إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
النزعة الإنسانية
الكاتب الموضوع
فرج غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 104
الإنتساب : Nov 2004
مشاركات : #1
النزعة الإنسانية

النزعة الإنسانية و النزعة اللاهوتية في التجربة الأوروبية

نزعة أو تيار، في كل الأحوال، النزعة الإنسانية لها روافد في كل مجالات النشاط الإنساني، وتتخذ من الإنسان نقطة مركزية في نظرتها إلى الكون، تنطلق من الإنسان، كل إنسان باعتباره قيمة مطلقة ومصدر القيمة ومحل الحقيقة وتتوجه إلى الإنسان كغاية بذاته ولذاته. وذلك خلافا للنزعة اللاهوتية التي سادت في أوروبا بدون منازع لعدة قرون، منذ اعتناق روما للديانة المسيحية واتخاذها عقيدة رسمية للدولة، في عهد الإمبراطور قسطنطين الملقب بالكبير، في القرن الرابع (310 – 340 م) حتى بداية النهضة في مطلع القرن الخامس عشر (1400 م). مع بداية النهضة، بما تعنيه من عودة إلى التراث اليوناني الروماني "الوثني" في نظر الكنيسة ولكن "الإنساني" في نظر رواد النهضة، بدأ الصراع بين النزعة الإنسانية والنزعة اللاهوتية.
النزعة اللاهوتية لا ترى في الإنسان إلا كائنا صغيرا، حقيراً، ملطخا بالخطيئة قبل أن يولد! وأكثر من ذلك إنه مطالب بالطاعة التامة والعبودية التامة لسيد حاكم بسلطته الفردية المطلقة التي لا تعترف بأي قيود أو حدود، أو لرب جبار يطالبه للتكفير عن الخطيئة المتهم بأنه ارتكبها قبل أن يولد، يطالبه بالطاعة التامة والعبودية التامة له، ولكن طاعة مجيّرة كليا لحساب من يدعون تمثيله على الأرض، فهو،حسب النظرة اللاهوتية نفسها مقيم في السماء وليس في حاجة إلى هذه الطاعة ولا إلى هذه العبودية، إنه غني عن العالمين. وكأن هناك تحالفا مقدسا بين الحاكم المطلق والرب الجبار يهدف إلى إذلال الإنسان الفرد المستضعف في الأرض وتسخيره لخدمة فئة المتسلطين على الرقاب.
النزعة اللاهوتية تضع مركز رؤيتها للكون خارج الإنسان وبعيدا عنه، في هذا الكائن المفترض، الذي لا يدخل في علاقة مع عبيده أو عباده إلاّ من خلال وسيط لا يطول به الأمر حتى يحل محل سيده طالما أنه يتمتع بصلاحيات التمثيل فوق العادة وقد انكشفت له وله وحده "الحقيقة المطلقة". وفي الواقع تبقى المركزية لإنسان فرد مميز، هو الحاكم المطلق بسلطته الفردية المطلقة، سلطة يوزعها كما يشاء وعلى من يشاء مقابل الولاء المطلق. وليست المركزية للإنسان ككل، أي لكل إنسان باعتباره قيمة مطلقة ومصدر القيمة ومحل الحقيقة حسب النزعة الإنسانية. ومن ثم يأتي وسيط آخر ويحاول إزاحة السابق عن منصبه ليشغله هو، ويلغي الواحد منهما الآخر وتدور الحروب الطاحنة بكل الأدوات المتاحة باسم الحق المطلق ومن أجل الحق المطلق من كل جهة، حرب لا تضبطها اتفاقية جنيف إن كانت موجودة أو أية اتفاقية أخرى.
جدير أن نشدد على التمييز لفرد دون غيره فهو أساس لكل أشكال التمييز التي عرفتها البشرية وبررتها وتبررها النظرة اللاهوتية، من التمييز العنصري، إلى التمييز الجنسي، إلى التمييز العرقي،إلى التمييز في المعتقد الديني وغير الديني، والتمييز الطائفي ضمن الدين الواحد. هذا التمييز بأشكاله المختلفة كان دائما وما زال بمثابة حجر عثرة على طريق تطبيق مبدأ المساواة الذي تنادي به النزعة الإنسانية. ويقوم هذا التمييز في أساس الإيديولوجيات الدينية وغير الدينية المعادية للنزعة الإنسانية، الإيديولوجيات القائمة على مركزية ما، غير المركزية الإنسانية، لأنها تضع في المركز فكرة مجردة وقد تكون فكرة مجردة عن الإنسان أو صفة معينة من صفات الإنسان ولكنها تستبعد الإنسان الملموس بلحمه ودمه، تستبعد الإنسان كذات بصرف النظر عن الاختلاف في الصفات.
واستمر هذا الصراع على امتداد القرون وفي كل المجتمعات إلى الأمس القريب حين تمكن بعض المجتمعات من حسم وجه من أوجه هذا الصراع بتغليب النزعة الإنسانية في الحياة العامة ويبقى الصراع الفكري دائرا بين النزعتين، كما تبقى مجتمعات بكاملها تعاني من هذا الصراع المكبوت أحيانا والمعلن أحيانا أخرى في حرب ضروس على كل الجبهات.

ولماذا لم تبدأ النهضة في أوروبا قبل القرن الخامس عشر (1400 م)؟ ما هي العوامل المؤثرة التي أيقظت خيرة الأدمغة الأوروبية ودفعتها إلى النهل من منابع الفكر اليوناني والروماني؟
لننظر إلى الأحداث الأكثر أهمية التي شهدتها أوروبا ما بين القرن العاشر والقرن الرابع عشر. فماذا نرى؟
نلاحظ أن أوروبا كانت في الفترة الواقعة ما بين عام 1096 م وعام 1270 م منهمكة كل الانهماك في تنظيم الحملات الصليبية، ثماني حملات متواصلة، الواحدة تلو الأخرى، ودفعها إلى الشرق بهدف الاستيلاء على الأماكن "المقدسة" بحجة "تحريرها" من سيطرة المسلمين.
وماذا كانت حصيلة هذه الحروب، التي استغرقت ما يقارب ثلاثة قرون من الزمن، بالنسبة لأوروبا؟ كانت جحافل الجيوش الصليبية تعود فلولا مهزومة، وإن كانت قد انتصرت لبعض الوقت في بعض المعارك، ولكن في الحصيلة النهائية لم تجن إلاّ الهزيمة والخيبة، خيبة الواقف أمام قبر فارغ قيل له إنه قبر السيد المسيح، ولم يجد بعضا من رفات ليأخذه وينصبه صنما يتعبده في بيته بعد عودته إلى أوروبا. ولكن لم تخل جعبة هؤلاء العائدين من انطباعات عديدة عن الشرق وعن الشرقيين وعن الإسلام والمسلمين وعن أنماط العيش والتعايش بين الطوائف والديانات العديدة، وخاصة في عهد صلاح الدين الأيوبي الذي يتمتع بسمعة أسطورية في الغرب أكثر مما في الشرق كنموذج للتسامح الديني والتعايش بين الطوائف، كما يظهر في أدبيات المؤرخين والكتاب الغربيين عنه. وأدرك كثيرون من الأوروبيين بعد المقارنة مع واقعهم البائس آنذاك، أن الغرب يعاني من الجمود الذهني والصنمية في الحياة الفكرية، ولا بد من إيقاظه من سباته العميق.
وبالفعل كان من آثار الصدمة الحضارية مع الشرق العربي الإسلامي أن استيقظ العقل الغربي على التراث الثقافي العالمي آنذاك وراح ينهل مما تيسر له من ترجمات من العربية إلى اللاتينبة، ومن اليونانية إلى العربية ومنها إلى اللاتينية، وبعد ذلك من اليونانية واللاتينية مباشرة. يكفي أن نشير إلى اسمين فقط: ابن رشد وابن سينا. فعلى امتداد أكثر من قرنين من الزمن لم يعرف الغرب اللاتيني غيرهما في مجال الفلسفة والطب، كما أن أول ما عرف الغرب اللاتيني أرسطو كان ذلك من خلال شروحات ابن رشد المترجمة إلى اللاتينية. وجدير بالذكر أن كتاب القانون في الطب لابن سينا كان المرجع الوحيد في الطب خلال تلك الفترة. وعندما اخترع غوتنبرغ الطباعة (1440 م) كان كتاب ابن سينا في الطب أول كتاب يطبع بعد الكتاب المقدس.
هذا بالنسبة للنهضة الأوروبية وبدايات الصراع ما بين النزعة الإنسانية والنزعة اللاهوتية. لكن النزعة الإنسانية لم تقتصر على العودة إلى التراث اليوناني الروماني، بل اقتحمت النزعة اللاهوتية في عقر دارها، في الكنيسة الكاثوليكية التي بالغت كثيرا في صنميتها وممارساتها االدنيوية المادية البحتة، إلى درجة أنها كانت تبيع قصورا في الجنة. هذه الممارسة المعروفة ببيع "صكوك الغفران" أثارت غضب الكثيرين من أصحاب العقول النيّرة. ومن أصحاب العقول النيرة الراهب الألماني مارتن لوثر الذي انتقد بشدة ممارسات الكنيسة الكاثوليكية هذه، ودخل في صراع فكري عنيف ضد هذه الممارسات (سنة 1517 م) وقاد حركة إصلاحية عرفت لاحقا بالبروتستانتية (تعني الاحتجاجية) دون أن يخرج عن نطاق النزعة اللاهوتية ولكن الأقل صنمية من اللاهوت الكاثوليكي.
لو نظرنا إلى ما جاءت به البروتستانتية من جديد بالنسبة للكاثوليكية، لوجدنا أنه لمن الصعب أن لا يرى الدارس لتاريخ الأديان، وفي مقارنة الأديان، تـأثير الإسلام على الإصلاح البروتستانتي.
نذكر بعض المسائل: إلغاء الرهبنة ومعها نذر العفة، وإلغاء نذر الفقر. مارتين لوثر نفسه كان راهباً كاثوليكيا، وعندما بدأ دعوته الإصلاحية تزوج من راهبة. ومنع الأيقونات في الكنائس الإصلاحية. وترجم الكتاب المقدس إلى اللسان المبين للشعب الذي يتوجه إليه، إلى لغة الشعب، إلى الألمانية، في حين كانت الكنيسة الكاثوليكية تمنع ترجمة الكتاب إلى اللغات الشعبية "خشية تدنيسه" وتعتبر اللغات المقدسة هي فقط: العبرية واليونانية واللاتينية.
صحيح أن الإسلام كان قد طرح نفسه كإصلاح بالنسبة لليهودية والمسيحية المنتشرتين في بيئته حيث لم يكن قد مر على ظهور المسيحية أكثر من ستة قرون وربع القرن وقبل الإصلاح البروتستانتي بعدة قرون من الزمن (ثمانية قرون). ولكن نحن الآن في الربع الثاني من القرن الخامس عشر الهجري ولم يحقق المسلمون أي إصلاح بعد. ولعل الوقت قد حان لاستيفاء ما استلفته البروتستانتية من الإسلام، أو بمعنى أوسع من حق العرب التاريخي أن يستوفوا ما استلفه منهم الغرب عموماً في بداية نهضته من فلسفة ورياضيات وفلك وطب وغير ذلك. وبعبارة أخرى قد آن الأوان للعرب أن يدخلوا التاريخ العالمي من جديد من أبوابه الواسعة وعلى قدم المساواة مع الثقافات الأخرى!

لننظر إلى القرن الخامس عشر، فماذا نرى؟ نرى أن هذا القرن كان مليئا بالأحداث التي لعبت دورا كبيراً في دفع الصراع بين النزعتين الإنسانية واللاهوتية قدما. فهو بمثابة المنعطف الحاسم في التاريخ الأوروبي بل والعالمي، إذ يكرس نهاية القرون الوسطى الداكنة وبداية العصور الحديثة بأنوارها الطبيعية بالنسبة لأوروبا. ما هي أهم هذه الأحداث؟
سنة 1453 سقوط القسطنطينية تحت ضربات مدفعية السلطان العثماني محمد الثاني الملقب بالفاتح. هذا الحدث كرس سيادة الأسطول العثماني على البحر الأبيض المتوسط لأكثر من مئة سنة، وانتشرت سمعة القوة العسكرية العثمانية كقوة لا تقهر وترتعد لها الفرائص في كل أوروبا مما اضطر الأوروبيين للبحث عن طرق غير المتوسط للوصول إلى الهند، فداروا حول إفريقيا وأبحروا عبر الأطلسي استنادا إلى النظرية القائلة بكروية الأرض والتي كان لها بعض الأنصار بين البحارة مثل كريستوف كولومبوس.واستمر ميزان القوى في حوض المتوسط على هذه الصورة حتى عام 1571م عندما خسر الأسطول العثماني المعركة البحرية المعروفة باسم Lépante في مواجهة مع الأساطيل الأوروبية: الأسطول البابوي والنمساوي والإسباني، الأمر الذي رقصت له كل أوروبا بما في ذلك فرنسا التي غالبا ما تحالفت مع تركيا ضد انجلترا.
سنة 1492 م كريستوف كولومبوس يكتشف القارة الجديدة. وفي االعام نفسه سقوط غرناطة آخر مملكة عربية إسلامية في الأندلس. حدثان لهما دلالة رمزية، وكأن الغرب راح يمتد غرباً والشرق أخذ يرتد شرقاً. الأول نحو المزيد من الاكتشافات الجغرافية والعلمية التي تعزز النزعة الإنسانية وهذه الأخيرة بدورها تشجع البحث العلمي والتطبيق العملي. والثاني نحو المزيد من التقوقع على النفس والانغلاق على الآخر مما يشجع على الخمول والتغني بالماضي والاتكال على الغيب والاكتفاء بالحقائق المطلقة في الكتاب الذي لم يترك شاردة ولا واردة. بينما الدولة العثمانية تكتفي بالقوة العسكرية، وكما قال أحد الباحثين في موضوع هذه الدولة إنها انتقلت من جيش إلى امبراطورية دون أن تمر بالدولة القومية، دون أن تعرف الحضارة. وفي كل الأحوال انتقلت من "الرجل القوي"، مضرب المثل في اوروبا (قوي كتركي)، الذي ترتجف له كل أوروبا، إلى "الرجل المريض" الذي تصطف حوله الدول الأوروبية كالذئاب منتظرة أن يلفظ أنفاسه الأخيرة لتنقض على إرثه تمزقه إربا إربا وتتقاسمه فيما بينها. وحصة الأسد للمنتصر في الحرب العالمية الأولى. إن دراسة الدولة العثمانية، منذ نشأتها إلى بلوغها ذروة القوة ثم انهيارها وقيام الدولة الحديثة على أنقاضها، موضوع شيق وجدير بأن يعطى الأهمية الكافية وقد يلقي الضوء على عدد من المشكلات التي ما زالت تشغلنا. (أنظر المداخلة بعنوان "الدولة العثمانية"!).
أما عن النزعة الإنسانية والنزعة اللاهوتية فقد تطورت كلتاهما وفقا للتطور الحاصل في المجتمع. وإذا ما تطور المجتمع في مجالات العلوم النظرية وتطبيقاتها المختلفة نحو إنتاج المزيد من الخيرات المادية والثقافية أو المعنوية، فالفضل يعود للجهود التي يبذلها كل فرد من أفراد المجتمع في نشاط إبداعي منتج لخير من هذه الخيرات في المجال الذي يتقنه. أما إذا كان المجتمع لا يحقق أي إنتاج ولا يحسن إلاّ الاستهلاك فذلك يعود إلى خمول واتكالية أفراد المجتمع حيث النشاط السائد هو الثرثرة والخزعبلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. المجتمع الذي يستهلك أكثر مما ينتج لا شك واقع، عاجلاً أو آجلا، تحت وطأة الديون وخطر الإفلاس وتسليم المصير للغير بما يعنيه من فقدان الحرية والتبعية، كما حصل للدولة العثمانية على طول القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حتى الانهيار التام في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918 م). انهارت الدولة العثمانية ومعها السلطنة والخلافة، وقامت على أنقاضها دولة تركية أراد لها مؤسسها أتاتورك أن تكون حديثة ذات توجه علماني على غرار الدول الأوروبية الغربية وخاصة النموذج الفرنسي، بعيدا عن تدخل أي سلطة دينية في شؤون الدولة ومؤسساتها المختلفة.
فالحداثة نفسها تندرج في سياق النزعة الإنسانية، لأنها تضع الإنسان في المركز من نشاطاتها التحديثية على كل الأصعدة.
وردّا على السؤال: هل العلمانية هي نزعة إنسانية؟ يأتي الجواب: "طبعاً، إنها إنسانية لأنها تنطلق من الأساس من مفهوم الإنسان، كل إنسان، بصرف النظر عن صفاته وتتوجه إلى الإنسان الفرد بملموسيته من حيث هو زيد وعمرو.
وتندرج تحت لواء النزعة الإنسانية الماركسية قبل أن تتحول في صيغتها اللينينية إلى أيديولوجيا قمعية تبريرية تستند إلى مفهوم مجرد، إلى نوع من إله اسمه "التاريخ" وقانونه "الحتمية التاريخية" وسلاحه الديالكتيك بيد الزعيم الأوحد، الذي يحمل صفحة ألقاب لا تضاهيها إلاّ صفحة ألقاب السلطان العثماني، يسلطه على من يشاء وكيفما يشاء وأينما يشاء ومتى يشاء ولكن دائما ضد كل من يخرج عن طاعة السلطان وفي كثير من الأحيان بدون سبب ظاهر غير إرادة السلطان زرع الرعب في النفوس، فالرعب هو الأداة المثلى للحكم السلطاني أو القيصري. إذا أردنا تصنيف هذه النزعة التي تكاد تؤله التاريخ فبالإمكان أن نسميها نزعة تاريخوية (historicisme)، ونترك المصطلح "تاريخية" مقابل (historicité). بينما تاريخاني يقابلها historial وتاريخانية مقابل Historialité بما تعنيه من تاريخية ذهنية مفاهيمية (mental et mentalité).
كما تندرج أيضاً ضمن النزعة الإنسانية الفلسفة الحديثة بدءًا من ديكارت الذي بنى فلسفته على صخرة "الأنا" المفكرة الشاكة في كل شيء إلا في كونها هي التي تشكك، الأنا التي لا تعرف سقفا لتساؤلاتها.
وكذلك فلسفة سبينوزا(1632 – 1677 م)
سبينوزا ابن عائلة يهودية تلقى تربية دينية ليكون رجل دين و كان كلما تعمقت معرفته بالديانة اليهودية كلما اشتد نقده لها لأنها تجعل من الله ملكا يهوديا أو ملكا لليهود معتبرا أن تدخل اللاهوتيين (أو رجال الدين عامة) في الشؤون السياسية لا ينتج عنه إلاّ الحروب والكوارث الاجتماعية. وبذلك هو أول من دعا إلى العلمانية، أي إلى إبعاد رجال الدين عن السياسة. وقد تعرض لمحاولة اغتيال من جانب الطائفة اليهودية الهولاندية، في أمستردام، بعد أن ألقت عليه الحرم وطردته من صفوفها. على أثر محاولة الاغتيال هذه أضطر سبينوزا إلى العيش متخفيا بعيدا عن أنظار الطائفة اليهودية، يعمل في صناعة زجاج العدسات البصرية في لاهاي.
فلسفة سبينوزا هي فلسفة الحرية الإنسانية. فالحرية كما يعرّفها سبينوزا هي المعرفة العقلية بقوانين الطبيعة، بالقوانين الإلهية. الطبيعة في لغة سبينوزا هي الله. الطبيعة هي طابعة ومطبوعة. حسب سبينوزا كل شيء، مادبا كان أم روحيا، هو جوهر فريد ولانهائي. الجوهر والطبيعة والله ما هي إلاّ مرادفات لمعنى واحد. والإنسان إذا ما تحرر من أهوائه وعرف النظام الإلهي، الطبيعي، فهو في سعادة أبدية وعلى اتحاد مع الطبيعة في علاقة محبة عقلانية (amour intellectuel ). والأبدية في نظر سبينوزا ليست زمنية إنما هي أقرب إلى مفهوم رياضي هندسي مثل قاعدة فيثاغوروس أو قانون أرخميدوس، على سبيل المثال لا الحصر.
وفلسفة الأنوار عموما هي نزعة إنسانية بامتياز. لماذا سميت بفلسفة الأنوار؟ وما هو المقصود بالأنوار؟ سميت هكذا لأنها تقول بالنور الطبيعي للعقل البشري وتقول بقدرة العقل البشري على الوصول إلى الحقائق بصورة مباشرة وبدون وساطة أي وسيط. لا كنيسة ولا رسول! بالنسبة لسبينوزا النور الطبيعي هو النور الإلهي. وكذلك الأمر بالنسبة لعدد من الفلاسفة الذين يعتبرون أن الطبيعة ليست خارجة عن مملكة الله.
لو أخذنا مثال هيجل، كيف ينظر هيجل إلى الطبيعة بالعلاقة مع الروح؟ يعتبر هيجل ، أن الطبيعة بمثابة النقيض التام للروح المطلق ومع ذلك فما هي إلاّ تجسد الروح المطلق في نقيضه ليعود إلى ذاته في ذاته بعد أن كان ذاته في نقيضه. وعودة الروح هذه من منفاه الطبيعة إلى ذاته في الفن والدين والفلسفة، حسب هيجل، تستغرق آلاف السنين وآلاف الحيل التي يستخدمها العقل المطلق عبر التاريخ ويضحي بشعوب عديدة وحضارات عتيدة للوصول إلى دائرة الروح المطلق في أرقى مستوياته، في الفلسفة، في ما يسميه هيجل علم المنطق، لا بالمعنى الأرسطي للمنطق بل باالمعنى الميتافيزيقي الهيجلي، أي علم الكائن المطلق، أو المفهوم المطلق، المفهوم المتجسد في العالم على كل المستويات وبدرجات مختلفة، في الطبيعة والتاريخ البشري والفكر الإنساني وبصورة خاصة في تاريخ الفلسفة وهو تاريخ المفهوم الواحد المتعدد التجليات. وبما أن للمفهوم عند هيجل تاريخيته الخاصة في عالم المفاهيم فمن المستحسن استخدام مصطلح "التاريخانية" في ما يخص المفهوم.
قد حير هيجل مؤرخي فلسفته: أين نصنف هيجل؟ مادي أو مثالي؟ أرسطي أو أفلاطوني؟ كان له تلاميذ وأتباع من اليمين كما من اليسار. وبالنسبة لموضوعنا أين نصنف هيجل؟ في النزعة الإنسانية أو في النزعة اللاهوتية؟ وقد شطح في نزعته الإنسانية إلى درجة يكاد يقول عندها: "أنا الحق"، بل قالها بعبارات أخرى. وذهب بنزعته اللاهوتية إلى أبعد ما يمكن الذهاب حتى اعتبره بعض الدارسين بمثابة "مسيح الفلسفة".
وبالفعل كان هيجل دائما حريصاً على إقامة نوع من موازاة بين المفاهيم القلسفية من جهة والمفاهيم الدينية المسيحية في صيغتها العقائدية البروتستانتية من جهة أخرى. فالأقانيم الثلاثة للإله الواحد، حسب العقيدة المسيحية: الآب والابن والروح القدس، يقابلها الثالوث المفهومي والشكل الثلاثي الذي تتخذه المنظومة الفلسفية عند هيجل: علم المنطق مقابل مملكة الآب، فلسفة الطبيعة يقابلها مملكة الابن وفلسفة الروح يقابلها مملكة الروح القدس. والأقانيم الثلاثة هذه ما هي إلاّ مفهوم واحد في حركة تطورية دائمة، من المفهوم المحض إلى المفهوم نفسه المتجسد قي نقيضه ومن هذا النقيض إلى نقيض النقيض وكأنّ في ذلك عودة إلى المفهوم الأول، ثم من جديد في حلقة جديدة وهكذا دواليك... ولكن هذه العودة ليست بالعودة البسيطة إنما هي عودة مشبعة بكل تجليات المفهوم عبر مسيرته التحررية من الطبيعة الجامدة إلى الكائنات الحية، إلى التاريخ البشري وصولا إلى دائرة الروح المطلق الثلاثية أيضاً: الفن والدين والفلسفة. وهيجل هو القائل: "إن التاريخ العالمي هو عملية وعي الحرية وفكرة الحرية هذه هي تجسيد للإرادة الإلهية". يؤكد هيجل أن المفاهيم والكائنات مهما تعددت وتنوعت كل في موقعه ما هي إلاّ تجليات لمفهوم واحد، لكائن واحد بتسمياته العديدة:المفهوم، الكائن، الروح، الله، العقل، الطبيعة، كلها مترادفات لمعنى واحد. وقد وصف بعض النقاد فلسفة هيجل بأنهاpanthéisme (ترجمت بالحلولية)، تذكر بمبدأ وحدة الوجود عند المتصوفة في الثقافة العربية الإسلامية.
جدير بالذكر أن هيجل تبنى المنهج الديالكتيكي (الجدلي) بمعنى aufhebung المنقول عن المتصوف الألماني Maître Eckhart (1260 - 1327 م)، أو مبدأ نفي النفي لتوليد الجديد حاملا كل ما هو إيجابي في الحالتين السابقتين، قد يسمي البعض هذا المبدأ بالسلبية المطلقة أو السلبية الإيجابية. ذلك أن رفض الشيء يبقى مشروطا بهذا الشيء بينما رفض الرفض يتجاوز المشروطية إلى الفعل الحر. استخدم هيجل هذا السلاح في حربه ضد مفاهيم نيوتن "الوحشية" من وجهة نظر الفلسفة. ومن غريب المصادفة أن هيجل ربط الزمان بالمكان في كيان واحد، الزمكان، قبل إنشتاين بحوالي قرن من الزمن وربط الزمكان بالحركة بالاستناد إلى الحركة الجدلية للمفاهيم الفلسفية.
وقد تكون النزعة التاريخانية الروحية هي الأنسب لتصنيف هيجل؟
سنترك هذا السؤال مطروحا على أهل الاختصاص...
ولا بد من قول كلمة عن الفلسقة الوجودية، فهي كما يعرّفها جان بول سارتر نفسه في كتيب عنوانه: "الوجودية نزعة إنسانية". باختصار يعتبر سارتر أن الإنسان عندما يتفتح وعيه يجد نفسه ملقى في هذا العالم (projeté dans le monde)، دون أن يكون مسؤولا عن نفسه قبل هذه اللحظة. ولكن اعتبارا من هذه اللحظة التي أدرك فيها وضعه هذا في العالم، محكوم عليه أن يكون حرا (condamné à être libre)، أي مسؤولاً عن مصيره كإنسان فرد، مسؤولا عن إنسانيته وكأنها الإنساتية ككل. وبحكم هذه المسؤولية لا يجديه شيئا النظر إلى الوراء بل يجد نفسه مشروعا (projet) قيد التحقيق وبموجب حريته هو المسؤول الأول والأخير عن تحقق هذا المشروع، أي عن تحقيق ذاته. حسب النظرة الوجودية، حقيقة الذات تتكون عبر الممارسة، عبر الوجود. إنها تتبع الوجود وليس العكس وفقا للنظرة اللاهوتية التي ترى أن حقيقة الإنسان معطىً (أو معطاة) سابق على الوجود.

كل مذهب وكل نظرية أو علم من العلوم، تنطلق من الإنسان، لا كمفهوم مجرد وبالتالي مجير لفرد أو لأفراد معينين، بل كفرد، كائن واقعي ملموس، بلحمه ودمه، وتتوجه إلى الإنسان بهذا المعنى أيضا، فهي رافد من روافد هذا التيار العريض الذي ينضوي تحت تسمية النزعة الإنسانية! ويقترح البعض نقل كلمة Humanisme صوتيا إلى العربية بكلمة "هيومانيزم" أو "هيومانية".
في عدد من المجتمعات، حيث ما زالت النزعة اللاهوتية هي السائدة بما تشكله من كبح لنشاطات إنسانية عديدة، لا بد من تغيير جذري في نظرة الإنسان إلى نفسه، إلى ذاته في الوجود، من حيث هو إنسان في عمق ذاته بعيدا عن أيّة صفة من الصفات التي تحده. هذا التغيير الجذري هو نوع من انقلاب كوبرنيكي بما يعنيه من نقل النقطة المركزية في النظرة إلى الوجود من مكان ما بعيد عن الإنسان إلى داخل الإنسان نفسه. في النزعة الإنسانية الإنسان هو في المركز هو الوسيلة والغاية في آن معاً. في هذه النزعة الإنسانية الإنسان هو محل الحقيقة ومصدر القيمة. وهذا يعني أن حقيقة "زيد" المسلم مثلا، لا يقبلها الهندوسي عمرو إلاّ إذا تمكنت (أي أخذت مكانها) في ذهن عمرو وتصدر عنه مختومة بخاتمه الخاص به. وكذلك أحكام القيمة التي يصدرها عمرو الهندوسي، بصيغة أفعل التفضيل في أغلب الأحيان، قد لا يكون لها أي قيمة في نظر زيد المسلم ...!

لا هوادة ولا مهادنة في صراع الأفكار ضمن الاحترام المطلق لشخص الآخر لأنه مثيلي، لأنه أنا آخر، أو أنا أخرى، وله حقيقته كما لي حقيقتي وقد تكون حقيقة واحدة رغم الاختلاف.

فرج
06-12-2008 07:12 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف