إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
الهوية و الاختلاف عند مارتن هيدغر
الكاتب الموضوع
مصطفى قشوح غير متصل
عضو مشارك
**

المشاركات : 12
الإنتساب : May 2011
مشاركات : #1
الهوية و الاختلاف عند مارتن هيدغر
مبدأ الهوية عند " هيدغر "

مُقدّمة

يعتبر مفهوم الهوية من بين المفاهيم المُبهمة ، قد ندّعي في بعض الأحيان أننا نعرف ماذا يقع وراء هذا المفهوم ، لكن سُرعان ما نكتشف أننا لا نعرف أي شيء عن هذا المفهوم ( ! ) ، فمفهوم الهوية مفهوم ترحالي ، فقد نجده في عدة مشارب معرفية متعددة ؛ مثلا في المنطق و الميتافيزيقا الانتروبولوجيا ، و العلوم الحقة . و السيكولوجيا و السوسيولوجيا .

فلسفياً يرجع استعمال مفهوم الهوية إلى فلاسفة ( ما قبل " سقراط " ) ، و خصوصا مع " بارمنيدس " ، و مع " هيراقليطس " ؛ الأول عندما إعتبر أن الهوية هي وحدة الوجود و الفكر ، أما الثاني فإعتبار جوهر الهوية هو وحدة الأضداد أو اللوغوس ، وهنا لا ينبغي أن ننسى مقولة هيراقليطس " إنك لا تستحم في النهر مرتين " [1] ، فالوجود واحد لكن داخل الوحدة يوجد التغير و الاختلاف .

غالباً ما يُعرَف مبدأ الهوية من خلال المتساوية الشهيرة [ ( أ ) = ( أ ) ] . تفصح هذه المتساوية عن وجود علاقة تساوي بين طرفين ؛ أي بين ( أ ) و ( أ ) آخر ، و هذه العلاقة هي علاقة منطقية و ضرورية ، و لكن هل فعلاً هذا هو المبدأ الذي يوجد وراء هذه المعادلة ؟ ، ألا يوجد هناك شيء غامض ؟ ألا يمكن القول أن المبدأ الذي يقول أن [ ( أ ) = ( أ ) ] هو مُجرّد تكرار أو عبارة تحليلية - توتولوجية - كما عَبّرَت عن ذلك الوضعية المنطقية ؟ ثم ألا يبدوا من السذاجة أن نعرف الشيء بنفسه ؟ عندما نعرف الماء بالماء ؛ ألا يبدوا أن حديثنا يتضمن الكثير من الحشو ؟

إذن ما هي الهوية ؟ وهل يمكن الحديث داخل الهوية عن التغير و التعدد و الاختلاف؟ أم أن مبدأ الهوية لا يسمح بهذه الأمور ؟

مبدأ الهوية

يعتقد " هيدغر " في مقالة (( الهوية و الاختلاف )) أن مفهوم الهوية قُدِّمَ دوما من خلال المعادلة الشهيرة [ ( أ ) = ( أ ) ] ، غير أن حقيقة مبدأ الهوية تتجاوز هذا التعريف الكلاسيكي لمفهوم الهوية ، في المعادلة [ ( أ ) = ( أ ) ] لا تُقَدِّم ( أ ) نفسها على أنها نفسها ( أ ) .

يقول " هيدغر " على لسان " أفلاطون " ، و الذي يتكلم على لسان الغريب في محاورة (( السفسطائي )) ، " إن كل واحد منهم هو الآن مختلف عن الآخرين ، ولكنه بذاته ، هو نفسه بالنسبة لذاته " ، إن " أفلاطون " لا يقول فقط " إن كل واحد بذاته هو نفسه " ، بل " إنَ كلَ واحد بذاته هو نفسه بالنسبة إلى ذاته " [2]

يريد " هيدغر " أن يقول أن مبدأ الهوية يقول أن كل واحد بالنسبة إلى ذاته ، و أن كل واحد هو بذاته مع نفسه ، فالهوية هنا حسب " هيدغر " تستتبع منطقياً العلاقة المشار إليها بحرف الجر " مع " أي توسطاً و ارتباطاً و تأليفاً ؛ أي اتحاد في الوحدة [3] .

الهوية كوحدة

يؤكد " هيدغر " على أن الهوية قُدِمَت دوماً على أنها تتمتع بطابع الوحدة ، لكي تتجلى علاقة الهوية مع نفسها ؛ و لكي تفهم الهوية كتوسط ، لزم الفكر الغربي ما يزيد عن الألفي سنة ، ذلك أن الفلسفة المثالية التأملية ، بعد أن مَهّدَ لها كل من " لايبنيز & كانط " ، و التي اكتملت مع الاتجاه الرومانسي و خصوصاً على يد " فيشته & شلينغ & هيغل " . فلم يعد بإمكاننا أن نتمثل وحدة الهوية كإنسجام ، وأن نُهمل التوسط الذي يوجد داخل الهوية [3] .

لكي لفهم المعادلة [ ( أ ) = ( أ ) ] ، يقترح " هيدغر " أن نبدل علامة التساوي ( = ) بعلامة الهوية ( هو ) ، لكي تصبح المعادلة في الأخير على الشكل التالي : [ ( أ ) هو ( أ ) ] .

تكشف لنا هذه الصيغة الجديدة لمبدأ الهوية عن كينونة كل ما هو موجود ، هذه الصيغة الجديدة لمبدأ الهوية ستخبرنا بحقيقة الوجود - وجود الكائن - ؛ فكل كائن له الحق في ذاته ، والوحدة مع ذاته ، فأينما كنا في هذا الوجود فإننا نسمع نداء الهوية ، أي نداء الوجود ، فالوجود ينادينا بإستمرار و ما علينا إلا أن ننصت للنداء الوجود ، و بدون هذا النداء لا يمكن للكائن أن يظهر كينونته ، فنداء الهوية يتكلم انطلاقاً من كينونة الكائن ، ويدعونا " هيدغر " هنا إلى الإنصات لنداء الوجود عوض الإنصات لنداء الموجودات .

يقول " بارمنيدس " : " إن الفكر و الوجود هما الشيء واحد " ، فالهوية تقوم بين الفكر و الوجود كمماثلة ( to-auto ) ؛ أي كفعل إدراك ، وفعل وجود، لأن الفكر و الوجود وجهان لعملة واحدة ، و ليس كما تمثلت الميتافيزيقا الكلاسيكية من " أفلاطون " حتى " نيتشه " أن الهوية جزء من الكينونة [5] .

إذا ما إعتبرنا الفكر خاصية إنسانية سيتبادر إلى ذهننا مجموعة من الأسئلة من قبيل : ما هو الإنسان ؟ ما هو الوجود ؟ ثم ما علاقة الإنسان بالوجود ؟

كما يقول " مارتن هيدغر " أن الإجابة عن هذه الأسئلة يستغرق منا وقت طويل ، دون أن نخلص في الأخير إلى إجابات مُقنِعَة ، لذلك سنحاول مع " هيدغر " أن نبحث عن ما هو مشترك بين الوجود و الإنسان ؟



الهوية كانتماء مشترك بين الفكر و الوجود


تقوم الهوية كمماثلة بين الفكر و الوجود ، و ما هذا التماثُل إلا إنتماء مشترك بين الفكر و الوجود ، فالهوية هنا حسب الموقف ما قبل الأفلاطوني هي إنتماء مُشتَرَك لوحدة الوجود ، إذاً فمفهوم الهوية يدل على الإنتماء مشترك بين الوجود و الفكر ، و يُعَبّر " هيدغر " عن هذا المُشتَرَك بين الإنسان و الوجود بــ ( le co-appartenance ) .

يعتقد " هيدغر " أننا لم نصل بعد إلى مرحلة الإنتماء المشترك ، ويُرجع السبب إلى أننا لم نتخلص بعد من الفكر التمثيلي الذي يركز على الموجود و ينسى الوجود ، فتاريخ الميتافيزيقا من " أفلاطون " حتى " نيتشه " قام على نسيان الوجود ، لهذا يقترح " هيدغر " أن نقوم بتجاوز الميتافيزيقا عن طريق تقويض هذه الميتافيزيقا ، لكن ما معنى التقويض ؟

التقويض عندما " هيدغر " لا يعني التحطيم بل التفكيك - التفكيك هنا بالمعنى الهيدغري و ليس الديريدي - و الغربلة و التصفية ، إنه محاولة للبحث عن الفرق الأنطولوجي بين الوجود و الموجود ، و هذا ما لم ينتبه إليه الفكر التمثيلي .

إذاً التقويض يدفعنا إلى التقدم نحو تجاوز هذه الميتافيزيقا إلى التفكير في حقيقة الوجود ، أو التفكر في الفرق الأنطولوجي بين الوجود و الموجود الذي لم تفكر فيه الميتافيزيقا الكلاسيكية .

إذاً التقويض هنا ضروري لكي نصل إلى ما سماه " هيدغر " بــ ( الإنتماء المشترك ) ، هذا التقويض يستلزم القيام بقفزة – ما يسميه بالقفز على الظل – ، و هذه القفزة ستسمح لنا بتجاوز التصور الشائع عن الوجود كموجود وعن الإنسان كحيوان عقلاني ، و ستمكننا من تأسيس هوية بين الإنسان و الكينونة ، و ستمسح لكل من الإنسان و الكينونة بتبادل انتمائهما ، كما ستسمح هذه القفزة بالقبض على ( الإنتماء المشترك ) بين الإنسان و الكينونة ، والوصول إلى الوحدة الأبدية بين الوجود و الفكر ، إن القفزة هي المكان الأصلي الذي انطلاقنا منه، هو المكان الذي يتم فيه نقل مُمتلكات الوجود إلى الإنسان و العكس صحيح [7] .

يدعونا " هيدغر " إلى أن نُنصت إلى نداء الوجود في عالم طغت عليه الآلات ، و يتساءل : ما موقع الإنسان في عالم طغت عليه الآلات ؟

إن نمط التحقُّق كنقل الممتلكات و يتجلى في ماهية التقنية – يجب أن لا نخلط بين جوهر التقنية و التقنية – فما يجعل الإنسان يتجه نحو السؤال عن حقيقة الوجود في عالمنا التقني هو نمط التحقق ، يجب أن نأخذ معنى التحقق هنا كما لو كان معنى للوجود ، فداخل هذا التحقق يسود التقاء غريب بين الفكر و الوجود ؛ ماداما كل من الفكر و الوجود هم مُبدعي هذا التملك المشترك [ 8 ] .



الهوية كتملك مشترك


إن التملك هو المجال الذي يُمَكّن كل من الوجود و الإنسان من استعادة كينونتهما ، و يفقدهما كل التصورات والتي ألحقها الفكر التمثيلي – الميتافيزيقي - .

أن نفكر في إنبثاق الكينونة كتملك مشترك ، يعني أن نقوم ببناء هذا الميدان بواسطة اللغة ، فاللغة بتعبير " مارتن هيدغر " هي مَسْكَن الوجود ، أن تكون اللغة مَسكَن الوجود يعني أن الوجود لغة ، أو على الأقل لا ينكشف إلا من خلال اللغة ، وباللغة ؛ وهذا يعني أن اللغة فيما تُنجَز ككلام متكلم يكون متكلَم (بالفتحة) ، ففي الكلام تكلَم (بالفتحة) الكلام المنكلم في الكلام . فماذا يتكلم الكلام ؟ إنه يتكلم نداء أي ينادي الوجود ليأتي ويحضر هنا ، و الآن ، أي ليسكن و يأويَ فيما يجعل تأويله مُمكنا لا كموجود بل كوجود وهو اللغة ، أي النبض الذي يحافظ على كل شئ ؛ طالما أن كينونتنا الخاصة موجودة في تبعية اللغة .

لكن ما علاقة التملك المشترك بالهوية ؟

يعتقد " هيدغر " أن التملك المشترك هو الرابط الأساسي الذي يجمع بين الإنسان و الكينونة ، ففي نمط التحقق بين الوجود و الفكر نستشف وميضاً ملحاً من التملك المشترك ، ففيه يتراءى لنا إنتماء مشترك بين الإنسان و الكينونة ، حيت حرية الإنتماء هي التي تحدد لنا النمط المشترك (le type de co-) . و وحدته للوصول إلى الإنتماء المُطلَق الذي تكون فيه الغلبة لإنتماء على الاشتراك [9]
يقوا " هيدغر " : " لقد إخترنا حكمة بارمنيدس دليل لنا فالمُماثل هو الفكر و الوجود على حد سواء ".

يمكن أن نستشف من خلال مقولة " بارمنيدس " أن المماثل كذاتي هو في الحقيقة جوهر الهوية فلا معنى للهوية بعيدا عن هذا الذاتي ، ويمكن أن تصدر عن هذا الذاتي حركة لا نهائية من الإختلافات لكن رغم هذه الاختلافات تظل وحدة الهوية ثابتة [10] .

2الاختلاف داخل الهوية "من هيغل إلى هيدغر"

يقول هيدغر " ليست الذاتية le même)) هي التطابق ( l’identique ) ، في التطابق يمحى كل اختلاف أما في الذاتية فإن الاختلافات تنجلي و تظهر "[11]

لقد تمثل معظم الفلاسفة و المفكرين الهوية قبل هيغل كوحدة وتطابق و كنقيض للاختلاف، لكن مع مجيء هيغل أصبح الحديث عن الهوية مقترن بالحديث عن الاختلاف و التغير ، فإذا كانت الهوية ترد إلى الوحدة فإن هذه الوحدة اختلاف و تغير .

1_2علاقة الهوية بالاختلاف عند هيغل

يعتقد هيدغر أن هيغل في كتاب المنطق – علم المنطق- يرى أن مبدأ الهوية الذي يصاغ عادة في صياغة مساواة ،والذي يتخذ صورته الرمزية في القضية أ=أ ،
يعني أكثر مما يقول ، فهو يشير إلى الذاتية التي تنطوي على الاختلاف،و هذا الاختلاف هو الذي يقوض الوحدة التي تنطوي عليها الصيغة المباشرة أ=أ ، فهذه الصيغة لا تعني بالنسبة لهيغل أن وحدة أ مع نفسها ، بقدر ما تعني بأنه لا يمكن أن نفكر في الهوية دون توسط ، ويجب أن نفهم أن حركة التوسط تتم عبر الذاتية[12].

بفضل الجذل مع هيغل انفجرت المبادئ الكلاسيكية ،بفضل الجدل أمكن للفكر أن يفكر في ذاته ، وأصبح الفكر تفكيرا و انعكاسا و اختلافا ، وعودة إلى الذات ، فالفكر لم يبلغ التوسط و الوحدة مع موضوعاته إلا بالجذل .، فلقد مكننا الجذل من إدراك الاختلاف كتباين بين وحدات مغلقة .

إن الاختلاف الذي يتكلم عنه هيغل يتجاوز الاختلاف الظاهري- العرضي- الذي يتكلم عنه المذهب الأمبريقي و الذي لا يعدوا أن يكون اختلاف كميا .

إن الاختلاف الذي يتكلم عنه هيغل هو الاختلاف الذي يرجع التنوع و التعدد إلى التعارض و التناقض ، يقول هيغل " إن التنوع و التعدد لا ينتعش و لا يحي إلا إذا ذهب به إلى حد التناقض"[ 13 ] .
ويظهر هذا الانتقال عند هيغل بوجهين :

الوجه الأول: انعكاس التنوع في الذات العارفة التي تصبح أساس التعارض.

الوجه الثاني: تبلور التنوع الكمي الخارجي في الاختلاف الباطني .

يقول جون هيبوليت : " إن الاختلاف عند هيغل هو الاختلاف في ذاته – الاختلاف الجوهري- إنه الإثبات و النفي ، الإيجاب و السلب ؛بحيث أن السلب هو المخالف من أجل ذاته لكونه ليس إيجابا ، و الإيجاب هو علاقة التطابق مع الذات لأنه ليس سلبا ، فبما أن كل منها من أجل ذاته فليس هو الآخر ، فكلهما يظهر في الآخر ولا وجود لأحدهما إلا بوجود الآخر .[ 14 ]

نستنتج أن الاختلاف الحقيقي عند هيغل هو الاختلاف الجوهري ؛ أي التعارض الذي لا يوجه المخالف ، و إنما المماثل لذلك الآخر ، فانعكاس الآخر في الهو ، يجب أن يدرك نقيضه في انعكاسه هو ، فالانعكاس المتبادل بين الذات و الآخر هو صميم التعارض [ 15 ] .

إذن فعندما يلتقي الانعكاس الذاتي بالانعكاس الموضوعي يصبح الاختلاف اختلافا باطني، ليظهر كتعارض بين الإثبات و النفي و الإيجاب و السلب.

يقوم الاختلاف داخل الهوية عند هيغل من حيث معارضته لآخر فلا معنى للوحدة إلا كتركيب و لا لتطابق إلا كاختلاف ، من هذا المنطلق يعيد هيغل صياغة مبدأ الهوية انطلاقا من صيغة التناقض أ= لا أ ، هذه العلاقة هي علاقة بين طرفين يتحركان نحو التطابق و يسعيان نحو الوحدة و التركيب .


يمكننا أن نجزم أن الاختلاف الهيغيلي مجرد لحظة من لحظات الهوية، يقول جيل دولوز في كتابة الاختلاف و التكرار "إن كل التناقض الهيغيلي يظهر كأنه يذهب بالاختلاف إلى أبعد مدى ، إلا أن الطريق التي يسلكها هي الطريق التي ترده نحو التطابق ، فتجعل التطابق كافيا لإيجاد التناقض وفهمه ، فليس التناقض الهيغيلي أكبر اختلاف بالنسبة لتطابق و بدلالته"[ 16 ] .

في مقبل هيغل نجد هيدغر يؤسس مفهوم جديد عن الاختلاف فما يعيب الاختلاف الهيغيلي – كما يعتقد هيدغر –خضوعه لقانون السلب و سجنه داخل المعرفة المطلقة ، لا تقوم الذات في تعارضها و تناقضها بل في اختلافها ، فليس السلب هو الذي يأتي من الخارج كي يتعارض مع الذات بل ذلك الذي يأتيها من الداخل ،فالسلب هو الحركة اللانهائية التي تبعد الذات عن نفسها، فالمتساوية أ=أ تنطوي على حركة داخلية لا متناهية تبعد كل طرف من طرفيها عن ذاته ، و تقربه منها بفعل ذلك التباعد ذاته ، و يظهر هنا الاختلاف مع هيدغر كابتعاد يقارب بين الأطراف المختلفة.

عبارة "اللا" أو "le ne pas" التي سادت مؤلف الوجود و الزمن و الميتافيزيقا لا تشير إلا ما هو سلبي بقدر ما تشير إلى الوجود كاختلاف أنطولوجي بين الوجود و الموجود ، أي ذلك الفرق الانطولوجي بين الوجود و الموجود و هو أحدى نتائج تقويض الميتافيزيقا ، اختلاف الوجود عن الموجود من حيث وجود هذا الموجود، فالاختلاف هو الذي يبعد الوجود عن الموجود ، و ينقله نحوه ، وهذه الوحدة كحركة لا متناهية بين الجمع و التفريق هي ما كان هيراقليطس يسمه بوحدة الأضداد أو اللوغوس أنه حركة الصيرورة داخل الوجود أو لنقل إنه الاختلاف داخل الهوية.

يقول هيدغر"هذا التوحيد لا يعني أن نكتفي بإدراك الأشياء وضمها في وحدة ، وكما لا يعني أننا نقتصر على جمع الأضداد و المصالحة بينها فالكل الموحد يعرض أمامنا أشياء يتنوع وجودها و يتباين،مجتمعة في ذات الحضور مثل الليل و النهار ، الشتاء و الصيف ، السلم و الحرب ، اليقظة و النوم ، ديونيزوس و هاديس ، إن هذا الذي ينقل عبر مسافات بعيدة التي تفصل الحاضر عن الماضي ،إن هذا الديافيرمينون هو ما يعرضه اللوغوس في حركة انتقاله ، وفعل اللوغوس ينحصر في عملية النقل "[ 17 ] .

نستنتج مع هيدغر أن هذا اللوغوس هو لب الاختلاف ، ولكن ما أثار انتباهنا داخل هذا النص هو مفهوم الديافيرمينون ، عندما نرجع إلى الترجمة الفرنسية إلى لمفهوم الاختلاف (différence) يقول دوفري"إن النقل الفرنسي لمفهوم الاختلاف هو نفسه صميم كلمة ديافورا و التي تعني النقل من إلى" [ 18 ].

إذن فالديافيرمينون هي القوة التي تنقلنا من الماضي إلى الحاضر فهي جوهر اللوغوس- القوة التي توحد الأضداد- وهي أساسا مفهوم الاختلاف عند هيدغر .

يدعونا هيدغر في إطار تمثله لمفهوم الهوية لضرورة العودة لمفهوم الاختلاف لأن الاختلاف هو جوهر الهوية، و لا معنى للهوية إلا كاختلاف ،و الاختلاف هنا لا ينبغي أن يؤخذ على أنه تابع للمطابق(l'identique) أو المعادل (l'égal)و إنما يكون معالجا كالواحد عينه (le même) وضمن عين الواحد، إن هذا الذاتي(le même) ، الفكر- الوجود هو الانتماء المتبادل للمختلف ، الفكر دوما ما يفترض وحدة الوجود ، يمكن أن نجد في الهوية الشخصية عند فيشته دعامة نظرية في ما يخص التوحيد بين الفكر الوجود و ادارك الوجود كمختلف ، أنا =أنا ، يقر فيشته أن هذه المتساوية الأخيرة لا تشكل فحسب صورة من الصور اللامتناهية التي يتخذها مبدأ الهوية ، فعبارة أنا=أنا تتجاوز العبارة أ=أ بل إن أنا=أنا هي أساس العبارة أ=أ ، وبدون صيغة فيشته لا يمكن أن نحكم على أن أ=أ صحيحة.

إذن يتأسس الوجود على ما هو ذاتي ، فالذات هي أساس الهوية ، انطلاقا من التجميع الممكن لما هو مختلف لا يمكن الحديث عن الواحد نفسه- الذاتي- إلا إذا فكر فيه في الاختلاف.

في الأخير يمكن نخلص نتيجة أساسية: لا معنى للهوية مع هيدغر بمعزل عن الاختلاف وفي هذا الإطار يمكن أن نستخلص مجموعة من الاستنتاجات حول مفهوم الهوية و الاختلاف عند مارتن هيدغر.

استنتاجات

1الاختلاف من حيث هو نفي (le ne pas)
يلاحظ الدارس لفلسفة لهيدغر وخصوصا مؤلف الوجود الزمن ، حضور"اللا " وهذه "اللا "لا تشير مطلقا إلى السلب بقدر ما تشير إلى الاختلاف ، و هذا الاختلاف هو الاختلاف الانطولوجي بين الوجود و الموجود كما يقول هيدغر في ما الميتافيزيقا 25الصفحة "ما لا يوجد أبدا ، ولا هو موجود في أي مكان ، ألا ينكشف ككل ما هو مختلف عن كل ما هو موجود ".

2الاختلاف من حيث هو ثني (zwieflat)

الاختلاف من حيث أنه مكون للوجود و لطريقة التي يوجد بها الموجود ، وذلك بحركة مزدوجة تفيد الإضمار و الإظهار ، فالوجود هو ما يخلق الاختلاف.

3 الاختلاف كمخالف

لا يجب أن نأخذ مفهوم الاختلاف كموضوع لتمثل ،لأن التمثل كعنصر ميتافيزيقي يخضع الاختلاف إلى الهوية ، أو على الأرجح يربطه بواسطة معينة ، فالمخالف لا يسمح بهذه الواسطة داخل الهوية ، و إنما يسمح بالانعطاف فيما وراء الميتافيزيقا يقول هيدغر في كتاب الميتافيزيقا الصفحة 89"إذا كانفي مقدور الوجود عينهأن يوضح اختلاف الوجود و الموجود الذي يحمله في ذاته وفي كامل حقيقته، فإنه لا يستطيع ذلك إلا حينما يظهر الاختلاف و يبرز بذاته خصيصا ".
-----------------------------------------------------------
الإحالة
[1] هيراقليطس: جدل الحب والحرب" ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد، الطبعة الثانية 2006ص45
;identité et différence. Gallimard ,1979 paris. p:259 . Heidegger,(M) :questions 1[2]
Ibid. pp:(258-259).[3]
Ibid.p:259[4]
Ibid. p:261[5]
Ibid .p: 263[6]
Ibid. p:267.7 [7]
,l'essencevraie dela technique,cahier de l'herne heidegger,biblio essais ,pp:(272_282) Jacques taminiaux[8]
Heidegger,(M) :questions1;identité et différence. Pp:(268_9) [9]
Ibid .p:271.[10]
Heidegger,(M) :questions1;identité et différence. p:281) [11]
[12] هيغل: المنطق، الجزء الثاني ، ص 52
Ibid.55[13]
Hyppolite (j) :logique et existence p:150.[14]
Ibid.p:143. [15]
Deleuze,(g):différence et répétition , puf 1976, p 46. [16]
Heidegger,(M) :questions1;identité et différence. Pp:(293_4)[17]
: dialogueavec heidegger 3.de minuit .p:188. Beaufret (j) [18]



أ. مصطفى قشوح، باحث، من فاس المغرب، بتاريخ، 21-10-2010
(آخر تعديل لهذه المشاركة : 11-10-2012 10:35 PM بواسطة مصطفى قشوح.)
11-10-2012 10:01 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  اللغة عند توماس هوبس مصطفى قشوح 5 2,186 02-01-2013 08:03 PM
آخر رد: adhamzen
  دراسة - تاج الحضارة - ( الهوية ) - المفهوم ** الواقع ** الاشكالية - الباحث / طارق فاي طارق فايز العجاوى 0 1,265 12-21-2011 10:08 AM
آخر رد: طارق فايز العجاوى
  تاج - الحضارة - ( الهوية ) / المفهوم والواقع والاشكالية / الباحث - طارق فايز العجاوى طارق فايز العجاوى 0 1,280 12-02-2011 06:46 AM
آخر رد: طارق فايز العجاوى
  الإلحاد عند دولباخ مصطفى قشوح 1 1,893 05-06-2011 07:03 PM
آخر رد: طريف سردست
  منهج الحفر الأيديولوجي عند نصر أبو زيد-كريم الصياد كريم الصياد 0 1,082 12-18-2010 07:19 PM
آخر رد: كريم الصياد

التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف