إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
الثورة السورية والصراع السنّي - العلوي / إياد شربجي
الكاتب الموضوع
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #1
الثورة السورية والصراع السنّي - العلوي / إياد شربجي
الثورة السورية والصراع السنّي - العلوي
ملف كتبه لأورينت نت: إياد شربجي
العلويون
في ظل التطورات التي لحقت بالثورة السورية على مدى ثلاثة أعوام من عمرها, كان لا بد من التوقف هنا عند هذه النقطة لمعرفة أسباب تحول الثورة السورية وانحرافها عن مسارها كما يقول البعض خاصة وأن الفترة الأخيرة يصور الأخرون فيها الثورة على أنها صراع طائفي ومذهبي بين السنةوالشيعة وحرب بين الحق والباطل وبين المؤمن والكافر.. وهنا لا يجب الحكم على هذه التغيرات أو التطورات من خلال السنوات الثلاث للثورة بل لابد من التطرق إلى التاريخ السوري بكل ما تعنيه الكلمة من معنى حتى لا يكون الحكم باطلاً وحتى تتضح الرؤية أكثر وأكثر..
وفي ملف الأسبوع يحاول الكاتب إياد شربجي رصد البعد الطائفي للصراع في سورية، وكيف ولد وتربّى حتى استيقظ بهذا الشكل المدمّر تحت ظل نظام عائلة الأسد، وذلك عبر عدة أجزاء متتالية.. مؤكدين أن الصحيفة ستفتح الباب لكل الآراء والتعقيبات التي تناقش ما جاء فيه بحيادية تامة.
(أورينت نت)

الجزء الأول العلويون وسيناريو الصعود

قد لا يختلف اثنان اليوم على أن مسار الثورة السورية قد انحرف بقوة عما بدأ به في آذار 2011 سواء من ناحية الشكل أو المضمون؛ شكلاً تحوّل من مظاهرات سلمية تحمل الورود وأغصان الزيتون ويشارك بها الأطفال والنساء والعجائز والطلبة بما يشبه كرنفالات احتفالية، إلى مواجهات عسكرية عنفية مدمرة يخوضها الكبار ويحتفلون فيها بقتل الشبيحة والشيعة، مضموناً تراجعت دعوات التحرر وإسقاط الديكتاتور بهدف الوصول بسوريا إلى دولة حرة عصرية تضعها على خارطة الأمم المتقدمة، أمام تقدم لدعوات مسكونة بالتاريخ وأمجاد السلف، وتنادي بإقامة دولة الخلافة الإسلامية وإسقاط الأسد النصيري.

السؤال المركزي هنا: هل انعراج مسار الثورة السورية هذا هو نتيجة حتمية لطبيعة المجتمع السوري المنحدر في غالبيته من بيئة محافظة تقليدية تعرضت للقمع والقهر طيلة عقود؟، أم أنه حصيلة مسار وسياق مفتعل وطارئ رُسم له بعمد؟

للوصول إلى جواب واقعي منعزل عن أحكامنا المسبقة، يجب أن لا نكتفي بمعاينة مرحلة الثورة وأحداثها ذات الثلاث السنوات بمعزل عن قرابة 50 سنة عاشتها البلاد تحت حكم عائلة الأسد، و حفرت فيها خروقات أفقية وشاقولية عميقة داخل المجتمع السوري غيرت فيه منظومة القيم والقناعات بشكل جمعي، بل يجدر بنا الرجوع إلى ما قبل ذلك وتحديداً إلى بدايات استيقاظ المارد الطائفي الذي بات يحرّك الأحداث اليوم.

سأحاول في هذا الملف رصد البعد الطائفي للصراع في سورية، وكيف ولد وتربّى حتى استيقظ بهذا الشكل المدمّر تحت ظل نظام عائلة الأسد، وذلك عبر عدة أجزاء متتالية، سأقوم فيها بإعادة رسم مسار الأحداث ابتداءً برصد بدايات تاريخ الصراع الطائفي بين السنة والعلويين ووصول الأسد المؤسس إلى سدّة الحكم وتأسيسه لنظام طائفي بلبوس علماني قومي، مروراً بتقلّد الأسد الابن للسلطة ومتابعته على نهج أبيه، انتهاء بانطلاق الثورة السورية في آذار 2011 وما وصلت إليه الأمور في يومنا هذا، وسأربط ما استطعت من الأحداث ببعضها وبخلفياتها وإجراء التقاطعات اللازمة في محاولة لفهم السياق كاملاً.

ورغم أن منهج هذا الملف سيكون مغرقاً بالعبارات والتوصيفات الطائفية ، وسيحملني ككاتب تبعات لا أريدها، إلا أنه لا بديل عن تسليط الضوء على الحقائق، فمهما حاولنا المواربة لا يمكننا فصل حدث الثورة الحالي عن بعده الطائفي، والهروب والتعمية على هذه الحقائق لن تساعدنا على الوصول إلى نتائج حقيقية، وهنا أرجو أن تكون أية محاججة معاكسة مبنية على معلومات مثبته لا أمنيات واتهامات بالنوايا، آخذين بالاعتبار أن التعابير الاسمية الواردة في متن الملف وصفية وليست تخصيصية، فعندما أقول (علويين أو سنّة) فأنا لا أشملهم جميعاً ككتلة واحدة، بل أتحدث عن صفتهم الجمعية.
الجدير ذكره أيضاً أن مهمة بهذا الحجم تتطلب عملاً بحثياً كبيراً لن يتسع له ملف صحفي، لذا فإنني سأمرّ بالإشارة على بعض المفاصل الرئيسية دون الخوض في كثير من الفاصيل.




* العقل العلوي الجمعي:

بداية كي نستطيع تفسير ما يراه البعض استماتة كثيرين من الطائفة العلوية وحتى المعدمين منهم في الدفاع عن نظام الأسد وتقديمهم أولادهم بسخاء قرباناً له ولبقائه، وكذلك فهم الظواهر العنفية الغريبة التي برزت خلال الثورة السورية (امتهان المقدسات وتدميرها – حفلات التعذيب اللاآدمي – ذبح الأطفال بالسكاكين) لا بد من العودة إلى الخلفيات التاريخية للموضوع لرصد المسببات والدوافع، و معرفة كيف تشكّلت الشخصية العلوية التقليدية ومنظومتها القيمية، وكيف أثّر ذلك بمجرى وتطور سير الأحداث على الأرض.

إن فهم كيفية تكوين العقل العلوي الجمعي سوف يجعلنا على دراية بطريقة عمل هذه الماكينة، وبالتالي توقّع الكثير من سلوكياتها وفهم مآلاتها، ذلك أن كل فعل آدمي ينتج حتماً عن تفاعل عدة مؤثرات؛ عقلية وعاطفية و فيزيولوجية، وهي مجتمعة من تقرر شكل السلوك وكيفيته، ولا يمكن بحال من الأحوال أن نقول مثلاً أن ثمة مجموعة بشرية تستمتع بتعذيب الآدميين وسلخ جلودهم لمجرد رغبتها بذلك، قد يحصل هذا على نطاق الأفراد والمجموعات الضيقة ويكون بمثابة انعكاس لتشوه نفسي مرضي، أما على مستوى الجماعات الكبيرة فالأمر متعلّق بمنظومة متكاملة تنتج مثل هكذا أفعال ناجزة عن الطبيعة البشرية.

لذلك ليس عبثاً كل هذا العنف الذي شاهدناه منذ بداية الثورة وما نزال من قبل الشبيحة وعناصر الأمن، وليس مشهداً عابراً تلذذهم بالقتل والذبح وتقطيع الأوصال وسط ضحكات مجلجلة هستيرية، وهتافات إيمانية تنادي الحسين وعلي.

لا شيء مجاني ويقع بمحض الصدفة في هذا المشهد، فكيف ولمَ يحصل ذلك، هذا ما يجب علينا أن نفهمه ضمن سياقه التاريخي.


من هم العلويون؟

تاريخياً ينسب العلويون أنفسهم إلى الشيعة الجعفرية الاثني عشرية، وهم فعلياً يتفقون مع الشيعة عامة بالرواية التاريخية لمرحلة الرسول وما بعده، ولكنهم يختلفون عنهم بالنظريات الدينية والتفاسير القرآنية وبسند بعض الرجالات، ولعل التسمية الأكثر دقّة للعلويين هي (النصيرية) نسبة إلى محمد بن نصير النميري، والذي يعتقد العلويون أنه "باب" ورسول الإمام الثاني عشر محمد المهدي الذي اختفى و غاب في "الغيبة الصغرى" وأن ابن نصير هو سفيره الوحيد الذي ينقل عنه تعاليمه الفقهية والدينية ريثما يعود ليقاتل في نهاية الزمان، بينما يعتقد عموم الشيعة الاثني عشرية بأن سفراء الإمام المهدي هم أربعة ليس أحدهم محمد بن نصير، بل إن معظمهم يشككون بابن نصير ويعتبرونه مدعياً منحرفاً، ومنهم من يكفّره وأتباعه جملة وتفصيلاً ويتهمونهم بالانحلال والإلحاد، ونرى ذلك في كثير من أدبيات الاثني عشرية، ومنها ما قاله الطبرسي المتوفّى عام 620 للهجرة في كتابه (الاحتجاج، توقيعات الناحية المقدّسة):

"كان محمد بن نصير النميرى من أصحاب أبي محمد الحسن عليه السلام، فلمّا توفّي ادّعى البابية لصاحب الزمان عليه السلام، ففضحه اللّه بما ظهر منه من الإلحاد والغلوّ والتناسخ، وكان يدّعي أنه رسول نبيّ أرسله علي بن محمد عليه السلام، ويقول بالإباحة للمحارم"

ونتيجة باطنية معتقداتهم وسريّتها، وعدم التزامهم المشاعر والطقوس الإسلامية وعدم تحريمهم لمحرماتها، فقد كفّر السنّة العلويين بدورهم، وهنا تبرز الفتوى الشهيرة لابن تيمية الذي قال فيهم:

"هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم" (ملاحظة ضمن هذا السياق، ليس صدفة عندما قال ابراهيم طالب على شاشة التلفزيون السوري عام 2011 ذات العبارة بعد أن ألبسها للمتظاهرين، سيما وأن الأخير ذكر فتوى ابن تيمية ذاتها في لقاء سابق، وهذا ما سيعطينا دلالة على عمق تأثير ثقافة التظلّم والمناكفة في العقلية العلوية التقليدية)

* الصدام الأول

رغم أن كلاً من الشيعة والسنّة يرفضون الاعتراف بهم وإن بنسبة متفاوتة، فقد كان العلويون أقرب دوماً و أكثر التصاقاً بالشيعة، بل ويعتبرون أنفسهم عاشوا مظلمتهم في العصرين الأموي والعباسي، وأنهم شاركوهم ثوراتهم كثورة القرامطة وثورة النفس الزكية وغيرها، وقد دعم شعورهم ذلك دفعهم لثمن الصدام الدموي بين الدولة العثمانية مع نظيرتها الصفوية في إيران تحت حكم الشاه (اسماعيل الصفوي ) ، حيث اقتحمت جيوش السلطان (سليم الأول) سوريا عام 1515 واستباحت حلب ومعرة النعمان توابعهما أسبوعاً كاملاً قتلت خلاله آلافاً من العلويين الشيعة الحمدانيين بسبب تأييدهم للصفويين، فيما أرغمت الباقين على الهروب و الانعزال في الجبال.

من يومها وتلك المذابح حاضرة في الذاكرة العلوية، وهي تأتي بحسب العقلية ذات الجذور الشيعية امتداداً واستمراراً لواقعة الطف بين الحسين ويزيد، وقد أصبحت هذه المجازر سبباً ومبرراً دائماً لشكّ العلويين بالسنّة والتخوّف المستمر منهم وعدم استئمانهم، دعم ذلك نظرة أبناء سنّة الساحل السوري الازدرائية والدونية نحوهم، فاستوطن العلويون الجبال واعتزلوا بعيداً عن المدن الساحلية، و في تلك البيئة الجغرافية القاسية، ونتيجة العزلة والجهل والرغبة بالانتقام بدأت تطبخ منظومة عصبية كونت ثقافة اجتماعية حاقدة تجاه السنة.

وبسبب فقرهم المدقع وشعورهم بفوقية أهل المدن، شكل الشباب العلويون العديد من العصابات و التي كانت تقوم بعمليات سطو وجرائم انتقام في مناطق الساحل، وهو ما ساهم بزيادة الشرخ والشقاق، وجعلت السنة يرسمون صورة وحشية وغير آدمية للعلويين.

وربما تعكس هذه الصورة ما ذكره ليون كاهون في كتابه (رحلة إلى جبال العلويين عام 1878) عندما قال:
"عندما انطلقت نحو الجبال، لم يكن هناك شخص واحد في تلك المدينة (أي اللاذقية) إلا وكان مقتنعاً بأنني ذاهب إلى موت محقق، ذلك أنه لم يغامر أي من سكان المدينة بالذهاب إلى مناطق العلويين فقد كانت تمثل بالنسبة إليهم أرضاً مجهولة تماماً".

وبحسب محمد كرد علي في كتابه (خطط الشام) ، فقد "كانت كلمة النصيري في عهد العثمانيين أشنع كلمات التحقير" و لا يبتعد يوسف الحكيم الذي تدرج في مناصب القضاء من أيام العثمانيين وحتى عهد الاستقلال عن الفرنسيين عن هذا الرأي، فيقول: "كان دين الدولة العثمانية الإسلام على المذهب السني، وكان العلويون ينظر لهم كغير كمسلمين"
وبالفعل ظل العلويون مضطهدين خلال العهد العثماني الذي استمر أربعة قرون، فمنعت عنهم الوظائف الحكومية، حتى الصغيرة منها التي لا تتطلب شيئاً من العلم ، وكانوا عرضة للامتهان من رجال الحكم و أهل المدن.


* الدولة العلوية الأولى والحلم الضائع

استمر الأمر كذلك بعد خروج العثمانيين في سورية إثر الثورة العربية الكبرى عام 1916 ثم وقوعها تحدت الانتداب الفرنسي، فلم يحظ العلويون بأي احترام اجتماعي نظراً لتقوقعهم وفقرهم و توجّسهم من بقية السوريين سيما في الساحل، وقد استغل الفرنسيون ذلك وتحالفوا مع عدد من الزعماء المتشددين الذين ساهموا بمؤلفاتهم ودعاويهم بمزيد من التشويه في عقيدة العلويين واستعدائهم للسُنة أمثال سليمان المرشد زعيم جماعة (الفيسية) التأليهية، وسليمان الميدي زعيم جماعة (السنجرية)، وتم تطويع كثير من الشباب العلويين لخدمة المحتلين، وانخرط أبناؤهم في صفوف ومؤسسات الجيش الفرنسي المحلي، وتطبيقاً لسياسة (فرّق تسد) أعطت فرنسا العلويين حكماً ذاتياً عام 1920 تحت اسم "دولة جبل العلويين" استمرت حتى العام 1936، وكان هذا أول نهوض حقيقي في تاريخ العلويين الذي كانوا فيه محكومين دوماً.
قبيل الاستقلال عن المحتل الفرنسي، انقسم وجهاء الطائفة بين مؤيد للوحدة مع سوريا الداخلية، وبين معارض لها، و بعث بعض وجهاء الطائفة ببرقية للحكومة الفرنسية يطالبونها فيها بعدم الانسحاب من سوريا خوفاً من تعرضهم للاضطهاد السني، و كان من أبرز الموقعين على هذه البرقية سليمان الأسعد، (الذي ترجم خطأ سليمان الأسد جد حافظ الأسد) و سليمان المرشد الزعيم الروحي للمرشدية، وجاء في الوثيقة ما نصه :

- إن الشعب العلوي الذي حافظ على استقلاله يختلف بمعتقداته الدينية وعاداته وتاريخه عن الشعب المسلم السني.

- إن الشعب العلوي يرفض أن يلحق بسوريا المسلمة، لأن الدين الإسلامي يعتبر دين الدولة الرسمي، والشعب العلوي، بالنسبة إلى الدين الإسلامي يُعتبر كافرا. لذا نلفت نظركم إلى ما ينتظر العلويين من مصير مخيف وفظيع في حالة إرغامهم على الالتحاق بسوريا عندما تتخلص من مراقبة الانتداب ويصبح بإمكانها أن تطبق القوانين والأنظمة المستمدة من دينها.

- إن منح سوريا استقلالها يعني سيطرة بعض العائلات المسلمة على الشعب العلوي في كيليكيا واسكندرون وجبال النصيرية.

- إن روح الحقد والتعصب التي غرزت جذورها في صدر المسلمين العرب نحو كل ما هو غير مسلم هي روح يغذيها الدين الإسلامي على الدوام. فليس هناك أمل في أن تتبدل الوضعية. لذلك فان الأقليات في سوريا تصبح في حالة إلغاء الانتداب معرضة لخطر الموت والفناء، بغض النظر عن كون هذا الإلغاء يقضي على حرية الفكر والمعتقد، وها إننا نلمس اليوم كيف أن مواطني دمشق المسلمين يرغمون اليهود القاطنين بين ظهرانيهم على توقيع وثيقة يتعهدون بها بعدم إرسال المواد الغذائية إلى إخوانهم اليهود المنكوبين في فلسطين.

لكن لم يكن للانفصاليين ما أرادوا، وخرجت فرنسا من سورية في النهاية، وبقي العلويون بالنسبة لمعظم السنّة في المنطقة مجرد خونة مع استثناءات لبعض الشخصيات النضالية والمثقفة التي برزت من الطائفة كصالح العلي وبدوي الجبل وغيرهم، والحقيقة أن سنّة أهل المدن، سيما اللاذقية وجبلة وحماه أمعنوا في إذلال العلويين، وهذا ما أشار إليه نيكولاس فان دام في كتابه الصراع على السلطة في سورية:

" ﻜﺎﻥ ﺼﻐﺎﺭ الفلاحين من ﻤﺯﺍﺭﻋﻲ ﺍﻟﺘﺒﻎ ﻤﻀﻁﺭﻴﻥ ﻟﺒﻴﻊ ﻤﺤﺼﻭﻟﻬﻡ ﻟﻠﺴﻤﺎﺴﺭﺓ ﻤﻥ ﺍﻟﺴﻨﻴﻴﻥ ﺍﻟﻘﺎﻁﻨﻴﻥ في ﺍﻟﺴﻭﺍﺤﻝ ﻤﻘﺎﺒﻝ ﻤﺒﺎﻟﻎ ﻀﺌﻴﻠﺔ، ﻭﻫﻨﺎﻙ ﻅﺎﻫﺭﺓ ﺠﺩﻴﺭﺓ ﺒﺎﻟﻤﻼﺤﻅﺔ ﺘﺩﻝ ﻋﻠﻰ ﺸﺩﺓ ﻓﻘﺭ ﺍﻟﻌﻠﻭﻴﻴﻥ، ألا وهي ﺃﻥ ﺃﻓﻘﺭ العائلات ﻜﺎﻨﺕ ﺘﻀﻁﺭ ﻟﻠﺘﻌﺎﻗﺩ ﻋﻠﻰ ﺘﺸﻐﻴﻝ ﺒﻨﺎﺘﻬﺎ ﻜﺨﺎﺩﻤﺎﺕ ﻓﻲ ﻤﻨﺎﺯﻝ العائلات ﺍﻟﺜﺭﻴﺔ، ﻭﻤﻌﻅﻤﻬﺎ ﻤﻥ ﺍﻟﺴﻨﻴﻴﻥ في المدن ﺍﻟﺫﻴﻥ ﻜﺎﻨﻭﺍ ﻴﻨﻅﺭﻭﻥ ﻟﻠﻔﻼﺤﻴﻥ ﺍﻟﻌﻠﻭﻴﻴﻥ ﺒاﺯﺩﺭﺍﺀ".

* بداية الصعود
بعد تأسيسه في العام 1947 لم يستقطب حزب البعث عدداً ملحوظاً من المنتسبين من أهالي المدن السنية الذين تجمعهم روابط بينية؛ دينية وعائلية واجتماعية تقليدية أكثر منها حزبية أيدلوجية، لكن الحزب كان حلاً وفرصة لكثيرين من الأقليات ممن كانوا يجدون في هدفه القومي العروبي رابطة و قوة جمعية تزيد كثرتهم وتأثيرهم أمام المارد السني، ولأن أهداف الحزب كانت واضحة ومعلنة في سعيه للوصول إلى السلطة، فقد دفعت كثير من العائلات العلوية المعدمة أبناءها للانتساب للحزب الذي بدأ يتسلل إلى الجيش مصدر القوة والهيبة في البلاد، وقد لاحظ أكرم الحوراني وعبد الكريم النحلاوي ذلك وبدؤوا ينبهون من مخطط العلويين ويستعدونهم على الملأ ويحرضون ضدّهم، وهو ما ساهم بمزيد من التكتّل في صفوف المجندين والضباط العلويين وزيادة التنسيق فيما بينهم.

في 8 آذار 1963 بدأت النكسة الحقيقية الكبرى للحياة الديمقراطية في سورية عندما انقلب حزب البعث على الرئيس ناظم القدسي والحكومة المنتخبة برئاسة خالد العظم، و كان من نتائج (الثورة)، إلغاء التعددية السياسية والاقتصاديّة وقيام دولة الحزب الواحد في سوريا وإنفاذ قانون الطوارئ منذ عام 1963، فيما تبنّى الاتحاد السوفياتي هذا الوليد الاشتراكي الجديد، وتولّى إقناع المجتمع الدولي الاعتراف به.

كانت اللجنة العسكرية التي قامت بالانقلاب مؤلفة من 14 عضواً ثلثهم من العلويين ﻫﻡ عثمان كنعان، وسليمان حداد، وحافظ الاسد، وﻤﺤﻤﺩ ﻋﻤﺭﺍﻥ، وصلاح جديد، وكان الثلاثة الأخيرون هم ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻟﻠﺠﻨﺔ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻴﺔ ذاتها.

وبدهاء من الأسد وتحالفاته المتشعبّة التي أقامها داخل اللجنة العسكرية وخارجها، فقد قامت اللجنة العسكرية بترفيعه في العام 1964 من رتبة رائد إلى لواء مباشرة، ثم عُين قائداً لسلاح الجو فوزيراً للدفاع في العام 1966.

خلال تلك الفترة وما تلاها، ووسط استغفال حيناً، وتآمر حيناً، وتهديد واعتقال حينا آخر، بدأ المؤثرون في اللجنة العسكرية سيما حافظ الأسد ومحمد عمران بتسريح الضباط السنة وخصوصاً الدمشقيين الذين كانوا بلغوا مجد قوتهم تحت قيادة المقدم عبد الكريم نحلاوي قبيل الانقلاب، وبدأ ملء الفراغ الناشئ بمنتسبي حزب البعث من الأقليات والمعدمين وسيما العلويين منهم.

وهذا ما يشير له الكاتب نيكولاس فان دام في كتابه:

" حيث ﺘﻡ ﺍﺴﺘﺒﺩﺍﻝ ﻨﺤﻭ ﻨﺼﻑ ﻋﺩﺩ ﺍﻟﻀﺒﺎﻁ ﺍﻟﻤسرّحين ﻭﺍﻟﺒﺎﻟﻎ عددهم حوالي 700 بعلويين "
و يتحدث ﺍﻟﻠﻭﺍﺀ عبد الكريم زهر الدين القائد الأعلى للقوات المسلحة السورية إبّان الانقلاب عن حملة التطهير الممنهجة التي تمت لمعظم ﻭﺤﺩﺍﺕ ﺍﻟﺠﻴﺵ ﺤﻭﻝ ﺩﻤﺸﻕ من قبل اللجنة العسكرية بتحالف رئيسي بين الأسد وعمران وجديد ، يقول زهر الدين في كتابه (ﻤﺫﻜﺭﺍﺘﻲ ﻋﻥ ﻓﺘﺭﺓ الاﻨﻔﺼﺎﻝ) :
"ﺘﻡ ﺍﺴﺘﺒﺩﺍل معظم الضباط الدمشقيين ﺒآخرين ﻻ ﻴﻀﻤﺭﻭﻥ لدمشق ﻭﺃﻫﻠﻬﺎ إلا ﺍﻟﺤﻘﺩ ﻭﺍﻟﻜﺭﺍﻫﻴﺔ"

* إبعاد الخصوم

على أن تجنيد العلويين في الجيش لم يكن يتم فقط على أسس طائفية، بل حتى قبلية وعائلية، و كان محمد عمران الأشدّ تطرفاً وأكثر أعضاء اللجنة العسكرية تجنيداً لأقاربه من الطائفة، وهو ما كوّن حولة كتلة تنتمي له بقوة، لاحظ حافظ الأسد ذلك وانتظر الفرصة المناسبة، ثم حدث أن قال عمران في اجتماع حزبي: "ﺇﻥ ﺍﻟﻔﺎﻁﻤﻴﺔ ﻴﺠﺏ ﺃﻥ ﺘﺄﺨﺫ ﺩﻭﺭﻫﺎ من جديد" في إشارة إلى العلويين، فاستغل الأسد هذا الخطأ باعتباره يناقض عقيدة حزب البعث العلمانية القومية، فضلاً عن أنه أثار حمية وغضب بقية أعضاء اللجنة العسكرية من غير العلويين، فتحالف مع الدرزي سليم حاطوم والسني أمين الحافظ والعلوي صلاح جديد، وطردوا عمران من اللجنة العسكرية، لتبدأ بعدها سلسلة لا تنتهي قادها حافظ بكل احترافية للتخلّص من رفاقه واحداً تلو الآخر بدءاً من أمين الحافظ مروراً بسليم حاطوم، ولتنتهي بمنافسه الأخير والأكثر صلابة صلاح جديد، والذي كان يتمتع ببعض الاحترام بسبب عقيدته القومية الحقيقية.

فبعد هزيمة حرب 1967 انتقد جديد أداء وزير الدفاع حافظ الأسد خلال الحرب وقراره المشبوه بسحب الجيش وإعلان سقوط القنيطرة بيد إسرائيل قبل أن يحدث ذلك فعليًا، وتفاقمت هذه الخلافات مع توجه صلاح جديد نحو خوض حرب طويلة مع إسرائيل، بينما عارض الأسد ذلك، ووصلت الخلافات بينهما إلى أوجها خلال أحداث أيلول الأسود في الأردن عام 1970، حيث أرسل صلاح جديد الجيش السوري لدعم الفلسطينيين، لكن الأسد امتنع عن تقديم التغطية الجوية للجيش وتسبب في إفشال مهمته، وعلى إثر ذلك قام جديد بعقد اجتماع للقيادة القطرية لحزب البعث والتي قررت بالإجماع إقالة الاسد مع رئيس الأركان مصطفى طلاس من منصبيهما، لكن الأسد لم ينصع للقرار، و بحركة عسكرية خاطفة بمساعدة بعض القطع الموالية له في الجيش تمكّن الأسد من الانقلاب على رفاقه السابقين وعلى رئيس الجمهورية في حينه نور الدين الأتاسي، ثم اعتقلهم وسجنهم وشتتهم فيما يعرف بالحركة التصحيحية، ليصبح حافظ الأسد الزعيم العلوي الوحيد ومركز استقطاب الطائفة، وفي 21 من نفس الشهر عيّن الأسد نفسه رئيساً للوزراء بالإضافة لاحتفاظه بمنصب وزير الدفاع، ثم ليحصل على صلاحيات رئيس الجمهورية في 22 شباط 1971 و يثبت في 12 آذار 1971 رئيساً للجمهورية العربية السورية لمدة سبع سنوات جرى تجديدها خمس مرات لاحقاً، وليكون الأسد بذلك أول رئيس علوي في التاريخ السوري.

* العلويون في دمشق
لم يصل حافظ الأسد إلى سدة السلطة في قلب دمشق إلا وكان قد رتّب الأجواء جيداً من حوله، وكعسكري سابق يدرك أن ميزان القوة الحقيقي يقع في أيدي الجيش، فقد وضع العلويين في المفاصل الأكثر تأثيراً في الجيش، مع الحفاظ على مناصب صورية لبعض السنة كرئيس الأركان مصطفى طلاس، فيما وضع معظم السلطة الحزبية والمدنية والاقتصادية بأيدي السنّة محققاً بذلك عدة أهداف مرّة واحدة:

- استرضاء الغالبية السنية وإشعارها بأن الأسد يقود نظام حكمه وطني وغير طائفي
- نيل التزكية والتغطية الدولية
- الاستفادة من القاعدة السنية الاقتصادية القوية لدعم نظام حكمه.

ورغم أن هذا السيناريو نجح في السنوات الأولى خلال حكم الأسد، إلا أنه لم يعمّر طويلاً، فقد بدأت مظاهر(علونة) الدولة تزداد وضوحاً، وتحكم حزب البعث بمفاصل كثيرة وتمتع بامتيازات غير قانونية، فيما كان الجيش يفقد هويته الوطنية لصالح الأسد وحزبه ويمارس سلطته لخدمتهم، و بدأ السوريون يلحظون أن العلويين يتدفقون بالمئات والآلاف إلى المدن الرئيسية سيما الساحل ودمشق وأنهم أخذوا يغيرون ديموغرافية بعض المناطق و يتوازعون أهم المراكز الحكومية بينهم، مبدين مشاعر وسلوكيات انتقامية وثأرية غير مبررة ضد أبناء المدن، وهو ما اعتبره مجتمع المدينة السني استخفافاً به وتحدياً له في عقر داره، ومحاولة مكشوفة لتحييده من قبل ريفيين رعاع اجتماعياً و منحلّين أخلاقياً ودينياُ يتحركون ضدهم بدوافع عدائية دينية وطبقية، وزاد تلك النقمة الصبغة القومية العلمانية التي فرضها نظام البعث على البلاد، والتي لم تتواءم مع قاعدة شعبية محافظة، توجد فيها قوى وتيارات سياسية فاعلة تؤمن بريادة وقوامة الدين على المجتمع كالإخوان المسلمين وغيرهم، و قد بدأت أولى المواجهات بين نظام البعث (النصيري) والتنظيمات الإسلامية في العام 1976..

من هذه النقطة سأنطلق في الجزء الثاني من هذا الملف

مقال طويل متعوب عليه يستحق القراءة رغم طوله

الثورة السورية والصراع السنّي - العلوي الجزء 2
ملف كتبه لأورينت نت: إياد شربجي
وثائق
نتابع في ملف الأسبوع لهذا الإثنين الجزء الثاني من الملف الذي كتبه إياد شربجي وفي الجزء الثاني يقف الكاتب عند استكمال المشروع العلوي الذي قام به حافظ الأسد بمساعدة بعض من كان يثق بهم!, حتى انفرد بالسلطة كاملة على أساس طائفي بحت, فكل ما قام به في تلك الفترة إن دلت على شيء فتدل على طائفيته وسعيه المحموم لبناء سلطة علوية مستقلة وكاملة, كما يمر الكاتب على الثورة الحموية الأولى وكيف رد حافظ الأسد عليها, وينتقل أخيراً إلى تمكين السلطة العلوية فعلياً في سوريا وإحكام الأسد الأب لسلطته الطائفية.. ونذكر بأن الصحيفة ستفتح باب النقاش لكل الآراء والتعليقات بحيادية تامة.

(أورينت نت)

الجزء الثاني: التغوّل والسيطرة الكاملة

قبل الدخول في مرحلة بدء صدام حافظ الأسد مع الإسلاميين لا بد من العودة للتعريج على بعض التفاصيل التي لم يرد ذكرها في الجزء الأول من الملف، والتي تعدّ ضرورية لفهم السياق كاملاً، لجهة أن المشروع العلوي والشخصي الأسدي كان الوحيد الهادف لاستفراد بالسلطة كاملة على أساس طائفي، وهو في طريقه إلى ذلك داس على كل رفاقه وقام بتصفيتهم واحداً تلو الآخر، وكان ذلك يتم على مراحل ووفق خطة ممنهجة وضعها الأسد وجديد من الخلف واستخدما فيها الآخرين أبشع استخدام وأوقعوهم بين بعضم ثم خانوهم جميعاً وأطاحوا بهم، ولأنه لا يمكن أن يكون هناك ربانان لسفينة واحدة، سرعان ما استفرد الأسد وحيداً بالمشروع العلوي عندما انقض على جديد نفسه في اللحظة المناسبة عام 1970 لتتأسس جمهورية الأسد من حينه.

تدمير العسكرية السنيّة

عندما اجتمع العلويون الثلاثة (محمد عمران-صلاح جديد- حافظ الأسد) في القاهرة عام 1959 وشكلوا نواة اللجنة العسكرية التي ستقوم بالانقلاب لاحقاً، عرفوا أنه لا يمكن لحركتهم أن ترى النور ما لم يتم تغطيتها طائفياً، لذلك بعد عودتهم إلى سورية خلال صفقة التبادل بين ضباط سوريين ومصريين إثر الانفصال عام1961 كان أول ما فعلوه هو توسيع دائرة اللجنة العسكرية لتشمل ضباطاً من طوائف أخرى يبدو أنه تم اختيارهم بعناية، فقد تم ضمّ اسماعيليين هما ﺃﺤﻤﺩ ﺍﻟﻤﻴﺭ و ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻜﺭﻴﻡ ﺍﻟﺠﻨﺩﻱ ، ودرزيان هما حمد عبيد و سليم حاطوم والاثنان معروفان بطائفيتهما، ويتميز حاطوم عن عبيد بوحشيته وسذاجته (سوف يستخدمه الأسد وجديد لاحقاً بالكثير من أعمالهما القذرة قبل أن يتخلّصا منه في النهاية)، بالإضافة لستة من السنة (لا يوجد أي دمشقي من بينهم) كان من بينهم ثلاثة من حوران هم موسى الزعبي ومصطفى الحاج علي وأحمد سويداني(جميعهم كانوا على شقاق مع النخبة العسكرية الدمشقية بقيادة عبد الكريم نحلاوي) واثنان من حلب هما حسين ملحم وأمين الحافظ والأخير كان معروفاً أيضاً بسذاجته وعنترياته الفارغة، أما الضابط السني الأخير فكان محمد رباح الطويل من اللاذقية، وبهدف الحصول على الغلبة والتأثير تم أيضاً توسيع التمثيل العلوي في اللجنة ليشمل ضابطين إضافيين هما عثمان كنعان، وسليمان حداد.

ما عدا صلاح الجديد وعبد الكريم الجندي المنحدرين من طبقة اجتماعية متوسطة فإن جميع من سبقهم ينحدرون من عائلات قروية فقيرة، وكانت لديهم في الغالب قناعات ومشاكل طبقية شخصية وأيدلوجية بعثية مع طبقة التجّار والملاك (من الإقطاعيين والبرجوازيين) من أهل المدن سيما العاصمة دمشق.

وكما أشرنا في الجزء السابق، فبعد انقلاب العام 1963 قام أعضاء اللجنة العسكرية المصغرة العليا للانقلاب (الأسد - جديد - عمران) بتجنيد آلاف من العلويين في صفوف الجيش بالتوازي مع تسريح أمثالهم من الضباط السنّة، و ﻁﺒﻘﺎًﹰ ﻟﻤﺎ ﺫﻜﺭﻩ ﺍﻟﺩﻜﺘﻭﺭ ﻤﻨﻴﻑ ﺍﻟﺭﺯﺍﺯ، الأﻤﻴﻥ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻟﻠﻘﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﻭﻤﻴﺔ ﻟﺤﺯﺏ ﺍﻟﺒﻌﺙ بين عامي 1965-1966:
"بدأت ﺭﻭﺍﺌﺢ ﺍﻟﺘﻜﺘﻴﻝ ﺍﻟﻁﺎﺌﻔﻲ ﺍﻟﻤﻘﺼﻭﺩ ﺘﻔﻭﺡ، ﻭﺒﺩﺃ ﺍﻟﺤﺩﻴﺙ ﻋﻨﻬﺎ، ﺃﻭﻝ الأمر همساً، ﺜﻡ ﺒﺩﺃﺕ الأصوات بالارتفاع ﺤﻴﻥ ﻅﻬﺭﺕ ﺒﻭﺍﺩﺭ ﻤﺎﺩﻴﺔ ﺘﺴﻨﺩ هذا ﺍﻻﺘﻬﺎﻡ".

ويذكر الكاتب ﻤﻁﺎﻉ ﺍﻟﺼﻔﺩﻱ الذي عايش تلك المرحلة في كتابه "ﺤﺯﺏ ﺍﻟﺒﻌﺙ": "ﺇﻥ ﺍﻟﺘﺴﺭﻴﺤﺎﺕ ﺒﺎﻟﻤﺌﺎﺕ ﺍﺴﺘﻬﺩﻓﺕ ﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻀﺒﺎﻁ ﻤﻥ ﺃﺒﻨﺎﺀ ﺍﻟﻤﺩﻥ ﺍﻟﻜﺒﺭﻯ، ﻭﻤﻥ (ﺍﻟﺴﻨّﻴﻴﻥ) ﺨﺎﺼﺔ ﺤﺘﻰ ﻓﺭﻏﺕ ﺃﺴﻠﺤﺔ ﻜﺎﻤﻠﺔ ﻤﻥ ﻀﺒﺎﻁﻬﺎ ﺍﻟﺭﺌﻴﺴﻴﻴﻥ، كسلاحي الطيران والبحرية، وكذلك الآليات، ﻭﻜﺫﻟﻙ ﺍﺘﹸﺒﻌﺕ ﻨﻔﺱ ﺍﻟﺨﹸﻁﺔ ﺤﻴﺎﻝ ﺼﻑ ﺍﻟﻀﺒﺎﻁ ﻭﺍﻟﺠﻨﻭﺩ، ﺤﺘﻰ ﺃﺼﺒﺢ ﻤﻥ ﺍﻟﻤﺘﻌﺎﺭﻑ ﻋﻠﻴﻪ أﻥ ﺃﻟﻭﻴﺔ ﻜﺎﻤﻠﺔ، ﺒﺄﺭﻜﺎﻥ ﺤﺭﺒﻬﺎ ﻭﺼﻑ ﻀﺒﺎﻁﻬﺎ ﻭﺠﻨﻭﺩﻫﺎ، ﻭﻗﻑ ﻋﻠﻰ العلويين".

يدعم ذلك ما ذكره "نيكولاس فاندام" في كتابه (الصراع في سورية): "اللواء ﺍﻟﺴﺒﻌﻴﻥ ﺍﻟﻤﺘﻤﺭﻜﺯ ﺒﺎﻟﻘﺭﺏ ﻤﻥ ﺍﻟﻜﺴﻭﺓ ﺠﻨﻭﺏ ﺩﻤﺸﻕ، كانت ﻤﻌﻅم طواقمه ﻤﻥ ﺍﻟﻌﻠﻭﻴﻴﻥ وإن العناصر السنية لم تكن ذات قيمة، فبينما ﻜﺎﻥ محمود حمرا السني قائد كتيبة للدبابات في اللواء، فإنه لم يكن له أية سلطة فعلية أمام صف الضابط العلوي في الكتيبة علي مصطفى والذي كان يستمد قراراته مباشرة من الجديد والأسد".

هذه السلوكيات الطائفية التي باتت واضحة ومعلنة، دفعت عدداً من الضباط السنّة لمحاولة الانقلاب من خارج اللجنة العسكرية العليا كعبد الكريم نحلاوي وجاسم علوان وغيرهم، لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل وقمعت في مهدها من القاعدة العلوية التي أصبحت مترسّخة على مستوى صف الضباط والجنود في تلك المرحلة، أما أمين الحافظ فقد بدأ يجاهر بعدائه لتكتّل العلويين لكنه لم يكن يمتلك من أمره إلا الكلام والادعاء، ولم يعمد كالآخرين على تمتين جبهته، بل إنه خسر حتى بعض مؤيديه من الضباط السنّة، وكان من بين أولئك مصطفى طلاس والذي كانت لحظة فراقه الحقيقية به عندما اتخذ الحافظ بحقه إجراءاً تأديبياً بعد خلاف نشأ بينهما في إحدى سهرات النوادي الليلية عام 1965، رعونة أمين الحافظ وادعاءاته الفارغة غير المستندة على قوّة على الأرض، حرقت أوراقه داخل قيادة اللجنة العسكرية حتى أمام أعزّ أصدقائه القدامى كسليم حاطوم، والذي قاد لاحقاً (مدفوعاً من حافظ الأسد وصلاح جديد) عملية عسكرية للإطاحة بالحافظ في 23 شباط 1966، فقام بمحاصرة القصر الجمهوري حيث يوجد الأخير ورفع السلاح في وجهه وقتل حوالي 70 من حرسه إلى أن سلّم نفسه.

خيانة الشركاء:

بعد انقلاب 23 (ﺸﺒﺎﻁ) 1966 الذي خططه وأداره الأسد وجديد من الخلف ونفّذه حاطوم في الواجهة، والذي أطاح برئيس الجمهورية أمين الحافظ ومؤيديه وكذلك مؤسسي حزب البعث ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، شنّت السلطة الانقلابية الجديدة حملة أخرى من التصفيات في أوساط الضباط من غير العلويين، وعلى إثر الانقلاب إيّاه عقد حزب البعث مؤتمراً قطرياً استثنائياً تم بموجبه إحكام السيطرة العلوية على السلطة، حيث عُيّن حافظ الأسد وزيراً للدفاع، وتولّى جديد مسؤولية الحزب بالكامل مع احتفاظه بولاءاته العسكرية، وأقرّت سلسلة ترفيعات كبيرة لضباط علويين استلمت أهم القطاعات في الجيش، فيما تمّ تنصيب الدكتور نور الدين الأتاسي صُورياً كرئيس سنّي للجمهورية، وعلى غير المأمول والمتوقّع شملت التصفيات ضباطاً من طوائف أخرى، حيث تم استبعاد عدد من أهم الضباط الاسماعيليين و الدروز من الجيش، وكان من بينهم ﺤﻤﺩ ﻋﺒﻴﺩ، وطلال أﺒﻭ ﻋﺴﻠﻲ ﻭﻓﻬﺩ ﺍﻟﺸﺎﻋﺭ، وذلك بدعوى تكتلهم الطائفي الذي يناقض عقيدة البعث القومية..!!!

على أن الضحية الأكبر للانقلاب الثاني كان ﺴﻠﻴﻡ ﺤﺎﻁﻭﻡ نفسه، فبعد الإجراءات المذلّة التي تعرض لها أمين الحافظ وكتلته السنية، وكذلك ميشيل عفلق والبيطار وشبلي العيسمي وإيداعهم سجن المزة بظروف مهينة، تنبّه حاطوم إلى المخطط العلوي الذي يسير بثبات وتركيز، وتأكّد له ذلك عندما شملت التسريحات عدداً كبيراً من الضباط و أعضاء الحزب الدروز، فأعلن حاطوم رفضه لهذه الإجراءات واعتبرها طعناً شخصياً فيه، فقام وزير الدفاع الجديد حافظ الأسد بسحب صلاحياته بالكامل وسط ذهول الأخير الذي شعر بالخيانة.

نتيجة ذلك حدثت قلاقل في السويداء استنهضت الجبل، وفي برقية أُرسلت للقيادة القطرية للحزب هدد أعضاء الحزب في السويداء ﺒمقاطعة القيادة القطرية وأوامرها بالكامل ﺇﺫﺍ ﻤﺎ ﺍﺴﺘﻤﺭﺕ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺘﺼﻔﻴﺔ العناصر و ﺍﻟﻀﺒﺎﻁ ﺍﻟﺩﺭﻭﺯ من الجيش والحزب، وبعد زيادة حدّة التوترات هناك، أرسلت القيادة القطرية ﻟﺠﻨﺔ ﺤﺯﺒﻴﺔ ﻋﻠﻴﺎ ﻟﻠﺴﻭﻴﺩﺍﺀ ضمت الرئيس السوري نور الدين الأتاسي، والأمين العام المساعد صلاح جديد، فيما اعتذر حافظ الأسد عن الذهاب وبقي في دمشق، هنا ﺍﻏﺘﻨﻡ ﺤﺎﻁﻭﻡ ﻭﺃﻨﺼﺎﺭﻩ ﻓﺭﺼﺔ ﻭﺼﻭﻝ ﺍﻟﻠﺠﻨﺔ إلى السويداء ﻭﺍﻋﺘﻘﻠﻭﺍ كامل أفرادها، ظناً منه أنه يستطيع استخدامهم كرهائن في مفاوضاته ﻤﻊ حافظ الأسد في دمشق.

اتصل سليم حاطوم بالأسد الذي كان قد متّن أقدامه جيداً في الجيش والحزب، وعرض عليه شروطه التي تتلخص في إعادة اعتبار الكتلة الدرزية، وكان ردّ حافظ الأسد صادماً، فبدلاً من سعيه للتفاوض لإطلاق سراح أصدقائه الأتاسي وجديد فقد أرسل في 8 أيلول 1966 قوة عسكرية قوامها وحدات مدرّعة بالإضافة لكتيبة للصواريخ، وهدد بقصف السويداء وتدميرها فوق رؤوس ساكنيها، من غير أن يقيم أي اعتبار لغضب الدروز الذين كانوا فعلياً فقدوا أي تأثير لهم في الجيش والحزب، وكان هذا أول ظهور سلطوي عنفي واضح للأسد الذي تعوّد دوماً أن يعمل في الخفاء ويبتعد عن الواجهة.

نتيجة هذا الرد الناري تدخل "المشايخ" الدروز للإفراج عن الرهائن، وفشلت خطة حاطوم وهرب إلى الأردن ليعلن ويطلق من هناك حرباً شعواء على الأسد، فقد عقد حاطوم مؤتمراً صحفياً ﻓﻲ عمان يوم 13 ﺴﺒﺘﻤﺒﺭ (ﺃﻴﻠﻭﻝ ) 1966 قال فيه:
"إﻥ ﺍﻟﻔﺌﺔ ﺍﻟﺤﺎﻜﻤﺔ ﺘﻌﻤﺩ إﻟﻰ ﺘﺼﻔﻴﺔ ﺍﻟﻀﺒﺎﻁ ﻭﺍﻟﻔﺌﺎﺕ ﺍﻟﻤﻨﺎﻫﻀﺔ ﻟﻬﺎ ﻭﺘﺤﻝ ﻤﻜﺎﻨﻬﻡ ﻤﻥ ﺍﺘﺒﺎﻋﻬﺎ ﻓﻲ ﻤﺨﺘﻠﻑ ﺍﻟﻤﻨﺎﺼﺏ، وقد ﺒﻠﻐﺕ ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻌﻠﻭﻴﻴﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻴﺵ ﺨﻤﺴﺔ ﻤﻘﺎﺒﻝ ﻭﺍﺤﺩ ﻤﻥ ﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻁﻭﺍﺌﻑ الأخرى".

وفي مقابلة صحفية خاصة نشرتها جريدة النهار في اليوم التالي لذلك قال حاطوم: " ﺇﺫﺍ ﻤﺎ ﺴُﺌِﻝ ﻋﺴﻜﺭﻱ ﺴﻭﺭﻱ ﻋﻥ ﻀﺒﺎﻁﻪ الأحرار ﺴﻴﻜﻭﻥ ﺠﻭﺍﺒﻪ بأﻨﻬﻡ ﺴُﺭﺤﻭﺍ ﻭﺸﺭﺩﻭﺍ ﻭﻟﻡ ﻴﺒﻕَ ﺴﻭﻯ ﺍﻟﻀﺒﺎﻁ ﺍﻟﻌﻠﻭﻴﻴﻥ، إﻥ ﺍﻟﻀﺒﺎﻁ ﺍﻟﻌﻠﻭﻴﻴﻥ ﻤﺘﻤﺴﻜﻭﻥ ﺒﻌﺸﻴﺭﺘﻬﻡ ﻭﻟﻴﺱ ﺒﻌﺴﻜﺭﻴﺘﻬﻡ ﻭﻫﻤﻬﻡ ﺤﻤﺎﻴﺔ صلاح جديد وحافظ الأسد".

ثم ﺒﺘﺎﺭﻴﺦ 28 من ذات الشهر صرّح لجريدة الحياة بما حرفيته: "إﻥ ﺍﻟﻤﺠﻤﻭﻋﺔ ﺍﻟﺤﺎﻜﻤﺔ ﻓﻰ ﺩﻤﺸﻕ ﻋﻘﺩﺕ ﺍﻟﻌﺯﻡ ﻋﻠﻰ ﺘﻨﻔﻴﺫ ﺨﻁﺔ ﻁﺎﺌﻔﻴﺔ ﺒﻐﻴﺔ إﻗﺎﻤﺔ ﻨﻅﺎﻡ ﺍﻨﺘﻬﺎﺯﻱ ﻴﺤﻤﻝ ﺸﻌﺎﺭ ﺩﻭﻟﺔ ﻋﻠﻭﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﺭﺴﺎﻟﺔ ﺨﺎﻟﺩﺓ".

بعد فشل خطة خاطوم اعتقل العشرات من الضباط الدروز المتبقين بشكل وحشي، ووجهت إليهم تهم بمحاولة الانقلاب على النظام الحاكم، وتأسيس تنظيمات طائفية تعادي وحدة الأمة، وصدر حكم بالإعدام ضد حاطوم الهارب بتهمة العمالة لإسرائيل والصهيونية، وقد أثارت هذه الإجراءات الشارع الدرزي بشكل أكثر جدية هذه المرة، وهو ما دفع قائد الثورة السورية الكبرى ﺴﻠﻁﺎﻥ باشا الأطرش ﻭﺍﻟﺫﻱ ﻜﺎﻥ ﻻ ﻴﺯﺍﻝ ﻴﺤﻅﻰ ﺒﺎﺤﺘﺭﺍﻡ ﻜﺒﻴﺭ لإرسال ﺒﺭﻗﻴﺔ ﻤﻔﺘﻭﺤﺔ ﻟقيادة الجيش في كانون الأول 1966 قال فيها مهدداً: "أﻭﻻﺩﻨﺎ ﻓﻰ ﺍﻟﺴﺠﻭﻥ ﻤﻀﺭﺒﻭﻥ، وﻨﺤﻤﻠﻜﻡ ﻤﺴﺅﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻨﺘﺎﺌﺞ، ﻟﻘﺩ ﺍﻋﺘﺎﺩ ﺍﻟﺠﺒﻝ ﻭﻤﺎ ﻴﺯﺍﻝ أﻥ ﻴﻘﻭﻡ ﺒﺎﻟﺜﻭﺭﺍﺕ ﻟﻁﺭﺩ ﺍﻟﺨﺎﺌﻥ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻌﻤﺭ ﻭﻟﻜﻥ ﺸﻬﺎﻤﺘﻪ ﺘﺄﺒﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﻴﺜﻭﺭ ﻀﺩ ﺃﺨﻴﻪ ﻭﻴﻐﺩﺭ ﺒﺒﻨﻲ ﻗﻭﻤﻪ، وهذا هو رادعنا الوحيد الآن، مبدئياً نقتصر على المفاوضات".

إثر ذلك أمر حافظ الأسد بتحويل الضباط الدروز إلى المحاكمات واستهلك الوقت بالإجراءات القضائية لحين امتصاص النقمة وتمكينه من السيطرة على السويداء، وبالمحصلة تمت تهدءة الجبل بإطلاق العديد من الضباط الدروز لكن دون أن يعودوا إلى مراكز عملهم.

هذه دلالة أخرى على أن خبث الأسد الذي كان يبني حكمه الطائفي، ويتهم الآخرين بذلك بل ويحاسبهم وينتقم منهم بناء على هذه التهمة.

بدأ الصدام مع القاعدة السنيّة

في الحقيقة بدأ صدام البعث مع المجتمع السني التقليدي منذ بدايات وصوله للسلطة، وذلك تحت تأثير عدة أبعاد:
1- البعد الاقتصادي: النابع من طبيعة الحزب الإشتراكية وإصداره منذ بدايات تسلمه السلطة لمرسوم التأميم، وقد تسبب هذا المرسوم بإضرار هائل للقاعدة الاقتصادية المدارة بالأساس من كبار البرجوازيين والملّاك السنّة، فقد شمل التأميم مئات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، وكبرى الشركات الصناعية كشركات الططري وعداس والشهباء والأخضري بحلب، وشركات المغازل والمناسج والشركة العربية المتحدة (الدبس) بدمشق، وكذلك شركة الأخشاب في اللاذقية، ولم تنظر القاعدة السنيّة إلى الأمر من الزاوية الاشتراكية العقائدية لحزب البعث، بقدر ما اعتبرته لصوصية وسرقة من العلويين القرويين لأرزاقهم الموروثة، وانتقاماً طبقياً حاقداً منهم، وقد دعم هذه الفكرة توظيف جديد والأسد لآلاف من العلويين في الشركات المؤممة ومنحهم الكثير من الأراضي على حساب الملّاك الأصليين.

2- البعد الحقوقي والديمقراطي: منذ تسلّمه السلطة أصدر البعث العديد من المراسيم الهادفة لقمع الحريات وخنق الرأي العام، فعدا عن إجراءات قانون الطوارئ والتأميم، أصدرت السلطة الانقلابية القرار رقم 4 تاريخ 13/3/1963 والذي نصّ على إلغاء أهم 17 صحيفة ومطبوعة في البلاد، تلاه بتاريخ 25 من ذات الشهر قانون آخر يقضي بعقوبة (العزل المدني) على حوالي 30 صحفياً ومنعهم من مزاولة المهنة، وحرمانهم من حقوقهم المدنية كالتوظيف والترشح للانتخابات والانتخاب، وذلك بدعوى إساءتهم لإيمان الشعب العربي في سورية بالقومية العربية.. وبثهم الأفكار الشعوبية التي تزعزع الشعب بقوميته، وحصلوهم على أموال من الهيئات الرجعية أو الجهات الأجنبية..

3- البعد الطائفي (وهو الأهم والأعمق تأثيراً): فعدا حملات التسريح السنيّة والتطويع العلوية، بدأ نفور أهل المدن السنة من الثقافة العلوية الوافدة يتوسّع شيئاً وشيئاً، وقد تسبب ذلك بالفعل بغليان داخل الشارع السني ما لبث أن بدأ بالانفجار.

الثورة الحموية الأولى

كانت حماة الحاضن السنّي الأكثر تزمتاً في سورية، والقاعدة الأكبر لتنظيم الإخوان المسلمين وغيرها من التنظيمات الإسلامية الأخرى، وقد جاءت الثقافة العلوية الوافدة عن طريق العسكر والضباط والمدنيين العاملين في مؤسسات الدولة لتزيد الاحتقان، فقد لاحظ أهالي حماة المتدينون أن عموم العلويين ينكرون الطقوس والشعائر الدينية المعتادة للسنة، ويجاهرون باعتقادهم بربوبية علي بن أبي طالب، ويسخرون من الذات الإلهية والصحابة ومقدسات السنّة، وينشرون ثقافة الخمور والتحرر الجنسي في الجيش والدوائر الحكومية، أضف إلى ذلك عقيدة البعث الإلحادية المستمدة من الشيوعية اللينينية، ثم إجراءاته الإدارية على هذا الصعيد فقد كان حزبيو حماة يثيرون حفيظة كثير من أهل المدينة بأفكارهم ونقاشاتهم الساخرة من الدين الذي يعتبرونه فكراً رجعياً متخلّفاً، وقد تجسّد ذلك بكثير من الصور والإجراءات، فقد نشر أحد مؤسّسي حزب البعث زكي الأرسوزي في مجلة (الجيش والشعب) مقالاً شكك فيها بقصة الخليقة وتحدث عن الجاهلية على أنها أرفع مظهر للنفسية العربية وأن العهد الجاهلي هو العهد الذهبي للعرب وأن الإنحطاط بدأ مع ظهور الإسلام، ثم قامت السلطات البعثية بإلغاء كلمة "مسلم" من البطاقة الشخصية، تبعها إلغاء علامة مادة التربية الإسلامية من مجموع علامات الشهادتين الإعدادية والثانوية، وتحويل مالية وزارة الأوقاف (ذات الموارد الضخمة) إلى الموازنة العامة، و اعتقال مجموعةٍ كبيرةٍ من رموز الحركة الإسلامية وقادتها في حماة، و إبعاد واضطهاد سياسيها كان على رأسهم أكرم الحوراني، وهو ما اعتبرته التيارات الدينية مخططاً لإلغاء هوية الأكثرية السنية في البلاد.

أضف إلى ذلك أيضاً أن التحدي أخذ بعداً طبقياً واضحاً، فعلويو ريف حماة لديهم مشكلة طبقية متأصّلة مع سكان المدينة، فقد كان العلويون فلاحين معدمين بغالبيتهم وكانو يعملون كمرابعين وخدم لدى السنّة الإقطاعية، وكان الأخيرون يعاملوهم معاملة دونية ارستقراطية حيناً وطائفية حيناً آخر، والآن عندما أُتيحت الفرصة للعلويين للتسلل عبر الحزب والجيش والحكومة التي كان لها مقرات إدارية في قلب المدينة، فلم يتوانَوا عن استفزاز أهل حماة والانتقام منهم، فمثلاً صار أعضاء فرع الحزب يرددون جهاراً نهاراً شعارات من قبيل (يا أخي قد أصبح الشعب إلها - آمنت بالبعث ربا وبالعروبة ديناً).

أخيراً وفي السابع من نيسان عام 1964 تفجّرت كل هذه الإرهاصات والتراكمات عندما خرجت احتجاجات طلابية في ثانوية عثمان الحوراني بمنطقة الحاضر رداً على اعتقال السلطة طالباً كتب على سبّورة صفه الآية القرآنية: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، فاحتجَّ الطلاب البعثيون ودارت مصادمات بينهم وبين الطلبة الإسلاميين، تدخلت المخابرات على إثرها واعتقلت الطالب وقدمته لمحكمة أمن الدولة التي حكمت عليه بدورها بالسجن لمدة عام مع تغريمه مبلغاً من المال.

على إثر ذلك قاد الشيخ مروان حديد - العائد حديثاً من مصر و المتأثر بالفكر المتشدد لحسن البنّا- مجموعة من طلابه واعتصموا في مسجد السلطان الأثري بحماة، وأخذ يدعو أهالي المدينة عبر مذياع المسجد إلى الإضراب، ويبين لهم خطر البعثيين وحقدهم على الإسلام والمسلمين، وبالفعل استجاب التجّار وأغلقوا محلاتهم، فأرسلت السلطة الانقلابية قطيعاً من الجيش بقيادة سليم حاطوم وحاصرت الجامع والسوق، وطلبت من مروان حديد وطلابه الاستسلام، فلم يسمع لهم حديد ظناً بأن الجيش لن يجرؤ على الاقتراب من المسجد، فقامت دبابة T54 بإطلاق عدة قذائف على المئذنة التاريخية للمسجد فهوت، ثم تابعت الدبابة طلقاتها من المدفع عيار (100) ملم على قبة المسجد وعلى أجزاء من السوق، فأحدثت تدميراً كبيراً وقضى في الهجوم حوالي 80 مدنياً، في النهاية استسلم مروان حديد نتيجة صراخ الصبيان الذين معه وبكائهم وعويلهم، وقبض عليه ومن معه بشكل وحشي وأوسعوا ضرباً وإذلالاً وسط هتافات طائفية للجنود المهاجمين تقول (خود دين وهات سلاح دين محمد ولّى وراح)، وأحضر الجيش أسلحة إسرائيلية وضعت أمامهم والتقطت لهم الصور، ونشرت صباح اليوم التالي تحت عنوان رئيسي في الصحف (عصابة الإخوان استلمت أسلحة إسرائيلية)، ثم اقتاد المهاجمون مروان حديد إلى دار الحكومة (السرايا), حيث كان الرئيس أمين الحافظ بانتظاره ومعه مجموعة من الضباط الآخرين، وعندما رآه على هذه الشاكلة اندفع المقدم العلوي عزت جديد وأمسك بلحية حديد وقال له: هذه المكنسة لن أراها ثانيةً، ثم أقيمت محاكمة عسكرية من محاكم أمن الدولة برئاسة مصطفى طلاس حكمت على مروان حديد بالإعدام، ومن الملاحظ هنا أن حافظ الأسد وصلاح جديد ورغم أنهما هما من ما أمرا بإرسال الجيش فقد حرصا على الابتعاد عن واجهة المشهد، وورطا ضباطاً من طوائف أخرى ودفعوهم للتصادم مع أهالي حماة، وهذا الأمر سيتكرر لاحقاً في عدد من الحوادث كما سنرى.

توسّع الثورة

عندما بدأت أخبار قصف حماة ووقوع 80 مدنياً قتلى تتوارد إلى المدن السورية الاخرى بدأت هذه تشتعل وتعلن إضرابها واحتجاجها على السلطة البعثية، تباعاً فمن جامع خالد بن الوليد في حمص إلى مسجد الروضة في حلب، إلى دمشق التي بادر محاموها بعد اجتماع عقدوه في قصر العدل الى إصدار بيان دعى إلى الإضراب إلى أن تطلق الحريات العامة وتعود الحياة الدستورية ويلغى قانون الطوارئ وتشكّل حكومة انتقالية محايدة تشرف على انتخابات حرة نزيهة.

وعندما دخل الإضراب يومه الثالث في دمشق بدأت دوريات الحرس القومي تطوف الشوارع وتحطم أبواب المحلات التجارية وتتركها مفتوحة دون حراسة، وقد وصفت وكالة الصحافة المشتركة الوضع في دمشق حينها كما يلي: "بدأت جماعات الحرس القومي الذي يحمل كل منهم مخلاً ومنشاراً بفتح أبواب المخازن في قلب دمشق اليوم، وقد تحدت معظم أسواق دمشق الحكومة باستمرار باإاضراب، كما استمر في المدن السورية الاخرى، وقد ظهرت دلائل ازدياد النقمة الشعبية بانضمام المحامين إلى الإضراب وقيام الزعماء الدينيين بشجب إراقة الدماء في حماة، وتوقيع الأطباء عريضة احتجاج على أحداث حماة، ودعوة نقابة المهندسين حكومة البعث إلى إجراء انتخابات وعودة الحياة الديمقراطية البرلمانية".

ونتيجة هذا الجو المشحون ألغي حكم الإعدام بحق مروان حديد ورفاقه وأخرجوا من السجن وأخذت قيادات حزب البعث بالتودد للناس وتوقفت الاحتجاجات.

لكن بعد أقل من عام تكررالمشهد ثانية وبدأ في دمشق هذه المرة، حيث عمّت الإضرابات سوق الحميدية والحريقة، واعتصم المئات داخل الجامع الأموي وكان بينهم الشيخ حسن حبنّكة، فجاء الجيش مجدداً بقيادة سليم حاطوم قائد المغاوير وحاصر المسجد، ثم اقتحمه وحطّم إحدى بواباته بالدبابات واقتحم صحن المسجد في سابقه هي الأولى من نوعها، وأوسع جنود حاطوم بضرب المعتصمين بالرصاص فقتل العشرات منهم، كان بينهم عجّز وأطفال يؤمون المسجد بالصدفة، واقتيد الباقون إلى السيارات العسكرية الشاحنة، تحت ضربات البنادق والتعذيب الوحشي والإهانات الطائفية إلى سجن المزة العسكري، وشكلت المحكمة الميدانية العسكرية برئاسة الضابط البعثي صلاح الضلّي، وعضوية رباح الطويل وسليم حاطوم ثم جرى إطلاق معظم السجناء لاحقاً بعد تدخّل عدد من مشايخ عقل الدروز مع حاطوم والسنة مع حافظ الأسد.

بعدها بأسابيع اجتمع العلماء المسلمون بقيادة الشيخ حسن حبنكة الميداني مرة أخرى، واتفقوا على عدم السكوت على هذه الإهانة الفاضحة، فانطلقت مظاهرات جديدة قوبلت بعنف شديد فأنهتها بسرعة، ثم انتقلت المظاهرات إلى جامع خالد بن الوليد في حمص، وأيضاً تم اقتحام المسجد وضرب المصلين واعتقال العشرات منهم.

ويبدو أن هذه السلوكيات العنفية قد ساهمت فعلاً في ضبط الشارع ومنعه من التحرك مجدداً، فقد أظهرت السلطات البعثية عنفاً غير متوقع، وتبين بأنها لا تقيم وزناً لأية محرمات، وتحدث بعض الشهود على اعتصامات الجامع الأموي كيف أن الجنود المهاجمين وكان جلّهم من العلويين يشتمون الله والسنّة ويتوعدون بدوسهم بالأقدام هم وقرآنهم ومشايخهم، وقد فعلوا يومها على الأقل، وهو ما جعل الناس يدركون أن واقعاً جديداً سيحكم رقابهم بالقوة، وكانت هذه البدايات المنطقية للبعض ليفكروا بالعمل المسلّح ضد النظام كما سنرى تالياً.

تفريغ الجيش ونكسة حزيران

هزم الجيش السوري شرّ هزيمة أمام الإسرائيليين في حزيران عام 1967، وسرت شائعات عن خيانات مقصودة واتفاقات تحت الطاولة، وجرى الحديث عن الانسحاب من القنيطرة دون قتال وبموجب أمر انسحاب من وزير الدفاع حافظ الأسد، كانت نقمة الناس كبيرة، وكانت التصفيات المتلاحقة التي قام بها حافظ الأسد وصلاح جديد لخيرة الضباط السوريين ووضع ضباط علويين مكانهم بالتنسيب المباشر ودون خضوعهم للتدريبات اللازمة، بالإضافة لكون الأخيرين منشغلين ببناء مملكتهم الطائفية والمالية ولا يمتلكون عقيدة قتالية إلا فيما يخص حماية الأسد وجديد وطائفتهما، كان لذلك أثر كبير في الهزيمة.

يقول الحوراني في مذكراته: "لقد استمر إصرار انقلابيي الثامن من آذار من العسكريين على إستراتيجية تصفية الجيش السوري إلى ما قبل حرب حزيران 1967م، بسبب التكالب على السلطة تحت مختلف الذرائع، وبحجة تبني حرب التحرير الشعبية، مما أضعف قدرة الجيش السوري على القتال".

يضيف حوراني: "وهكذا نجد وزير خارجية النظام الديكتاتوري إبراهيم ماخوس يصرح قبل يوم واحد من حرب حزيران بحضور بعض الدبلوماسيين بأن الشعب العربي الكبير بما يملكه من طاقات وقوى مصمم على أن تكون نهاية الإمبريالية في المنطقة".

أصبح موقف السلطة ضعيفاً جداً أمام الشعب، ولامتصاص بعض النقمة أفرج مجدداً عن مروان حديد الذي كان اعتقل عشية الانقلاب الثاني في العام 1966، كما تم تنفيذ حكم الإعدام بحق سليم حاطوم صبيحة 26 حزيران 1967 والذي كان قد عاد من الأردن من تلقاء نفسه عشية الحرب بدعوى أنه يريد القتال ضد إسرائيل، ونظراً للكراهية الشديدة في أوساط السنة سيما في حماة ودمشق ضد حاطوم الذي انتهك كل الحرمات وأمعن وحشية في القضاء على التحركات الشعبية، فقد اعتقد الأسد أن ذلك سيمتص بعض النقمة الشعبية عليه باعتباره كان وزير الدفاع خلال هزيمة حزيران.

فعلياً لقد استخدم الأسد حاطوم في كل المهمات القذرة ودفعه إلى الواجهة دوماً، وبقي هو بالخلف يخطط ويراقب المشهد، فقد أرسله لينفذ انقلاب 23 شباط ويحاصر أمين الحافظ ويعتقله، ثم قمع من خلاله ثورتي حماة ودمشق، وقد قام حاطوم بتنفيذ هذه الأدوار القذرة لصالح الأسد الذي تمكّن من ترسيخ سلطته، ثم سرعان ما ضحى بصديقه عندما احترقت ورقته تماماً، وقام بقتله بدم بارد، هكذا كان يرسم الأسد مستقبل حكمه.

الطليعة المقاتلة:

بعد خروجه من السجن وما شاهده وتعرض لك من تعذيب وحشي على أيدي ضباط وعناصر علويين، آمن مروان حديد أنه لا يمكن مخاطبة هذا النظام إلا بالسلاح، ففاتح قيادة الإخوان المسماة الدوليين (نظراً لعلاقاتهم الخارجية الواسعة) بضرورة التوجه للعمل المسلّح وطلب دعمهم، لكن قيادة الإخوان التي كانت على اطّلاع بتمكن العلويين من السلطة رفضت دعوات حديد، ودعته للتخلي عن نواياه العسكرية، لكن الأخير لم يرضَ ومضى إلى تشكيل الطليعة المقاتلة التي ستكون نواة الصراع والذريعة التي اتخذها الأسد للقضاء على الإسلاميين في سورية فيما بعد.

وبالفعل بدأ حديد منذ بداية السبعينات ومع تسلّم الأسد للسلطة بتشكيل التنظيم المسلّح للطليعة بشكل سرّي بعد أن توارى عن الأنظار، وكان حديد ينظر لمسألة استلام الأسد للسلطة في تشرين الاول 1970 (الحركة التصحيحية) من بعد طائفي محض، إذ لم يكن يعتبره وطائفته مسلمين بالأساس، فيما دستور سورية ينصّ على أن يكون الرئيس مسلماً، وزاده الأمر غضباً عندما أصدر موسى الصدر فتوى شرعية تعتبر العلويين شيعة وبالتالي مسلمين تلاه تأييد أحمد كفتارو السنّي للفتوى وهو ما اتخذه الأسد مبرراً دستورياً لاستلام رئاسة البلاد، لقد استشاط حديد غضباً وبدأ بمسارعة الخطى لتأسيس تنظيمه، وكان عنف حافظ الأسد ووحشيته المفرطة في تعامله مع الحراك الشعبي، ثم ترسيخه لثقافة وعقيدة البعث المناهضة للدين في الدولة، كان ذلك يعطي زخماً شعبياً لظهور تنظيم إسلامي مسلح في تلك المرحلة، ثم وقعت أحداث الدستور.

ففي العام 1973 عندما عزم الأسد على إصدار مرسوم جديد ودائم للبلاد يخلّده من ناحية ويثبت سلطاته من ناحية أخرى، استبعدت مسودة الدستور التي أرسلت للبرلمان أية إشارة للدين الاسلامي، حتى أنه لم يشترط أن يكون رئيس الدولة مسلماً بالأساس، ثارت ثائرة رجال الدين في حماة ودمشق وحلب وبقية المحافظات، وأرادوا أن يفعلوا شيئاً قبل إقراره، وحيث إن قمع نظام الأسد كان حديدياً فقد اتفق رجال دين من حماة ودمشق وحلب على إصدار بيان رافض للدستور وتوزيعه بشكل سري على الناس بقصد إطلاق جولة جديدة من الاحتجاجات، وبالفعل أصدروا بياناً بتوقيع عدد من رجال الدين الكبار وحاذروا أن يكون بينهم أخوانياً حتى لا يقلل ذل من شأن البيان ويجعله حزبياً، تم توزيع البيان سراً وبالبريد إلى البيوت في بعض المدن الرئيسية، ثم صارت لهجة نقد الدستور أعلى وصار الحديث عنه في المنابر، واشتعلت المظاهرات مجدداً في حماة وهجم المتظاهرون على مراكز الحزب والشبيبة وحطموا محلات بيع الخمور، وفي دمشق انتقد الشيخ حبنّكة الدستور علناً، ورغم الوحشية التي تعامل بها الأسد مع الاحتجاجات إلا أنه رضخ وحاول تهدئة الناس بإقرار إسلام رئيس الدولة، واعتبار الإسلام مصدراً لتشريع قانون الأحوال الشخصية، لكنه لم يرضَ بأكثر من ذلك وهو ما لم يعجب كثيرين، في هذه الأثناء كانت المخابرات السورية تعتقل عدداً من قادة الأخوان في المحافظات السورية، لكنها تحاشت الاقتراب منهم في دمشق حيث كان حافظ الأسد يحتاج مزيداً من الهدوء في العاصمة.

بدوره مروان حديد كان يعدّ العدة متنقلاً بين دمشق وحماه، وبالفعل اجتذب إليه عدداً كبيراً من المريدين المؤمنين بالعمل المسلّح، وكانت المخابرات السورية تبحث عنه وتراقبه واستطاعت أخيراً تجنيد أحد مخبريها في صفوفه وهو مصطفى جيرو، وفي صبيحة يوم 30 حزيران 1975 و في أحد المنازل بمنطقة العدوي بدمشق، وبعد أن خرج أحد طلابه ليأتيهم بمستلزمات البيت وحاجياته، قُرِعَ الباب وظنَّ مروان حديد أن طالبه قد عاد، وإذ به يجد نفسه مطوقاً بقوة كبيرة من رجال الأمن الذين حاولوا إلقاء القبض عليه بعد أن أطلقوا عليه الرصاص وأصابوه بكتفه، فخرج طلبته من الداخل وبدؤوا بتبادل إطلاق النار مع المهاجمين، واستمرت المواجهة لساعات قتل فيها أحد أعضاء الطليعة وتمكن عناصر الأمن من إلقاء القبض على البقية وبينهم زوجة حديد وزوجة أحد طلابه بالإضافة لمروان حديد نفسه.

ثارت حميّة من تبقوا من التنظيم وغضبوا غضباً شديداً، لكنهم تواروا عن الأنظار خشية أن يكون رفاقهم قد أفصحوا عنهم تحت التعذيب، وبعد استنفار لشهور بدؤوا بالاجتماع مجدداً لإطلاق عمليات التنظيم بشكل فعلي، وسموا أنفسهم في البداية مجموعة "مروان حديد" تيمناً بمؤسسها، ولم يخفوا عدائهم المطلق للنصيريين، وكتبوا كثيراً في ذلك، وهو ما كشفت عنه مذكرات أحد عناصر تنظيم الطليعة في دمشق.

أخذ أعضاء المجموعة بتنظيم صفوفهم بحذر، وقد تسلم قيادة التنظيم عبد الستار الزعيم في حماة الشيخ عرفان المدني مواليد دمشق، وكانت أولى عملياته اغتيال محمد غرة رئيس فرع مخابرات حماة وهو ابن خالة حافظ الأسد في مطلع حزيران 1975، ثم وصلت أخبار مقتل مروان حديد تحت التعذيب في سجن المزة بدمشق صبيحة يوم 30 حزيران1975، وقرر التنظيم توسيع نطاق عملياته، والتي شملت في المرحلة الأولى اغتيال ضباط وأعضاء حزب وأساتذة جامعات يجمع بينهم أنهم جميعهم علويون، ثم تطور نشاط التنظيم ليشمل بالإضافة لحماة ودمشق حمص وحلب.

التصعيد:

نجحت الثورة الإسلامية في إيران بالإطاحة بحكم الشاه محمد رضا بهلوي، ورغم أن الخميني قائد الثورة لم يخفِ نيته تصدير الثورة الشيعية إلى الدول المجاورة، إلا أن نظام الأسد أعلن تأييده بقوة للثورة الإسلامية في مواجهة صدام حسين وفصيله المنشق عن البعث، وأصبح التلفزيون السوري يتغنى بالثورة التي أعادت مجد الإسلام في إيران فيما السلطات على الأرض تعتقل رجال الدين والمصلين من المساجد و الطلبة في الجامعات.

تنامت النقمة الشعبية على نظام الأسد، وظهر للناس لأول مرة أنه ليس مشروعاً طائفياً قُطْرِيّاً، بل امتداد لمشروع إقليمي شيعي كبير يهدف للإطاحة بالمسلمين، وظهر ذلك في كثير من أدبيات الطليعة المقاتلة والإخوان والتنظيمات الإسلامية الأخرى في تلك المرحلة، حينها قررت الطليعة المقاتلة توسيع نطاق عملياتها ضد (النصيريين) و شهد يوم 16 حزيران 1979 تطوراً نوعياً على صعيد الصدام بين النظام والطليعة ، حيث قام النقيب إبراهيم اليوسف في مدرسة المدفعية بحلب بقتل حوالي 60 طالباً من زملائه كان معظمهم من العلويين، وقد تبنت الطليعة حينها هذه العملية وقالت إنها رد على وحشية النظام النصيري في قمع الحراك الإسلامي والشعبي، وبرروا بأن مدرسة المدفعية تشير بحد ذاتها إلى حجم طائفية النظام، ففي دورة ذلك العام كان عدد طلاب المدرسة 270 طالباً كان بينهم فقط 30 من بقية الطوائف بمن فيهم السنة، بينما كان البقية جميعهم من العلويين.

ثم بدأت عمليات الطليعة تتوسع في المحافظات وشملت إلى الاستمرار في سياسة اغتيالات الشخصيات العلوية، استهداف مراكز الحزب والجيش، بدوره النظام صعّد أيضاً وباتجاه أكثر تاثيراً على المعارضين، حيث كان يعمد لمضايقة واعتقال أفراد عائلات المنتمين للطليعة والأخوان وأحياناً انتهاك أعراضهم، وهذا أمر يغيظ جداً المتدينين، ويبدو أن النظام كان يقصد بذلك توريط الطليعة أكثر وأكثر لتقوم بعملية انتقام تسيء لحاضنتها الشعبية، وكذلك تمهيداً لشن هجوم ماحق عليهم، وقد نجحت سياسة الأسد هذه التي أملاها عليه الروس كما يشير أيمن شربجي في مذكراته، وأخذت بعض عمليات الطليعة طابعاً عبثياً كإحراق مؤسسات التجزئة ومكاتب شركة الطيران السورية، وكان المبرر دوماً أن هذه أدوات النصيرية في قتال المسلمين، ثم تمادى الأمر للقيام ببعض عملياتهم في الأسواق وسط الزحام، رغم إدراكهم للرد الوحشي للنظام، وبالفعل سقط بعض المدنيين في تبادل لإطلاق الرصاص كما حدث في عملية شارع مدحت باشا عندما هاجمت الطليعة سيارتين للأمن، وكذلك سقط مدنيون أكثر في عملية الأزبكية.

سياسة تمكين العلويين:

في هذه الأثناء كان حافظ ما يزال يبني قاعدته العلوية الموالية المتينة بالاستعانة بمقربين له من الطائفة، كأخيه رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع، وعلي حيدر قائد القوات الخاصة، وعلي دوبا رئيس المخابرات العسكرية، وعلي الصالح قائد الدفاع الجـوي، و كان هؤلاء هم اللجنة العسكرية المسؤولة عن تنقلات الضباط، وقد عُيّن بعض الضباط السنة كنوع من الديكور للتغطية على التوجه الطائفي للنظام، أمثال وزير الدفاع مصطفى طلاس السنّي، ورئيس الأركان يوسف شكور المسيحي، و اللواء ناجي جميل في قيادة سلاح الجو، عُيّن هؤلاء تحديداً لتبديد الانطباع أمام الغرب حول سيطرة العلويين، في الحقيقة لقد قمع الأسد حتى العلويين ممن رفضوا الانصياع له، وممن كانوا يظهرون انتماءات قبلية لبعض خصومه السابقين كصلاح جديد ومحمد عمران، حتى رجال الدين العلويين تم تطويعهم و تسخيرهم بالكامل لخدمة صورته ورمزيته، و تم تأسيس العديد من أجهزة المخابرات والأمن التي استوعبت آلافاً من العلويين المعدمين، وأحدثت آلاف الوظائف لأبنائهم في أجهزة الدولة الأخرى، وبعد أن كان العلوي شخصية دونية في المجتمع أصبح يحظى باحترام ويخشاه الناس نظراً لسلطته التي ليس لها حدود، وقد أحدث ذلك بالفعل نقلة نوعية في حياة العلويين لم يكونوا ليحلموا بها، و ساهم بعض رجال الدين في الطائفة بتكريس الأسد كرمز ديني، ولم يلبث أن اتخذه بعض كرب حقيقي، مستعيناً ببعض الإشارات والخرافات الدينية التي تم تطويعها لخدمة هذه الفكرة.

كان مخطط النظام حديدياً محكماً للسيطرة الطائفية، فقد كان يأتي بالمتطوعين العلويين من القرى النائية والمعدمة، ويطوعهم في سلكي الجيش والمخابرات دون أن يتمتعوا بأدنى ثقافة، بل كان حريصاً على أن لا يحصلوا على ثقافة عالية، لذلك كان يتم الاكتفاء بشهادة الإعدادية وأحياناً الابتدائية لتطويعهم في أجهزة المخابرات، وكان هؤلاء المهاجرون الجدد يأتون إلى المدن بكل ما يحملوه في عقولهم من حقد طائفي وطبقي، وكانت طبيعة عملهم الأمنية والعسكرية وسلطتهم المطلقة تعطيهم فرصة لإطلاق نوازعهم وتفريغ أحقادهم، أضف إلى ذلك أن طبيعة المواجهات مع التنظيمات الإسلامية وربط البعث لها بخلفيات صهيونية وأمريكية ساهم في إحكام السيطرة على عقول أفراد المخابرات والجيش، وأصبح تحريكهم لا يتطلّب سوى تغذية هذه الأفكار في عقولهم.

وللإبقاء على هذه المنظومة العقائدية وعزلها عن التأثر بالمجتمع السني المدني، تم بناء ضواحي ومجمعات سكنية محروسة ومحاطة بالأسوار ليسكن بها عناصر الأمن والجيش ضمن كانتونات طائفية منفصلة، وتم توزيع هذه المستوطنات بطريقة مدروسة لتحيط بالمدن الرئيسة وتحكم السيطرة عليها، ففي دمشق مثلاً بنيت ضواحي الضباط والعناصر العلويين عند مدخلي المدينة الجنوبي في المعضمية و المزة، وعلى طريق اتستراد درعا الدولي، وشمالاً في حرستا وبرزة وشرقاً في جرمانا وغرباً في دمّر، وتكرر الأمر في محافظات أخرى سيما حمص واللاذقية، في اللاذقية تحديداً تم تغيير ديموغرافية المدينة بالكامل، فقد استولى العلويون على كثير من المناطق الساحلية التي يسكنها السنة والمسيحيون.
بالتوازي مع تمكين العلويين، كان يجري تشتيت وتقزيم البيئة السنية من ثقلها الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك عزل مثقفيها وتشتيتهم، كان ذلك يتم بكل الوسائل المتاحة، فمن لم يعتقل أو يقتل بحجة انتمائه للإخوان، تم تضييق الخناق عليه واستفزازه لاجباره على الخضوع أو الهروب خارج البلاد، وقد تمادى رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع كثيراً بذلك، ففي الخامس من تشرين الأول عام 1981 أطلق المظليين والمظليات وبحماية من سراياه بحملة لنزع الحجابات عن النسوة في شوارع دمشق، وتمت إهانة المقدسات الإسلامية بكل الوسائل، وكانت تصرفات السرايا وسواهم من قطع الجيش مغرقة في الطائفية والحقد ضد الغالبية السنية، وكان عناصر سرايا الدفاع يهتفون خلال حملاتهم "لبيك حافظ لبيك.... لبيك لا شريك لك لبيك" وكانوا يجبرون الناس على ترديد مثل هذه الشعارات في الجيش وأجهزة الدولة.

في الحقيقة لقد تعامل العلويين مع السنّة على أنهم جميعاً إخوان أو متعاطفين معهم، فمع الاعتقالات المنظمة التي كانت تخططها قيادات أجهزة المخابرات لتفريغ الطبقة المثقفة السنية بحجة انتمائها للأخوان، وكان ينفذها العناصر المتطوعين الجهّل ظن العلويون أن جميع السنّة متورطون بالفعل ، وأنه يجب تطويعهم وإقصاؤهم بأي وسيلة ممكنة، كانت هذه أداة فعالة استخدمها الأسد لصناعة خومه.

على صعيد آخر كانت هناك إجراءات أخرى تتخذ على الأرض بدعوى (التخلّص من الرجعية الدينية)، فبينما كان يتم إقفال المساجد ومنع الصلاة في وحدات الجيش والأماكن العامة وإجبار الطلاب على الاختلاط ذكوراً وإناثاً في المدارس والسماح لدور السينما ببث أفلام تتضمن مشاهد جنسية، أسس جميل الأسد شقيق حافظ الآخر "جمعية المرتضى" وهي جمعية طائفية بكل ما تعني الكلمة، وتهدف كما أعلن جميل ذاته إلى تنصير أبناء السنة في الجزيرة وبادية حمص وحماة بدعوى أن فلاحي هذه المناطق كانوا نصيريين وأجبرتـهم السلطات العثمانية على اعتناق المذهب السني.

لقد ضاق الخناق على الناس بشكل كامل، وأصبحت حياتهم كالجحيم، وكان الأسد يعد العدّة لكتابة السيناريو الأخير في تاريخ الحراك الشعبي السوري، وفي شباط 1982 اكتسح الجيش حماه بعد أن استدرج أفراداً الطليعة المقاتلة للتمترس فيها، وارتكب إحدى أكبر المجازر بالقرن العشرين، وليبدأ بعدها فصل جديد في بناء جمهورية الخوف العلوية.

http://www.nadyelfikr.com
12-07-2013 01:37 PM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #2
الرد على: الثورة السورية والصراع السنّي - العلوي / إياد شربجي
الجزءالرابع: "الخلافة على نهج المؤسس"

استعرضنا في الأجزاء الثلاثة السابقة البعد الطائفي لنظام البعث ووريثه الشرعي حافظ الأسد وما فعله للاستفراد وطائفته بالسلطة في سورية، ووصلنا إلى اللحظة التي بدأت فيها كل موازين القوى تميل لصالح الأسد بعد البطش الوحشي الذي أبداه ضد معارضيه.
لقد شكّلت أحداث حماه 1982 مكسر العصى في معادلة السيطرة الكاملة لنظام الأسد على البلاد، فما حصل في هذه المدينة وما تبعها خلال الثمانينات من ملاحقات واعتقالات وتصفيات وتجفيف ممنهج لمنابع المعارضة بكافة أشكالها والإسلام السياسي على وجه الخصوص،كان البوابة التي سيمرّ منها الأسد لتسعينيات القرن العشرين بسلطة مطلقة لن يزاحمه عليها أحد حتى مماته.

لقد خرج الأسد من الثمانينات رابحاً على عدة جبهات:

- قضاء مبرم على المقاومة و المعارضة الشعبية والحزبية والإسلامية في الداخل.
- سيطرة كاملة على لبنان وعلى أهم مفاتيح القضية الفلسطينية.
- انتصار مبرم على خصمه البعث العراقي.
- تغطية دولية واسعة لانتهاكات نظامه.

* كيف فعل الأسد ذلك؟

على الصعيد الخارجي

لا يمكن إنكار ذكاء وبراعة هذا الرجل وقدرته على خلط الأوراق، لقد لعب حافظ الأسد بملفات إقليمية ودولية كبيرة في الثمانينات، دخوله إلى لبنان تحديداً وضعه في قلب الملعب الدولي، فبينما كان يواجه إسرائيل والمعسكر (الإمبريالي) من جهة، فإنه من جهة أخرى كان يحمي مصالحها كما لم يفعلوا هم، لا يعلم أحد على وجه اليقين إن كان هناك اتفاق مكتوب في تلك المرحلة، لكن كثيراً من الدلائل تشير أن نظام الأسد ثبّت وضعاً قائماً مع إسرائيل مكنّ الأخيرة من ترتيب أوراق الساحة اللبنانية وزرع جيش انطوان لحد كدرع يحمي حدودها، لقد ساهم الجيش السوري فعلياً في القضاء على المقاومة والكتائب الفدائية الفلسطينية التي تواجه إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسورية، وساهم في طرد منظمة التحرير من لبنان في العام 1982، ثم طردها هو فعلياً في العام التالي عندما عاد ياسر عرفات إلى طرابلس لمعاودة عمله ضد إسرائيل، في بيروت تحديداً كانت ملامح هذا الاتفاق بادية للعيان، فبين شرقية وغربية قُسمت العاصمة اللبنانية إلى جزئين، واحتفظ كل من الأسد وإسرائيل بجانب منها. على الجبهة السورية قاوم الجيش السوري أي محاولة جدية وجذرية لمواجهة إسرائيل مع الحفاظ على بعض الرتوش اللازمة لاكتمال صورته كمقاوم من خلال سماحه للتنظيمات الشيعية بالقيام ببعض العمليات المنضبطة، لكن بالمحصلة ليست الحروب والجرائم التي قام بها الجيش السوري مباشر أو عبر وكلائه (أمل ثم حزب الله) كحرب الجبل ومجازر صبرا وشاتيلا وتل الزعتر وبرج البراجنة هي الدلائل الوحيدة على ذلك ، بل إن مجمل ما قام به السوريون هناك يفضي في النهاية إلى النتيجة التي حصلت لاحقاً وهي قتل المقاومة الوطنية اللبنانية، وكان من الملاحظ على وجه الخصوص أن الأسد فعل في لبنان ما فعله في سورية لجهة الاستهداف الطائفي للسنّة، ولم يقتصر الأمر على الفلسطينيين بالطبع، ففي عام 1985م حاصر قرابة 5000 جندي سوري مدينة طرابلس معقل سنّة لبنان وتم قطع الكهرباء والاتصالات عنها، فيما رابطت الطائرات الحربية على طريق البحر وحتى ميناء طرابلس، وبدأت الطائرات ومدفعية الجيش بقصف مدينة طرابلس فوق منطقة الكورة وتربل والتبان، فيما قام علويو منطقة جبل محسن وعناصر منظمة حزب البعث بقيادة عاصم قانصوه وعبدالأمير عباس بدك حي التبانة بالقذائف وسط تجييش طائفي كبير مقصود وبمشاركة آلاف الشباب العلويين السوريين ممن تم تجنيسهم كلبنانيين سابقاً في المنطقة، وأستمر القصف المركز على طرابلس قرابة العشرين يوماً تم خلالها تدمير جزء كامل من المدينة.

في الحقيقة لقد عمد الأسد إلى خلق قائمة من التنظيمات المستزلمة له ولشريكه الإيراني، ليستخدمها كنظام تشبيح عالمي يعمل لصالحهما، فمن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، إلى فتح الانتفاضة، إلى منظمة أبو نضال إلى حزب العمال الكردستاني إلى كارلوس إلى الجيش الأحمر الياباني إلى إلى..... قوى كانت تأخذ طابع المقاومة للإمبريالية و تساهم في دعم صورة الأسد (المقاوم) محلياً و عربياً وتزيد من تأثيره دولياً، إلا أنها في الحقيقة لم تعدُ كونها مجرد أوراق كان يستخدمها ثم يتخلّص منها عند الحاجة، والأدلة والشواهد على ذلك كثيرة.

ففي شباط من عام 1982ألقت السلطات الفرنسية القبض على رجل وامرأة مع سيارة مليئة بالمتفجرات والأسلحة والجوازات المزورة، وعند التحقيق معهما اعترفا بأنهما مرسلين من طرف كارلوس لتفجير مقر مجلة الوطن العربي التي كانت تنشر مواضيع ضد النظام السوري، وفي أيلول عام 1991 طرد الأسد كارلوس من دمشق حيث تم القبض عليه لاحقاً.

فعل الشيء نفسه مع أبو نضال في العام 1983عندما افتتح له مكتباً في منطقة الشعلان بوسط دمشق وانطلق الأخير منها للقيام بالعديد من العمليات والتفجيرات ضد العراق والأردن والسعودية ولتصفية عدد من أهم أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية، كما قام بعدة عمليات إرهابية في أوروبا، ثم ما لبث الأسد أن طرده في العام 1987.
كذلك الأمر مع عبد الله أوجلان الذي استخدمه الأسد كثيراً لإزعاج تركياً، ثم في العام 1998 وضعه في الطائرة ليجد الأخير نفسه بين أيدي السلطات التركية.
تجدر الملاحظة هنا أنها وحدها التنظيمات الشيعية كأمل وحزب الله لم يخنها الأسد أو يضحي بها، فهي تأتي كما يبدو كمحور رئيس في حربه ومشروعه الطائفي مع شريكه الإيراني.

لقد اكتمل مشهد خبث حافظ الأسد في العام 1991 عندما انضم الأمين العام لحزب البعث (العربي) الاشتراكي إلى القوى (الإمبريالية) في حربها على العراق بعد المغامرة المجنونة لصدام حسين في احتلال الكويت، وهكذا تخلّص الأسد من آخر خصومه الكبار وقبض الثمن مباشرة في إحكامه السيطرة الكاملة على لبنان واستفراده بكل شيء فيها.
كل هذه الدلائل وإن كان ظاهرها يشير إلى براعة الأسد، إلا أن حقيقتها تنسف كامل الرواية التي يسوّقها النظام السوري عن الممانعة والمقاومة والأمة العربية الواحدة.

على الصعيد الداخلي

بالتوازي مع حملة الاعتقالات والقمع الوحشي للمعارضين لحكمه والتي تركّزت في أوساط الإسلاميين وبيئتهم الحاضنة، وشملت العمل المنظّم على تفريغ البلاد من نخبها وقياداتها ومثقفيها.

فقد اتبع الأسد سياسات ممنهجة لإخضاع الناس بالتجويع، وجاءت الفرصة بإعلان ريغان الحصار الأمريكي على سورية في بداية الثمانينات، والذي كان في حقيقة الأمر مجرد حصار تكنولوجي يمنع بيع سورية أية تجهيزات أو خدمات تقنية متقدمة على خلفية دعمها لبعض التنظيمات الفدائية الفلسطينية والأخرى الراديكالية العالمية، فاستغل حافظ الأسد الأمر راكباً موجة الكراهية الشعبية لأمريكا في المنطقة، و فرض حرب تجويع وحصار اقتصادي قاتل على السوريين بهدف إخضاعهم وإلهائهم وحصر همومهم بالحياة المعيشية اليومية، وهكذا وقف السوريون في الطوابير الطويلة للحصول على رغيف خبز أو كيلو سكر أو شاي، وتم إحكام الأمر عن طريق المخصصات التموينية (الكوبونات) التي كانت توزّعها المؤسسات الاستهلاكية بالكفاف على الناس وتمنعها عن المعارضين منهم، وتم ربط كامل سبل المعيشة بما فيها المأكل والمشرب وحتى الزواج بالموافقات الأمنية التي تمنحها الفروع المخابراتية التي توالدت كالفطر في البلاد، وصار هم السوريين الأول أن يُظهروا طواعيتهم و حرصهم على الامتثال للسلطات، وغابت لديهم المفاهيم الوطنية الجامعة لصالح مفاهيم أنانية ضيقة تتعلق بالعائلة والفرد أملاً بنيل الرضا وتحصيل أبسط الحقوق الإنسانية، وشيئاً فشيئاً تطورت هذه الروابط المستحدثة لتتأسس منظومة متكاملة من العلاقات المصلحية الفاسدة التي تقوم على انتزاع الامتيازات والمكاسب بين أفراد المجتمع خارج نظاق التجاذب الطبيعي، وتشكلت جيوش من المخبرين والمفسدين بين الأهالي تستقوي عليهم بسطوة الأجهزة الأمنية المختلفة التي كانت تدير لعبة الإفساد المنظم هذه ، وهكذا فقد المجتمع المحلي السوري الثقة بين أفراده، وصارت الخشية والتحسّب عنوان العلاقات الاجتماعية، وتشتت الدوافع الوطنية الجمعية وتدمّر المجتمع المدني السوري وصار أشبه بكانتونات ضيقة تتنازع المصالح فيما بينها.

لقد كان النصف الثاني من الثمانينات الاصعب في حياة السوريين على الإطلاق، إذ لم يعد هناك من مناكف ذي شأن للنظام، ومع الشعور بالأمان والاستقرار تحت تأثير السطوة المطلقة تفّرغ مئات الألوف من عناصر الأمن والمخابرات وجلّهم من العلويين للتدخل بتفاصيل حياة الناس والمتاجرة بهمومهم ومتطلباتهم وحاجياتهم، وكان هذا الأمر يأخذ طابعاً طائفياً بحتاً، فجلّ الجهاز الأمني والمخابراتي ينحدر من العلويين الناقمين على الغالبية السنية على اعتبارهم البيئة الحاضنة للأخوان والطليعة كما يعتقدون، بالإضافة للعقد الطبقية والنظرة الدينية الطائفية التي تحدثنا عنها في الأجزاء السابقة.

إلى جانب هذا الإفساد الذي شتت القوة الجمعية للشعب السوري، فقد سمحت سياسة التجويع و الحصار الاقتصادي بملئ جيوب عدد من كبار الضباط العلويين وأتباعهم من المقربين للنظام وتشكيل طبقة من الأغنياء المحدثين الذين نافسوا طبقة التجار الأصيلة في المدن، فنتيجة للحصار وقوانين التقشّف التي أصدرها رئيس الوزراء الصُوري السنّي محمود الزعبي أسس علي دوبا ومحمد مخلوف وعلي حيدر سوق تهريب منظم بين بيروت و دمشق، وأصبحت لبنان بوابة البلاد لتأمين السلع وبيعها في الداخل سواء بلبوس شرعي كعقود استيراد مواد التموين والبناء والمواد الأولية، أو غير شرعي كأسواق الكهربائيات والدخان والألبسة والمواد الغذائية التي افتتحت في وادي بردى والسومرية واللاذقية، ناهيكم عن الملايين القادمة من زراعة وتجارة والمخدرات في البقاع اللبناني الذي تم اقتسامه بين عائلات الأسد ودوبا والخولي وحيدر وكنعان.

أما النفط المكتشف الآخذ في التصاعد منذ نهاية السبعينات فقد كان من حصة حافظ الأسد وأبنائه وسيما الشاب (الواعد) باسل الأسد والذي تكشف بعد وفاته أنها تزيد عن ثلاثة مليارات دولار كانت موضوعة في بنوك سويسرا ولبنان.

بالتوازي مع كل ذلك، واستمراراً في تفريغ المجتمع من قوته، اعتمد نظام البعث تدجين الناشئة في المدارس والجامعات عبر المنظمات الشعبية والحزبية التي التي أنشأها كالطلائع والشبيبة والطلبة التي تكرّس للوفاء للقائد والحزب وتربط ذلك بمجموعة من الامتيازات غير الشرعية كالحصول على درجات إضافية وأحقية في دخول المدارس والجامعات، فيما تم تفريغ النقابات والاتحادات المهنية المتخصصة من قياداتها المؤثرة، وبدل أن تتولى تلك النقابات الدفاع عن حقوق منتسبيها حولتهم إلى مجرد قطعان من الجماهير التي تحتفي بالبعث والسلطة، و تخرج في مسيرات دورية لتحيي القائد وتتعهد بالوفاء له وفدائه بالروح والدم على اعتباره الصناعي الأول، والمعلّم الأول، والطبيب الأول والمحامي الأول، و..و...

كانت هذه هي الفترة التي تم فيها فعلياً قتل روح المبادرة لدى السوريين، وتحويلهم من شعب حي مبدع مدني إلى مجرد أرقام وخراف في مزرعة العلويين وآل الأسد، لقد هرب وهاجر خلال الثمانينات مئات ألوف من نخب المجتمع السوري في شتى المجالات، وتم تفريغ المجتمع السنّي من رموزه وقياداته ورواده، ونصّبت بدلاً منهم وعلى كافة الأصعدة شخصيات هلامية كرتونية منتفعة، وأصبحت المقارنة على الشكل التالي أحمد كفتارو و محمد سعيد رمضان البوطي بدلاً من عصام العطار والألباني في المجال الديني والافتاء، وعبد القادر قدورة ومحمود الزعبي وعبد الحليم خدام بدلاً من شكري القوتلي وفارس الخوري وخالد العظم في مجال السياسة، ومصطفى طلاس بدلاً من يوسف العظمة في الجيش، وآل خدام وطلاس بدل آل الدبس والبرازي والأتاسي في الاقتصاد، وكانت كل هذه المنظومة تدار من الخلف من حفنة من الضباط العلويين الموالين للأسد والذين باتوا يمسكون بزمام البلاد بالكامل متمترسين خلف شعارات المقاومة والممانعة ضد الإمبريالية والرجعية والعدو الصهيوني، في الوقت الذي أصبحت فيها الحدود مع الجولان المحتل هي الأهدأ منذ إنشاء إسرائيل، حتى أن السوريين كانوا يحتاجون لموافقة أمنية مسبقة للوقوف على أطلال الجزء المحتل من بلادهم.

بدايات التشيّع

كان حافظ الأسد يعلم أن نظامه الطائفي في خطر دائم ومستمر طالما هو كتلة طائفية أقلوية تقبع ضمن أغلبية رافضة له سيما بعد ما فعله في حماه، لقد عرف الأسد أن للديموغرافيا تأثيرها الذي لا يمكن تجاهله، لذلك بالإضافة إلى القمع العسكري والأمني المركّز للبيئة السنيّة الحاضنة لخصومه وإنهاكها بالملاحقات والاعتقالات والتصفيات، فقد عمد الأسد إلى محاولة تغيير التركيبة الديموغرافية والدينية في البلاد، فأنشئ الضواحي والمساكن التي تضم العلويين العاملين في الجيش والأمن ومؤسسات الدولة، ووزعها بطريقة مدروسة لتصبح أشبه بالطوق حول المدن الرئيسية، وعلى التوازي مع ذلك عمل على إكثار عديد طائفته في التركيبة السكانية للبلاد، وذلك بإجراء مزاوجة دينية وديموغرافية بين العلويين والشيعة؛ سواء من السكان الأصليين المقيمين في البلاد، أو أولئك القادمين من إيران، لقد دعم الأسد الحوزة العلمية في إيران في مجهوداتها في التشييع بين أوساط العلويين والاسماعيليين وحتى السنة، ومنحهم منصات للانطلاق في الداخل من خلال المقامات الدينية التي كانت تُدار في السابق من قبل الأوقاف السنيّة (السيدة زينب، عمار بن ياسر، السيدة رقية، وحجر بن عدي) وأصبحت فيما بعد تدار من قبل الإيرانيين، وأنشأ شقيقة جميل الأسد جمعية (المرتضى) التي كانت تهدف لنشر التشيّع.

لقد كان حافظ الأسد حريصًا على تشييع الطائفة العلوية لإخراجها من عزلتها الفكرية والاجتماعية، وبدأ ذلك فعلياً في العام 1973 بزيارة "آية الله الشيرازي" إلى جبال الساحل والذي أصدر بموجبها فتواه الشهيرة بأن أهل تلك المنطقة ينتمون إلى الشيعة الاثني عشرية، لحقه موسى الصدر في العام التالي عندما زار شيوخ الطائفة العلوية هناك وأصّل لهم انتماءهم للشيعة، ثم مع بداية الثمانينات طلب الأسد من عالم الدين الشيعي "محمد حسين فضل الله" العمل في سوريا، وافتتح الأخير مكتباً له في حي السيدة زينب قرب دمشق، وبدأ التلفزيون السوري لاحقا ببث برامج للواعظ الشيعي العراقي عبد الحميد المهاجر، وافتتحت عدد من الحسينيات ضمن المراقد الدينية في دمشق وريفها وطرطوس والرقة، لكن يجب التأكيد هنا أن حافظ الأسد كان يمسك بالعصا من المنتصف مع الإيرانيين، فهو سمح لهم بنشر التشيّع كمذهب ديني يخدم أهدافه، لكنه منعهم من نشر الثورة كفكر سياسي ولم يسمح لهم بالتمدد خارج الإطار المطلوب، وحاذر تحويل نشاط الإيرانيين في التشييع إلى ظاهرة تستفز الأوساط السنيّة، بل على العكس من ذلك، فقد كان (الأسد) يحرص أن يبدو سنياً أمام السوريين، و كان يصلي المناسبات في مساجد السنّة وبطريقتهم، ويسمي الجهاز الديني منهم ويقدم الإسلام في وسائل الإعلام بالشكل الذي تعوّدوه، كان ذلك أسلوب الأسد المستمر في التخفّي والتورية.


تجهيز باسل ثم رحيله مبكراً

بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها رفعت في أواسط الثمانينات وأحبطها تحالف (علي دوبا-علي حيدر- محمد مخلوف) ضده ، بدأ حافظ الأسد يحضّر لخليفته خارج دائرة صنع القرار العلوي التي ساعدته على الحفاظ على حكمه ، وبدأ نجم الشاب باسل الأسد يسطع منذ العام 1987 ، وتحديداً بعد إلقائه كلمة الافتتاح في دورة المتوسط ثم مشاركته فيها كمتسابق حصل على الذهبية في الفروسية.

لقد بدأ الترويج لباسل كشاب متميز وفريد مهندساً وفارساً ومظلياً وضابطاً متفوقاً في الجيش، ثم برز أكثر في العام 1989 عندما أنشأ الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية في الوقت الذي كانت سوريا تعيش في عصور الظلام وانقطاع الكهرباء المستمر، وبرز كمحدث للبلاد يدخل التقنيات الحديثة والتكنولوجيا، و كان حافظ يجلس مع نجله ساعات طوال يحدثه فيها عن أمور السياسة والاستراتيجيات ويسلمه مفاتيح رجاله من مدنيين وعسكريين، حزبيين وسياسيين، ويعطيه الاذن للتدخل في شؤون الدولة وملفاتها، ثم ساهمت حملاته المتكررة على أسواق التهريب في الساحل ومضايا بتبييض صورته، ولم يستثن أقاربه هارون ومحمد الأسد (شيخ الجبل) من هذه الحملات وكان هذا المشهد ضرورياً لإكمال المشهد، كما بدأ يتدخل بتعيينات الضباط والقيام بحملات ضد الفساد، كان كل ذلك يتم على مرأى من الضباط العلويين الكبار الثلاثة (حيدر-دوبا-مخلوف) الذين كانوا ينظرون إلى المشهد بارتياب دون أن يجرؤوا على فعل شيء، بينما الضباط الأقل شأناً كبهجت سليمان و الذي كان موالياً لرفعت، فقد عرف أن الكفة تتجه نحو باسل فبدأ بالتقرّب منه ومديحه وكتابة المقالات والدراسات في فكره، لحقه ضباط آخرون فيما بعد .

لكن رحلة باسل الأسد كانت سريعة، ففي صبيحة 21 نيسان عام 1994 قتل بحادث سيارة (ما يزال غامض السبب) على طريق مطار دمشق الدولي، كان الخبر صاعقاً على حافظ الأسد، ودمّر حلمه في استخلاف أحب أبنائه وأقربهم إليه، ورغم مصابه الجلل لم يتأخر حافظ الأسد في اختيار مرشحه التالي، فاستدعي بشار الأسد على عجل من بريطانيا، وبدا منذ لحظة وصوله ومشاركته في دفن شقيقه أن الأنظار تتجه نحوه، و تم تطويع بشار الأسد مباشرة في الجيش، وبدأ يأخذ مكان شقيقه باسل وتكرار ذات السيناريو الترويجي، فهو الضابط الأول في كل الدورات، ورئيس الجمعية السورية للمعلوماتية، وهو قائد حملات مكافحة الفساد.

لقد أزعج هذا السيناريو كلاً من علي حيدر وعلي دوبا، واعتبرا أن الأمر زاد عن حده، فبعد سكوتهما على مضض عن باسل، فهما لن يوافقا على استخلاف شاب غض و غير متزن كبشار، أضف البعد القبلي للمسألة، فعلي حيدر وقف مع حافظ الأسد ضد ابن عشيرته صلاح جديد، لذلك اعتبر اختيار بشار انقلاباً كاملاً عليه وعلى عشيرته التي ساعدت الأسد في التمسك بالسلطة، وفي آب 1994 وأثناء تناوله طعام الغداء مع ضباطه في القوات الخاصة سأله أحدهم حيدر عما يتردد عن توريث الرئيس لبشار فقال متهكّماً " الرئيس حافظ عم يغلط، يعني لما يجيب ابنه بعده فهو يرتكب خطيئة كبيرة، لماذا يريد تركيب هذا الولد.. وفي الحزب أشخاص كبار وقفوا معه وساندوه "

وصل الأمر إلى حافظ الأسد، فاتبع ذات الأسلوب في تحطيم الأضداد الذي اتبعه طيلة مسيرته في الوصول إلى السلطة، و طلب من قائد الاستخبارات العسكرية اللواء علي دوبا اعتقال زميله علي حيدر، فتم ذلك وأدخل علي حيدر السجن ولم يجرؤ أحد على التدخل، وبعد ستة أشهر أخرجه الأسد من السجن وأرسله في رحلة علاج إجبارية إلى الولايات المتحدة وهكذا تخلص منه بشكل كامل، وبقي أمام بشار منافس قوي واحد، هو علي دوبا ذاته، وكان دوبا رجلاً قوياً جداً وسبق وأن سماه الأسد كرئيس للجنة الرئاسية حينما مرض في أواسط الثمانينات، وخشي حافظ أن يطيح مرضه وربما موته المفاجئ بابنه الضعيف في حال غيابه، لذلك انتظر قليلاً، وبدأ بتخليص دوبا من أعمدته ومصادر قوته و كان أبرزهم ابن اخته أحمد عبود الرجل القوي في أجهزة الأمن، ثم جاءت اللحظة المناسبة عندما قام محمد دوبا نجل علي بالسطو على محلات أبو وطفة للساعات في دمشق، فجرد الأسد علي دوبا من منصبه ووضعه في إقامة شبه إجبارية في منزله.

وهكذا قضى حافظ الأسد على آخر خصوم ابنه، وبدأ الأخير بتسلّم ملفات كبرى كلبنان وملف تشكيل الحكومة، وصار الجميع يدرك أن بشار الأسد قادم لا محالة.

تدجين الإسلاميين

اكتسبت الأجهزة الأمنية السورية خبرة كبيرة في التعامل مع الحركات الإسلامية، وملكت كنز معلومات هائل عنها على خلفية الاعتقالات الواسعة التي قامت بها في صفوفها، لكن الأسد كان يعلم أنه قضى على وجود الإخوان والحركات الإسلامية السياسية، لكنه لم يقض فعلياً على الفكر الإسلامي الممتزج بالثقافة الشعبية والتاريخية للسوريين، وكان لا بد من أن يمتص هذه الفورة سيما وأن مرضه استفحل وقد يغيب عن المشهد في أية لحظة أنه مالم يجد حلاً ذكياً لهذه المسألة فسيترك الأمر قاسياً على ورثته ، لذلك عمل على تدجين الدين والإسلاميين ليحولهم من حراك شعبي وسياسي إلى تحرّك تعبدي وتصّوفي.

أصدر حافظ الأسد في العام 1988 إيعازاته لأحمد كفتارو بتأسيس معاهد للقرآن الكريم تحت اسم "معهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم"، وانتشرت معاهد تحفيظ القرآن في كل سورية واستقطبت حلقات الجوامع ألوف الطلاب في حلقات لتعليم فن التجويد والتلاوة وحفظ القرآن، وكان كل ذلك يتم تحت أعين الأجهزة الأمنية التي كانت تحرص على أن يبقى ذلك ضمن إطار تفريغ الشعور الديني للعامة في أمور تعبدية بعيدة عن مناقشة هموم المجتمع والحياة و السياسة، واستمراراً في هذا النهج (الامتصاصي) وتجاوباً مع التطورات التي نشأت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وظهور مدّ ديني كبير في الشرق الأوسط، شهدت فترة ما بعد منتصف التسعينات حركة عمرانية كبيرة لبناء المساجد بموافقة ومباركة حكومية رسمية، وأصبح التلفزيون السوري يبثّ دروساً دينية أسبوعية للبوطي، وظهرت إلى الواجهة حركات إسلامية ذات أشكال صوفية وطقوسية بعيدة عن الحياة وهموم العامة، فبرزت جماعة مسجد أبو النور التي أدارها كفتارو والتي سرعان ما حولت المسجد إلى معهد ديني دولي، وأنشئ معهد الفتح للدراسات الإسلامية، وعادت حركات النقشبندية والرفاعية و الشاذلية لتمارس طقوسها في العلن، وفي كل الحالات السابقة كانت المخابرات السورية تخترق هذه المنظومات بكاملها سواء عبر قياداتها التي تسميها الأفرع الحزبية والأمنية، أو عبر المخبرين والمندسين بين طلبتها، ولأنه يلزمها كوادر لإدارة هذه المنظومة الكبيرة فتحت كلية الشريعة أبوابها للحزبيين ليدخلوها بأفضلية درجات عن غيرهم من الطلاب، وكان مفاجئاً أن الكثير من الطلبة العلويين التحقوا بهذه الكلية بما يشبه المهمات الحزبية والأمنية، وبالفعل تخرج كثير منهم فيما بعد ليصبحوا أئمة ومدراء معاهد.

أما على صعيد النسوة فقد ظهرت حركة القبيسيات التي أسستها منيرة قبيسي، وكانت حركة مغرقة في البدع والتقليد والتبعية الرمزية للشيخة، وانتشرت هذه الحركة بشكل واسع في أوساط النسوة تعلّمهم التسبيح والتعبّد وطاعة السادة، ورغم أن التنظيم الأخير لم يصرّح به غلا في وقت متأخّر إلا أن القبيسيات كن يعملن بحرية تامة، وأسسن مدراس ومعاهد واستقطبن ألوفاً من الطالبات، وكان الأمن السوري ينظر بعين الرضا إلى ما يفعلنه على صعيد تدجين النشأ الإسلامي ودفعه للتقوقع والابتعاد عن التأثير الحقيقي في المجتمع.

في الحقيقة لقد استقطبت هذه الحركات عشرات الألوف من السوريين وأشبعت بعض العطش الديني الذي نشأ بعد حصار الإسلامين في الثمانينات، لكنه كان ملاحظاً بالنتيجة أن جميع تلك الحركات آمنت فكرياً بالتبعية للحاكم، وكانت مخترقة بالكامل بعناصر المخابرات الذين كانوا مستعدين لتفكيكها في أية لحظة، وقد حدث ذلك بالفعل عندما اعتقل بعض المشايخ وطلبتهم في ريفي دمشق وحلب عندما شذّوا عن الإطار المرسوم لهم.

بشار الأسد في السلطة

في 10 حزيران عام 2000 أعلن رسمياً عن وفاة حافظ الأسد، و توجهت الأنظار جميعها نحو بشار الأسد الذي كان يتلقى التعازي من قادة العالم الكبار ويجلس معهم ساعات طوال، كان واضحاً أن هناك اتفاقاً ورضى دولي على هذا الرجل قد تم إنجازه مسبقاً بطريقة لم يعلمها أحد، وبالفعل تم تعديل الدستور السوري خلال لحظات ليتواءم مع المرشح الجديد، وأُجري استفتاء شعبي شكلي على مرشح واحد، وفي أقل من شهر كان بشار الأسد يجلس على عرش الجمهورية العربية السورية.

كان خطاب القسم أمام مجلس الشعب مشجعاً، وتأمل السوريون كثيراً بالرئيس الجديد، وخلال سنوات حكمه الأولى بدا أن رغبة الرئيس الشاب في الإصلاح جدية، فقد حوصر فساد الصغار، و أطلقت صحف خاصة جريئة كجريدة الدومري، وانطلق ربيع دمشق بمعارضين رفعوا السقف عالياً، واشتعلت البلاد بالنشاط، وأخذ كلام من قبيل " سيتمنى الغربيون لو كانوا سوريين" بالانتشار على لسان العامة.

لكن بشار ابن إبيه، وكما كان ربيع سنوات الحكم الأولى قصيراً في عهد الأسد الأب، تكرر الأمر مع ابنه، وليست هي إلا أقل من عامين حتى بدأت ملامح النظام المخابراتي بالعودة من جديد، وبدأت الاعتقالات والملاحقات تطارد المعارضين، والإغلاقات تطال الصحف والصحفيين، وبدأ الأسد الابن بالانقضاض على الجميع بما فيها الحركات الإسلامية التي نشأت، وكان من بينها جماعة "شباب داريا" التي كانت تؤمن بالتغيير السلمي، فاعتقلت المجموعة وأودعت السجون، وفي العام 2003 وإثر حرب الخليج الثانية هدد بوش بالانقال إلى سورية في الخطوة التالية، وكان ذلك إيذاناً ببداية عهد جديد مختلف مع الإسلاميين ، تم فيه الاستفادة من تجربة الثمانينات في اختراق التنظيمات الإسلامية، وبنك المعلومات الذي ملكته المخابرات السورية حولها، ليتم استثمارها في هذه المرحلة لصالح استخدامها في حرب النظام ضد شعبه وترسيخ سلطته الديكتاتورية.

http://www.nadyelfikr.com
12-23-2013 11:23 PM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
بسام الخوري غير متصل
Super Moderator
******

المشاركات : 21,018
الإنتساب : Feb 2004
مشاركات : #3
الرد على: الثورة السورية والصراع السنّي - العلوي / إياد شربجي
الجزء الثالث: انتصار الأسد

* الطليعة والتجييش الطائفي

يقول كثيرون ممن عايشوا مرحلة الثمانينات أن الحكمة تقتضي عندما نتناول موضوعاً شائكاً ومعقداً -كالمواجهة بين التيارات الإسلامية ونظام الأسد- أن يكون الحديث منصباً عن المسببات لا النتائج، عمن أشعل الحريق لا من أخذ شعلة منه، وهؤلاء يدللون على كلامهم بأن تسلّح التيارات الإسلامية لم يأتِ إلا متأخراً بعد ما عانوه من جور وظلم واستهداف منظم، وأن أولى المواجهات المسلحة مع النظام لم تبدأ فعلياً إلا بعد 13 سنة من نظام حكم البعث وتحديداً في العام 1976 تاريخ أول عمل عسكري للطليعة المقاتلة.

يبدو هذا الحديث مقبولاً من حيث المنطق الجدلي، إلا أنه بالتأكيد لا يمكن فصل الأحداث عن بعضها، فهي لم تأت ككتلة واحدة على أية حال، بل جاءت نتيجة تراكمات وتفاعلات و تشابكات يجب أن نفهمها، ورغم أنه من حكم المؤكد أن نظام حكم الأسد كان يسير وفق مخطط مرسوم للوصول إلى سلطة مطلقة تحكم سورية بالحديد والنار واستخدمت في سبيل ذلك كل الأساليب المتاحة، إلا أنه لا يمكن بحال من الأحوال تجاهل الأخطاء الكارثية والقاتلة التي وقعت فيها بعض التيارات الإسلامية في ذلك الوقت، والتي ساهمت من حيث لا تحتسب في منح الزخم والمبرر لنظام الأسد لتحقيق مراميه ولدعم وترسيخ بعده الطائفي واستخدامه بشكل بشع، فكيف إذا كان ما حدث البارحة على زمن الأب يحدث اليوم على زمن الابن، وتتكرر فصوله دون أن نتعلّم منها؟

بالعودة إلى تلك المرحلة، فإن المتابع لأدبيات المعارضة الإسلامية في مرحلة ما بعد انقلاب 8 آذار 1963 سيلاحظ كيف أنها لم تبخل هي أيضاً بإظهار الغل الطائفي، و منطق بعض القيادات الإسلامية التي ظهرت بعد حادثة 1964 بحماه –ولو أن يراه البعض جاء كرد فعل- كان إلغائياً إلى درجة كبيرة تجاه أبناء الطوائف الأخرى وعلى رأسهم العلويين بالطبع، بالإضافة أيضاً للقوميين الذين كانوا يتحدثون عن سورية كدولة ذات بعد قومي لا عقائدي، واعتصام مروان حديد في جامع السلطان ذاك العام والكلمات التي نطق فيها عبر مذياع المسجد ووجدت الكثير من التأييد من حوله إنما كانت تغصّ بالمعاني الرافضة للآخر طائفياً، و مطلبه بإحقاق الشريعة كنظام حكم للدولة لم يكن ليقبل المساومة، وكان هذا من بدايات الأخطاء القاتلة التي سيكون لها أثر كبير في تفاعل الأحداث لاحقاً، و التي استغلها نظام البعث للتمترس في مواجهة الإسلاميين مستعيناً بما بلغه من قوة داخل الجيش، وما امتلكه من مناصرين من الطائفة مشحونين مسبقاً ويعانون من عقدة الاضطهاد والتظلّم في عقليتهم الاجتماعية.

بالمقابل فإن انغماس حزب البعث في استخدام بعده الطائفي في السلطة وانعكاس ذلك في سلوكه على الأرض هيّء الأجواء تماماً لظهور تنظيم مسلّح ذي صبغة طائفية في نهاية المطاف، ومن يقرأ أدبيات ومذكرات قادة الطليعة كأيمن شربجي (دمشق) وعدنان العقلة (حلب) سيرى البعد الطائفي الواضح لطبيعة الصراع الذي نشأ حينها، إذ لم يكن نضالهما لبناء دولة وتأسيس حكم رشيد وعادل بقدر ما كان سعياً لـ (إسقاط النصيريين والانتقام لأعراض المسلمين)، بالإضافة لذلك فقد ارتكب التنظيم العديد من الأخطاء في صراعه من السلطة، إذ كان يكفي للشخص أن يكون علوياً ليكون هدفاً مشروعاً للتصفية، كما قام بالعديد من الأفعال الجرمية كالاعتداء على بعض مؤسسات الدولة المدنية كتفجير رئاسة الوزراء ووزارة الإعلام، وكان لبعض أعماله العسكرية غير محسوبة العواقب كحادثة مدرسة المدفعية والأزبكية أثر تدميري كبير استفاد منه نظام الأسد للقضاء على الإسلام السياسي بكافة أشكاله، حتى أنه أُتخذ ذريعة في هذه المعمعة للقضاء على التيارات السياسية المعارضة الأخرى التي لم تلجأ للعنف كبعض التيارات الشيوعية و القومية.

* تحضيرات ما قبل الحسم

منذ بداية الثمانينات كانت التحضيرات جارية على قدم وساق لإنهاء معركة الأسد مع البيئة السنيّة الحاضنة بشكل عام و المعارضة الإسلامية بشكل خاص، وكانت عمليات الطليعة المقاتلة تمنحه المبرر لذلك، وبالفعل صار خطاب الطليعة أكثر تشدداً وعنفاً تجاه (النصيريين) وأتباعهم سيما إثر الانتهاكات والاستفزازات التي تعرضت لها البيئة المحافظة التقليدية في المدن الرئيسة، وكذلك توارد الأنباء عن عمليات التعذيب الوحشي في السجون التي لم تقتصر على القيادات فقط بل طالت آلافاً من النخب السنية المثقفة، و بين الفترة من نهاية العام 1980 وحتى بداية 1982، صار واضحاً أن نظام الأسد يحضّر لعملية اجتثاثية كبيرة في مدينة حماة نظراً لرمزيتها الطائفية والتاريخية وكونها معقل رئيس لنشاطات المجموعات الإسلامية.

لقد أخذت هذه التحضيرات عدة أوجه؛ إجرائياً و اقتصادياً وطائفياً و إعلامياً و عسكرياً:
إجرائياً: عمد نظام الأسد إلى اتخاذ كثير من الإجراءات لترتيب الأجواء، فعدا عن استمرار نفاذ قانون الطوارئ، وكبت الحريات العامة وتضييق الخناق على الإعلام والإعلاميين، فقد تم حل النقابات المهنية في 9/4/1981 وذلك بعد تحرّك بعضها ومطالبتها بمطالب تتعلق بالحريات العامة، وجرى اعتقال جميع المعترضين وزجهم بالسجون، ثم أعيد تشكيل النقابات بالكامل وجرى تسمية بعثيين ومتعاونين مع المخابرات في قيادتها ومفاصلها المؤثرة، وكان يتم انتقاء أولئك بعناية بحيث يكونون موالين باستماتة ولا يقيمون أي قيمة للأخلاق والمحرمات ولم يكن مانعاً لو توافر أولئك من كل الطوائف وإن كانت الحظة للعلويين بطبيعة الحال، الأمر سُحب على كافة المفاصل القيادية في الحزب ومؤسسات الدولة والجيش، وجاءت تلك الحملة تطبيقاً لمقولة حافظ الأسد التي باح بها لاحقاً عبد الحليم خدام نائب الرئيس المنشق (المرحلة وسخة اعتمدوا على الوسخين).

بالإضافة لهذه الإجراءات العامة اتخذت إجراءات خاصة بحق الإسلاميين، كصدور القانون 49 للعام 1980 القاضي بإعدام كل من انتسب للأخوان المسلمين، والذي كان يُساق بموجبه 150 إسلامياً كل أسبوع للإعادم بتوقيع من وزير الدفاع السنّي الوفي مصطفى طلاس، كما خطب رفعت الأسد في المؤتمر القطري للحزب في ذات العام داعياً إلى سنّ قانون أكثر وحشية أسماه “قانون التطهير الوطني”.

اقتصادياً: ورّط نظام الأسد جزءاً من الطبقة الاقتصادية السنيّة خصوصاً في دمشق وحلب بشبكة علاقات وشراكات مع الضباط وأبناء النظام والطائفة قائمة على الامتيازات والمحاصصة والمحسوبيات، واعتمد مع آخرين سياسة الاستيعاب وضمان حماية المصالح مقابل الصمت، فيما أنشئ على التوازي مع ذلك طبقة اقتصادية مُحدثة من العلويين القادرين على التمتع بالامتيازات والاستثناءات، وكان على رأسهم شقيق زوجته محمد مخلوف، بالإضافة إلى علي دوبا وعلي أصلان وشقيقه رفعت الأسد، ولقد كان الأخيرون قادرين على التأثير بمصالح طبقة الصناعيين والتجار الأصيلة، وبهذه الطريقة لجم الأسد هذه الطبقة التي كانت في السابق فاعلة ومحركة للأحداث السياسية في سورية.

طائفياً: عرف الأسد أنه لارتكاب عمل بحجم الجريمة الدموية الضخمة التي يخطط لها فإنه يحتاج لأوفياء لا يخشى منهم انشقاقات أوعصياناً أو تمرداً على ما سيحدث، وبطبيعة الحال فإن العلويين الفقراء وقليلي التعليم هم المؤهلون الوحيدون للقيام بهذا الدور، سيما بعد أن أفرغ الأسد الطائفة طيلة أعوام من مثقفيها وسياسيها وكان بينهم عدد من آل الخير وكنج، والعبّاس، وجنيد، وخير بك، والأحمد، الذين كانوا منتظمين ضمن صفوف حزبي العمل الشيوعي والبعث الديمقراطي، بالإضافة إلى اعتقال وتشتيت مريدي شركاء الأسد السابقين محمد عمران وصلاح جديد، أضف لذلك والسبب الأهم أن العلويين كمجتمع طائفي يشعرون بتهديد تاريخي من قبل الغالبية السنية، وجاءت عمليات الطليعة التي أعلنت نيتها إسقاط (النظام النصيري) واستهدفت بالفعل أبناء الطائفة اغتيالاً وتفجيراَ لتدعم لديهم قناعاتهم تلك، ولتربط الأحداث في مخيلتهم كالتالي: الطليعة إخوان والإخوان سنة وكل السنة إخوان و طليعة، بل وكل السنة عثمانيون، وكلهم يريدون قتل العلويين وذبحهم.

وجاء الوقت ليُردّ للأسد الدين الكبير في رقاب العلويين بعد أن انتشلهم من القاع ومنحهم امتيازات هائلة صار استمرارها مرهون باستمرار الأسد نفسه، وفي سابقة تعد الأولى منذ وصوله للسلطة وتحديداً في آب 1980 اختار حافظ الأسد الاحتفال برمضان في مسقط رأسه القرداحة بدلًا من جامع بني أميّة الكبير في دمشق كما كان يجري التقليد، وجمع الأسد من حوله زعماء الطائفة العلوية، وأوصاهم برصِّ الصفوف والاستعداد للمواجهة القادمة، وبالفعل فقد قام رجال الدين الجدد الذين صنعهم الأسد بذات طريقته المعتادة بالحشد للمواجهة، مستخدمين في ذلك كل الخرافات والموروثات الشعبية اللازمة، ومستغلين جهل العامة وشعورها بالخوف، وليصبح للأسد بالنسبه لهم منذ ذلك الحين رمزية دينية كولّي للطائفة، بل إن البعض اعتبره عليّ هذا الزمان، وآخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما اعتبروه إلهاً خالصاً، وهذا ما سيتضح لاحقاً في كثير من السلوكيات التي ستتكرر بعهد الأسد الأب ثم ابنه ومنها السجود لصورة الأسد ومناداته كربّ يحيي ويميت ويخلق ويرزق .

إعلامياً: تفرغت وسائل الإعلام السوري بكافة أشكالها للحديث وبشكل مستفيض عن عصابة الأخوان المسلمين العميلة للصهيونية والرجعية، وعن جرائمها التي تقوم بها بحق المدنيين (استفادت كثيراً من بيانات الطليعة حول عملياتها العسكرية لمنح مصداقية لروايتها)، وركزت هجومها الإعلامي على مدينة حماة وذلك عن طريق الاعترافات التي كانت تبثها لمن تعتقلهم من نشطاء تنظيم الاخوان والطليعة، وكانوا يتحدثون فيها تحت التعذيب عن وجود أطنان من الأسلحة في حماة قادمة من أمريكا وإسرائيل والعراق وأنور السادات الخائن، وكل ذلك بهدف تدمير الدولة السورية الممانعة لإسرائيل، وإقامة نظام خلافة يقطع الرؤوس والأيدي.

في مقابل هذا الهدف الإعلامي الداخلي، كان هناك هدف خارجي يتطلّع لنيل شرعية المجتمع الدولي في جهود السلطات لمكافحة الإرهاب، وكان لهم ما أرادوا لاحقاً، إذ كشفت تقارير استخباراتية ظهرت مؤخراً أن عدداً من الدول الغربية كانت على علم مسبق بتحضيرات النظام السوري لاقتحام حماه وتدميرها.

عسكرياً: لقد كان التخطيط لمعركة حماة يتطلّب عزل تأثير بقية المدن السورية وسيما دمشق عنها، وقد بدأت هذه التحضيرات بسلسلة سلوكيات قمعية فعاله اقترحها عليه صديق الأسد الوفي الرئيس السوفيتي بريجينيف وضباط مخابراتهKGB و الخبيرون في التعامل مع هكذا نوع من القلاقل الشعبية، لقد كان عنوان هذه المرحلة استخدام الاستفزاز مقروناً بالقوة المفرطة و القمع الشديد لكسر شوكة الناس وإشعارهم بالعجز والإحباط ثم اجبارهم على الاستسلام للأمر الواقع والرضوخ، وبالفعل هذا ما كان فعله الأسد لتحقيق هذا الهدف وأهداف أخرى في ضربة واحدة، فعندما نزلت المظليات بأمر من رفعت الأسد في صيف 1981 إلى المناطق المحافظة في مدينة دمشق سيما الحريقة والحميدية والقنوات وبدأن ينزعن الحجابات فقد هدفت هذه العملية أيضاً إلى استدراج بعض عناصر الطليعة المقاتلة للظهور بدافع النخوة والغيرة وحماية الأعراض، وبالفعل ثارت حمية اثنين من أفراد الطليعة وهاجموا المظليات فقام أفراد من سرايا الدفاع متنكرون كباعة جوالين بإلقاء القبض عليهم واستخلاص معلومات هامة منهم تحت التعذيب لتفكيك خلايا الطليعة، فقد كان أحد الإجراءات المطلوبة في هذه المرحلة إنهاك الطليعة محلياً في المحافظات سيما العاصمة حتى لا يكون لها دور لاحقاً فيما سيحدث في حماه، رافق ذلك ايضاً محاولات السيطرة على الطبقية الدينية، فقد قام الأسد بالاستدعاء المتكرر لكبار رجال الدين الدمشقيين إلى القصر الجمهوري وتوجيه رسائل واضحة لهم تارة بالحسنى وأخرى بالتهديد المباشر بأن ينأوا بأنفسهم عما يحصل بل و أن يساعدوا أجهزة المخابرات بكشف تنظيم الطليعة، لكن الأسد كان حريصاً على بقاء الهدوء نسبياً في العاصمة، لذلك كان يحافظ على شعرة معاوية ويبدي بعض اللين والاستجابة في بعض المواضع، وكان يظهر بأنه لم يكن يعرف مسبقاً ببعض انتهاكات الأمن بحق المواطنين واستفزازهم، بل كان يعتذر لهم ويشتم أجهزة مخابراته أمامهم بحجة أنهم جهلة.

* مجازر طائفية جوّالة في المحافظات:

بطبيعة الحال لم يقتصر الأمر على دمشق ، بل إن العاصمة شهدت أقل مقدار من القمع والقصف التمهيدي قياساً إلى المحافظات الأخرى ذلك أنها مركز حكم الأسد وسلطته السياسية ولا يريد لهذه الجبهة أن تضطرب أكثر من مقدار معيّن، لكن بالنظر إلى مجمل سياق الأحداث، لا يحتاج الأمر لكثير من الملاحظة حتى نكتشف أن حافظ الأسد عمد إلى توزيع القمع على كل المناطق التي يتوقّع أنها ستنجر للتدخل في المعركة القادمة، لذلك عمل على تجزيئها واحدة تلو الأخرى، وإلهائها وإشغالها بنفسها، سأذكرهنا بعضاً فقط من هذه المجازر نظراً لكثرتها، آخذين بعين الاعتبار توصيفاً واحداً ومتكرراً لها لا يمكن تجاهله وسيكون دليلاً ملازماً طيلة حكم الأسد، المجرم دوماً من الطائفة العلوية، والضحية دوماً من السنة، على أن هذه الهوية لم تخفِ نفسها على أية حال، فقد كانت عمليات الإعدام تترافق من قبل المهاجمين بالإضافة للعنف المفرط بعبارات طائفية واضحة الدلالة مثل (لبيك حافظ لبيك… لبيك لا شريك لك لبيك) و (خود دين وهات سلاح دين محمّد ولّى وراح) و (حزب الإخوان… حزب الخوّان):

- مجزرة جسر الشغور 10 آذار 1980: حيث قامت الوحدات الخاصة بقيادة العميد علي حيدر باقتحام المدينة بحجة تأمين أهلها ملاذاً للطليعة المقاتلة، و إخراج97 مواطناً بريئاً من الرجال والنساء والأطفال من بيوتهم، و إطلاق النار عليهم وقتلهم و تدمير البيوت وإحراقها، وتم التمثيل بالجثث، و من بينهم طفل تم التمثيل بجثته وشقه إلى نصفين أمام والدته فمات على الفور.

- مجزرة سجن تدمر 27 حزيران 1980: إثر محاولة فاشلة لاغتيال حافظ أسد داخل القصر الجمهوري بدمشق أثناء مراسم وداع رئيس النيجر، قام خلالها عنصر من الحرس الرئاسي متعاون مع الطليعة المقاتلة بإلقاء قنبلتين يدويتين انفجرتا فأطاحت إحداهما بأحد عناصر حماية الأسد الشخصية بينما أصيب، طارت مجموعة من عناصر النخبة بقيادة الرائد معين ناصيف صهر رفعت الأسد بطائرات هليكوبتر من مطار المزة العسكري إلى سجن تدمر، وقامت المجموعة باقتحام مهاجع السجن وارتكاب مجزرة قتل فيها أكثر من ألف سجين أعزل من الاسلاميين والإخوان وكثير من النخب المثقفة التي تم اعتقالها ظلماً وافتراءاً.

- مجزرة سوق الأحد بحلب 13/7/1980: قامت قوة عسكرية مؤلفة من 20 سيارة زيل عسكرية محملة بالعناصر باقتحام سوق الأحد الشعبي المزدحم بالناس، وأخذت تطلق النار عشوائياً على الناس، فسقط منهم 192 بين قتيل وجريح، وذكر شهود على الحادثة أن العناصر المهاجمة كانت تهتف خلال الهجوم بعبارة منحوتة عن هتافات الحجاج في الطواف حول الكعبة (لبيك حافظ لبيك…. لبيك لا شريك لك لبيك).

- مجزرة سرمدا في يوم 25/7/1980: طوقت الوحدات الخاصة قرية سرمدا وجمعت النساء والأطفال وقتلت ثلاثين رمياً بالرصاص في ساحة القرية، ثم ربطت 15 من شباب القرية بالسيارات والدبابات وسحلتهم على مرأى من الناس المرعوبين.

- مجزرة حي المشارقة بحلب صبيحة عيد الفطر 1180: بينما كان الناس يتزاورون مهنئين بعضهم بعضاً بالعيد، وإذ بقوة عسكرية بقيادة المقدم هاشم معلا تطوّق حي المشارقة الشعبي، وتخرج الرجال من بيوتهم، ثم تطلق النار عليهم فقتل منهم 86 مدنياً أغليهم من الأطفال الذين تجمعوا في إحدى الحارات للاحتفال بالعيد.

- مجزرة تدمر النسائية 1980: أخرجت قوات الأمن حوالي 120 امرأة كانت اعتقلتهن كرهائن لأولادهن وازواجهن الملاحقين إلى منطقة قريبة من سجن تدمر ، ثم حفرت البلدوزرات أخدوداً كبيراً، وسيقت إليه النساء ليقفن على طرفه، ثم جرى إطلاق النار عليهم فسقطن في الأخدود، وجرى ردمهن بالتراب بينهما كان منهن من يصرخن ولم يمتن بعد، فدفنّ وهنّ أحياء.

* أما في حماة:

فقد كان العمل جارياً لترتيب أجواء المجزرة، وضمن سياق الخطة ذاتها (الاستفزاز والقهر) فقد كانت تتم هناك أبشع عمليات التنكيل وبشكل طائفي فج، وكان الأمن السوري كلما ضربت الطليعة هدفاً في أي مكان كان الانتقام الأكبر يحدث في حماة على وجه الخصوص، ويطال الأهالي والبسطاء.

في نيسان 1980 اقتحمت الوحدات الخاصة المدينة وقامت بتمشيط حماة وإهانة أهلها وسيما الوجهاء منهم وتم قتل بعضهم بشكل وحشي جداً، من هؤلاء

 الدكتور عمر شيشكلي 45 عاماً رئيس جمعية أطباء العيون في سورية، قلعت عيناه وألقيت جثته في حقل قرية مجاورة للمدينة.

 خضر شيشكلي 80 عاماً أحد زعماء (الكتلة الوطنية) وصاحب (بيت الأمة) أيام العمل ضد الاستعمار الفرنسي، حرقوه بصب الأسيد عليه في بيته، ثم نهبوا ما فيه من تحف أثرية.

 الدكتور عبد القادر قنطقجي طبيب جراحة عظمية، ألقوا جثته بعد التعذيب على طريق الشيخ غضبان.

خرجت الحملة واستمرت الإهانات والاستفزازات المركزة حتى يوم 11تشرين الأول عام 1981 حيث استغلت أجهزة المخابرات مناسبة تبديل الهويات الشخصية وبدأت بحملة قمعية جديدة ، فتحركت فروع المخابرات والكتائب الحزبية المسلحة يعيثون في المدينة فساداً، واقتحم آلاف من سرايا الدفاع المدينة وراحوا يسيرون بالشوارع وهم ينادون بشعارات العبودية للأسد والإهانة للإسلام وصاروا يضطهدون الناس على اختلاف بشتى الوسائل ويعتقلون الناس، و نصبت السلطة حواجز ثابتةً وطيارة تفاجئ المواطنين للكشف عن هوياتهم، وكانت تأمرهم أن يسيروا إلى الحواجز وهم رافعي الأيدي ويحملون هوياتهم ثم عند الوصول للحاجز تتم إهانتهم رجالاً ونساءً ولم يستثنوا المواطنين العاديين أو المثقفين أو رجال الدين، وكانوا يضربونهم بأعقاب البنادق ويوسعونهم إهانة، ويأمرون بعضهم بإدارة وجوههم إلى الجدار رافعي الأيدي لساعات، وكان يتم اختيار أفراد منهم ويقومون بحلق نصف شعر رؤوسهم، أو أحد طرفي شواربهم، أو نتف لحية شيخ مسن أو حرقها بقداحات الغاز، وقد طُلب من أحد الرجال المسنين في (حي البارودية) –وهو يبغ السبعين- أن يرقص أمام الجنود الذين يسخرون منه، فعاد إلى بيته ولم يخرج حتى مات كمداً بعد شهر.

ومن أنواع الاضطهاد التي مورست أيضاً إرغام المارة على الاستلقاء أرضاً ورفع الأرجل في الهواء لتلقي وابل العصي والكرابيج، أما إذا اُتهم أحدهم باستقبال أحد الملاحقين، فكانوا يمسكون المتهم من يديه ورجليه، ويلوحون به في الهواء يقذفون به من سطح بيته إلى الشارع مهما كان الارتفاع، كما كانوا يطلبون من آخرين في الساحة الرئيسة الركوع لصورة حافظ، وعندما يرفض أحدهم أو يتلكأ فكانت تفقأ عينه بكل وحشية أو ربما يقتل ، وأمام هذا المشهد المرعب كان البقية يرضخون ويهتفون لحافظ الأسد بينما عناصر سرايا الدفاع يقهقهون ويسخرون منهم.

وخلال صلاة الجمعة كانت سرايا الدفاع تطوق مسجداً أو أكثر، وتحمّل المصلين في سياراتها العسكرية، لتنتزع منهم الاعترافات تحت التعذيب الوحشي حول المقاتلين و المعارضين للسلطة، فيعود الرجال والكهول والفتيان مكسوري الخاطر، وأحذيتهم بأيديهم وهم بالكاد يستطيعون المشي على الأقدام المدماة المتورمة، وأبصارهم منكسة إلى الأرض، فيهرع الأطفال يتعلقون بالآباء ويجهشون بالبكاء.

كانت مشاهد قمة في الإذلال والقهر، لم يسلم منها حتى المواطنون المسيحيون وإن بدجة أقل، فقد صوب أحد عناصر المخابرات في القلعة سلاحه وضرب صليب كنيسة السيدة العذراء الكائنة في (حي المدينة) فكسره، كما تطاول بعضهم على الفتيات المسيحيات وتحرشوا بهن، و دوهمت بيوتهم بحجة البحث عن السلاح والملاحقين، وتم تحقير أحد المطارنة بشكل بشع فهاجر لاحقاً إلى الولايات المتحدة.

وبلغ الاستفزاز أوجه حين عمدت السلطة إلى تفجير البيوت بألغام الديناميت على أثر وشايةٍ أو تقرير من أي عميل يفيد أن أحد المعارضين زار البيت أو تردد عليه، وكان التفجير يتم فوق رؤوس الساكنين وهم داخل منازلهم ودون إنذار للإخلاء، وأحياناً كان عناصر الأمن والجيش يطلقون النار على الجيران رشاً لأنهم لم يبلغوا على وجود عناصر معارضة للسلطة في تلك البيوت، ومن بين البيوت التي تم تفجيرها بهذه الطريقة:

 بيت عبد الكريم قصاب في حي الشيخ عنبر .
 بيت نزار عمرين في حي العليليات .
 بيت أحد قنفوذ في حي الفراية .
 بيت حمدو الخرسة في حي السخانة .
 بيت الشيخ أحمد بوظان في حي العليليات . وعشرات البيوت الأخرى.

* الاستدراج والمجزرة

قبل شباط 1982 بأسابيع قليلة خفف الجيش والأمن قبضته عن وسط مدينة حماة ، وكان الأمر فخاً ومكيدة لأعضاء تنظيم الطليعة ليحتلوا المدينة ويتمترسوا فيها ويكشفوا أنفسهم، وبالفعل خرج المئات من أعضاء التنظيم من أماكن اختبائهم وأقاموا الحواجز والدشم على معظم أجزاء المدينة، وشعروا بالتحرير والانتصار وخرجوا ببيانات تحدي نارية تتوعد النظام بينما كان الأخير يجمع قواته حول المدينة، على أن الغريب في الموضوع أن عديدين من قيادات الأخوان والتنظيم كانوا يدركون تماماً الفخ و أن المواجهة لما تحدث بعد، لكن في ذلك الحين كانت الأمور قد تعقدت بالتنظيم والإخوان إلى درجة لا يمكن وصفها بعد التصفيات الرهيبة في صفوفهم والحصار والخنق وقلة الموارد، ولم يكن هناك مفرّ أمامهم من المواجهة، فاستعدوا لها، وفي صباح 2 شباط 1982 بدأت قوات الأسد بقصف المدينة بالراجمات والمدافع وبدأ الدمار ينتشر، ومع تقدّم القوات في الأيام التالية كان المقاومون قد انهكوا وأحسّوا بما هو قادم، فأخذوا يرددون بين أنفسهم عبارات من قبيل (قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار) و (ليقضي الله أمراً كان مفعولاً) بالإضافة لعبارات التشهّد والتكبير.

تألفت القوات المهاجمة من حوالي 20 ألف مقاتل يتوزّعون بين سرايا الدفاع ووحدته الأكثر إجراماً الوحدة 259 ، واللواء 47 دبابات، واللواء 21 ميكانيك والفوج 21 إنزال جوي وحدات خاصة فضلاً عن مجموعات من مخابرات وفصائل حزبية مسلحة.

لن أستفيض بذكر ما حصل في مجزرة حماه فهي إجمالاً معلومات معروفة للجميع، لكن باختصار طيلة ثلاثة أسابيع أشبعت القوات المهاجمة المدينة تدميراً وحرقاً حتى مسحت أحياء بأكملها عن الخارطة، و سقط ما بين 30 ألف إلى 40 ألف مدني قتلوا إعداماً وتمثيلاً بوحشية لم يشهدها القرن العشرون وأبيدت عائلات بأكملها عبر ثلاثة عقود ولم يبق منها أحد ورُقّنت قيودها لاحقاً في النفوس، وفقد في المجزرة حوالي 15 ألفاً وهدم 88 مسجدًا وثلاث كنائس، فيما هاجر عشرات الآلاف من سكّان المدينة؛ هربًا من القتل والذّبح والتنكيل، وتم إذلالهم خلال هروبهم وأجبروا على الخروج بمسيرات تأييد لقاتليهم.
وصفت صحيفة النوفيل أوبزرفاتور الفرنسية بتاريخ 30 ابريل 1982م المشهد بما نصّه :

“في حماة، منذ عدة أسابيع، تم قمع الانتفاضة الشعبية بقساوة نادرة في التاريخ الحديث.. لقد غزا حافظ ورفعت أسد مدينة حماة، بمثل ما استعاد السوفيات والأمريكان برلين، ثم أجبروا من بقي من الأحياء على السير في مظاهرة تأييد للنظام”.

و حول عملية الاستدراج والذريعة التي اتخذها الأسد للقضاء على حماه يقول أكرم الحوراني في مذكراته :

” تعرضت حماه للعدوان الطائفي الحاقد مرتين بذريعة القضاء على ثورة قلة من الإخوان المسلمين المتعصبين بقيادة الشيخ مروان حديد في المرة الأولى عام 1964 وعلى ثورة بضع مئات من الإخوان المسلمين في المرة الثانية عام 1982 بقيادة عدنان العقلة تلميذ الشيخ مروان حديد ، إذ كان باستطاعة الدولة أن تقضي على ثورة الإخوان دون تعريض المدينة لهدم أحيائها ودون قتل عشرات الألوف من أبنائها ، ودون الاعتداء على نسائها ، ودون استخدام مايملكه الجيش من راجمات الصواريخ وأسلحة القتل والدمار”
وهو ما أكده حمد الشوفي سفير سورية السابق في الأمم المتحدة وأحد رفاق حافظ الأسد الذي هرب مطلع الثمانينات وحكم عليه الأسد بالإعدام، يقول الشوفي في أحد حوارات كتاب “ملفات المعارضة السورية” لتمام البرازي :

“النظام نصب فخاً لحماة وأرد أن يضربها لتحقيق هدفين أولاً أن تكون هذه المدينة درساً لبقية المدن السورية بشكل عام ولدمشق بدرجة خاصة، وثانياً أن يضع في رقبة كل علوي ثأراً دموياً فيشعر بأنه إذا تغير النظام فإن الأذى سيطاله شخصياً، وأنت تعرف تقاليد الثأر في حماة”.

* ما بعد مجزرة حماة

بالتأكيد كانت حماة هي الضربة القاصمة للإسلام السياسي في سورية، فقد تمكن حافظ الأسد من إحداث شرخ عميق في الضمير السوري، وفرّغ القاعدة الإسلامية والسنيّة من رموزها وأعطى درساً قاسياً لبقية الشعب السوري بالرضوخ والاستسلام، لكن رغم ذلك بقيت بعض الجيوب المقاتلة سيما في دمشق وحلب تحاول أن تفعل شيئاً رغم أنها شعرت بأن الأمر يشارف على النهاية، واستمرت بعض العمليات حتى العام 1982 إنما لم يكن لها تأثير حقيقي على الأرض، على أن الإخوان وبعد فشل إعلان النفير الذي أطلقوه في العراق والهزيمة الكبرى التي منيت فيها قواعدهم في حماة، أرادوا أن يفعلوا شيئاً ليحافظوا على توازن الرعب في المفاوضات التي سعى إليها حافظ الأسد معهم بعد ذلك لإنجاز اتفاق ينهي المسألة برمتها بعدما أحكم السيطرة على الأرض.

ورغم أن الإخوان المسلمين بتنظيمهم السياسي كانوا يعزلون أنفسهم في البداية عن خطاب ونهج الطليعة المقاتلة ويتنصلون من نهجها العسكري والطائفي، إلا أنهم عادوا وتواصلوا مع تنظيم الطليعة بشكل مباشر بعد أحداث حماه، ليس ذلك فقط بل إنهم–وبحسب ما ذكر أيمن شربجي في مذكراته- عرضوا على الطليعة بصريح العبارة أن تبايع تنظيم الأخوان مقابل أخذ الدعم وتوسيع العمل العسكري وضم متطوعين جدد، لكن يبدو أن الطليعة لم توافق على هذه الصيغة الابتزازية، يقول شربجي:

“أخبرنا الأخ القائد ‏أبو عمر رحمه الله تعالى عن إرسال عشرة آلاف ليرة سورية من قبل أحد قياديي الإخوان المسلمين في الخارج مقابل تفجير عبوة ناسفة في أي مكان بدمشق، بحيث يكون لتفجيرها صدى إعلامي، وقد أرفقت بوعد بزيادة المبلغ بعد تنفيذ العملية.، وقد أدى هذا النبأ إلى تأثر الأخ القائد رحمه الله تأثراً شديداً وأليماً، فلسنا بالمرتزقة الذين يضحون بدمائهم في سبيل المال. ولئن كنا في ضائقة مالية خانقة فليس معنى ذلك أن نترك أهدافنا التي نسعى لها ومن أجلها فقدنا إخواننا الأبرار وتحملنا المصائب والصعاب وضحينا بكل ما نملك وبأرواحنا، إننا نعمل من أجل قضية الإسلام في هذا الوطن ولن نقوم بأي عمل يحرفنا عن هذه القضية.، وقد كتب الأخ القائد رسالة مريرة ضمنها ما في صدره من ألم وحزن على ما آلت إليه أوضاع المسلمين في سورية، وعلى هذه المعاملة التي لا تخدم المسلمين في هذا البلد والتي نلقاها من إخواننا في الخارج.
وقد كان يود إرسال هذه الرسالة إلى كافة أعضاء القيادة في الخارج، ولكن غلب على ظنه أنها لن تؤثر كما لم تؤثر سابقاتها من قبل، لذلك أحجم عن إرسالها”.

لاحقاً أسس الإخوان بالفعل تنظيماً عسكرياً جديداً ضخوا فيه الكثير من الأموال لكنه سرعان ما تفكك، و هناك اعتقاد لدى كثيرين أنهم هم من أنشؤوا تنظيماً آخر يسمّي نفسه “جيش تحرير سورية” والذي قام بالعديد من العمليات الفاشلة عادت بالضرر على المدنيين أكثر من النظام، من ابرز عمليات هذه التنظيم:

1- انفجارعبوة ناسفة بالبناء المجاور لوكالة سانا بتاريخ 31/7/1985 أسفر عن قتل امرأة وطفلها مع عدد من المارة، وفي نفس اليوم وبعد الظهر وقع انفجار في منطقة المرجة وسط العاصمة دمشق أسفر عن قتل أجير بائع حلويات من آل شهاب.
2- تفجير سيارة براد محملة بكمية من الديناميت تحت جسر تشرين بتاريخ 13/3/ 1986.
3- انفجار بدوار الزبلطاني داخل عربة ناتج عن مواد متفجرة بتاريخ 9/6/1985.
4- انفجار بحاوية قمامة في ركن الدين بتاريخ 27/7/1985 ‏.

ورغم أن النظام كان ماضياً بعمليات التطهير في كل مكان استكمالاً لضربة حماة، إلا أن قوى عدة تدخلت في منتصف الثمانينات لصالح أجندات مختلفة، فبتاريخ 16/4/1986 حدثت عدة تفجيرات مجهولة الهوية مجموعة من باصات السفر الذاهبة إلى اللاذقية بشكل متزامن وذلك من كراجات حلب وحمص وحماة ودمشق بتاريخ ، وكذلك تفجير قطار بين حلب و اللاذقية أسفرت الانفجارات عن قتل وجرح ما يقارب 500 شخص، وقد تبين لاحقاً أن القوات اللبنانية التي يقاتلها الأسد في لبنان هي من فعلت ذلك، وقد اتهم الاعلام السوري بشكل رسمي المخابرات الإسرائيلية مع عملائها في لبنان بتنفيذ العملية.

إجمالاً انتهى الأسد من القضاء على تنظيم الطليعة وكافة التنظيمات الأخرى في العام 1988، وأصبحت الساحة مفتوحة أمامه رحبة ليبني مملكته الأسدية العلوية.

* استمرار التخلص من المنافسين

في نهاية العام(1983) مرض الأسد ودخل المستشفى، وشعر أن شقيقه سيسبب له مشكلة نظراً لنوازعه التي لم يخفها في الوصول للسلطة، فشكّل لجنة سداسية تدير الحكم لم يسمّ بينها رفعت نظراً لخلافاته الكثيرة مع بقية طاقم الأسد، لكن في ذلك الحين كان رفعت قد بنى مملكته الخاصة و عمادها سرايا الدفاع ذات الـ 60 ألف جندي غالبيتهم الغالبة من العلويين المخلصين، وكانت تملك أفضل الأسلحة وتنتمي بقوة لرفعت الأسد.

فنزلت سرايا الدفاع إلى الشوارع تحيي القائد رفعت، وتطالبه باستلام الحكم، وكان الأخير يحاول الانقلاب عن أخيه، لكن بقية الطاقم العلوي الرئاسي كانوا يسيطرون بدورهم على مفاصل قوية جداً في المخابرات والجيش فوقفوا في وجه هذا المشروع.
يقول حمد الشوفي عن تلك المرحلة:

” مرض حافظ الأسد وشارف على الموت، وكانت هناك خلافات بين المقربين، وخصوصاً بين رفعت وقادة المؤسسة العسكرية، علي دوبا وعلي أصلان وعلي حيدر و شفيق فياض وعلي أصلان ومحمد خولي، وهي خلافات على السلب والنهب وليست عقائدية، وكل واحد يريد احتكار شيء لنفسه، رفعت يريد احتكار تجارة السجائر الأجنبية وآخر هو محمد مخلوف شقيق زوجة حافظ الأسد عارضه ونافسه، ثم اختلفوا على تجاره تهريب السيارات، وعندما مرض حافظ الأسد شعر الباقون بأن رفعت و في حال سيطرته على السلطة فإنه سيقص رقابهم، وتسابق الجميع في حرب دعائية في الشوارع، المخابرات وجماعة على دوبا و ومحمد الخولي من جهة وسرايا الدفاع من جهة أخرى، فريق رفع صور حافظ والآخر صور رفعت، وصلت الأخبار لحافظ، وعندما علم أن الجميع متضامن ضد رفعت، وكي لا يفقد ولاء المجموعة العسكرية التابعة لرفعت اتفق معه على سيناريو للخروج”.

وعندما تماثل حافظ الأسد للشفاء، وخوفاً من حدوث انقلابات داخل الطائفة والجيش، حاول استيعاب شقيقه عندما عينه نائباً صُورياً للرئيس، وريثما تمكّن حافظ من ترتيب الأجواء وتشليح شقيقه لمسؤولياته ومصادر قوته شيئاً فشيئاً، أنجز في العام 1985 اتفاقاً قضى بخروج رفعت من البلاد بمقابل مبلغ مالي كبير بالإضافة للاحتفاظ ببعض الامتيازات المالية، لكن منذ ذلك الوقت بدأ الأسد يدرك بأن عليه أن يجد خليفة له، ولم يتوقع القادة العلويون المخضرمون حينها أن ذلك الخليفة سيكون شاباً صغيراً عمره 22 سنة سيبدأ بالظهور لاحقاً هو باسل.

* الأسد المنتصر

خرج الأسد من مرحلة الثمانينات منتصراً على عدة جبهات، فعدا القضاء على آخر تواجد للإسلاميين في العام 1988، فقد ظهر مع مطلع التسعينات كلاعب دولي كبير، وذلك إثر تحالفه مع إيران، وانتصاره على خصومه في لبنان و تسليم الغرب كحاكم فعلي لها كمكافئة على مشاركته قوات التحالف لحرب الخليج ضد صدام حسين، والأهم أن اسرائيل كانت راضية عن الأسد منذ بداية الثمانينات، فهي تحالفت معه ضمناً(وإن كان بشكل غير مكتوب، أو هو مكتوب ولا ندري) على عدة ملفات كبرى، فعلياً الأسد ورغم أنه بالظاهر يدّعي ممانعة ومقاومة إسرائيل إلا أنه فعلياً هو من ساعدها على ترسيخ أقدامها وقوتها في المنطقة، ففي لبنان شاركت القوات السورية بقمع فتح وكافة الفصائل الفلسطينية التي كانت تقاتل إسرائيل وأجبرها على الخروج من لبنان أو الانضمام لجوقة ممانعة الأسد التي تتكلم ولا تفعل (الجبهة الشعبية القيادة العامة)، الأسد أيضاً حفظ جبهة إسرائيل وحماها طيلة فترة حكمه رغم المناوشات الشكلية التي كانت تجري بين وقت وآخر، يفسر ذلك حمد الشوفي في معرض ردّه على السؤال: لماذا إذا ًحصلت مواجهات عسكرية بين سورية واسرائيل بين الحين والآخر؟:

“يحصل هذا كلما كانت هناك مصلحة للطرفين أو لإسرائي وحدها، مثلاً عندما حدثت الانتفاضة في فلسطين بادرت أمريكا إلى إحياء مساعي التسوية السلمية، ويكون من مصلحة اسرائيل أن تُفشل المبادرة الأمريكية دون أن يتحمل المسؤولية شارون أو شامير، ولذلك ينبغي أن يرفضها طرف عربي، وحافظ الأسد جاهز لهذا الرفض، المواجهة بين سورية واسرائيل كلام ودعاية، الحدود مقفلة منذ العام 1973 ولم يقع فيها حادث واحد يعكر أمن الدولة اليهودية، ولم يقع حادث تسلل فدائي واحد وعدد الفلسطينيين المعتقلين في سورية أكثر من عدد المعتقلين منهم في اسرائيل”.. أما فيما يخص حزب الله الذي يواجه اسرائيل، فلم يعدُ كما يبدو كونه ورقة ضغط يستخدمها نظام الأسد لتحقيق بعض المصالح التي تتطلب أحياناً خوض لعبة تكسير العظام، وقد تكشّف لاحقاً خلال الثورة السورية الحالية أمر فصيل كحزب الله عندما صمتت جبهة الجنوب منذ العام 2006 ثم توجهت بنادق الحزب نحو المدن السورية.

http://www.nadyelfikr.com
12-23-2013 11:28 PM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  آراء زملاء لي بالفيسبووك عن الثورة السورية بسام الخوري 7 2,761 08-24-2011 12:46 PM
آخر رد: بسام الخوري
  الثورة السورية the special one 0 910 08-23-2011 07:55 PM
آخر رد: the special one
  وائل جمال - أرشيف مقالاته بفترة الثورة الحوت الأبيض 5 1,988 08-01-2011 09:47 PM
آخر رد: الحوت الأبيض
  مقالات عن الثورة الليبية بسام الخوري 6 5,417 03-10-2011 02:42 PM
آخر رد: بسام الخوري
Wink استفزازيات الثورة Blue Diamond 3 1,988 02-11-2011 11:54 PM
آخر رد: Blue Diamond

التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف