اقتباس: ولو كان الله عادلاً لخلق الإنسان مبرمجاً لعبادته ما دام هذا هو السبب الرئيسي لخلقه وأنه سوف يُعذب إذا لم يعبد الله.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً }النساء174
لو كان الإنسان مبرمجاً لانعدمت المشاعر والغرائز وغابت المعرفة وانعدم الإدراك ،
والبشر يختلفون عن الملائكة ، البشر خلقهم الله وميزهم بالعلم ، فالإنسان منذ ولادته وحتى موته وهو يتعلم وبتعلمه يكتشف كل يوم قدرة الله ، فالله نور السموات والأرض ، والعلم كالنور للإنسان :
فالجهل هو الصمم والعما والطرش ، والعلم هو النور :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ{17} صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ{18}
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{30} وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{31} قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{32} قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{33}البقرة
وهنا تتميز عبادة الإنسان عن عبادة الملاك.
فالله يريد من الإنسان أن يعيش للعبادة ، وما أجمل العبادة وهي تأتي بعد تعلم وإدراك لعظمة الله ، وما أجمل وأروع أن يظهر العقل على عظمة الله كطفل يكبر ويكبر إعجابه وتعلقه بأبيه وأمه ،
وبنفس الوقت يوجد تحدِ أخر وهو إبليس الذي يحاول مسح عقل الإنسان ، ويشغله بالتوافه ، ليضيع عليه متعة العبادة التي فطر الله الناس عليها وهي العبادة بالتعلم ،
دور إبليس :
{مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28
إبليس يعتبر نفسه خير من كل البشر أي أنه في كفة ، والبشرية كلها في كفة أخرى ،
وبجرأة وادعاء للمعرفة وغرور قال إبليس أنه خير من أدم ،
وطلب تأجيل عذابه ، فحرض أدم على المعصية ، ولما عصى أدم ربه ، رحمه الله برحمته وعلمه كلمات ليتوب عليه وغفر له بها ،
وبما أن إبليس ( الملعون ) عصى ربه فأهبطه ( ولكن أجل عذابه )
وأدم عصى ربه فأهبطه منها ولكنه غفر له ،
والله قد توعد إبليس بالعذاب ، وإبليس قد هدد بأنه سيحتنك ذرية أدم إلا قليلاً:
{قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً }الإسراء62
لذلك فكل من أطاع إبليس أو أحد أتباعه الذين ضمهم إلى مصيره يعتبر ممن حق عليه القول ، فيعتبر من ذرية إبليس ومن جنوده ، فسيعذبهم ولكن العذاب في الأخرة سيكون في الحقيقة لإبليس ، لأن شياطين الأرض من جن وإنس هم ذريته.
وعندما يعصي الإنسان ربه باختياره فكأنما ينضم إلى إبليس ، ويؤيده ، في ظنه ويصبح شيطاناً من أعوانه وليس مخدوعا ولا مبرراً لموقفه فقط :
{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ }سبأ20
فيصبح من حطب جهنم إلى جانبه وذلك معنى قوله تعالى :
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ }الأنبياء98
وقد ربط الله بين الهدى والنور في مواضع من القرأن الكريم ومنها بين النور والعلم ومنها بين النور والإيمان ومنها بين العلم والإيمان :
ومنها هذه الأيات التي تربط بين النور وبين الوحي السماوي:
" إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور"المائدة44
" وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ"المائدة46
" قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ
نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ"المائدة15
{
يَهْدِي [COLOR=Blue]بِـهِ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }المائدة16
.. وغيرها، منها ما هو ظاهر كما سبق ومنها ما هو ضمني .
وأما قول الله سبحانه:
(ولقد فرقناه بينهم ليذّكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا )
لأن الإنسان يعرف الحق ولكنه يعدل عنه تجاهلاً أو عناداً أو كفراً أو تحدياً.
أما الإنسان الجاهل فليس عليه حساب إلا بقدر تجاهله لنور الله ، وترك الإيمان ، وإتباع الشيطان.
اقتباس: وكان الله قد قرر حتى قبل أن يخلق الناس أنه سوف يملأ جهنم منهم ومن الجن كذلك، فقال:
.........................
(ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين {118} إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنةِ والناس أجمعين {119}) (هود)
في الأية الأولى توضيح للسؤال حول برمجة الإنسان على العبادة والمذكورة سابقا ،
أما من رحم ربك فهم الذين يصلون إلى معرفة الله وخشيته بالتعلم والمعرفة ، ولذلك خلقهم ،
"الله نور السموات والأرض" ، والكتب السماوية فيها " هدى ونور" ، وهي تدعوا للإيمان بالله ،
إذن فالمؤمنين يهديهم ربهم بإيمانهم :
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ }يونس9
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم) يرشدهم (ربهم بإيمانهم) به بأن يجعل لهم نوراً يهتدون به يوم القيامة (تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم) ( من تفسير الجلالين )
اقتباس: وهل من العدل أن يضل الله الناس ثم يعذبهم على ضلالهم، كما يقول في سورة الأنعام، الآية 125 (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون).
أنظر إلى تكملة الأية :
"كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون"
لم يقل يجعله مسلما ، بل يشرح صدره ، لماذا ينشرح الصدر ؟
لأن نور الله قد دخل إلى قلبه وسطع على سمعه وبصره وفؤاده ، ونور الله هو أثار العلم الذي انتفع به والذي تلقاه من وحي الله ( من كتبه ورسله ) كما تبين لنا سابقاً ،
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ }يونس9
اقتباس: ويبدو كذلك أن الله يمكر كما يمكر المجرمون، بل أن مكره أشد من مكرهم. فهو يستدرج الذين لا يؤمنون بآياته ليرتكبوا الأخطاء ثم يعذبهم (والذين يكذبون بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) (الأعراف، 182).
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ{182} وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ{183}
أي أن الله سيجعلهم يتدرجون في كفرهم بسبب جهلهم أو في مجال يكفرون ولا يعلمون فيه ، ويمهلهم فيزدادوا كفراً وطغياناً .
وفي الايتين نواحي بديعة في التعبير ، في الأولى جاءت بأسلوب المتكلمين : باياتنا ، سنستدرجهم ( للعظمة أو لقصد أنها جاءت من الله ورسله )
وفي الثانية ، جعل العذاب أو العقوبة من اختصاصه هو ،
ثم يلومهم متسائلاً وهو العالم سبحانه : أولم يستخدموا عقولهم فيفكروا ملياً ، أولم ينظروا ما حولهم من دلائل عظمة الله وقدرته ، وأن الموت يمكن أن يكون قريب منهم ، فما الذي ينفع مع هؤلاء إن لم يعتبروا بهذا؟ :
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ{184} أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ{185}الاعراف
اقتباس: ونحن نعرف الآن أن الظواهر الطبيعية من زلزال وبراكين لا يمكن أن تكون وسيلة ينتقم بها الخالق من مخلوقاته إذ أننا نعرف الآن كيف ولماذا تحدث.
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ{22} لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ{23} الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ{24}الحديد
ما أصابكم- أيها الناس- من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم من الأمراض والجوع والأسقام إلا هو مكتوب في اللوح المحفوظ من قبل أن تُخْلَق الخليقة. إن ذلك على الله تعالى يسير.
ليست عقوبة بحد ذاتها ، وإنما قضاء من الله في مخلوقاته وكل يحاسب حسب دينه وإيمانه.
وهذا ينطبق على الأبرياء ممن أصابهم عذاب قومهم .
{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }التغابن11
وهذه عن المصائب التي تلحق بالإنسان فيصبر ، ويؤمن بقضاء الله وقدره.
أما الأحاديث المذكورة فيمكن أن يكون قد دخلها التحريف والتعديل والدس وهذا غير مستبعد منذ قديم الزمن،
اقتباس: فالجريمة هنا غير محددة. كيف يحارب الإنسان الله. وما هو الفساد الذي يسعى إليه في الدنيا؟ وحتى لو حدد الفقهاء أنواع الفساد فالعقاب غير محدد بنوع الجريمة. فنجد بعضهم يُقتل وبعضهم يُصلب وبعضهم تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وبعضهم ينفى في الأرض. فالذي يُنفي في الأرض أقل عقاباً من الذي يُصلب أو تقطع يده ورجله من خلاف، مع أن الجريمة واحدة وهي محاربة الله ورسوله. وكل هذا في الدنيا فقط ولهم في الآخرة عذاب عظيم. هل من العدل أن يُعاقب الإنسان مرتين على نفس الجريمة؟
نكتفي بتفسير الجلالين:
ونزل في العُرَنِيِّين لما قدموا المدينة وهم مرضى فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحُوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) بمحاربة المسلمين (ويسعون في الأرض فسادا) بقطع الطرق (أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) أي أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى (أو ينفوا من الأرض) أو لترتيب الأحوال فالقتل لمن قتل فقط والصلب لمن قتل وأخذ المال والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل والنفي لمن أخاف فقط قاله ابن عباس وعليه الشافعي وأصح قوليه أن الصلب ثلاثا بعد القتل وقيل قبله قليلا ويلحق بالنفي ما أشبهه في التنكيل من الحبس وغيره (ذلك) الجزاء المذكور (لهم خزي) ذل (في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) هو عذاب النار.
وأستغفر الله العظيم إن أخطأت أو نسيت ، والله أعلم ،
ــــــــــــــــــــ
{وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }الأنعام91