نادي الفكر العربي
للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - نسخة قابلة للطباعة

+- نادي الفكر العربي (http://www.nadyelfikr.com)
+-- المنتدى: الســــــــاحات العامـــــــة (http://www.nadyelfikr.com/forumdisplay.php?fid=3)
+--- المنتدى: فكـــر حــــر (http://www.nadyelfikr.com/forumdisplay.php?fid=57)
+---- المنتدى: تـاريخ و ميثولوجيـا (http://www.nadyelfikr.com/forumdisplay.php?fid=7)
+---- الموضوع: للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون (/showthread.php?tid=28199)

الصفحات: 1 2 3 4 5


للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

أعزائي سأنقل لكم تباعا هنا
كتاب تاريخ ابن خلدون بالكامل ان شاء الله ...

أرجو لكم الفائدة و المتعة في هذا الكتاب القيم




للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

بسم الله الرحمن الرحيم
المجلد الأول
من تاريخ العلامة ابن خلدون
ص 5-61
يقول العبدُ الفقيرُ إِلى رحمة ربه ، الغنيُّ بلطفه ، عبدُ الرحمن بنُ محمد بن خلدون الْحَضْرَميُ وفَّقه الله تعالى : الحمد للّه الذي له العزَةُ والجبروتُ ، وبيدِهِ المُلكُ والملكوتُ ، ولهُ الأسماءُ الحُسنى والنُعوتُ ، العالِم فلا يعزُبُ عنه ما تُظْهِرُهُ النًجوى أو يُخفيهِ السُّكوتُ ، القادِرُ فلا يُعجِزُهُ شيءٌ في السَّماواتِ والأرضِ ولا يفوتُ . أنشأنا من الأرضِ نَسَماً، واستَعْمَرَنا فيها أجيالاً وأمماً، وَيسَّر لنا منها أرْزاقاً وقِسَماً . تكنُفُنا الأرحامُ والبُيوتُ ويكفُلُنا الرِّزقُ والقوتُ ، وتُبلينا الأيامُ والوقُوتُ ، وتَعتَوِرُنَا الآجالُ التي خُطَ عَلينا كتابُها الْمَوقوتُ ، وله البقاءُ والثُّبوت ، وهو الحيُّ الذي لا يموتُ ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدنا ومَولانا محمَّد النَبيِّ الأمِّيّ العربيِّ المكتوبِ في التوراةِ والِإنجيلِ المنعوتِ ، الذي تمحضَ لفِصالهِ الكونُ قَبل ان تَتعاقَبَ الآحادُ والسبوتُ ، وَيتَبَايَنَ زُحَلُ واليَهْموتُ وشَهِدَ بصدقِهِ الحمامُ والعنكبوتُ ؛ وعلى آلِهِ وأصْحَابِهِ الَّذِينَ لهم في محبتهِ واتِّباعهِ الأثَرُ




للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

البَعيدُ والصِّيتُ ، والشَّمْل الجميعُ في مُظاهَرَتِهِ ولعدوِّهِم الشمْلُ الشتيتُ ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ ما اتَّصلَ بالإِسلام جَدُّهُ الْمَبْخوتُ ، وآنْقَطَعَ بالكُفْرِ حَبْلُه المبتوتُ ، وسلّم كثيراً .
أما بعدُ، فَإِنَّ فَنَّ التَاريخِ من الفُنونِ التي تَتَداوَلُها الأمَمُ والأجْيالُ ، وتشَذُ إِلَيْهِ الركائبُ والرِّحالُ ، وتسمو إلى مَعرِفَتِهِ السُّوقَةُ والاغْفَالُ ، وتَتنافسُ فيه المُلوكُ والأقْيالُ ، وَيتَساوى في فَهْمِهِ العُلَماءُ والجُهَالُ ، إذْ هُوَ في ظاهِرهِ لا يزيدُ على إِخْبارٍ عن الأيَّامِ والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها ، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيه أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها. وأدوها إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها، ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها، فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد عريق في الآدميين وسليل، والتطفل على الفنون عريض وطويل ، ومرعى الجهل بين أنام وخيم وبيل. والحق لا يقاوم سلطانه، والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه، والناقل إنما هو يملي وينقل، والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل ، والعلم يجلو لها صفحات الصواب ويصقل.



للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

هذا وقد دون الناس في الأخبار وأكثروا، وجمعوا تواريخ أمم والدول في العالم وسطروا. والذين ذهبوا بفضل الشهرة والأمانة المعتبرة، واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخرة، هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل، ولا حركات العوامل، مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدي و المسعودي وغيرهم من المشاهير، المتميزين عن الجماهير؛ وإن كان في كتب المسعودي و الواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الأثبات ، و مشهور بين الحفظة الثقات ، إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم، واقتفاء سننهم في التصنيف واتباع آثارهم، والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار، وتحمل عليها الروايات والآثار.
ثم أن أكثر التواريخ لهؤلاء عامة المناهج والمسالك، لعموم الدولتين صدر الإسلام في الآفاق والممالك، وتناولها البعيد من الغايات في المآخذ و المتارك. ومن هؤلاء من استوعب ما قبل الملة من الدول والأمم ، و الأمر العمم ، كالمسعودي ومن نحا منحاه. وجاء من بعدهم من عدل عن الإطلاق إلى التقييد، ووقف في العموم والإحاطة عن الشأو البعيد، فقيد شوارد عصره، واستوعب أخبار أفقه وقطره، واقتصر على أحاديث دولته ومصره. كما فعل أبو حيان مؤرخ الأندلس والدولة الأموية بها، وابن الرفيق مؤرخ إفريقية والدول التي كانت بالقيروان.
ثم لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد وبليد الطبع والعقل أو متبلد ينسج على ذلك المنوال، ويحتذي منه بالمثال، ويذهل عما أحالته الأيام من أحوال، و استبدلت به من عوائد الأمم والأجيال. فيجلبون الأخبار عن الدول،

وحكايات الوقائع في العصور الأول، صورا قد تجردت عن موادها، وصفاحا انتضيت من أغمادها، ومعارف تستنكر للجهل بطارفها وتلادها ، إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا تحققت فصولها، يكررون في موضوعاتهم الأخبار المتداولة بأعيانها، اتباعا لمن عني من المتقدمين بشأنها، ويغفلون أمر الأجيال الناشئة في ديوانها، بما أعوز عليهم من ترجمانها، فتستعجم صحفهم عن بيانها. ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقا، محافظين على نقلها وهما أو صدقا، لا يتعرضون لبدايتها، ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها، واظهر من آيتها، ولا علة الوقوف عند غايتها فيبقى الناظر متطلعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادئ الدول ومراتبها، مفتشاً عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها، باحثاً عن المقنع في تباينها أو تناسبها، حسبما نذكر ذلك كله في مقدمة الكتاب.ثم جاء آخرون بإفراط الاختصار، وذهبوا إلى الاكتفاء بأسماء الملوك والاقتصار، مقطوعة عن الأنساب والأخبار، موضوعة عليها أعداد أيامهم بحروف الغبار، كما فعله ابن رشيق في ميزان العمل، ومن اقتفي هذا الأثر من الهمل. وليس يعتبر لهؤلاء مقال، ولا يعد لهم ثبوت ولا انتقال، لما أذهبوا من الفوائد، وأخلوا بالمذاهب المعروفة للمؤرخين والعوائد.
ولما طالعت كتب القوم، وسبرت غور الأمس واليوم، نبهت عين القريحة من سنة الغفلة والنوم، وسمت التصنيف من نفسي وأنا المفلس، أحسن السوم. فأنشأت في التاريخ كتابا، رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجابا، وفصلته في الأخبار والاعتبار باباً باباً، وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللا وأسباباً وبنيته على أخبار الأمم الذين عمروا المغرب في هذه الأعصار ،



للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

وملؤوا


أكناف النواحي منه والأمصار، وما كان لهم من الدول الطوال أو القصار، ومن سلف من الملوك والأنصار، وهم العرب والبربر؛ إذ هما الجيلان اللذان عرف بالمغرب مأواهما، وطال فيه على الأحقاب مثواهما، حتى لا يكاد يتصور فيه ما عداهما، ولا يعرف أهلة من أجيال الآدميين سواهما. فهذبت مناحيه تهذيبا، وقربته لإفهام العلماء والخاصة تقريبا، وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكا غريبا، واخترعته من بين المناحي مذهبا عجيبا، وطريقة مبتدعة وأسلوبا. وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن، وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها؛ حتى تنزع من التقليد يدك، وتقف على أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك.ورتبته على مقدمة وثلاثة كتب:
المقدمة: في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط المؤرخين.
الكتاب الأول: في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما لذلك من العلل والأسباب.
الكتاب الثاني: في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدأ الخليقة إلى هذا العهد، وفيه الإلماع ببعض من عاصرهم من أمم المشاهير ودولهم مثل النبط والسريانيين والفرس وبني إسرائيل والقبط واليونان والروم والترك والإفرنجة.
الكتاب الثالث: في أخبار البربر ومن إليهم من زناتة وذكر أوليتهم وأجيالهم وما كان لهم بديار المغرب خاصة من الملك والدول.ثم كانت الرحلة إلى المشرق لاجتلاء أنواره، وقضاء الفرض والسنة في مطافه ومزاره، والوقوف على آثاره في دواوينه وأسفاره، فأفدت ما نقص من أخبار ملوك العجم بتلك الديار، ودول الترك فيما ملكوه من الأقطار، واتبعت بها ما كتبته في تلك الأسطار



للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

، وأدرجتها

في ذكر المعاصرين لتلك الأجيال من أمم النواحي، وملوك الأمصار والضواحي، سالكا سبيل الاختصار والتلخيص، مفتديا بالمرام السهل من العويص، داخلا من باب الأسباب على العموم إلى الأخبار على الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة استيعابا، وذلل من الحكم النافرة صعابا، وأعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا، وأصبح للحكمة صوانا وللتاريخ جرابا.
ولما كان مشتملا على أخبار العرب والبربر، من أهل المدن والوبر، والإلماع بمن عاصرهم من الدول الكبر، وأفصح بالذكرى والعبر، في مبتدأ الأحوال وما بعدها من الخبر، سميته كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر،ولم أترك شيئا في أولية الأجيال والدول، وتعاصر الأمم الأول، وأسباب التصرف والحول، في القرون الخالية والملل، وما يعرض في العمران من دولة وملة، ومدينة وحلة، وعزة وذلة ، وكثرة وقلة، وعلم وصناعة، وكسب وإضاعة، وأحوال متقلبة مشاعة، وبدو وحضر، وواقع ومنتظر، إلا واستوعبت جمله، وأوضحت براهينه وعلله. فجاء هذا الكتاب فذا بما ضمنته من العلوم الغريبة، والحكم المحجوبة القريبة. وأنا من بعدها موقن بالقصور، بين أهل العصور، معترف بالعجز عن المضاء، في مثل هذا القضاء، راغب من أهل اليد البيضاء، والمعارف المتسعة الفضاء، النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء، والتغمد لما يعثرون عليه بالإصلاح والإغضاء. فالبضاعة بين أهل العلم مزجاة، والاعتراف من اللوم منجاة، والحسنى من الإخوان مرتجاة، والله أسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وهو حسبي ونعم الوكيل.



للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

وبعد أن استوفيت علاجه، وأنرت مشكاته للمستبصرين وأذكيت سراجه، وأوضحت بين العلوم طريقه ومنهاجه، وأوسعت في فضاء المعارف نطاقه، وأدرت سياجه، أتحفت بهذه النسخة منه خزانة مولانا السلطان الإمام المجاهد، الفاتح الماهد، المتحلي منذ خلع التمائم ولوث العمائم، بحلي القانت الزاهد، المتوشح من زكاء المناقب والمحامد ، وكرم الشمائل والشواهد، بأجمل من القلائد، في نحور الولائد، المتناول بالعزم القوي الساعد والجد المواتي المساعد، والمجد الطارف والتالد، ذوائب ملكهم الراسي القواعد، الكريم المعالي والمصاعد، جامع أشتات العلوم والفوائد، وناظم شمل المعارف الشوارد ، ومظهر الآيات الربانية، في فضل المدارك الإنسانية، بفكره الثاقب الناقد، ورأيه الصحيح المعاقد، النير المذاهب والعقائد، نور الله الواضح المراشد، وبعمته العذبة الموارد، ولطفه الكامن بالمراصد للشدائد، ورحمته الكريمة المقالد، التي وسعت صلاح الزمان الفاسد، واستقامة المائد من الأحوال والعوائد، وذهبت بالخطوب الأوابد، وخلعت على الزمان رونق الشباب العائد، وحجته التي لا يبطلها إنكار الجاحد ولا شبهات المعاند، (أمير المؤمنين) أبي فارس عبد العزيز ابن مولانا السلطان الكبير المجاهد المقدس أمير المؤمنين، أبي الحسن، ابن السادة الأعلام من بني مرين، الذين جددوا الدين، ونهجوا السبيل للمهتدين، ومحوا آثار البغاة المفسدين. أفاء الله على الأمة ظلاله، (وبلغه في نصر دعوة الإسلام آماله).
وبعثته إلى خزانتهم الموقفة لطلبة العلم بجامع القرويين من مدينة فاس حاضرة ملكهم، وكرسي سلطانهم، حيث مقر الهدى، ورياض المعارف خضلة الندى، وفضاء الأسرار الربانية فسيح المدى، والإمامة الكريمة الفارسية العزيزة أن شاء الله بنظرها الشريف، وفضلها الغني عن التعريف، تبسط له من العناية مهادا، وتفسح له في جانب القبول آمادا، فتوضح بها أدلة على رسوخه وأشهادا. ففي سوقها تنفق بضائع الكتاب، وعلى حضرتها تعكف ركائب العلوم والآداب، ومن مدد بصائرها المنيرة نتائج القرائح و الألباب. والله يوزعنا شكر نعمتها، ويوفر لنا حظوظ المواهب من رحمتها، ويعيننا على حقوق خدمتها، ويجعلنا من السابقين في ميدانها، المجلين في حومتها، ويضفي على أهل إيالتها، وما أوى من الإسلام إلى حرم عمالتها، لبوس حمايتها وحرمتها وهو سبحانه المسؤول أن يجعل أعمالنا خالصة في وجهتها، بريئة من شوائب الغفلة وشبهتها وهو حسبنا ونعم الوكيل.



للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

المقدمة
في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع لما يعرض
للمؤرخين
من المغالط والأوهام وذكر شيء من أسبابه0ا
إعلم أنَّ فنَّ التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهمْ، والملوك في دولهم وسياستهمْ، حتى تتمَّ فائدةُ الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا. فهو محتاجٌ إلى مآخذ متعدَدةََومعارف متنوعة، وحسن نظرو تثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سمينًاً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات ، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط؛ ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هى مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد.



للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام أحصاهم في التيه، بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون.ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش. لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عما فوقها؛ تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة.ثم أن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق ساحة الأرض عنها، وبعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أو ثلاثاً أو أزيد، فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين وشيء من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر. والحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء.
ولقد كان ملك الفرس ودولتهم اعظم من ملك بني إسرائيل بكثير، يشهد لذلك ما كان من غلب بختنصر لهم، والتهامه بلادهم، واستيلائه على أمرهم، وتخريب بيت المقدس قاعدة ملتهم وسلطانهم، وهو من بعض عمال مملكة فارس. يقال إنه كان مرزبان المغرب من تخومها. وكانت ممالكهم بالعراقين وخراسان وما وراء النهر والأبواب أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير. ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريبا منه. وأعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة وعشرون ألفا، كلهم متبوع على ما نقله "سيف " قال: وكانوا في أتباعهم اكثر من مائتي ألف. وعن عائشة والزهري: أن جموع رستم التي زحف بها لسعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفا كلهم متبوع.وأيضا فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد لاتسع نطاق ملكهم وانفسح مدى دولتهم فإن العمالات والممالك في الدول على نسبة الحامية والقبيل القائمين بها في قلتها وكثرتها حسبما نبين في فصل الممالك من الكتاب الأول. والقوم لم تتسع ممالكهم إلى غير الأردن وفلسطين من الشام، وبلاد يثرب وخيبر من الحجاز على ما هو المعروف.
وأيضاً فالذي بين موسى وإسرائيل إنما هو أربعة آباء على ما ذكره المحققون، فإنه موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بفتح الهاء وكسرها، ابن لاوي بكسر الواو وفتحها، ابن يعقوب وهو إسرائيل الله، كذا نسبه في التوراة. والمدة بينهما على ما نقله المسعودي، قال : دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط وأولادهم حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسا وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السلام إلى التيه مائتين وعشرين سنة، تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة. ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد. وإن زعموا أن عدد تلك الجيوش إنما كان في زمن سليمان ومن بعده فبعيد أيضا إذ ليس بين سليمان وإسرائيل إلا أحد عشر أبا. فإنه سليمان بن داود بن إيشا بن عوفيذ (ويقال ابن عوفذ) بن باعز (ويقال بوعز) بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب (ويقال حميناذاب) بن رم بن حصرون (ويقال حسرون) بن بارس (ويقال بيرس) بن يهوذا بن يعقوب. ولا يتشعب النسل في أحد عشر من الولد إلى مثل هذا العدد الذي زعموه اللهم إلى المئين والآلاف فربما يكون وأما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد. وأعتبر ذلك في الحاضر المشاهد والقريب المعروف، تجد زعمهم باطلا ونقلهم كاذبا.



للمهتمين ... تاريخ ابن خلدون - bassel - 05-28-2005

والذي ثبت في الإسرائيليات أن جنود سليمان كانت اثني عشر ألفا خاصة، وأن مقرباته كانت ألفا وأربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه. هذا هو الصحيح من أخبارهم ولا يلتفت إلى خرافات العامة منهم. وفي أيام سليمان عليه السلام وملكه كان عنفوان دولتهم واتساع ملكهم.هذا، وقد نجد الكافة من أهل العصر إذا أفاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريباً منه، وتفاوضوا في الأخبار عن جيوش المسلمين أو النصارى، أو اخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السلطان ونفقات المترفين وبضائع الأغنياء الموسرين، توغلوا في العدد وتجاوزوا حدود العوائد، وطاوعوا وساوس الإعراب. فإذا استكشفت أصحاب الدواوين عن عساكرهم، واستنبطت أحوال أهل الثروة في بضائعهم وفوائدهم ، واستجليت عوائد المترفين في نفقاتهم، لن تجد معشار ما يعدونه. وما ذاع إلا لولوع النفس بالغرائب، وسهولة التجاوز على اللسان والغفلة على المتعقب والمنتقد، حتى لا يحاسب نفسه على خطأ ولا عمد، ولا يطالبها في الخبر بتوسط ولا عدالة، ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش، فترسل عنانه ويسيم في مراتع الكذب لسانه، ويتخذ آيات الله هزءاً، ويشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، وحسبك بها صفقة خاسرة.
ومن الأخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب انهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى إفريقية والبربر من بلاد المغرب، وأن إفريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم أول، وكان لعهد موسى عليه السلام او قبله بقليل. غزا أفريقية واثخن في البربر، وانه الذي سماهم بهذا الاسم حين سمع رطانتهم وقال: ما هذه البربرة ، فأخذ هذا الاسم عنه ودعوا به من حينئذ، وانه لما انصرف من المغرب حجز هنالك قبائل من حمير فأقاموا بها واختلطوا بأهلها، ومنهم صنهاجة، وكتامة ومن هذا ذهب الطبري والجرجاني والمسعودي وبن الكلبي والبيلي إلى أن صنهاجة وكتامة من حمير وتأباه نسابة البربر، وهو الصحيح.وذكر المسعودي أيضا أن ذا الإذعار من ملوكهم قبل إفريقش وكان على عهد سليمان عليه السلام، غزا المغرب ودوخه، وكذلك ذكر مثله عن ياسر ابنه من بعده، وأنه بلغ وادي الرمل من بلاد المغرب ولم يجد فيه مسلكا لكثرة الرمل، فرجع. وكذلك يقولون في تبع الآخر وهو اسعد أبو كرب، وكان على عهد يستاسف من ملوك الفرس الكيانية ، إنه ملك الموصل وأذربيجان ولقي الترك فهزمهم وأثخن، ثم غزاهم ثانية وثالثة كذلك، وإنه بعد ذلك أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس، وإلى بلاد الصغد من بلاد أمم الترك وراء النهر، وإلى بلاد الروم، فملك الأول البلاد إلى سمرقند وقطع المفازة إلى الصين، فوجد أخاه الثاني الذي غزا إلى سمرقند قد سبقه إليها، فاثخنا في بلاد الصين ورجعا جميعاًًًً بالغنائم، وتركوا ببلاد الصين قبائل من حمير فهم بها إلى هذا العهد، وبلغ الثالث إلى قسطنطينية فدرسها ودوخ بلاد الروم ورجع.