نادي الفكر العربي
النار( قصة قصيرة) - نسخة قابلة للطباعة

+- نادي الفكر العربي (https://nadyalfikr.com)
+-- قسم : الســـــــــاحات الاختصاصيـــــة (https://nadyalfikr.com/forumdisplay.php?fid=5)
+--- قسم : لغـــــــة وأدب (https://nadyalfikr.com/forumdisplay.php?fid=78)
+--- الموضوع : النار( قصة قصيرة) (/showthread.php?tid=49369)



النار( قصة قصيرة) - رائد قاسم - 10-03-2012

النار
( قصة قصيرة)
رائد قاسم
بشروق الشمس يكون الهجوم الأعنف من النار التي تحاصر القرية قد انتهى، خلف الهجوم 4 شبان احترقت أجسادهم وأصبحت جثث متفحمة لا يعرف صاحبها... يشيع القتلى إلى مثواهم الأخير والحزن جاثم على قلوب الأهالي كمارد يأبى الخروج من جسد استباحه فاستلذ المكوث فيه .
- ماذا سنفعل الان يا خالد ؟
- لا شي.
- لاشي!
- ماذا تريدنا أن نفعل ؟ ليس لنا إلا أن نستمر في المقاومة.
- إلى متى ؟ إن النار تحرق شخص أو شخصين من أبناء القرية كل يوم.
- أتريدنا أن نستسلم لها؟
- كلا ولكن فلنذهب إليها ولنعرف ماذا تريد منا بالضبط.
.. يذهب خالد بصحبة شقيقه محمد إلى النار... كلما اقتربا منها يشعران بارتفاع شديد في درجة حرارة... النار تحيط بقريتهم من مختلف الجهات ، يرتفع لهيبها ارتفاعات شاقة في السماء لتحكم حصار القرية وأهلها ... ينظر خالد إلى الأفق فلا يرى سوى النار التي إحالته إلى لون اصفر داكن كئيب...
- ماذا تريدين منا أيتها النار ؟
- كل شي.
- ماذا تعنين بذلك؟
- كل شي.. كل شي.
- لقد أحرقتي بساتيننا، وحرمتينا من المياه العذبة ، حتى جف النهر الذي كان يرفدنا بالمياه.
- إن أردتم استعادة بعض ما فقدتموه فعليكم بتسليمي كل شي في حياتكم.
- كلا ( يقولها خالد بغضب وشقيقه محمد يحاول تهدئته) .
- بعد غذ سينتهي كل شي.
- ماذا تقصدين؟
- ستعرف ما اقصده بنفسك، ولكن إن أردتم تجنب مصيركم الأسود فسلموا لي كل شي في حياتكم.
... يجتمع أعيان القرية وأبناءها..
- اخرجوا من القرية ، غادروها إلى الأبد.
خالد- أتعتقدون أن هذا هو الحل؟
- لقد وعدتنا النار بأنها لن تدمر قريتنا إن غادرتموها.
خالد- وما قيمة القرية من دون شبابها؟
- اوليس هذا أفضل من تدميرها عن بكرة أبيها؟
- علينا أن نقاوم.
- تقاومون من؟ من يستطيع مواجهة هذا النار الشيطانية ؟ إن دخانها يمتد إلى عنان السماء ؟ من يقدر على هزيمتها؟
- يا خالد سنعطيك ومن معك المال الكافي لبدء حياة جديدة في مكان آمن.
- أموال من دون وطن كجسد بلا روح ( يقولها خالد بحماس ونشوة).
يخرج خالد وخلفه العشرات من شباب القرية ويتفقون على مقاومة النار..يشحذون هممهم ، ويتآزرون فيما بينهم ... يتوجهون إلى البئر الرئيسي ويستخرجون منه براميل المياه ويعبئوها في المجانيق .... يتخذون مواقعهم استعداد لبدء الهجوم ...
خالد- عندما يحل الفجر سنهاجمها، ستكون درجات الحرارة في أدنى معدلاتها، والنار ستصبح اقل توهجا.
مع دقائق الفجر الأولى بدء شباب القرية هجومهم، المياه الباردة تنهال على جنود النار فترديهم.. تنتشر المياه في أنحاء متفرقة من النار، تضج النار وتصدر حسيسا مهولا وكأنها تصحوا من نوم امتد لآلاف السنين... السماء تتحول إلى شعلة من اللهب..... الوجود يصطبغ بلون اصفر معتم... كرات نارية تنهال عليهم .. يتراكضون في الأرجاء احتماء منها... تصيب الكرات بعضهم ، يحاول خالد أن يطفأ أجساد الشبان المحترقة بالماء ولكن الماء لم يعد له اثر .... يتفاجأ خالد ومحمد من ذلك ، يصاب الجميع بالذهول .يصرخون في الأنحاء ... ينهالون باللعنات على النار وجنودها .... كرات النار الملتهبة تحول أكثر من خمسة شبان إلى مجرد أشلاء محترقة...
...البكاء والنحيب في كل مكان . بكاء النساء والأطفال يسمع في كافة أنحاء القرية ... دموع خالد ومحمد وبقية الشبان تنسكب بغزارة....
خالد- لقد صببنا عليهم الماء ولكن النار ظلت مشتعلة في أجسادهم.
.. الكل صامت ولا احد يجيبه..
يوجه خطابه إلى والده ..
- أبي صدقني لم نهرب من النار ، لقد حاربناها بكل قوانا ولكن الأمر الغريب أن مياهنا لا تطفئها.
يتقدم منه والده ويمسك كتفيه بشدة..
- إنها نار من صنع الشيطان.
- ماذا ؟!
- إن نار الشيطان لا يطفئها الماء.
- وما الذي ينفع معها إذن؟
يزداد ضغطا على كتفيه ..
- لا يطفأ نار الشيطان إلا نار مثلها يا ولدي.
****
يعود خالد وشقيقه محمد إلى المنزل وهما في غاية الألم والحزن، يحاول والدهما التخفيف عنها إلا إن وقع ما حدث اخذ منهما الشيء الكثير... يستسلم خالد للنوم بينما يبقى محمد مستلقيا ووجه باتجاه الشرفة متأملا بحرقة سماء الليل المظلم المزين بالنجوم.. تقطع عليه خلوته شعلات نيران متحركة سرعان ما تطوق المنزل ، يستيقظ خالد على إثر الحرارة الشديدة ....
- إنهم جنود النار يا خالد.
- ماذا يريدون منا؟
- لا شك أنهم جاءوا لقتلنا.
قاذفات اللهب المخيفة تحيط بهم ... القنابل المضيئة تنفجر في محيط البيت محدثة هزات عنيفة..
تشتعل النار في أنحاء متفرقة من المنزل. يقذف خالد ومحمد ووالدها بالنار .. يأخذ خالد والده إلى إحدى الغرف للاحتماء بها.. يصارع خالد ومحمد جنود النار بالأسلحة البيضاء .....يسارع شباب القرية إلى مساعدتهما فيفر جنود النار بعد أن دمروا القسم الأكبر من المنزل.
- اسمع يا خالد لقد عدنا للتو من مقابلة النار وقد أعطتنا عهدا بالأمان إذا ما وافقنا على شروطها.
- وما هي؟
- أن ترحل أنت ومن معك من شباب القرية.
- وماذا أيضا؟
- أن نسلم لها البساتين والمياه، وان نطيعها في كل ما تأمرنا به، وفي مقابل ذلك ستمنحنا الأمان والسلام.
... يقف خالد متنهدا..
- ما قيمة حياتكم إذا كنتم ستقدمون لها كل شي وهي في المقابل لن تمنحكم سوى الحياة التي تمنحها للبهائم ؟
- أليس هذا أفضل من الموت حرقا ؟ أليس ذلك أفضل من أن يدفن احدنا وهو اقرب إلى كونه فحمة سوداء بالية ؟
- الموت في النور أفضل ألف مرة من العيش في الظلام.
يرفض شباب القرية شروط النار ويصرون على المقاومة ، يعبئون قواهم استعدادا للمعركة الكبرى مع النار...مع انبلاج الفجر تهجم النار على القرية من مختلف الجهات .... يغير جنودها على ما تبقى من البساتين فيحيلوها إلى أكوام من الرماد.... المياه تنخسف إلى سيل من الحمم البركانية.. الرياح الصفراء تقضي على تغاريد البلابل وزغردة العصافير.... تتساقط الحمم الحجرية من الجبال المحيطة بالقرية..... تخور الأبقار خوفا ورعبا... وتنبح الكلاب نباح المستغيث.... تطير الطيور محاولة الفرار من الجحيم فتصطدم ببعضها البعض فتتساقط ميتة على الأرض... لأول مرة تنهق الحمير وجلا وخوفا من جنود النار الذين لم يرحموا أحدا، حتى الأموات في قبروهم بدوا وكأنهم يستغيثون من النار وحربها المجنونة... خالد وشباب القرية لا يزالون يقاومون النار، كلما نظروا إلى زرقة السماء في النهار...وسوادها في الليل ، وعدم قدرة النار على حجب ضوء القمر وتلئلا النجوم زاد أملهم بنصرهم عليها في يوم ما.