراً بارزاً في التوصل إلى اتفاق عدن.

>حدثنا عن هذا الاتفاق؟

- إنه اتفاق بين ليبيا وأثيوبيا واليمن الديموقراطي (الجنوبي). ربطتني علاقة حميمة بالرئيس الأثيوبي السابق منغيستو هايلي مريم. إنه رجل ودود وثقافته الماركسية رائعة ومن الطراز الأول. الشريك الآخر في الاتفاق كان الرئيس علي ناصر محمد وكانت لي علاقة معه لكنني اتخذت موقفاً منه حين قام بتفجير القيادة ما أدى إلى مقتل عدد من زملائه. الواقع كانت لي علاقات واسعة بزملائه علي سالم البيض وعلي عنتر وغيرهما.

> ماذا كان الغرض من اتفاق عدن؟

- إقامة تحالف ثوري بين الدول الثلاث وتشكيل جيش قواه البشرية من أثيوبيا وتقدم ليبيا الدعم المالي والتسليح ويكون الطرف اليمني جزءاً من هذا البرنامج. أذكر أن منغيستو نظر إلي وقال: لو تحقق ما نتحدث عنه سيكون المد التقدمي ممتداً من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط.

أنا أعددت الاتفاق ثم ذهب الطاغية ووقعه. بعد تجهيز الاتفاق صعدت ومنغيستو في طائرتين قادرتين على الهبوط في أماكن عادية وزرنا قرنق في موقع في جنوب السودان. وجدنا في المعسكر أكثر من 18 ألف متطوع وقد سلحناهم نحن. كان الترحيب بنا حماسياً وكانوا ينشدون القذافي أعطانا السلاح ونحن جئنا إلى الغابة استعداداً لإسقاط نميري. ألقيت خطاباً باللغة العربية وألقى منغيستو كلمة. بعدها قال لي كيف تكلم الأفارقة بالعربية فأجبته أن القومية العربية لا تستند إلى العرق إنها قومية ثقافية وحضارية وتنصهر فيها كل الانتماءات. في المفهوم الديني سكان الجنوب من المسيحيين لكن بالمفهوم الثقافي هم عرب.

> لم يعش اتفاق عدن طويلاً. أين كان السوفيات؟

- نعم لم يعش طويلاً. أما عن الاتحاد السوفياتي فقد كان ضعيفاً في تلك الفترة. لا أبالغ إذا قلت إن ليبيا كانت تلعب دوراً محورياً في ما يتعلق باليسار وحركات التحرر في العالم. في السودان حصلت انتفاضة وزحف الناس في اتجاه القصر. كان النميري في أميركا وكان القائد العسكري العام عبد الرحمن سوار الذهب الذي أقسم للنميري على القرآن أن لا يخونه. عندما زحفت الناس اجتمعت القيادة العسكرية وقررت عدم إطلاق النار على الناس. أحرج سوار الذهب وهو صوفي وراح يدور على عدد من الزوايا الصوفية يبحث عن فتوى مضمونها أنه لم يخن النميري. حين سقط النميري اتصلنا بمنغيستو وقلنا له إن الهدف قد تحقق. رد بالقول إن الهدف لم يتحقق كاملاً وإن أميركا تدفع بقوى رجعية بينها الصادق المهدي للالتفاف على الثورة وهكذا اختلفنا معه.

> أرجع إلى القذافي. هل كان يكره صدام؟

- كان من الصعب قيام علاقة بينهما حتى ولو كانا في النهاية من عقلية الاستبداد نفسها. مواصفات الرجلين لا تسهل قيام علاقة بينهما. الحقيقة أن معمر لم يرتح إلى صدام منذ البداية. الحقيقة أن تصرف كل منهما مقزز. أنظر ماذا فعل صدام بالعراق وماذا فعل الطاغية بليبيا.

> القذافي وصدام كلاهما حاول أن يكون كاتباً؟

- لا مجال للمقارنة فالقذافي قرأ أكثر من صدام. كلاهما قاس. القذافي طاغية من الطراز الأول وفرض على الليبيين النفاق بالقوة. الليبيون جائعون ويقولون الحمد لله نحن شبعى بالقوة.

> لماذا ساعد القذافي الأكراد في العراق؟

- لديه نظرية مفادها أن تجاهل المشكلة ليس حلاً وأن الأكراد كلما أحسوا بدورهم لعبوا دوراً أكبر ضمن أمتهم العربية والإسلامية واعتبر أن البديل بالنسبة اليهم سيكون الوقوع في يد الصهيونية. هذا ما قاله لكن لا أعرف إن كانت له أغراض أخرى.

> ما سر العلاقة بين القذافي والجزائر؟

- تألمت جداً من موقف الجزائر. عندما أممت الجزائر النفط جاء عبدالعزيز بوتفليقة موفداً من الرئيس هواري بومدين طالباً تأييدنا وكان وزير الخارجية.اجتمع بي ولم يقابل القذافي وقلت له: أكتب البيان الذي تريده ونحن نوقع عليه. فكتب بياناً ضعيفاً لم يعجبني فمزقته وكتبت أنا بياناً قلت فيه إن النفط الليبي هو النفط الجزائري ولا يمكن للنفط الليبي أن يكون بديلاً للنفط الجزائري وأن احتياطات ليبيا من العملة الصعبة تحت تصرف الجزائر فدمعت عينا بوتفليقة وعانقني. أنا تألمت من موقف الجزائر فهو غير مفهوم حقيقة. يمكن أن يكون السبب أن نظام الجزائر لا يحتمل ثورتين على حدوده. النقطة الثانية إن ما آلمني أنه في أول لقاء بيني وبين أحمد بن بلة ومعمر في سرت قال بن بلة لمعمر أنت محظوظ فأنا وعبدالناصر كان معنا أناس يشدون بنا إلى الوراء بينما أنت معك شخص يدفعك إلى الأمام. ومع ذلك أنا عاتب على بن بلة ففي الوقت الذي كان الطاغية يقمع الليبيين ويمثّل بهم أقنعه أن يكون على رأس «جائزة القذافي لحقوق الإنسان» وكان هذا مؤلماً لي ولكل الليبيين. قرار الوقوف في الحرب في جلود في لقائه مع الخميني.jpg 1954 مع الجزائر ضد فرنسا كان قرار الشعب الليبي وليس قرار الملك وحتى الأسلحة التي كانت ترد من مصر كانت تمر عبر الليبيين وأنا كنت رئيس لجنة مهمتها جمع المساعدات. المكان الوحيد الذي شعر فيه المجلس الوطني للثورة الجزائرية بالأمان كان ليبيا، لا تونس ولا المغرب، لسببين: فلا تأثير سياسياً عليهم فهم كانوا أحراراً في قراراتهم ولأنهم شعروا بالأمان لناحية الأمن الشخصي.

الحقيقة أنني كنت قبل ذلك تلقيت اتصالاً من شخص كان مهماً في الثورة الجزائرية وهو مقرب من السلطات هناك ولن أذكر اسمه وقال لي إن السلطات الجزائرية مستعدة لإرسال «كوماندوس» لإخراجي من ليبيا فقلت له: أنا أفضّل أن أموت في ليبيا على أن تخرجني الجزائر وهي تقف مع الطاغية وتأخذ هذا الموقف.

(غداً الحلقة الثانية)

جلّود: موّلنا انشقاق الخطيب والانتفاضة في «فتح» ضد عرفات... حذّرنا الجميّل فردّ غاضباً «أقفلوا دكاكينكم في بيروت» (2)
الأحد, 30 أكتوبر 2011
حافظ الأسد.jpg
روما – غسان شربل

بعد غياب جمال عبدالناصر، اعتقد العقيد معمر القذافي أن الجماهير اليتيمة تبحث عن قائد جديد. واعتقد أيضاً أن من شروط هذه الزعامة الإمساك بالورقة الفلسطينية والحضور الفاعل في الساحة اللبنانية المفتوحة.

لم يبخل القذافي على الثورة الفلسطينية بالمال والسلاح. أعطاها وأتعبها وأربكها. ولم يبخل على بعض الأحزاب اللبنانية بالمال والسلاح. أعطاها وأفسدها وأربكها. وكما كل الذين حاولوا مصادرة القرار الفلسطيني، اصطدم بهالة ياسر عرفات. وكما كل الذين حاولوا مصادرة القرار اللبناني اصطدم بلبنانيين وبإرادات دولية كانت تريد مصادرته أو حمايته.

في تلك الأيام احتقر كثيرون سيادة لبنان وانتهكوها. زعزعت الاعتداءات الإسرائيلية هيبة الدولة اللبنانية. وتقدمت تدخلات عربية لتعميق الشرخ بين اللبنانيين وكبح أحلام اليسار اللبناني ولجم منظمة التحرير الفلسطينية والإمساك بقرارها. دخلت ليبيا القذافي اللعبة من أوسع أبوابها وبدت لفترة وكأنها تعمل، من دون قصد، لحساب آخرين.

قاد الرائد عبدالسلام جلّود وساطة مديدة وشهيرة في ما يُعرف بـ «حرب السنتين» (1975 – 1976)، يقول إنه تعرض خلالها 14 مرة لموت شبه محقق.

اعترف جلّود بأن ليبيا دعمت انشقاقاً في الجيش اللبناني قاده الملازم أحمد الخطيب. وساهمت تلك الخطوة في تفكيك الجيش وتوزّع ضباطه وعسكرييه على المتاريس المتقابلة. ويعترف أيضاً أن بلاده موّلت الانتفاضة في «فتح» ضد ياسر عرفات. كما موّلت ايضاً عملية إسقاط اتفاق 17 أيار (مايو) اللبناني – الإسرائيلي. ذكّرني كلام جلّود بما سمعته من عرفات في تونس في بداية التسعينات، عن علاقاته الشائكة بالقذافي وحافظ الأسد وصدام حسين، واشترط يومها عدم نشره. قال: «أنا محتاج إلى دعمهم بسبب موقع بلدانهم أو دورها أو ثروتها. ومحتاج في الوقت نفسه أن أحمي القرار الفلسطيني من رغبتهم في مصادرته وتوظيفه في معاركهم». وأضاف مستغرباً: «يزايدون عليّ لأنني لا أقبل أن يتحول القرار الفلسطيني لعبة في يد أحد. يتهمونني أحياناً بالتفريط. لا أحد يصدق أنهم يحبون فلسطين أكثر من ياسر عرفات».

سألت جلّود عن رحلته اللبنانية – السورية وعن انطباعاته عن عدد من اللاعبين. استوقفني كلامه عن الرئيس الراحل بشير الجميل وما نقله عن الرئيس السابق أمين الجميل الذي قال له: «أنتم لستم مسؤولين عنا، أقفلوا دكاكينكم في بيروت». كما سألته عن المغامرة الليبية في تشاد وهي كانت باهظة التكاليف.

تبقى الإشارة الى خطأ ورد في حلقة أمس، فالقذافي وفّر الحراسة لضابط الشرطة الذي انتحل صفة الإمام موسى الصدر وسافر بجوازه إلى إيطاليا وليس إلى ليبيا، كما ورد سهواً. وهنا نص الحلقة الثانية:

> في سنة 1976 ذهبت بوساطة إلى لبنان، أخبرنا عن تلك الوساطة.

- اجتمعت دول الصمود والتصدي في ليبيا بعد أن بدأ الصِدام بين الفلسطينيين والحركة الوطنية من جهة وسورية من جهة أخرى. وتم الاتفاق أن أتوجه مع وزير التعليم الجزائري لإيصال رسالة إلى حافظ الأسد والعودة. أنا اتخذت قراراً بأن أبقى لأن الوضع شديد الخطورة.

> ماذا قال حافظ الأسد عن الفلسطينيين والحركة الوطنية؟

- أنا ما عدت اهتممت بالرسالة بل أعددت خطة ومعمر رفض أن أبقى في سورية أو أن أتوجه إلى لبنان إلى درجة أنه قال لي لن أكلمك هاتفياً إلى أن تترك سورية ولبنان وتعود إلى ليبيا. قرار البقاء كان قراري الشخصي. عندما وجدت الوضع خطراً حاولت إعداد خطة لوقف إطلاق النار وإيقاف القوات (السورية) الزاحفة إلى بيروت عبر ضهر البيدر وعبر جزين. أنا بقيت 48 ساعة أتحاور حول كيفية التوصل إلى وقف للنار وهو يفترض أن يتم بين قوتين بينما سورية لا تريد أن تعترف أن جيشها في مواجهة مع الفلسطينيين والحركة الوطنية. بعد 48 ساعة اقترحت حلاً يوقف القتال بين قوتين متحاربتين من دون ذكر الأسماء. فوافق حافظ الأسد وتوقفت القوات المتقدمة في ضهر البيدر جلود يصافح نايف حواتمة وبدا جورج حبش.jpg وفي جزين. كانت هناك كتيبة من «الصاعقة» (السورية) في رأس بيروت يحاصرها الفلسطينيون والحركة الوطنية واستشهد منهم 8 جنود ووقع جرحى. والفلسطينيون والحركة الوطنية منعوا الجيش السوري من إخلائهم. في عقيدة الجيش يجب إخلاء الجثث والجرحى بالقوة وإلا يفقد بقية أفراد الجيش الدافع للقتال. وكانت هناك قوات سورية في المطار. اتصل بي حافظ الأسد وقال لي يا عبدالسلام أنا أعتبر نفسي في حل من اتفاق وقف إطلاق النار وأنا أعطيت أمراً للقوات أن تتقدم من ضهر البيدر وسأصدر أمراً أن يقصفوا بالطيران لأن تحرير فلسطين لن يقوم به هؤلاء «الأوباش» بل الجيش السوري سيقوم بتحرير فلسطين. فقلت له أنني مستعد للتوجه إلى بيروت، بعد أن قال لي إن المسألة خطيرة، لكن عندي شرطين الأول أن تبعث معي سياسيين فلا أريد التحدث إلى ضباط الجيش السوري والثاني ألا أكون في بيروت وتبدأ بضرب الفلسطينيين والحركة الوطنية بالدبابات والصواريخ. أرسل معي محمد حيدر نائب رئيس الوزراء وزير الاقتصاد وناجي جميل قائد القوات الجوية وتوجهنا في أربع طائرات عمودية هليكوبتر. السوريون أبلغوا جيشهم المنظم والفلسطينيون أرسلوا برقية لفصائلهم ولكنهم كانوا غير منظمين فلم تصلهم البرقية فعند محاولتنا الهبوط في مطار بيروت اعتقد الفلسطينيون أننا قوات إمداد فأرادت قوات أحمد الخطيب وعدة جهات ومجموعات فلسطينية إطلاق النار علينا. محمد حيدر وناجي جميل قالا لي إذا كنت أنت تريد الموت لماذا أتيت بنا معك. محمد حيدر قال لو كنا على الأرض كنا استطعنا الاحتماء بأي شيء لكن نحن في الجو. وكان معنا أحمد جبريل الذي كان شجاعاً وتوجه إلى قائد الطائرة وقام بتوجيهه لتحاشي المضادات الجوية وهبطنا على الشاطئ وبقينا نزحف أربع ساعات ونحن نتعرض للقصف. وصلنا إلى المطار وملابسنا في حالة مزرية. واتصلت من المطار بالفصائل الفلسطينية: أبو جهاد (ياسر عرفات كان في ليبيا حينها) وأبو أياد ونايف حواتمة وطلبت منهم أن يأتوا إليّ في المطار فقالوا لن نأتي فاستفسرت منهم هل أنتم لا تريدون المجيء لأنكم لا تريدون التباحث في أرض «معادية» ولأنكم خائفون من السوريين؟ قالوا نحن خائفون من السوريين قلت أنا مستعد للقائكم في بيروت. وتوجهنا في سيارات وتم استهدافنا فسيارة المرسيدس التي كنت بداخلها أصابها الرصاص ثم انتقلت إلى بيروت وأقمنا في شقق مختلفة في الحمراء. وأذكر عجوزاً مسيحية قالت لي يا عبدالسلام كنا نستمع إليك عبر الإذاعة ونعتقد أنك رجل كبير في السن وأنت شاب. وسألتني هل زرت بيروت سابقاً؟ فقلت هذه أول زيارة لي في الحرب. فقالت عليك أن تزور بيروت في أيام السلم لا أيام الحرب.

عقدنا اجتماعات يومية دامت ساعات لكيفية سحب العناصر السورية. واجتمعنا مع الفلسطينيين ومع كمال جنبلاط من الحركة الوطنية وهو يستيقظ باكراً ويدير الاجتماع اعتباراً من الثامنة والنصف صباحاً بينما الفلسطينيون يطيلون السهر في الليل ويأتون إلى الاجتماع متأخرين فكان يقول لهم: أنتم الفلسطينيين ... تنامون في النهار وتسهرون ليلاً. كان يصحبني أبو الحسن سلامة إلى منطقة المتحف حيث ينتظرنا بشير الجميل ونتوجه في سيارة جيب عبر الحازمية للقاء والده بيار الجميل وكميل شمعون.

في أول اجتماع لي مع بيار الجميل صرح قائلاً أنه غريق وتمسك باليد التي امتدت له (قاصداً سورية التي دخل جيشها إلى لبنان لمساعدة المسيحيين). لكنه قال لي إن سورية ألدّ أعدائه فهي لا تعترف بلبنان (كبلد مستقل) وليس لديها سفارة فيه.

> كيف كانت علاقتك مع بشير الجميل؟

- كانت علاقة ممتازة. كنا على خلاف معه لكن لديه شهامة ورجولة وصادق مع نفسه وزعيم لديه احترام ويمتاز بأنه ليس تاجراً سياسياً.

> وماذا كان انطباعك عن كمال جنبلاط؟

- إنه إنسان حكيم ويمتاز بهدوء مؤثر وحدّة تفكير وعقل ثاقب. وفي ياسر عرفات.jpg الاجتماعات كنت أتعرف على أفكار كمال جنبلاط عبر ما يطرحه محسن إبراهيم وجورج حاوي اللذان كانا يحرصان على التشاور الدائم معه.

أنا تعرضت خلال مهمتي هذه للموت المحقق 14 مرة. في إحدى المرات كنت مع ياسر عرفات في منزل نتناول الغداء وبعد ثوان من مغادرتنا طاولة الغداء سقط صاروخ من المنطقة الشرقية من بيروت ودمر المكان الذي كنا فيه. وكانت الإذاعات الإسرائيلية واللبنانية المسيحية تهاجمني كثيراً. وفي إحدى المرات كنت سأستقل طائرة عمودية متوجهاً للقاء حافظ الأسد بدأوا بقصف المطار واضطررت إلى التوجه براً في سيارة عبر مناطق مسيحية ملغّمة واتصلت بالجيش السوري في الجبل. وكانت تجربتي في لبنان زاخرة جداً.

> ماذا كان حافظ الأسد يقول عن اللبنانيين؟

- نحن في جبهة الصمود كان تقييمنا أن هناك مؤامرة الغرض منها تدمير سورية معنوياً وتدمير الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية مادياً وكنا نعتقد بوجود مخطط في هذا الاتجاه. وجاء بعد ذلك موضوع زيارة أنور السادات للقدس. لم نكن نعرف التفاصيل في حينها ولكننا رأينا أن هناك مؤامرة لضرب سورية. حافظ الأسد كان يقول لي يا عبدالسلام أنتم تقولون هناك مؤامرة نحن ننفذها أما بالنسبة إلينا فنحن تدخلنا لمنع المؤامرة. وأنا بقيت خمسة أشهر بين لبنان وسورية من دون موافقة القذافي. وكان القذافي قال لي لا تتصل بي إلى حين رجوعك إلى دمشق من دون التوجه مجدداً إلى بيروت على أن تعود إلى ليبيا.

في نهاية الخطة أحضرت قادة فلسطينيين في طائرة هليكوبتر للقاء حافظ الأسد وألقيت كلمة قصيرة قلت لهم فيها أن قرار بقائي في لبنان لمنع المؤامرة قرار شخصي مني، وكنت رئيس وزراء ليبيا في ذلك الوقت، وليبيا بحاجة إليّ ولدينا حرب في تشاد ولأن كلمة السر في ثورة الفاتح كانت القدس وفلسطين مهمة لنا اتخذت قرار البقاء كل هذه الفترة. أنا تعرضت لخطر الموت مرات ومرات لكنني أحمد لله أنني استطعت تحويل الرصاص إلى قبلات بعد أن عانق أبو أياد الأسد وكذلك جورج حبش وأحمد جبريل وياسر عرفات أيضاً كان حاضراً. وعقد عرفات مؤتمراً صحافياً قال فيه إن عبدالسلام جلود وليبيا يستحقان أكبر وسام قومي لكن بعد ذلك باع عرفات جهودي لدولة خليجية وغيّر رأيه. الفصائل الأخرى وقفت ضده: جورج حبش وأحمد جبريل ونايف حواتمة و «أبو نضال».

> كيف كانت علاقة أبو أياد بالقذافي؟

- القذافي كان في السابق حريصاً أن تفرض الثورة الفلسطينية وضعاً جديداً على العالم العربي فلا يدجّنها العرب بل تُقْحِمهم وتغيّرهم وتفرض عليهم وضعاً بحيث لا يتم تدجينها. لذلك هم حاربوا قومية العمل الفدائي أما نحن فقد قمنا بتدريب فدائيين في ليبيا وسلحناهم ثم أرسلناهم إلى سورية ولبنان.

> كم قدمتم مساعدات إلى لبنان؟

- مساعدات كثيرة ببلايين الدولارات وأعطيك مثلاً لدى البحث في اتفاق 17 أيار (مايو) اللبناني -الإسرائيلي التقيت الرئيس أمين الجميل في الهند وكان معه رئيس الوزراء (شفيق) الوزان وذلك في مؤتمر دول عدم الانحياز. قلت له أننا نحذرك من توقيع اتفاق 17 أيار فوقف وقال لي: انتم لستم مسؤولين عنا أقفلوا دكاكينكم في بيروت. قلت له أجلس نحن نحذرك واختلفنا.

بعد ذلك توجهت إلى دمشق واجتمعنا مع الحركة الوطنية والفلسطينيين وقررنا أن نضاعف أعداد المتطوعين وأن نخصص مرتبات للمتطوعين اللبنانيين والفلسطينيين. وكان وليد جنبلاط حاضراً الاجتماع وجورج حاوي وجورج حبش ونايف حواتمة والفصائل الفلسطينية ومن الجانب السوري عبدالحليم خدام وكان الاجتماع برئاستي. قررنا أن نسلحهم لإسقاط الاتفاق بالقوة. حولنا الأموال اللازمة وحدثت انتفاضة الجبل وانتفاضة الضاحية وتغيرت المعادلة.

توجه أمين الجميل إلى أميركا وفرنسا والمغرب فاتصل ملك المغرب بمعمر القذافي وقال له أمين الجميل يريد عبدالسلام جلود.jpg زيارتكم فهل تستقبلونه؟ اتصل بي معمر وأجرينا مباحثات هاتفية وأنا كنت ضد الفكرة فقال لي: لا يا عبدالسلام، من الأفضل أن يأتي إلينا لأن زيارته لنا اعتراف بأن الحل في طرابلس ودمشق وليس في باريس وواشنطن وكانت أميركا بدأت الدخول في أجواء الانتخابات الرئاسية. أقنعني معمر بحجته واستقبلت أمين الجميل في مطار طرابلس وكان يريد إقناعنا بتجميد اتفاق 17 أيار بدلاً من إلغائه. رفضت وقلت نحن نريد استغلال هذه السنة «الميتة» في السياسة الأميركية قبل الانتخابات. أنت اتفقت مع الأميركيين على تجميد الاتفاق ثم يأتينا رونالد ريغان قوياً ووزير خارجيته شولتز. وصلنا إلى باب العزيزية وخيمة معمر فوجدنا معمر أعد له شريط فيديو يظهر المدمرة الأميركية «نيوجرسي» خلال قصفها جبل لبنان، بعد انسحاب القوة المتعددة الجنسيات وهروبها. قال له معمر في هذا الوضع كيف تستعين بقوة أجنبية على جزء من شعبك؟ هذا يعني أنك لست رئيس لبنان فأُحرج أمين الجميل. وكاد أمين أن يقنع معمر بتجميد اتفاق 17 أيار لكنني رفضت ووافقني معمر الرأي. قلت لمعمر هذا موضوع الاتفاق مع الأميركيين ولديهم سنة ميتة (راكدة) قبل الانتخابات يريدون خلالها تجميد الاتفاق ثم يأتوننا بعد الانتخابات وريغان قوي لفرض الوضع علينا. يتوجب علينا استغلال السنة الميتة وإلغاء الاتفاق.

خلال مرافقتي له في طريق عودته إلى المطار قال لي أمين الجميل كنت أعتقد أنني سأجد صعوبة في إقناع معمر فوجدت أن الصعوبة في إقناعك أنت يا عبدالسلام.

> كيف كانت علاقتك بوليد جنبلاط؟

- علاقة جيدة. إنه، شخص يمشي مباشرة الى الهدف، ليس مراوغاً، ومُقِلّ في الكلام وفي كلمات بسيطة وعفوية وصادقة يحدد هدفه.

> أنتم دعمتم الملازم أحمد الخطيب يوم قاد انشقاقاً عن الجيش اللبناني ودعمتم أبو موسى في الانشقاق عن «فتح».

- نعم دعمناهما وخصصنا للانتفاضة الفلسطينية 60 مليون دولار سنوياً بمعدل خمسة ملايين شهرياً.

> ما القوى التي دعمتها ليبيا في لبنان؟

- دعمنا كثيرين. الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كنا نُكن له التقدير والاحترام لتعاونه واعتبرناه صاحب موقف جذري والحزب التقدمي الاشتراكي والقوى الناصرية. وقدمنا مساعدات لمؤسسات إعلامية وفكرية وشخصيات. الثورة الفلسطينية لم تكن قوة فاعلة قبل العام 1969 ولا نبالغ في القول إن دعمنا المالي والعسكري والسياسي لها ساعدها على ترسيخ موقعها.

> هل صحيح أن القذافي نصح القادة الفلسطينيين بالانتحار عند الغزو الإسرائيلي لبيروت في 1982؟

- حاولنا عقد مؤتمر قمة فلم ننجح وحاولنا إيصال السلاح للفلسطينيين وفشلنا وكان صالح الدروبي في سفارتنا (في بيروت) فقلنا له أن يحاول شراء السلاح من السوق السوداء للفلسطينيين والحركة الوطنية لأننا أخفقنا في إيصال السلاح عن طريق سورية وعبر البحر.

كان العرب مهزومين فالقتال الحقيقي ليس بين سلاحين بل بين إرادتين: إرادة مصممة على النصر وإرادة مهزومة. العرب كانوا مهزومين. والمهزوم مهما زودته بالسلاح لن ينتصر.

> لماذا دعمتم الانشقاق على ياسر عرفات؟

- لأننا اعتبرنا أن عرفات يخون القضية الفلسطينية بعد أن بدأ يسعى إلى حلول تضيّع الحق الفلسطيني وتضيّع الحق التاريخي للعرب في فلسطين ويتنازل عن فلسطين وشعرنا أن السلطة الفلسطينية أصبحت عبارة عن حاكم بلدية في ظل الكيان الصهيوني.

> كيف كانت علاقة القذافي بياسر عرفات؟

- بعد 1969 قدمنا للمنظمات الفلسطينية دعماً مالياً وعسكرياً وسياسياً وكان لهذا الدعم دور أساسي في نقل منظمة التحرير من مرحلة إلى أخرى. نحن بادرنا بالدعم وشجعنا دولاً وحركات سياسية على التحرك في الاتجاه نفسه. نحن وقفنا بقوة مع الثورة الفلسطينية. العلاقة مع عرفات كانت تتوتر بين حين وآخر سواء مع القذافي أو معي شخصياً. للتوترات علاقة أمين الجميل.jpg بالسياسة والممارسة والأسلوب. سأعطيك مثالاً. كان عرفات معنا في ليبيا وفجأة ألح على ضرورة توفير طائرة له للانتقال إلى مصر. لم نكن نحن نعلم أن أنور السادات سيلقي خطاباً يضمنه استعداده لزيارة القدس. أدت الحادثة إلى جفاء مع عرفات. لكن التوتر مع عرفات لم يدفعنا إلى وقف الدعم.

> هل كان القذافي يحاول إهانة عرفات؟

- لا.

> من كان القذافي يحب من الفلسطينيين؟

- المسألة لا تتعلق بالمشاعر أو الاستلطاف. في البداية كان معمر يرفض أن يزور الدكتور جورج حبش ليبيا لأنه شيوعي.

> لأنه شيوعي أم لأنه مسيحي؟

-لا لأنه ماركسي. تدخلت أنا في الموضوع وغير معمر رأيه وصار حبش يزورنا.

> كيف كانت علاقتك مع حبش؟

- حبش رجل صادق ومحترم. نحن كنا ندعم فتح لكن سياستنا كانت تلتقي عملياً مع مواقف المنظمات الراديكالية «الشعبية» و «الديموقراطية» و «فتح – القيادة العامة» بزعامة أحمد جبريل وآخرين.

> لماذا كان لأحمد جبريل علاقة خاصة مع ليبيا؟

- توطدت العلاقة لأن جبريل قام بعمليات مهمة في تلك الفترة. عمليات الطائرات الشراعية وخطف جنود إسرائيليين وأكبر صفقة لتبادل أسرى. مشكلة أحمد جبريل أنه غير سياسي. عسكري وعملي وقلبه على عمله وهو عروبي ووطني ونظيف. طبعاً هناك جهات فلسطينية تغمز من قناة علاقته بسورية. نحن لم نلاحظ هذا الأمر. نحن كنا نهتم بمن هو أكثر جدية ومن هو القادر على تنفيذ عمليات.

> وما رأيك في ياسر عرفات؟

- عرفات أفسد الثورة بالمال وهمشها وأدخلها في متاهات ومستنقعات. تآمر في شكل ممنهج. أنا أحترم جورج حبش كثيراً... وأحمد جبريل، لكن جبريل غير مفهوم فلسطينياً لأنه وطني وغير مسيس وقالوا عنه إنه عميل لسورية وصنيعة سورية، وهذا غير صحيح. أحمد جبريل قال لحافظ الأسد على الهاتف أمامي: يا سيادة الرئيس حرر فلسطين أولاً. لن تدخلوا بيروت إلا على أجسادنا.

> هل تعرفت على القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد؟

- لا.

> وعلى كارلوس؟

- لا.

> أنت بدأت أهم صفقة سلاح مع الاتحاد السوفياتي...

- كل العلاقات مع الدول الشرقية وأوروبا واليسار في السبعينات، في فرنسا وألمانيا وإيطاليا. لم أنجح في بريطانيا.

> هل خزن حلف وارسو أسلحة في ليبيا؟

- لا. قمنا بدور كبير في دعم نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا وروبرت موغابي في زيمبابوي. مددناهما بالسلاح. دربنا لزيمبابوي 27 ألف مسلح ورئيس أركان. كان لنا دور في أنغولا والرأس الأخضر وموزامبيق. كان عندنا ضباط قاتلوا.

> لماذا تورط القذافي في حرب تشاد؟

- القرار كان قرار مجلس قيادة الثورة لأنه حتى النظام الملكي كان يقف مع حركة تحرير تشاد. كان سلطان تشاد موجوداً في الزاوية. كانت حكومة الملك تساعد في شكل محدود، بسبب محدودية الإمكانات. كان هناك تداخل بين التشاديين والليبيين. كان النظام الملكي يعتبر أن مليوناً ونصف مليون مسيحي يتحكمون بستة ملايين مسلم. نحن أكملنا الدور، لكننا أعطيناهم إمكانات أكبر. بدأنا بتسليحهم، ثم ساندناهم بالمدفعية، قبل أن نتدخل عسكرياً. لكن سبب الإخفاقات في تشاد أن القذافي بدأ التفكير في نشر الإمبراطورية والجماهيرية وتطبيق «الكتاب الأخضر» إضافة إلى أنه على مدى 11 سنة استشهد ليبيون في حرب سرية ونحن نعلن انتصار حركة تحرير تشاد.

> هل كلفت حرب تشاد كثيراً؟

- نعم. كلفت كثيراً، لكنها قادت إلى أن المسلمين هم من يحكمون تشاد. ذهبت إلى فرنسا وعرض (الرئيس الفرنسي) فاليري جيسكار ديستان خريطة لتشاد قائلاً: من خط 22 شمالاً لكم، جلود والقذافي في البدايات.jpg وجنوبه لفرنسا. قلت له نحن لن نتاجر بتشاد، فرد قائلاً إن أي صدام مع فرنسا سيكون صداماً مع أوروبا.

> كانت العلاقات مع المغرب تراوح بين التأزم والتعاون؟

- ضعف موقف الجمهوريات حين أصبحت أسوأ من الملكيات. ذات مرة، فوجئنا بالملك الحسن الثاني يرسل موفداً يقول إن هناك عواصم تستهدف المغرب العربي والحل في الوحدة بين المغرب وليبيا. قلنا له: كيف وأنت نظام ملكي ونحن نظام ثوري؟ وهل سيسمح لك الأميركيون؟ فرد بأن الضرورة تحتم ذلك. وافق معمر وعقد اتفاقية وحدة، لكنني رفضت. كان يفترض أن أصحبه للتوقيع، لكنني لم ألحق به في المطار، فاضطر إلى السفر بمفرده. لحقت به في ما بعد والتقيت الملك الذي حاول إقناعي.

(غداً الحلقة الثالثة)

http://www.nadyelfikr.com
(آخر تعديل لهذه المشاركة : 10-30-2011 04:16 AM بواسطة بسام الخوري.)
10-30-2011 04:15 AM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #4
الرد على: عميد الطغاة...إعدام معمر القذافي 20/10/2011
جلّود: اكتشف القذافي مؤامرة أقربائه فقتلهم وسحلهم وعلّق جثثهم على الأشجار (3)
الإثنين, 31 أكتوبر 2011
291001.jpg
روما – غسان شربل

لا يشعر المستبد بالأمان. على رغم وفرة حرّاسه. وفنون التعذيب في سجونه. وتجنيد جيش من المخبرين والوشاة. وقدرته على كمّ الأفواه. وبراعته في إخفاء الجثث. المستبد يأكله القلق. يخاف من سؤال يضمر تشكيكاً. من إصبع يرتفع احتجاجاً. من أغنية أو نكتة. يخاف من الناس رغم استسلامهم أو تظاهرهم بذلك. ومن تعاقب الفصول. ومن التجاعيد إن هاجمت وجهه.

لا يقبل المستبد رأياً ناصحاً أو ناقداً. يعرف أن الكلمات تتجمع في النهاية وتستحيل نهراً. لهذا يجهض كل نقاش في بداياته. لهذا يتهم كل محاولة تصويب بأنها رضوخ لإملاءات خارجية.

يروي الرائد عبدالسلام جلّود أن خلافه الأول مع القذافي بدأ بسبب إقدام مجموعات للأمن على اغتيال معارضين ليبيين في الخارج أُطلقت عليهم تسمية «الكلاب الضالة». وتُظهر روايته أن القائد لم يغسل يديه من هذه الجرائم، والدليل قوله: «التصفيات تتوقف اليوم».

كان القذافي يتظاهر أحياناً بالاستماع إلى جلّود واستعداده لتصحيح المسار وإطلاق مشروع شامل للتغيير. وبمكره المعهود كان سرعان ما يلتف إذا شمّ رائحة انتقادات تنال من صورته وسلطته. ولم يكن يتردد في الاتصال مباشرة بالتلفزيون ليهاجم المتحاورين ثم يأمر بوقف البث.

فاتح جلّود القذافي بموضوع مذبحة سجن بوسليم التي ذهب ضحيتها 1400 سجين معظمهم من الإسلاميين. لم ينكر القائد ما حدث بل حاول تبريره وقال: «لو لم أفعل ذلك لأحرقوا طرابلس وأحرقوك معها».

كان القذافي ماهراً في تطويق الآخرين وتهديدهم والالتفاف عليهم. قال لجلّود ذات يوم: «أنت تحرّض عليّ وأنا لا أريد أن أرى رجال الأمن يهينونك قبل أن تُقتل...». رسالة واضحة. ولاحقاً سيأمر القذافي رجال النظام بقطع علاقاتهم مع جلّود الذي أمضى ثمانية أعوام في شبه إقامة جبرية لم يقابل خلالها إلا عائلته وثلاثة أشخاص. وهنا نص الحلقة الثالثة:

> متى كانت آخر مرة التقيت فيها العقيد معمر القذافي؟

- سنة 1998 حاول بعض القذاذفة اغتياله، ولم يتم إطلاق النار عليه لأن المؤامرة اكتشفت، وقد أعدمَ من قاموا بها ومثّل بهم. قبلها بقي أربع سنوات يطلب مقابلتي وقلت له: لا يمكن أن أمد إليك يدي طالما أنت تقمع الليبيين وتجوعهم وتشهِّر بهم، وقررت أن لا أقابله. لكن بعد تلك المؤامرة قلت لعلنا نحصل منه على نتيجة وربما كانت تلك المحاولة درساً له. اتصلت به وقلت له إنني سأزوره وهذا ما حصل. عندما وصلت إلى باب العزيزية استقبلني معانقاً باكياً متأثراً من المؤامرة وكان عبدالله السنوسي ومنصور ضو موجودَيْن فشعرا بالخجل وابتعدا عنا وكنا في الساحة الخارجية. قام بذبح خروف لأنني لم أره منذ مدة وجلسنا في الخيمة. قال لي: هل ترضى يا عبدالسلام، أقاربي يريدون قتلي والتمثيل بي؟ قلت له: ما السبب يا معمر؟ هناك خطأ وأنت سائر في درب خاطئ عليك أن ترجع (عنه). قلت له إن الحل سياسي واقتصادي وليس أمنياً. لقد استخدمت كل وسائل القمع في دول العالم الثالث وزدت عليها وسائل إضافية بينما الحل سياسي. يمكنك أن تستخدم الحلول الأمنية فتأخذ خمسين قراراً أمنياً أو مئة أو مئة وخمسين لكن هذا يعني أنك في دوامة. الحل سياسي. وقلت له مذبحة بو سليم أكبر مذبحة منذ مذابح هتلر. فقال: لو لم أفعل ذلك لأحرقوا طرابلس وأحرقوك معها. فقلت له: حرق طرابلس وحرقي أهون من قتل 1400 شاب. قال لي: هذا لن أتحمله ولن أغفره لك ولن أنساه. موقفك هو الذي جعلني مُداناً في الداخل والخارج.

> ما تفاصيل مذبحة بو سليم؟

- إسلاميون في السجن بدأوا تمرداً أخاف القذافي لأنهم إذا خرجوا من السجن وفي ضوء تمسكهم بعقيدتهم يمكن أن يخوضوا مواجهة. تصرفت السلطة بحماقة.

> هل يمكن قتل هذا العدد من دون أوامر من القذافي؟

- لا أعتقد خصوصاً بعد أن قال إنه لو لم يفعل ذلك «لأحرقوا طرابلس وأحرقوني معها».

> ما هو الحديث الذي دار بينكما في ذلك اللقاء؟

- اختلفنا فقد كنت أعتقد أنه مهيأ وأن تلك المؤامرة شكلت صدمة له ويمكن أن يعود إلى رشده.

> هل صحيح أنه أعدم أقاربه وقام بتعليقهم على الأشجار؟

- نعم كما تم ربطهم بالسيارات وسحلهم في الطريق في باب العزيزية.

> ألم تلتقِ به بعد 1998؟

- بعد ذلك قال لي بعض الضباط الأحرار: إذا لم تشأ مقابلته فعلى الأقل قم بزيارته في العيدين (الفطر والأضحى) كلفتة إنسانيه. فكنا نتقابل في العيدين فقط في باب العزيزية ولا أتكلم معه في السياسة.

> وتعرض القذافي لحادث في رجله.

- تعرض القذافي لحادث في البيضا في التسعينات وزرته هناك.

> كيف بدأ الخلاف بينكما؟

- أول خلاف لي معه كان سنة 1980 عندما بدأ بتصفية الليبيين في شوارع أوروبا، وكان يدعوهم «الكلاب الضالة». قلت له إن ثورة تصفي أبناءها في شوارع أوروبا تنتهي أخلاقياً وسياسياً وأيديولوجياً. بقيت في بيتي حوالى ستة أشهر ثم طلبني للحوار. وأنا في طريقي للحوار وكدليل على أن ما أقوله صحيح قبل دخولي إلى مكتبه رأيت رجلاً أسمر طويلاً متورماً بعدما تعرض للضرب ورأسه ووجهه تغطيهما الدماء جاء راكضاً نحوي باكياً. فسألته من يكون فقال إنه حامد الحضيري رئيس تحرير «الزحف الأخضر». وقال اتصلوا بي من القيادة وأعطوني رؤوس أقلام وقالوا لي اكتب مقالاً هاجم فيه عبدالسلام الزادمة، أحد ضباط الأمن المقربين، وقل عنه إنه فاسد. أتاه الزادمة ملثماً مع إخوته وهجموا عليه في «الزحف الأخضر» وضربوه. أنا لم اقترب يوماً من جماعة الأمن. أخذت موقفاً من الأقارب والأمن لأنهم هم أخطر ناس على الشخص القيادي. طلبت إحضار عبدالسلام الزادمة. فأتوا به وهو ما زال حياً يرزق ومعروف من قبل الليبيين فقلت له: ضربته؟ فقال ضربته سيدي. أنا لأول مرة أضرب شخصاً لأنني لم أتمالك أعصابي فصفعته صفعتين وأرسلته إلى السجن. ودخلت على معمر الذي قال لي بتهكم واستهزاء: أنت جلست في منزلك فمن معك غير اجتماع مشترك لمجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء الليبي برئاسة القذافي.jpg علي الفضيل (مدير مكتبي)؟ حتى قبيلتك معي. فرددت عليه: أخاف عليك يا أخ معمر أن يأتي عليك يوم لا يكون فيه معك سوى أحمد إبراهيم (أحد أقارب القذافي ويتعاطى الجانب الفكري). بعد ذلك تحاورنا ومشينا إلى الخيمة فوجدت فيها سعيد راشد وعبدالله السنوسي ومحمد المجذوب وبعض الأشخاص فقال لهم: اليوم تتوقف التصفية وأمر بإبلاغ الخلايا التابعة لهم بذلك. فقلت له إنني سأعود إلى عملي في اليوم التالي وفعلاً عدت.

> لماذا اتخذ قرار تصفية هؤلاء الليبيين في الخارج؟

- لا يريد أي صوت خارج ليبيا ينغّص عليه. يعتقد نفسه إلهاً ولا يجوز لأحد أن يعارضه أو يمس صورته. وكان يعتقد أن الغرب قد يلجأ إلى دعم بعض الأصوات الليبية في الخارج لهذا كان يحاول التخلص منها.

> من نفذ عمليات الاغتيال في الخارج؟

- بالتأكيد جماعة القذافي.

> هل لعب أبو نضال دوراً في هذه الاغتيالات؟

- طبعاً، علاقة أبو نضال مع النظام معروفة لكن للأمانة أقول إنني لا أملك تفاصيل لأنني اخترت الابتعاد عن دوائر الأمن. أنا أعتقد أن الأمن والأقارب والمستشارين مهمتهم إقناع أي قائد أن الجميع ضده وأنهم الأحرص عليه، وهذا ما تعلمته من التاريخ لذلك اتخذت موقفاً من الأمن ومن الأقارب ومن المستشارين إلى درجة أنني في اليوم الثالث للثورة سنة 1969 جئت بإخوتي الثلاثة ورفعت بوجههم البندقية وقلت لهم أنتم اعتباراً من اليوم لستم إخوتي، أنا إخوتي الذين خرجوا معي إلى الثورة وأنا أخ لكل الليبيين. وحذرتهم ألا يتم تحويلهم إلى مستشارين غير معيّنين، إذ قد يقصدهم من يريد تحديد لقاء معي أو رفع ملف إليّ، لأن للدولة أطراً وسياقات. كما نبهتهم إلى أن أناساً قد يدّعون صداقتكم بعد الثورة بينما عليكم المحافظة على صداقاتكم التي كانت يوم 31 آب (أغسطس) 1969.

في سنة 1986 قصدت القذافي محذراً من أنه إذا لم يحدث تغيير فسأعود إلى بيتي. أقمنا حواراً في سرت استمر 11 يوماً وانتهت اجتماعاتنا في 11 حزيران (يونيو) 1986 وكان يوم ذكرى طرد القوات الأميركية. بعد أن اتفقنا على تغيير شامل وكتبنا خطة التغيير استقللت معه السيارة (من طراز آودي) وكان يقودها إلى أن وصلنا إلى مهبط كان يستخدمه الأميركيون كرديف لقاعدة الملاحة (كانت أكبر قاعدة أميركية خارج الولايات المتحدة في طرابلس) ولديهم مهبط احتياطي في رأس لانوف. ووجدنا أن ليس هناك حضور (كثيف) في الاحتفال، كان أبو موسى وأحمد جبريل حاضرين لكن عدد الليبيين كان بسيطاً جداً. توجهنا إلى الهراوة وهي منطقة قبيلة أولاد سليمان حيث احتفلوا بنا وتناولنا الغداء وبعده غادر الحضور وبقينا مع مشايخ القبيلة الذين أحضروا طفلة عمرها حوالى خمس سنوات قالت لنا يا عم معمر وعم عبدالسلام أنا لي خمس سنوات لم أتناول فيها تفاحة. مشايخهم قالوا لنا بالحرف الواحد يا معمر ويا عبدالسلام إذا قلنا لكم إن معكم 10 أو 15 في المئة من الليبيين نكون نكذب عليكم فانتهبوا. وهذا يؤيد دعوتي إلى التغيير في حينه لأني كنت مدركاً للوضع.

توجهنا إلى مشارف البيضا حيث أفطرنا حوالى الساعة 12 في اليوم التالي وراجعنا الخطة ثم توجه القذافي إلى البيضا وعدت أنا إلى بنغازي حيث كانت تنتظرني الطائرة للعودة إلى طرابلس. اتفقنا على أساس أن نعد أوراق التغيير الشامل ونعقد مؤتمراً للجان الثورية. أذكر أن الدكتور جورج حبش اطلع على بعض الأوراق التي كنت أكتبها وعانقني وقال لي يا عبدالسلام أهنئك فنحن فصائل وارتكبنا أخطاء في بيروت خرجنا بسببها من لبنان وقمنا بالنقد في مجالسنا كفصائل ولكننا لم نصل إلى جرأة التحليل التي تقوم أنت بها. وأذكر أيضاً أن السفير الروسي جاءني يطلب أخذ نسخة من النقد الذي أعددته إلى القيادة الروسية.

عقد مؤتمر اللجان الشعبية في جامعة الفاتح في طرابلس سنة 1986 وقدمت الأوراق بحضور 30 ألف شخص، بينهم أشخاص من الثورة الحالية إذ كان معظمهم يعمل للقذافي في الخارج. ألقى القذافي خطاباً قال فيه بالحرف الواحد: نحن قدمنا نموذجاً سيئاً ودمرنا أنفسنا ولا نريد أن نتراجع فصفق الـ 30 ألفاً. أصبت بخيبة وأعلنت عبر المذياع أنني أرفض هذا الكلام، ولدي 30 ألف شاهد ليبي من الحضور، وقلت: الشيء السيئ لا يشكل نموذجاً بل الشيء الجيد هو الذي يشكل نموذجاً. فاعتقد بعض الحضور أننا سنختلف وانفض المؤتمر.

بعد ذلك سنة 1991 أقمنا حواراً واتفقنا على تغيير شامل. وقلت له يا أخ معمر إذا كان لديك تحفظ أكتب البرنامج لوحدي فلدي الأفكار كلها وإذا كنت غير متحفظ فإنني أريد أن أستعين بعدد من المثقفين والكوادر والكتّاب. قال: لا تحفظ اختَرْ من تشاء. فقمت بانتقاء حوالى 80 شخصاً من الكوادر الاقتصادية والمثقفين والكتّاب والأدباء وأجرينا حواراً واتفقنا على تغيير شامل. بعد أن اتفقت مع القذافي توجه هو إلى الفزّان في جنوب ليبيا ثم اتصل بي بعد عودته وقال لي: أريد لقاءك في الخيمة لمناقشة البرنامج. وصلت إلى الخيمة قبله ومعي الملفات علماً أن الثمانين شخصاً الذين أشركتهم هم من الاقتصاديين وعلماء الاجتماع المعروفين. وصل القذافي بعدي ومعه الفريق أبو بكر يونس فعندما وجدت أبو بكر معه عرفت أن هناك أمراً ما وسيناريو محضراً. فور وصولهما، وكان أبو بكر يونس طيباً معي، قال لي أبو بكر بطريقته الشعبية: «يا بوي هذا برنامج مفروض علينا من الخارج». عرفت أن القذافي غير جاد وقلت له يا معمر أنت كلفت أبو بكر هذا السيناريو وهو بسيط لا يجيد إخراجه. وحاولت أخذ الملفات والمغادرة فأمسكني القذافي مطيباً خاطري وطلب من أبو بكر الانصراف قائلاً له: على الأقل عبدالسلام يأخذ مواقف وطنية وقومية وأنت تأخذ مواقف أمام الجنود، فقال أبو بكر سأترككما «كباش تتناطح».

اتصل بي القذافي مرة ثانية في بداية التسعينات بعد أن فاز حسني مبارك في «الانتخابات المزورة» وكان القذافي حينها ضعيفاً جداً لأنني أضعفته. ووافق القذافي (على خطتي) وتوجهت إلى أمانة المؤتمر الشعبي عبد الفتاح يونس.jpg العام واللجنة الشعبية وعرضت عليهم كيفية إدارة خطة التغيير وإذا به يتصل بي في اليوم التالي وهو وأعضاء مجلس قيادة الثورة وأبو بكر يونس والخويلدي الحميدي ومصطفى الخروبي يتوجهون إلى السلّوم على الحدود المصرية للالتقاء بحسني مبارك لتهنئته بفوزه. قال لي ما رأيك يا عبدالسلام أن تؤجل هذه الخطة فقلت له: أنت بهذا نسفت المشروع وأنا أعرف أنك لست جاداً. ثم قال بتهكم ما رأيك أن تأتي معنا لتهنئة حسني مبارك؟ قلت له يا معمر الثورة الليبية ضعفت إلى هذه الدرجة. حسني مبارك لا يستحق برقية وأنت تصطحب أعضاء القيادة لتهنئته. وقلت له لو لم أكن مستقيلاً لما تركتكم تغادرون أنتم والقيادة إلى السلّوم. القائد (يظهر ضعفه) ليس فقط حين يكون ضعيفاً في الداخل بل أيضاً حين يكون ضعيفاً في الخارج. وفشلت محاولتي.

ثم حاولت مرة أخرى وكنا خارج سرت الساعة الحادية عشرة والنصف في سيارة صحراوية يقودها الضابط المقرب عبدالسلام الزادمة والقذافي جالس في المقعد الأمامي وأنا في المقعد الخلفي. فقال له الزادمة يا قائد أراك دائماً تتفق مع عبدالسلام الجلود وتخلف بوعدك وأنا هذه المرة شاهد عليك. فربت القذافي على كتفه وقال له مازحاً قُد السيارة.

> هذا يعني سلسلة من المحاولات الفاشلة؟

- قبل ذلك كنت في بيتي في البحر ومر عليّ الصديق الصادق النيهوم واطلع على خطة التغيير كاملة. عانقني وقال لي يا بطل لو تحقق ذلك سأرجع من سويسرا ونصدر صحيفة. وحتى صديقه يوسف الدبري وهو من الضباط الأحرار، وكان أسمر البشرة، قال إن الصادق النيهوم طرق بابه الساعة الثالثة النصف وقال له افتح يا «عبد»، أريد أن أحتفل في بيتك على طريقتي بمناسبة برنامج عبدالسلام لأن الكحول كانت ممنوعة ولدى يوسف بعض منها.

فشلت هذه المحاولة أيضاً. ثم حاولت مرة جديدة بعد أن أحضرت عدداً من المثقفين وعلماء الاجتماع المعروفين في ليبيا وهم أحياء يمكنكم الاتصال بهم، وقلت لهم نظموا حواراً حقيقياً صادقاً على التلفزيون حول شخصنة الوطن والسلطة والثورة فكل شيء مرتبط بمعمر واعرضوا التزييف. فقالوا لي ما حدود الحرية؟ قلت لهم الحرية لا حدود عليها إلا ضمائركم والقيم الأساسية للمجتمع، وكلمت علي الكيلاني وكان مسؤولاً عن الإذاعة المرئية وطلبت منه تجهيز صالة لهم والعمل على خدمتهم من دون أي تدخل في شؤونهم. في الليلة الأولى نقل الحوار مباشرة وربما لأول مرة. في الليلة الثانية وهم في سياق الحوار قام القذافي بمداخلة هاتفية وقال لهم هذه مؤامرة أميركية وأنتم تنفذون مؤامرة أميركية وقام بقطع البث عنهم. اتصلت به بعدها وقلت له يا أخ معمر نحن بيتنا من زجاج ولا نقدر على احتمال رأي مخالف لمدة ساعات. قال لي أنت تخرّف وهذا يشجع الآخرين وهذا بداية ثورة مضادة لا نسمح بها.

ثم بدأ القذافي يرسل إليّ ضباطاً وأعضاء من القيادة. اتصل بي والتقينا وقال أنت تحرّض عليّ وأنا لا أريد أن أرى رجال الأمن يهينونك قبل أن يقتلوك وأنت تحرّض عليّ ومن تدافع عنهم كتبوا ضدك مئات التقارير وأنا لا أريدك أن تُهان أو تٌقتل بل سأترك لك البلاد. فقلت له يا معمر أنت لست مستعداً لترك البلاد بل أنت مستعد أن تحكم ليبيا من دون شعب. فقال للأعضاء: هل رأيتم هذا يعني أنه مصرّ على التحريض عليّ. فقلت له اسمع يا معمر جهز التقارير والرفوف والدروج. ثم استدعى الأعضاء وقال لهم لا تكونوا كالمسبحة حين ينفرط عقدها فإذا أخذ عبدالسلام موقفاً تأخذون أنتم أيضاً موقفاً. وقال القذافي: على المستوى الاجتماعي نحن أولاد قبيلة واحدة وعلى مستوى الثورة أنا وهو (عبدالسلام) أدرنا الثورة أنتم ضباط فاشيون قمنا باستغلالكم. هو كان خائفاً إذا غادر وهم موجودون أن يأخذوا موقفاً ضده لكن يختلف الوضع إذا غادرت أنا المجلس أولاً. قلت له يا معمر أنا لست مؤمناً بالأولى (القبيلة) وأنت لست مؤمناً بالثانية (الثورة). رد عليّ مصطفى الخروبي قائلاً سجّل هذا تاريخاً.

بعد ذلك قررت ألا أحاول مرة أخرى. ضغط عليّ الضباط الأحرار والأعضاء وقالوا لي يجب أن تستمر في الحوار فقلت لهم لا فائدة من الحوار. فقالوا لي ما الحل؟ قلت لهم عندي الحل: الوضع في ليبيا وصل إلى درجة تستحق مغامرة غير محسوبة نجتمع والضباط الأحرار والأعضاء في بيتي ونفرض عليه التغيير فقالوا لا هو سيقتلنا أما أنت فمحمي. قلت إذاً لا تكلموني مجدداً لأن الحوار ليس جاداً ولا فائدة منه. وتوقف الحوار بيننا. ومنذ ذلك الوقت كنت ألتقي القذافي في العيدين فقط ويكون اللقاء عادياً جداً وعائلياً بحضور زوجته وأولاده ونتناول الطعام ونتكلم على أمور سبقت سنة 1969 ولا نتكلم في السياسة.

اتصل بي القذافي وبعث إليّ ثلاثة أعضاء من مجلس قيادة الثورة وقال سنضعك أمام الأمر الواقع ونعلن في الإذاعة المرئية أنك أمين اللجنة الشعبية ولديك الصلاحيات الكاملة. قلت له: اسمع يا معمر إذا أردت أن تُضحك الناس عليك (هذا شأنك) لكن أنا لست من الأشخاص الذين تستطيع أن تفرض عليهم وضعاً لا يريدونه. حتى لو أعلنت فلن أطبّق، فلما قلت له ذلك تراجع. ثم حاول القذافي محاولات أخرى.

بعد أن أوقفت الحوار معه سنة 1992، بعد استنفاد كل تلك المحاولات، كنت في البحر الساعة الثانية عشرة ظهراً جاءني اللواء عبدالفتاح يونس الذي استشهد وكان من الضباط الأحرار الممتازين وأحمد قذاف الدم وقالا لي: كنا للتو في رئاسة الأركان وجاءت تعليمات للجيش ورئاسة الأركان وقيادة الجيش وأبو بكر يونس واللجنة الشعبية والمؤتمر الشعبي العام ممنوع على أحد الاتصال بالرائد عبدالسلام جلود وقال القذافي لا أريد سلطة معارضة. وقالا جئنا وكأن التعليمات لم تصلنا للسلام عليك فربما لن نستطيع أن نراك ثانية.

بعد ذلك عشت في عزلة لمدة ثماني سنوات لا أقابل سوى ثلاثة أشخاص. بقيت مقيماً في منزل قرب البحر في طرابلس. في أول فاتح بعد 1993 مرّ يخت أمامي وكان اشتراه الملك إدريس لكن عند ابو بكر يونس.jpg حدوث الثورة في 1969 كان ما زال قيد التصنيع في اليونان واسمه «هنيبعل» وأصبح القذافي وأولاده يستخدمونه. أنا لا أعرف اليخت لكن معي أشخاص من البحرية فسألتهم ما هذا اليخت فأخبروني. وكنت متضايقاً فقلت لهم استفسروا عن حالته فإذا كان صالحاً للإبحار أريد الخروج به لبضعة أيام في البحر. كانت ليبيا ترزح تحت نظام استخباراتي. وصل الخبر إلى القذافي فاعتقد أنني أريد الهرب فأرسل إليّ عبدالله السنوسي وقال لي كيف تفكر بالهرب؟ ثم زارني بعض العرب خفية من سورية والأردن واليمن وسألوني: قضيت ثماني سنوات كاملة (من 1993 إلى 2001) في البحر فما الحكمة من ذلك؟ فقلت لأن الأرض تلوثت بالكذب والنفاق والسطحية فتركت الأرض وراء ظهري واتجهت إلى البحر لأنني أجد فيه الصفاء والعمق.

http://www.nadyelfikr.com
10-31-2011 11:04 AM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #5
الرد على: عميد الطغاة...إعدام معمر القذافي 20/10/2011
جلّود: رفضت تزويج ابنتي من سيف الإسلام والساعدي ... اندلعت الثورة ورفضت الاجتماع بالقذافي وغادرت طرابلس براً بمساعدة الثوار(4)
الثلاثاء, 01 نوفمبر 2011
جلود مع أحد الثوار في الزنتان..jpg
روما - غسان شربل

كان ذلك في الستينات. شاب فارٌّ من بلاده لجأ إلى القاهرة. ويقول من عرفوه يومها إنه كان مهذباً وقليل الكلام. وإنه راح يراقب سحرَ جمال عبدالناصر. قدرتَه على اختراق الحدود وتحريك الشارع في هذه العاصمة أو تلك. وسيصاب ذلك الفتى بحلم زعامة الأمة. لذلك لن يتردد حين عاد إلى العراق في خوض معركة الاستيلاء على القرار بلا هوادة. سيمسك الأمن والإعلام. وسيطهّر الجيش وسَيَلتهم الحزب الداعي الى الوحدة والحرية والاشتراكية.

كان اسم ذلك الشاب صدام حسين.

ما أصعب أن تقع ثروة تتدفق في قبضة متهور يخاطب التاريخ بدل الاستماع إلى شعبه. أنهك صدام العراق وأنهك الأمة. وانتهى نكبة لبلده وأمته وعائلته.

كان ذلك في الستينات. شاب متحمس يقرأ عن الثورة الفرنسية ورجالها وخطبائها ومصائرهم. وعن الثورتين الصينية والكوبية. وعن طريق إذاعة «صوت العرب» سيستمع الى أحمد سعيد وسيقع في سحر جمال عبدالناصر. والثورة المصرية. والضباط الأحرار. والزعامة الواسعة. والجماهير.

كان اسم ذلك الشاب معمر القذافي.

كثيراً ما تبدأ القصة بشاب متحمس. يستقطب حفنة رجال ويقودهم. يتآمر معهم من أجل تخليص الشعب من الحاكم وفساد الحاشية. وحين يجلس الشاب في موقع الحاكم تبدأ لعبة أخرى. ما أصعب أن يقترن النفط بعسكري موتور يحمل حلماً مجنوناً. لن يتردد في نصب المكائد.

يريد أن يلعب وحده. وأن يقرر وحده. بلا حسيب أو رقيب أو شريك أو معارض. راح يحدق في الصحراء ويغرق في التأملات. السلطة للشعب بلا وسيط. والدليل «الكتاب الأخضر». سيستقبل «الثوار» من أصقاع الدنيا وسيرسل الأسلحة والمتفجرات إلى عناوين بعيدة. وسيكون ختام المغامرة نكبة لليبيا ونكبة للأمة ونكبة لعائلة القائد الذي كان يشعر بالغيرة من عمر المختار وينزعج من المتنبي لأنه أطنب في مدح سيف الدولة.

دفع العالم العربي باهظاً ثمن شراهة مَن خطفوا القرار هنا أو هناك. شراهة الأحلام المريضة. والأنياب الطويلة. كان الغرض الأول من هذا الحوار مع الرائد عبدالسلام جلّود تسليط الضوء على المرحلة والشخص معاً. أفضل ما يمكن ان يقدمه الربيع العربي هو إنهاء مأساة «القائد التاريخي» وإعادة القرار إلى الناس. وستكون نكبة كبرى إذا ارتكب الربيع إنجاب شيء يشبه «القائد التاريخي»، سواء في صورة فكرة أو مجموعة.

بعد اندلاع الثورة في شباط (فبراير) الماضي، حاول القذافي الحصول على دعم جلّود، لكن الأخير رفض وغادر طرابلس سراً بمساعدة من الثوار. وهنا نص الحلقة الرابعة:

> خلال فترة الخلاف مع القذافي هل كنت تزوره في الأعياد؟

- لم ألتق به لأربع سنوات من 1994 إلى 1998 أي إلى ما بعد المؤامرة في 1998 حين بدأت بزيارته.

في سنة 2000 تعرضت لوعكة صحية واضطررت إلى التوجه إلى سويسرا للعلاج. وأبلغني الأطباء بضرورة العودة باستمرار لإجراء فحوصات دورية فأصبحت أسافر لمدة شهر أو شهرين كل سنة. بعد عودتي من أول رحلة للعلاج زارني القذافي فقلت له: يا معمر انسني ولا تفكر بي فأنا الآن مواطن عادي وأريد السفر بحرّية من دون طلب الإذن منك. فقال لي إذا أردتني أن أتركك فعليك أنت أن تتركني بحالي فلا تشوش عليّ. لم أعلّق.

هناك موضوع اجتماعي مهم. في 1984 أراد سيف الإسلام أن يخطب ابنتي فرفضت. وكان رفضي بأسلوب أدبي إذ طلبت من أبن أخي واسمه صلاح أن يقول لسيف إنه خاطب ابنة عمه ويريد أن يتزوجها. لا أؤمن بزواج الأقارب وحدث أن تزوج ابن أخي صلاح ابنة أخي الآخر فجاؤوني مستفسرين فقلت أنا لا أريد تزويج ابنتي بسيف ورفضت بطريقة أدبية وقد عتب القذافي عليّ لذلك. بعد استقالتي طلب 011104.jpg الساعدي خطبة ابنتي الأخرى وكنت جالساً مع صديقي وجاري واسمه راسم بن عثمان وهو عديلي ومن عائلة وطنية من طرابلس وعديلي الآخر اسمه الدكتور يوسف المارمي وكنا في منزلي قرب البحر. جاءت زوجة القذافي مع أقرباء طالبين ابنتي سعدى للساعدي فقال لي ابني البكر إن هذا سيسبب لنا مشكلة فهم طلبوا مصاهرتنا في السابق ورفضنا وإذا رفضنا مرة أخرى فسيكون الوضع صعباً فقلت له أنا جاهز لمشكلة فلا أحد يخرج من جلده ورفضت. واتصلوا بي طالبين معرفة الأسباب فقلت لا لزوم لتوضيح الأسباب. الحقيقة أنني كنت مختلفاً مع القذافي وكان من شأن قبولي بهذه المصاهرة أن يضرب صدقيتي لدى الليبيين. وما سهّل علي القرار هو الموقف الرافض لزوجتي وابنتي وأريد في هذه المناسبة أن أشكرهما.

قبل الثورة في 17 شباط (فبراير) 2011 كنت في باريس حين كتب القذافي مقالاً، أعتقد في «قورينا»، يقول فيه إن البلاد فَسَدَتْ وعلى عبدالسلام جلود أن يعود ويحصل على صلاحيات. وأرسل إليّ ابنيه المعتصم والساعدي إلى باريس وقالا لي يا عم عبدالسلام الحكومة واللجان الثورية في حال من الخوف والجماهيرية الثانية ستكون مختلفة عن الجماهيرية الأولى، إذ كانوا لا يزالون يحلمون، وعليك العودة والحصول على صلاحيات فرفضت طبعاً. وعند عودتي إلى ليبيا طلب القذافي مقابلتي فرفضت. ثم اقترح أن يعطيني الصلاحيات للعودة فرفضت. وكان ذلك قبل الثورة بحوالى شهرين. حتى أن مجالسيه المقربين نقلوا لي عن القذافي قوله في مجلس خاص: ألم أقل لكم أن عبدالسلام سيَحْرُن (كما الجمل).

> كيف كانت علاقتك بسيف الإسلام؟

- لم تكن بيننا علاقة وأنا أخذت موقفاً من القذافي وجميع أبنائه. الحقيقة أن أولاد القذافي كانوا يحترمونني جداً.

> كان هناك حديث عن مشروع لـ «توريث» سيف الإسلام وأن يمهد له بتوليك رئاسة الوزراء؟

- هذا غير صحيح.

> متى كان آخر لقاء لك بالقذافي وفي مناسبة أي عيد؟

- في العيد الأخير لم أكن في ليبيا. كنت في فرنسا. لدى قيام الثورة خاف بعض الليبيين أن يقوم بتصفيتي وخاف آخرون أن يضغط عليّ لأؤيده ضد الثورة. فقلت لهم بالنسبة لي الموت الجسدي لا يهمني ولكن لا يمكن أن أقبل بموت مبادئي.

> هل حاول الاتصال بك بعد 17 فبراير؟

- طلب الاجتماع بي فرفضت ثم طلب مني أن أظهر في الإذاعة المرئية وأدعو الناس والشباب إلى الوقوف معه وتأييده والالتفاف حوله، وأن أهاجم حلف الـ «ناتو» فرفضت. كان الاتصال عبر ابنه الساعدي وأرسل إلي المحامي إبراهيم الغويل وأرسل إلي صحافياً ليبياً إلى منزلي. المقربون مني كانوا يقولون لي يا عبدالسلام نحن خائفون عليك ولكن في جميع الأحوال إياك أن تتكلم. فقلت لهم أنتم تعرفونني جيداً ولو خُيِّرتُ بين الموت المادي والموت المعنوي لقبلت بالموت المادي لا المعنوي. عند بدء الثورة كنت في طرابلس وقمت بتحريض الشباب على الثورة لأن في الفترة الأولى حدثت انتفاضة في طرابلس يومي 18 و19 فبراير لدرجة أنني كنت قرب البحر ولم أستطع العودة إلى منزلي داخل طرابلس. الشرطة أخلت الشوارع بعد أن وصل الناس إلى بعد حوالى 300 متر من باب العزيزية. وصلت الجماهير إلى شارع جامع القدس القريب من العزيزية لكن للأسف أطلقت إشاعة أن القذافي هرب وهبطت حماسة الناس فلم يعودوا بالاندفاع السابق نفسه. ثم استهدفت الجماهير بالرشاشات وبالقوة وقضي على الانتفاضة في طرابلس. الناس في البداية كانوا خائفين والشباب يخرجون وأمهاتهم خائفات عليهم ويمانعن ولا يردن ذلك لكن في الفترة الأخيرة سبحان الله انقلبت مصطفى عبدالجليل.jpg الآية فأصبحت الأمهات يحمسن أبناءهن على الثورة.

قررت ومجموعة معي، لأن طرابلس لم يكن فيها أسلحة في بداية الثورة، شراء أسلحة خاصةً لثوار تاجوراء وسوق الجمعة وفشلوم والضهرة. اشترينا بنادق وذخائر ثم قال لنا ضابطَان في البحرية مسؤولان عن مخازن سلاح: كفوا عن شراء الأسلحة فنحن سنزودكم بها. وأصبحا كل أسبوع يحضران لنا صندوقاً فيه عشر قطع نوزعها على الثوار. وكان أحد الضابطين وهما من ترهونة، ظروفه صعبة ويخضع للعلاج في تونس فعرضنا عليه المساعدة المادية فقال لو كانت الظروف عادية لقبلت منكم المساعدة أما الآن فلا يمكن لأنها ستحسب عليّ أنني استفدت من تسليح الثوار فقلت له أنت بطل شجاع.

> متى غادرت طرابلس؟

-أول اتصال بالمجلس (الانتقالي) كان في 15 آذار (مارس) وبالمكتب التنفيذي. أوفدت الدكتور محمود التلّيسي من قبيلة ورفلّه إلى تونس للاجتماع بممثلي المجلس هناك. كنت متردداً بيني وبين نفسي فلم أكن أريد مغادرة ليبيا كهارب لأنني أفضّل أن أموت مع الشعب ولكن أغادر إذا كانت مغادرتي تفيد الثورة. كنت أريد إيفاده إلى بنغازي فقال لي أهلي هنا وإذا توجهت إلى بنغازي فلن أتمكن من العودة وعلي العودة، فأقنعني أن يجتمع بممثلي المجلس في تونس ويتواصل هاتفياً عن طريقهم مع أصدقائه وبينهم مصطفى عبدالجليل ومحمود جبريل. سألتهم ما إذا كانوا يريدون مني الخروج من ليبيا فطلبوا مني المغادرة في أسرع وقت لأن خروجي سيوفر في رأيهم عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى وسيقسم ظهر الطاغية وسيُسقط كل الأوراق من يده. قلت إن لدي شرطين للمغادرة: الأول، أنا لا أريد أن أغادر وأصدر بياناً وينتهي الأمر، أريد مخاطبة الليبيين يومياً في المناطق الغربية التي لم تتحرر بعد وتحريضهم على التمرد على قمع القذافي وأن يتخلصوا من الرعب وأن يدوسوا على الخوف وأن ينتفضوا، والثاني، أن أستغل موقفي الدولي للاتصال بالدول لحشد التأييد للشعب الليبي ولثورة 17 فبراير. ردوا عليّ: أخرج والأرض مفروشة أمامك لتفعل ما تريد. وقلت: أنا لا أريد أن أخرج لأكون رديفاً أو موازياً لكم أو بديلاً لكم لأن سلاحنا الوحدة والإخلاص ونكران الذات. ولم أقتنع فأرسلت بعد ذلك وفداً آخر فيه راسم بن عثمان وجلال التلّيسي، وهو أخ الدكتور محمود، فتوجها إلى تونس واجتمعا بممثلي المجلس وقالا لي عليك الخروج بسرعة. وقالا لي: الخروج بالبر مستحيل وإن علي الخروج بحراً. القذافي أوقف كل البواخر خوفاً من تهريب الأسلحة وحتى الصيد كان ممنوعاً. رفضت المغادرة بحراً عن طريق الـ «ناتو» لأنني خفت إذا فشلت عملية إخراجي من ليبيا أن يقتلني القذافي بعد أن ينهيني سياسياً ويبيّن أنني عميل للـ «ناتو». وقلت إنني سأغادر براً فأصروا عليّ أن طريق البر مستحيل.

أحضروا لي معهم (من تونس) جهاز اتصال هاتفي عبر الأقمار الاصطناعية للتواصل معهم ومع الـ «ناتو». المعلومات التي جاؤوا بها أن قوارب الـ «ناتو» تستطيع أن تصل إلى بعد حوالى نصف كيلومتر عن الساحل الليبي وأنا لدي قارب صغير طوله نحو المترين ومحركه تسعة أحصنة ولا يتسع إلا لشخصين ونحن مجموعة من 13 شخصاً. كنا اتفقنا أن نبقى فترة نصف ساعة في الخُمُس حيث لدي بيت صغير وبزعم أنني متوجه إليه لتغيير الجو قرب البحر. بقينا من الساعة الثالثة إلى الساعة السابعة إلا ربعاً مساء في رمضان. وكان الذين جاؤوا إلينا مع الـ «ناتو» وبينهم محمد بشير ممثل المجلس في تونس (وهو من قبيلة ورفلّه) قالوا لنا إن القاربَيْن سيكونان من إيطاليا كونها الأقرب وقواعدها فعّالة في حلف شمال الأطلسي. لم نلتق القوارب واتصلنا فقال لي «أبو ليلى» إن لدى جلود والقذافي في احدى المناسبات، وبدا عبدالله السنوسي (إلى اليسار) خلف القذافي..jpg الطاغية صواريخ غراد ونحن قرب قاعدة بحرية ولا نستطيع الاقتراب منكم وعليكم أنتم أن تتولوا حماية أنفسكم لتصبحوا على مسافة تسعة أميال. قلت لهم إن الطاغية أوقف كل القوارب والقارب الوحيد الذي أملكه صغير يستطيع الإبحار 500 متر. وبقينا على اتصال و «أبو ليلى» (وهي كنية موظف ايطالي) يتشاور مع القيادة والبحرية حتى قالوا إن علينا أن نصل إلى مسافة ستة أميال فقلت هذا صعب وعدنا إلى طرابلس.

قررت شراء قارب بخمسين ألف دينار (حوالى أربعين ألف دولار) وقلت أنا مستعد للمغامرة والإبحار بالقارب من طرابلس على رغم أن أي قارب يبحر لمسافة يتم توقيفه فوراً. وطلبت من ابنتي وهي طالبة جامعية وأحفادي أن يسبحوا حول القارب لمعرفة رد الفعل فلم يركزوا علينا فاطمأننت إلى أن من الممكن الإبحار من طرابلس وتواصلت مع الـ «ناتو» فاستمهلوني ساعتين ثم قالوا إن المغادرة من طرابلس مستحيلة وخطرة لأن هناك قوارب للطاغية.

حاولنا المغادرة براً ثماني مرات وفشلنا، مع أن جماعة المجلس كانوا ضد المغادرة براً لكنني حاولت، وعلى مسؤوليتي الخاصة، عبر ثوار في الجميل وفي الزاوية وفي كِكْلا. بعد وصول الثوار إلى الزهراء وبير الغنم وأصبحوا على بعد أقل من 40 كيلومتراً من طرابلس وتم تحرير الزاوية. كان هناك فقط آخر نقطة للخروج من طرابلس باتجاه الغرب. وهناك أربع نقاط تفتيش للطاغية فأرسلنا أشخاصاً لاستكشاف مدى جدية نقاط التفتيش وصرامتها وبقي الأشخاص يحاولون ثلاثة أيام وأبلغونا أن الأمر يتوقف على الجنود المناوبين والضباط فقررنا السفر. لكن ثواراً من مدينة كِكْلا في الجبل قالوا لنا نحن سنرافقكم عبر طريق زراعي ترابي فلا تمرون عبر نقاط تفتيش من طرابلس إلى أول نقطة للثوار وهذا ما حدث. فساروا أمامنا واحد في سيارة أجرة وآخر في سيارة صغيرة وكان معهم نسيبي مصطفى وهو يعرفهم والأسرة كانت طبعاً قلقة لكن أنا لدي مقولة عندما كان الليبيون يقولون لي كيف تقول للقذافي لا وتبقى في ليبيا فأقول لهم إن الخوف يخاف مني. وقدنا سياراتنا وراءهم في طريق ترابي عبر المزارع في 18 آب (أغسطس)، سيارة يقودها ابني وسيارة يقودها زوج ابنتي، إلى أن لمحنا بعد ما قطعنا مسافة 37 كيلومتراً علم الاستقلال فبدأت زوجتي وابنتي بإطلاق الزغاريد فرحاً واحتفى بنا ثوار الزاوية الموجودون في الزهراء وعانقونا وطلبوا مني إلقاء كلمة. ممثل المجلس في تونس محمد بشير اعتقد أننا سنمر عبر نقاط التفتيش ونسينا نحن إبلاغه أننا أمنّا مساعدة لتفادي المرور عبر نقاط التفتيش، فكان هناك أشخاص في انتظارنا على طريق نقاط التفتيش لمرافقتنا. عند وصولنا إلى نقطة الثوار لم نجد أحداً منهم في استقبالنا فاتصلنا به إلى تونس وشرح لنا أنهم ينتظروننا بعد نقاط التفتيش. جاؤوا إلينا واصطحبونا على وجه السرعة لأن المجلس طلب منا مغادرة ليبيا بسرعة ووصلنا إلى زنتان، حيث تمنى علينا الأهل هناك المبيت عندهم فاعتذرنا. ورافقَنا رئيس المجلس العسكري لثوار الزنتان ومجموعة ثوار وسرنا تحت حراستهم باتجاه هِيبة وهي منطقة حدودية قبل نالوت على الحدود الجنوبية حين أذّن المغرب فأفطرنا وواصلنا المسير إلى الهيبة واتصل بي محمود جبريل ومصطفى عبدالجليل وقالا لي: خروجك انتصار للثورة. وأخذنا الإخوة من قطر من نقطة الحدود في حراستهم براً من هيبة إلى جربة حيث كانت تنظرنا طائرة أقلتنا إلى صقلية حيث بقينا يومين وفي ليلة وصولنا أذعت بياناً لليبيين غيّر المعطيات فثارت طرابلس وترهونة. كنا غادرنا طرابلس حوالى الواحدة والنصف ظهراً وأفطرنا في الجبل. واتصل بي الليبيون وقالوا لي أنت غيّرت المعادلة كما اتصل بي الأخ منصور عبدالجليل والأخ محمود جبريل وقالا لي كلامك كان كالرصاص محمود جبريل.jpg وغيّر المعطيات كون لديّ شعبية كبيرة لأن الليبيين يثقون بي والأهم من هذا قالوا لي إن كلامك صادق وصدر من القلب فوصل إلى قلوب الليبيين. وبعد زيارة لقطر أتيت إلى روما.

> ما أبرز الجرائم التي ارتكبها القذافي؟

- دمر ليبيا ودمر الشعب الليبي أخلاقياً ونفسياً ومعنوياً واقتصادياً واجتماعياً ودمر الروح الوطنية والنسيج الاجتماعي. فرض على الليبيين القمع.

> من هو فريق القذافي في العشرين السنة الماضية؟

- القذافي كان يحكم وحده مع أولاده، والباقون عبيد. القذافي هو الأول والأخير وكان يقول لي أنا يا عبدالسلام في هذه البلاد لا أحترم إلا أنت. وكنت أرد عليه قائلاً إذا كنت تحترمني فاحترم الشعب الليبي. ومرة كنت زعلاناً فقلت له أهنّي واحترم الشعب الليبي فهذا أفضل بالنسبة إلي.

> ماذا كان دور أبو بكر يونس وموسى كوسا؟

- كان لديهم دور أمني. القذافي كان يحكم بالأمن وهو كان شيخ قبيلة عنده الأمن وعناصر مجموعة من السارقين والأفّاقين لكن لم يكن القرار لهم فلا يجرؤ أحد على التحدث إليه بل كان يأمر فيُطاع وكأنه إله على الأرض.

> متى تغيّر وهل تعتقد أنه مريض؟

- تغير وأصبح لديه جنون العظمة وحوّل النفاق نهجاً وأسلوب عيش. للأسف في العالم نرى نوعاً واحداً من النفاق. أناس مرضى ونفعيون يريدون أن يعيشوا منافقين. لكن في ليبيا أصبح هناك نفاق تطوعي ونفاق بالقوة.

> من كان المحيطون به والمقربون في السنوات العشر الأخيرة؟

- المقربون كانوا جماعة الأمن وأولاده. في البداية كان المقربون دائرة الأمن وبعضاً من اللجان الثورية لكنهم عبيد، ثم عندما كبر أولاده أصبحوا الدائرة الأولى أما الدائرة الثانية فكانت الأمن.

> هل كان لعبدالله السنوسي دور؟

- لم يكن صاحب دور سياسي بل كان عبداً مخلصاً للقذافي وكذلك كان موسى كوسا.

> ماذا عن عبدالرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي السابق؟

- شلقم في فترة من الفترات كان لديه دور لكن الدور انتقل إلى الأبناء وعناصر أمنية وعناصر من اللجان الثورية من قبيلته. عندما تواصلت مع المجلس الانتقالي في البداية بدأ النقاش عمَنْ يمكن أن ينشق ومن يبقى مع النظام. قلت دائماً انه لن يكون هناك انشقاق في العناصر المهمة. قد ينشق موظف يعمل في الخارج لكن لن يحدث انشقاق في الداخل لأن كل واحد يخاف من الآخر، الزوج يخاف من زوجته والأخ يخاف من أخيه. وجميع المنشقين كانوا موظفين ليس لهم دور. القوى الأساسية لم تنشق إلى آخر لحظة. كذلك قلت انه عند ضرب آلته العسكرية سيبدأ الهروب من الجيش وهذا ما حصل. انحسر عدد بعض الكتائب، التي تضم 600 عنصر مثلاً بقي منها حوالى 120. وكتيبة الأمن التابعة له، وهي مهمة، هرب منها 700 من أصل ألفين.

> ما أبرز الجرائم التي ارتكبها القذافي؟

- مذبحة سجن أبو سليم بالنسبة إلي من أهم العلامات. أخطر ما في النظام أنه قمعي بالدرجة الأولى وهو لا يسمح بأي تمرد ضده فهذا من المحرمات. يقمع الإرادة وأي شخص يحاول الاحتجاج أو المعارضة يكون مصيره القتل والتخوين والمحاربة. انه مريض بالسلطة. يعتبر نفسه قائداً تاريخياً. وكنت أقول له انه لا يوجد قائد حوله نَكِرات القائد يكون قائداً بمجموعة قادة حوله، فيرد أنت تتكلم كالطالب في المرحلة القومية في الخمسينات والستينات.

كنت أقول له كيف تبعد الضباط الأحرار وتقرّب عبدالله السنوسي وضباطاً من المقارحة وضباطاً من سيف الإسلام.jpg الورفلّه وأعضاء من اللجان؟ فهم هكذا يشعرون بأننا قمنا باستغلالهم. فيقول: هؤلاء دائماً يعتقدون أنهم شركاء لكن مهمتهم انتهت ونحن نبحث عن أشخاص يكون لنا جميل عليهم.

> هل كان القذافي يحب المال؟

- هو بسيط في مأكله وحياته لكن في الفترة الأخيرة لاحظنا انه في كل مدينة وكل منطقة وكل واد اتخذ له قصراً أو فيلا وبات له مقار في طول البلاد وعرضها وله فيها سيارات. إنفاق كبير وهائل. كان همه عندما يكتشف معارضاً أن يصفيه أو يذلّه بالمال.

> كيف كان يشتري الولاءات؟

- بالتخويف والمال وهو مكيافيلي. وكان يقول لي: يا عبدالسلام الليبيون إذا أعطيناهم قليلاً طلبوا الكثير ويشير بيده إلى أنه لن يعطيهم شيئاً.

(غداً الحلقة الأخيرة)

http://www.nadyelfikr.com
11-01-2011 07:28 AM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #6
الرد على: عميد الطغاة...إعدام معمر القذافي 20/10/2011
جلّود: لوكربي رد على الغارة الأميركية والكيخيا دفع ثمن تصريحه...أعطاني القذافي موعداً في غابة وجاء حاملاً سبعة كتب عن الثورات(5)
الاربعاء, 02 نوفمبر 2011
جلود والقذافي.jpg
روما - غسان شربل

عدتُ متأخراً إلى الفندق. سألني موظف الاستقبال إن كنتُ أمضيتُ سهرة سعيدة. والسؤال مشروع في روما. حين ينزل الليل تبوح هذه المدينة بأسرارها. يبرق فيها العيش. والذوق الفاتن. لكن السؤال حرّك مواجعي. وخجلت أن أجيب السائل بأنني استنزفت السهرة والطقس الجميل سائلاً عن معمر القذافي وارتكاباته وضحاياه.

قلت ادفع الكرة إلى ملعب الموظف الذي يحاول مغالبة الضجر بافتعال حوار. سألته إن كان مرتاحاً. سارع إلى التعبير عن ألمه من مرارة العيش في ظل رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني. قال إن الفساد لا يطاق. والقضاء لا يقوم بواجبه كاملاً. وإن العجوز المتصابي يمسك بمفاتيح الثروة والسلطة والإعلام وأن مغامراته الجنسية معلّقة على الصفحات الأولى للصحف. هذا لا يطاق.

كدت أنفجر ضاحكاً من فرط الألم. الرجل منزعج من الإقامة في ظل برلسكوني المنتخب والذي تراقبه المؤسسات وتحاسبه. ماذا نقول نحن؟ كدت أسأله إن كان برلسكوني فجّر طائرة مدنية فوق لوكربي أو سمّى المعارضين «الكلاب الضالة» وأمر بتصفيتهم أو علّق جثث المتآمرين قبالة مقره ليتعظ العابرون؟ ومن أي فساد يشكو الإيطالي المتبرّم؟ لقد بدّد القذافي على مدار أربعة عقود ثروة مذهلة ومن دون أن يوقّع ورقة. وقلت في نفسي: أنت تشكو من برلسكوني، فهل قصف مدينة إيطالية بالغازات السامة على غرار ما فعل صدام حسين بحلبجة؟ غداً يذهب برلسكوني ويأتي رجل آخر. لا حاجة لحرب أهلية أو طائرات الـ «ناتو» ولا إلى ربيع «الشعب يريد إسقاط النظام». ثم ليت «القائد التاريخي» عندنا يكتفي بمطاردة الجميلات بدل أن يشغل وقته بنزع الأظافر وسمل العيون وإنتاج الأرامل والأيتام.

أدركتُ سريعاً أنني أنتمي الى عالم آخر. عالم بعيد وسحيق. وأن بيننا هوة تقيم فيها الثورة الفرنسية والثورة الصناعية مع الفلسفة الألمانية وفولتير وصولاً الى بيل غيتس وستيف جوبز.

خرجت من الحوار مع عبدالسلام جلّود بالمشاعر نفسها التي كنتُ أخرج بها بعد الحوارات مع معارضي صدام وبعض رفاقه. أخرج مثقلاً بالجثث مذعوراً من الماضي وخائفاً من المستقبل. لا يرحل المستبد قبل أن يترك في جسد بلاده قروحاً تحتاج عقوداً من العلاج. نصحت الموظف الإيطالي بالصبر. حسدته على معاناته المخملية. واستأذنت بالانصراف.

بعد اندلاع الثورة في ليبيا حاولتُ إشراك قراء «الحياة» في المناخ الذي ساد في هذا البلد في عهد «ثورة الفاتح من سبتمبر» وأسلوب «القائد» في الحكم. في هذا السياق جاء الحوار مع عبدالمنعم الهوني عضو «مجلس قيادة الثورة» ومع عبدالرحمن شلقم وزير الخارجية السابق ومع عبدالسلام جلّود الذي كان «الرجل الثاني» أو «الرجل الأول مكرر» وتولى رئاسة الوزراء بين 1972 و1977.

سألت جلّود عما اذا كانت هناء ابنة القذافي بالتبني قُتلت فعلاً في الغارة الأميركية على باب العزيزية في 1986، فردّ قائلاً: «لا، القذافي أعلن ذلك لاستدرار العطف. أنا كنتُ أعرف منذ اللحظة الأولى أن العملية دعائية. وفي السنوات الماضية رآها كثيرون تعمل طبيبة في طرابلس. ثم ان القذافي لم يكن لدى حصول الغارة في منزله العادي بل في منزل مجاور يتضمن ملجأ تحت الأرض». يعود جلّود إلى بدايات علاقته بالقذافي وهنا نص الحلقة الخامسة والأخيرة:

> متى التقيت القذافي للمرة الاولى؟

- التقيته في السجن سنة 1959. كنت في سبها. كان في مدرسة داخلية وأنا في مدرسة عادية. لم اكن أعرفه لكن كان معي زملاء بدأت الدراسة معهم في براك الشاطئ (هي منطقة في فزّان شمال سبها تبعد عنها حوالى 60 كيلومتراً) سنة 1952 حين دخلت الصف الابتدائي الأول يعرفونه. انا من مواليد 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1946. وكان بينهم محمد الزاوي أمين المؤتمر الشعبي العام، وعبدالرحمن الصويد، والمرحوم الهادي الفضل، وعبدالكبير الشريف وهو ضابط من ضباط الحرس، اذ بدأنا جميعاً الدراسة سوياً. في براك لا يوجد مدرسة إعدادية فأتوا بهم الى قسم داخلي فالتقوا معمر في تلك الفترة وتعرفوا عليه وقامت صداقة بينهم فكانوا أصدقاء مشتركين. واتفقوا على أساس أن نقوم بتظاهرة ضد الملكية يكون الطلبة أساسَها ونحاول جرّ (إشراك) المواطنين فاتصلوا بي وكان ذلك سنة 1959، على أن يشارك طلبة من مدرستي وطلبة من مدرستهم وقامت تظاهرتنا لكن التظاهرة التي نظمها طلاب مدرسة القذافي فشلت.

كنت عمر المحيشي.jpg في السجن بسبب دوري في التظاهرة حين أُدخل القذافي، ولم اكن اعرفه. قال لي: انا سمعت عنك. وبسبب نقص البطانيات اقترح ان نتقاسم بطانية واحدة وهذا ما حصل. بعد خروجي من السجن وخروجه بفترة ارسل لي محمد الزاوي يقول انه يريد ان يراني على انفراد. التقينا في غابة نخيل اسمها حجارة تبعد نحو سبعة كيلومترات الى الشمال من سبها. جاء حاملا سبعة كتب على ما اذكر. كتاب عن الثورة الفرنسية وآخر عن الثورة الصينية وثالث عن الثورة الكوبية وكتب لساطع الحصري وكتاب لانور السادات عن جمال عبد الناصر عنوانه «هذا ابنك يا جمال». طلب مني قراءة الكتب لنناقشها لاحقاً.

في تلك الفترة اتفقنا على انشاء حركة مدنية اسمها «حركة الوحدويين الاحرار»، وقلنا نذهب إلى الجامعات وننظم تظاهرات واعتصامات لنشجع الجماهير على إسقاط النظام.

لاحقاً بدأ القذافي يغير رأيه. قال ان الحل يتم عبر القوات المسلحة فالبلد فيه قواعد اجنبية ولن تجدي التظاهرات وحدها. وإذا انتظرنا كل سنة لإدخال اثنين أو ثلاثة من حركتنا الى القوات المسلحة، سنحتاج اربعين سنة للقيام بالثورة. لا بد أن نمضي سريعاً. الحل أن تمضي معي ونتعاون لتجنيد أكبر عدد من الضباط الفاشيين، ونستغلهم في الثورة، ثم نتخلص منهم. وقتها رفضت. قررت اتمام دراستي الإعدادية في طرابلس العام 1960- 1961 لأن أخي كان هناك.

بعدها طردوه من ولاية سبها. جاء إلى مصراتة وساعده بعض شباب مصراتة، والتحق بمدرسة داخلية. كان يأتي كل خميس من مصراتة إلى بيتنا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع معنا.

في يوم اربعاء من أيام العام 1963، وجدته واقفاً على رأسي في مقهى اسمه الخضرا كنت أرتاده، ليسألني: هل أعددت أوراقك للكلية؟ قلت له أنا لا أريد أن أصبح عسكرياً، فشدني إلى الإدارة العامة للمباحث في منطقة سيدي عيسى لاستخراج شهادة حسن السير والسلوك، وأقنع الضابط المسؤول وقتها واسمه العقيد خالد غريبة، بمنحي الشهادة، رغم انه كان يفترض أن أحصل عليها من منطقة سكني. كان غريباً جداً.

مشينا إلى مقهى لارورا وكتب طلب الالتحاق بالكلية نيابة عني. انضم إلينا بشير هوادي الذي كان يستعد ليصبح مدرساً في سبها. سألنا عن وجهتنا، فقلنا الكلية، فذهب معنا إلى باب العزيزية وقدمنا الأوراق في اليوم الأخير للتقديم. وفي يوم الكشف الطبي، كتب الأطباء أنني غير صالح طبياً بسبب مشكلة في طبلة أذني. كان معمر ينتظرني في الخارج، وعندما أبلغته بالنتيجة، ركض إلى داخل الكلية والتقى رئيس اللجنة العقيد الركن حاتم السنوسي الذي كان شخصية ممتازة. وقال له: حرام أن تخسر المؤسسة العسكرية طالباً ذكياً منظماً كهذا، فقرر السنوسي منحي فرصة أخرى، ونجحت.

> التحقتم بالكلية؟

- نعم. ويمكننا أن نعتبر أن الثورة انتهت في هذه السنة، عقائدياً وأيديولوجياً، بعسكرتها. كان معظم الضباط بلا تكوين سياسي. كنا نحن الوحيدين من الحركة، أنا وهو وعمر المحيشي. كان المحيشي مثقفاً جداً ومن عائلة كبيرة في مصراتة.

> لماذا حاول المحيشي الانقلاب؟

- كان مرتبطاً بالماركسيين. ومع أن معمر كان يعطف عليه كثيراً، لكن المحيشي وصل إلى قناعة بأنه لم يأخذ حقه. كان يستخف بباقي الأعضاء في مجلس قيادة الثورة ويعتبر نفسه مثقفاً وثورياً. اكتُشفت محاولته في آخر لحظة.

> هل كانت المحاولة جدية؟

- نعم. كانت جدية وخطرة. على المستوى الايديولوجي، الثورة انتهت سنة 1963 بعسكرة الحركة، وعلى المستوى السياسي، انتهت سنة 1975. فشل الانقلاب، لكنه أسس لانقلاب قاده هو (معمر) إلى بداية الثمانينات، بتأسيس الكتائب ومنح الأولوية للقذاذفة وبعض المقارحة.

> كيف كان سلوك القذافي في الكلية؟

- كان حاداً ومتعالياً. كنت أنا الآمر على القذافي في الكلية والمسؤول عنه. كان استخدام المذياع ممنوعاً في الكلية، لكننا كنا نستخدمه للاستماع إلى أحمد سعيد وخطب جمال عبدالناصر في إذاعة صوت العرب. كانت هناك مجموعة أخرى تحب الموسيقى الغربية، فجاء إليّ وقال لا بد من أن تمنعهم، فقلت له: ما دمنا نستخدم المذياع، لا يمكننا منعهم. فذهب إلى إدارة الكلية وقال إنني أدير نادياً ليلياً وأخلّ بالانضباط، فعاقبوني.

فيديل كاسترو.jpg /> > هل كان متديناً؟

- القذافي كان منضبطاً وحَسَنَ السلوك. كان لا يدخن ولا يعاقر الخمر، لكن سلوكه انقلب تماماً بعد العام 1975. أصبح أكثر عنجهية وتعالياً.

> من اختار كلمة «القدس» كلمة سر؟

- حركة الضباط الأحرار. كنا 12 عضواً في الكلية. لكن نحن الثلاثة (جلود والقذافي والمحيشي) إضافة إلى عبدالرحمن علي الصيد ويوسف الدبري، كنا من الحركة المدنية والتحقنا بالكلية بهدف الثورة، والباقون التحقوا بالكلية ليصبحوا ضباطاً، فجندهم القذافي. كنا تنظيماً مدنياً من العام 1959 بقيادة معمر. وكان هناك قرار في الحركة المدنية بأن يلتحق كل الأعضاء بالكلية العسكرية وإلا سقطت عضويتهم.

لكن كانت هناك استثناءات. محمد الزاوي كان صديقي، وخاله رئيس وزراء، وشقيقه مدير مكتب ولي العهد. فاتصل بي القذافي وقال لي إن عليّ أن أقنع الزاوي بالالتحاق بالكلية، فضغطت عليه وتقدم في السنة التالية ونجح، لكن خاله وشقيقه رفضا وأرسلاه لدراسة الحقوق في القاهرة. وكذلك كان أهل المحيشي، وهم من الأعيان، ضد التحاقه بالكلية، لكنه تمرد عليهم.

> هل كان معمر يحب التاريخ؟

- كان يحب أن يقرأ كثيراً. بنى سياسته الميكافيلية على القمع والقهر والتخويف والتجويع والتجهيل. كانت هذه سياسته بعدما تفرد بالسلطة اثر انقلابه في 1975. دمر التعليم، لأنه كان يعرف أن فرنسا قبل الثورة كانت تعيش أحسن مستوى اقتصادي، ومع ذلك قامت الثورة، لأنه إذا كان الوضع الاقتصادي جيداً، فسيهتم الناس بالشأن العام ويقرأون ويتابعون، لكن عندما يكون المرء تحت ضغط الفقر، سيعمل 24 ساعة لتوفير رغيف الخبز، ولن يكون لديه وقت للتفكير.

> هل جاء تفجير طائرة لوكربي رداً على الغارة الأميركية على باب العزيزية العام 1986؟

- طبعاً.

> هل يعني هذا أن الأجهزة الليبية نفذتها؟

- لا أعرف تفاصيل التنفيذ. قضايا الأمن لدي منها موقف ولا أقبل بالدخول فيها، لدرجة أنه بعدما وقعت عملية لوكربي، دعاني صديقي صالح الدروبي لحضور زواج ابنته في بيروت، وصافحني شخص لا أعرفه بحرارة، ثم سألني عبدالله حجازي: ألا تعرف هذا الشخص، هذا عبدالباسط المقرحي، فقلت له: لا أعرفه. ولم أكن أعرفه. لم أتحدث عن هذا الموضوع مع أي مسؤول.

> وماذا عن ملف إخفاء المعارض منصور الكيخيا وزير الخارجية السابق؟

- كنت أحب الكيخيا كثيراً. سمعته في إذاعة الشرق يقول إن على أميركا اقتلاع معمر. أدركت أن القذافي لن يتركه. لم يكن ذكاء من الكيخيا أن يذهب إلى القاهرة بعد تصريح كهذا. كانت هناك علاقات شخصية بين حسني مبارك ومعمر القذافي.

اتصلت بالسفير عاشور قرقوم وقلت له: إذا استطعت الاتصال بالكيخيا أبلغه أن هذا التصريح خطر وأن القذافي لن يتركه بعده لأن معمر لم يكن يخاف سوى أميركا التي كانت تمثل له ضغطاً نفسياً شديداً يفرغه في استئساده على الليبيين.

> هل خاف عندما سقط صدام؟

- خاف وشعر أن الدور سيأتي عليه. كان يعتقد أن الليبيين سيقبلون به وبأولاده إلى الأبد بلا مقاومة، إذا توصل إلى حل مع أميركا. سلم الأسلحة. البرنامج النووي كان مبالغاً فيه، والغرب كان يعرف ذلك. لكن الغازات كانت موجودة. لكن الليبيين كانوا محبطين من الغرب.

> برأيك، هل لعب حلف شمال الأطلسي دوراً أساسياً في حماية الليبيين هذه المرة؟

- طبعاً. الطاغية عنده آلة عسكرية ضخمة. دبابات وصواريخ وطائرات. الليبيون كانوا في رعب. كان يعتقد أن الليبيين يخافون من ظله. حين انشققت عنه، نصحني كثيرون بترك البلاد، لكنني كنت أعرف كل أسلحته.

> هل كان القذافي يرجع الى مجلس قيادة الثورة في قرارات التعامل مع كارلوس وجماعة الجيش الأحمر الياباني مثلاً؟

- لا. كانت هذه قراراته الخاصة مع أجهزة الأمن.

> إلى متى استمر مجلس قيادة الثورة في الاجتماع؟

- الى 1977. الحقيقة ان معمر كان يتهم كل من يعارضه أو يتحرك ضده بأنه ضد سلطة الشعب. حين أرسلت له تصوراً لإعداد ليبيا للقرن الحادي والعشرين، قال إنه عظيم جداً. وحين هواري بومدين.jpg التقينا في أول اجتماع بعدها، قال: ليبيا في القرن الرابع عشر، وليس من حق أحد أن يكون وصياً على الليبيين!

> «الكتاب الأخضر» صدر في هذا التوقيت تقريباً. هل كان جزءاً من مشروع التفرد بالقرار؟

- الكتاب الأخضر تجميع لأفكار طوباوية وفوضوية ومثالية، مع شيء من التروتسكية. الله وحده يعلم! أبلغني أناس أن ماسونيين كانوا وراء فكرة هذا الكتاب.

> هل سألك عن رأيك فيه؟

- طلب مني الاطلاع على الجانب السياسي، وأعطيته ملاحظات على الجانب الاقتصادي. يجب هنا ان اوضح انني عارضت تجربة اللجان الثورية بالطريقة التي اعتمدها. كنت اريدها حزباً عقائدياً وهرمياً، فأصرّ على ان تكون موزعة ومفتوحة في اطار كلامه على سلطة الشعب.

> اريد تكرار السؤال من هم أصحاب الأدوار المهمة حول القذافي؟

- لا وجود لهؤلاء. القذافي لا يقبل مطلقاً ان يكون حوله او قربه صاحب دور. انهم في الحقيقة خدم وعبيد مهمتهم التطبيل والتزمير والكذب والنفاق. انهم بالتأكيد اقل من موظف عادي جدا. مهمتهم القبض والتنكيل بالناس وارضاء الطاغية. كان يدير البلد على هواه وفقاً لمزاجه ويعامل مواطنيه كالأغنام ويعتبر البلد مزرعة له ولأبنائه وحاشيته. مَن تعتبرهم افراد فريقه كانوا مجرد ديكورات يحركهم بالهاتف وينصاعون. لا احد منهم يجرؤ على النقاش او الاعتراض او الرفض. يعتبرهم خدماً وعبيداً وادوات وطبالين هدفهم الوحيد ارضاء سيدهم.

> هل أفهم مثلاً أنه لم يكن هناك دور لوزير الخارجية المدير السابق للاستخبارات موسى كوسا؟

- لا دور له على الاطلاق. الامر نفسه بالنسبة الى عبدالله السنوسي (قريب القذافي ومسؤول الاستخبارات). انهم ادوات للتنفيذ يطيعون الاوامر وينفذونها بحرفيتها. انهم عبيد. لم يكن حوله اي شخص قادر على التصريح او التلميح الى خطأ يجب اصلاحه او خطوة يجب عدم الإقدام عليها.

> هل ينطبق ذلك ايضاً على رفيقه وزير الدفاع ابوبكر يونس جابر؟

- ينطبق على كل الاسماء التي يمكن ان توردها.

> هل تعتبر القذافي مثقفاً؟

- نعم.

> يحب القراءة؟

- نعم يحب القراءة.

> هل تعتقد انه وقع في عبادة الذات؟

- صار يعتبر نفسه كلَّ شيء في البلاد. وزير الداخلية. وزير الاقتصاد. وزير الدفاع. مسؤول الحدائق. ومسؤول شارات المرور. ومدير الجمارك. والرياضي الاول.

> غير اسماء الشهور ايضاً؟

- لم يتوقف عند حد. لم يعد يقبل بأي نقاش. صار فوق الجميع. صار يحتقر الآخرين بلا استثناء. اخبرني شخص انه عندما جاء المبعوث الدولي عبدالإله الخطيب واقترح على سيف الإسلام محاورة المعارضين، سمع جواباً من نوع: كيف نحاورهم؟ إنهم خدم، وكانت مهمتهم ان يلعقوا احذيتنا.

> هل كان القذافي معجباً بجمال عبدالناصر؟

- نعم.

> لماذا قال عبدالناصر ان القذافي امين على القومية العربية؟

- ما لا يعرفه الناس هو ان القذافي قبل عام 1975 شيء وبعد ذلك التاريخ شيء آخر. اكتشف القذافي خطة لإطاحته شارك فيها بعض الضباط الاحرار وبينهم عمر المحيشي. قبل ذلك كان القذافي يثق بالآخرين. الحرس الجمهوري كان ضباطه وجنوده من غير الاقارب. كان يثق كثيرا بعسكريين من مصراتة التي درس فيها سابقاً. بعد المؤامرة، التي كان اهم المشاركين فيها المحيشي (عضو مجلس قيادة الثورة)، فقد القذافي الثقة بالليبيين وعاد الى قبيلته. شرع هو في تنفيذ انقلاب استمر حتى بداية الثمانينات. اسس الكتائب ووضع ضباطاً من القذاذفة على رأسها. ذوَّب الجيش وأنشأ وحدات عسكرية وأمسك تماماً بالحرس والردع والامن. على مدى ثماني سنوات بنى قوى يسيطر عليها اقاربه ومعهم بعض الضباط من ورفله والمقارحة. وللتمويه، وضع على رأس هذه الوحدات أسماء من الضباط الاحرار لكن من دون صلاحيات او فاعلية.

> استعاد القذافي عمر المحيشي (عضو مجلس قيادة الثورة الذي اتهم بإعداد محاولة انقلاب) من المغرب بموجب صفقة؟

- نعم. واريد ان اروي لك شيئاً. ذهبت للقاء الطاغية في سبها. قبل الاجتماع جاءني سيد قذاف الدم، شقيق احمد، وكان حزيناً ويبكي 011104.jpg وقال: «هل تصدق ان شقيقي جاء بالمحيشي الذي وصل من المغرب في حالة يرثى لها». خدرت الاستخبارات المغربية المحيشي قبل نقله بالطائرة وجاء التخدير قوياً الى درجة ألحقت ضرراً بمعدته وامعائه. بعدها دخلت على الطاغية وقلت كلاماً قاسياً عن الملك الحسن الثاني وما سميته «الصفقة القذرة»، فابتسم معمر ولم يجب.

> هل تولى شخصياً عملية قتله؟

- لم اتابع هذا الامر ولم اسأل عن الملابسات. الرجل وصل اصلاً في وضع سيء. سيد قذاف الدم قال ان المحيشي وصل في حالة تشبه الموت السريري.

> من تحب من الشعراء العرب؟

- المتنبي ومحمود درويش ونزار قباني. يعجبني الهم الوطني. الجمع بين المرأة والوطن. ولا تعارض بين الاثنين.

> كم عدد أولادك؟

- أربع بنات وولدان. وستة أحفاد.

> هل تشعر أنك أضعت كثيرا من عمرك الشخصي وعمر ليبيا في عهد القذافي؟

- ليبيا كانت من السبعينات إلى بداية الثمانينات ورشة عمل. كانت نقطة تسوق للخليجيين والغربيين. العاهل المغربي الملك الحسن الثاني أرسل مدير مخابراته إلى ليبيا بجواز سفر مزور في السبعينات، وعاد بتقويم أنه إذا استمرت ورشة العمل المفتوحة آنذاك والتطور هذا، فستسقط تونس والجزائر. كان معدل النمو، حسب تقديرات الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، من 14 إلى 16 في المئة. كان مستوى المعيشة مرتفعاً جداً.

> هل أنت قلق على الوضع الليبي الحالي؟

- طبعاً أشعر بالقلق لأن الجماهير تبحث عن حلول سريعة. في مصر، رحل الطاغية حسني مبارك بالتظاهرات في ميدان التحرير. وفي تونس، شكَّل ميدان القصبة نقطة رحيل الطاغية زين العابدين بن علي. لكن في ليبيا، جرت حرب إبادة. وحين فرضت الحرب على الليبيين، تقبلوها بشجاعة. وكان موقفهم رائعاً. هذا جعل الشرعية الثورية في يد الثوار المقاتلين. هم يعتبرون أنهم الشرعية. وأي تجاهل لهذه الحقيقة يجعل هناك صعوبة في الانسجام ووحدة القرار. كل الثورات العربية ثورات غضب لإسقاط الطغاة، وليست ثورات بالمفهوم العلمي تحمل مشروعاً فكرياً سياسياً أيديولوجياً للتغيير.

هذه هي المشكلة. الشعارات التي رفعت عريضة: الكرامة والديموقراطية والتعددية. هذه كلمات يمكن أن يقولها من لا يؤمن بها. ليست لدينا خبرة بالديموقراطية ومنظمات المجتمع المدني. الكل، مثقفين ومواطنين عاديين، أقوياء في الدفاع عن الديموقراطية، لكنهم ضعفاء عندما تتعلق الديموقراطية بأنفسهم وكيف يمارسونها كسلوك. نحن محتاجون إلى مدة طويلة لتصبح الديموقراطية سلوكاً وقناعات.

> هل تعتقد أن الإسلاميين سيحكمون؟

- لا يزال الوقت مبكراً للحكم على ذلك. انا أحيّي الشباب الذين تصدوا لكتائب القذافي بصدورهم العارية. أتمنى أن يعتبر الليبيون عبدالفتاح يونس وطياريه من «ثوار 17 فبراير». اهم انشقاقين هما انشقاق يونس وطياريه، الذين رفضوا أوامر القذافي وابنائه بقصف الناس.

عندما فشلت معركة القذافي في بنغازي، ركز على الزاوية ودمرها بشدة. ولو سقطت الزاوية التي تبعد عن طرابلس 40 كيلومتراً، في وقت مبكر، لسقط الطاغية منذ أشهر.

> من أحببت من الزعماء العرب؟

- جمال عبدالناصر وهواري بومدين.

> كيف كانت طبيعة بومدين؟

- كان عروبياً، وسلوكه حميمي ولطيف. كانت بيننا علاقة جيدة. كنا نتحاور كثيراً وقلت له: انه حكم المخابرات والحل اعادة حزب جبهة التحرير كما كان في الخمسينات. وذات مرة قال لي: سنتخلص من هذه العقدة ونعود إلى الشعب لبناء الحزب.

عندما تزوجت، حضر معمر وكيلاً عني وبومدين وكيلاً عن زوجتي. كان في زيارة، وبعدما وقّع قال لي ممازحاً: أي خلاف بينك وبين زوجتك يعني حرباً بين ليبيا والجزائر. كان يحبني كثيراً.

> ما رأيك في الوضع في سورية الآن؟

- لست متابعاً للموضوع السوري بالتفصيل. لكن جغرافية سورية وتكوينها لا يسمحان بالدخول في المجهول، مع ذلك لا يمكننا وباسم الممانعة وباسم الصمود أن نصادر حرية أي شعب. دخول الثورة في العنف كان خطأ. لا بد أن تستمر الثورة سلمية. وأعتقد ان التفكير بأنه اذا نَعِمَ الشعب السوري بالديموقراطية سيتقلص دوره العروبي تفكير مغلوط. كلما كان الشعب حراً، كلما كان أقدر عبد الناصر خلال استقبال وفد من مجلس قيادة الثورة الليبي برئاسة جلود.jpg على المقاومة واسترداد الحقوق وأقوى على البناء. كل السوريين، من أكثرهم تثقيفاً إلى أبسطهم، لديهم ثوابت العروبة وتحرير فلسطين في تكوينهم.

> مع مَن مِن الشخصيات الدولية كوّنت صداقات؟

- مع الأوروبيين، مثل المستشار الألماني السابق فيلي برانت ورئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه الذي كان شخصية بسيطة ومتواضعة. أتمنى أن يكون عندنا هذا السلوك في العالم الثالث. وهو دفع ثمن بساطته. كذلك، رئيسا الوزراء الإيطاليان السابقان ألدو مورو وجوليو اندريوتي، وفيديل كاسترو، كنا نركب الخيل سوياً حين زار ليبيا. تعرفت أيضاً على ليونيد بريجنيف وأعجبني فيه أنه رجل شعبي.

> لماذا سعى القذافي إلى أن يصبح «ملك ملوك أفريقيا؟».

- من ثوري إلى ملك ملوك معناه أنه فقد عقله.

http://www.nadyelfikr.com
11-02-2011 08:39 AM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  المقالات الغاضبة about syria from 01.04.2011 بسام الخوري 37 13,487 07-07-2014 11:13 PM
آخر رد: بسام الخوري

التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف