حوار مع الفيلسوف الراحل
أبو القاسم حاج حمد (2/3)
التاريخ: 18-11-1425 هـ
الموضوع: حوارات وندوات
أجرى الحوار / علي الديري وفاضل عنان
في الحلقة الثانية من هذا الحوار الموسوعي مع المفكر أبو القاسم حاج حمد يواصل الزميلان علي وفاضل اثارة كوامن هذا الفيلسوف الخطير واستفزاز القلق المعرفي بداخله، واستثارة مناهج التحليل والمقاربات التي يعتمد عليها في التعاطي مع مضامين الكتاب العزيز والسنة المطهرة.
لماذا أتميز بهذا المنهج؟
لأن هذا النهج ضروري لتفكيك الأفكار الذي هيمنت عليه الحاكمية الإلهية وحاكمية الاستخلاف وحكم الجاهلية وتكفير المجتمع المسلم وتم الابتعاد عن الأخذ من النص القرآني. وهذا تستتبعه قضية أخرى... كيف نعالج النص القرآني؟
بعضهم يظنني معتزلاً وقيلت لي هذه الكلمة من شيخ كبير في لبنان أثناء انعقاد مؤتمر الإسلام والمسلمين بعناية الشيخ رحمة الله عليه محمد مهدي شمس الدين فضحكت. والبعض ربطني ببعض المدارس الأخرى وعادة ما أتذرع بالصمت
النص القرآني مستلب بالبلاغة وعلم الكلام العربي دون النظر "للاستخدام الإلهي" للنص في القرآن. هناك فارق في الاستخدام الإلهي للغة حيث لا مترادف ولا مشترك وبين الاستخدام البلاغي البشري, فحيثما يكون مترادف ومشترك فهذه بلاغة العربي، بلاغة شعر، وبلاغة كلام. وكما تقول الآية:
{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ(69)} يس / ج 23.
أما حينما ننظر إلى الاستخدام الإلهي للغة العربية وهذا ما توقفت عنده كثيراً, فهذا الاستخدام دلالي مصطلحي ألسني دقيق. أي استخدام "رياضي" بما حاولته معظم المدارس الألسنية المعاصرة لتوجد اللغة المثالية لعلم الرياضيات بالذات، فكيف أتعامل مع اللغة القرآنية ؟ ليس تعاملا ألسنيا فقط وإنما أتعامل معها قرآنياً كمصطلح. مع رفض أي مشترك أو مترادف وآخذ القرآن "ككتلة عضوية واحدة" دون الدخول في قضايا مكيّ ومدنيّ . لأني أعتبر أن إعادة ترتيب القرآن "وقفاً" في السنة الأخيرة من حياة الرسول وقبل عروجه للملأ الأعلى ، أن إعادة الترتيب الذي جعل الفاتحة في أول الكتاب وجعل المعوذتين في آخر الكتاب وجعل اليوم أكملت لكم دينكم آخر أية في الجزء السادس من سورة المائدة . هذا أعطى الكتاب "وحدة عضوية منهجية غير أسباب النزول"، ولذلك أعتمد على النص القرآني مرتبطاً من الفاتحة إلى المعوذتين ككتلة عضوية منهجية واحدة وأتعامل على هذ الأساس.
علي الديري: ما الجديد في هذه النظرة؟
في الفكر الإسلامي والاجتهاد البشري في القرآن مررنا بمراحل عديدة اعتمد في معظمها على ما أوضحه الدكتور محمد عابد الجابري بين عقل بياني وعقل برهاني وعقل عرفاني هذا الشكل الذي حكم تاريخانية الإنتاج الإنساني السابق إذا استثنينا "ابن رشد" في الفكر الموضوعي النقدي.حيث أن العلمانية الأوروبية التي تحيّد الدين ولا تلغيه من المجتمع قد تأسست على يد ابن رشد (1146/1198 م) وباستثناء ابن خلدون أيضاً (1332/1406 م) ومحاولة البحث في الأسباب الاجتماعية وليست السنن الطبيعية المدركة للناس, الأسباب الاجتماعية كانت هي الأصل في فهم التأثير الإنساني في الأحداث، العمران في الحقيقة شوه فكر ابن خلدون, إذ ارتبط الناس بما هو مادي، ولكن ابن خلدون كان يسعى لما هو أخطر ، وهذا أحد تلامذة ابن خلدون النجباء في البحرين الدكتور "محمد جابر الأنصاري" الذي أصبح خلدونيا ويبحث عن سلسلة خلدونية لخلاص الخليج... أعانه الله.
وهناك التصوف الذي فهم خطأ أيضاً، التصوف العقلاني العرفاني الفلسفي برؤية كونية للشيخ محي الدين ابن عربي(1165/1240) الذي دُسَ عليه الكثير. إذن هناك استثناءات لا أنكرها في تاريخنا حتى خارج المواصفات العينية الدارجة في العقلية البرهانية والعرفانية والبيانية ولكن دعني أقول لك.
بعضهم يظنني معتزلاً وقيلت لي هذه الكلمة من شيخ كبير في لبنان أثناء انعقاد مؤتمر الإسلام والمسلمين بعناية الشيخ رحمة الله محمد مهدي شمس الدين فضحكت. والبعض ربطني ببعض المدارس الأخرى وعادة ما أتذرع بالصمت. لماذا...؟
حين أطرح أن الإنسان مطلق كوني بنزوع لا متناهي. هذه العبارات تستفز معظم المتدينين أقلها بما يظنونه نقيضاً للآية:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85)وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا(86)} الإسراء / ج 15.
مع أن العلم المقصود هنا هو "علم الروح" وهو علم إلهي يرتبط بعالم "الأمر" ويتجاوز عالم "المشيئة" والظواهر المحسوسة. وهي قناة اتصال بالوحي والملأ الأعلى "وإن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك" ، فليس للروح علاقة بالحياة المحسوسة وحين يموت الإنسان فإنما تخرج "نفسه" وليس "روحه" كما تعتقد الأيديولوجيات التراثية في كل الأديان بتأثير الثقافة اليهودية/الإسرائيلية. وكذلك حول ما يثار من جبر واختيار في مقابل لا متناهي الإرادة الإنسانية وحريتها المطلقة.
هنا الكيفية التي أطرح فيها التطبيقات في المنهج المعرفي الابتسمولوجي للنص القرآني وأوضّح لك موقعي من هذه التيارات وليس من خلال التوصيف الخارجي ولذا أنا أعطيك ثلاث أبعاد.في التطبيق وفي المنهج.
أولاً: حينما يأتي القرآن لمعالجة الجبر والاختيار بالنسبة للإنسان يلجأ لأن يوضح لك "مطلقية تكوين الإنسان كونياً". يقول لك:
{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا(2)وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا(3)وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا(4)وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا(5)وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا(6)} الشمس / ج 30.
ثم يقول لك مباشرة بعد ذلك:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)} الشمس / ج 30.
باعتبار أن النتاج هو من تقابلات الحركة الكونية بشكل جدلي ,فالإنسان ضمن تركيبته القائمة أصلاً على ثنائية جدلية شمس وقمر وليل ونهار وسماء وأرض يمتلك القدرة التكوينية المجبولة فيه, بأن يكون حراً في اختياره, فحين تقرأ هذه السورة (الشمس) بالمنطق الإيديولوجي التراثي يقولون لك أن الله يقسم بما خلق... الآن القضية أكبر من ذلك. هنا القراءة الابتسمولوجية التي تخرجك من قراءة الجهميّة والمعتزلة. هنا الفرق الأساسي في القراءة الابتسمولوجية. لذلك لا يمكن مقارنتها مع مذهبيات وأفكار سابقة.
ثانياً: خذ هذه القراءة في قضية أخرى:
{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19)وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)} الغاشية / ج 30.
لا يقول أفلا يرون لأن "الرؤية" هي بالعين بل يقول {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} و "النظر" هو التفكر والتقدير... ولكن ما هو المقصود؟.. هنا "منطق قياسي مقارن" . {وإلى السماء كيف رفعت} "قوائم الإبل" {وإلى الأرض سطحت} "كخف الإبل" {وإلى الجبال كيف نصبت} "كسنان الإبل". كل هذه الآيات تأتي في القياس المقارن. القضية أن المنهجية المعرفية تغدو بك إلى المنهج المقارن بهذه الصورة وليس بالرؤية فكلنا يرى الإبل صباح مساء. ما معنى ذلك؟..
ثالثاً: ثم حينما آتي إلى القضية العلمية الخاصة بالقوانين الطبيعية أنا أسميها في دراساتي "قوانين التشيؤ" في مقابل "قوانين الخلق" وفرق كبير في الفهم.
ففي "قانون التشيؤ الطبيعي" نجد ان عنصراً ما في الطبيعة حين يتفاعل بعنصر آخر يكون الناتج هو خلاصة العنصرين معاً. انتهينا إلى ذلك.
هذا قانون طبيعي عام فحينما تأتي باكسجين وهيدروجين يعطي ماء ولكن حينما يقول الله سبحانه وتعالى:
{وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(4)} الرعد / ج 13. يكون الناتج متنوعاً ومختلفاً بشكل لا نهائي بأكبر من طاقة وحجم القطع المتجاورات من الأرض والماء لماذا؟ لأن هنا "قانون الخلق الكوني" بأكبر من التشيؤ الطبيعي وأوجد "نخيل صنوان وغير صنوان وأعناب". هنا ليس ثمة تدخل إلهي مباشر إنما جعل تفاعل القطع المتجاورات من التراب مع الماء الواحد حينما يقول تسقى بماء واحد "ضمن بيئة كونية" التفاعل هذا الذي أنتج التفاعل اللانهائي ، مركب كوني وليس مجرد مركب وضعي مادي أرضي مباشر. كذلك حينما يأتي الله بنقيض هذا القانون الطبيعي بشكل آخر:
{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(12)} فاطر / ج 22.
هنا بحران ، فهذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ولكنّ الناتح من الاختلاف واحد. من كل تأكلون لحماً طرياً. في القانون الوضعي "التشيؤ" الذي أسميه في( فاطر) ينسف القانون الموجود في (الرعد).
لماذا نسف هذه القوانين في نفس البيئة الكونية؟.. لأن الله بهذا النسف ينسف مبدأ التحول في فلسفة العلوم الطبيعة إلى جدل مادي ، ويضعها ضمن بوتقة "التشيؤ الكوني" بنفس الكيفية التي خلقت بها النفس وفي تركبيتها. لذلك حين تأتي لمقارنة منهجية القرآن المعرفية مع الظاهرية ومع المعتزلة ومع العرفانية ومع ومع .... الخ ، تجد النسق يختلف والسياق يختلف، والأدوات المعرفية تختلف والتوجهات تختلف.
مثال خلق الإنسان وتكوينه حيث تكون الحرية في "جبّلته" فلا نتعب أنفسنا بعد سورة الشمس في مسيّرأو مخيّر. ثم بعد ذلك حين يقول الله سبحانه وتعالى كما يقال الآن لا تحاولوا أن تتطلعوا أكثر من ذلك.( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). والمعنى الإلهي هنا نقيض المعنى التراثي.
أنا لا "أفسر" القرآن وإنما "أحلل" آياية. قال الله سبحانه وتعالى هذه الآية في سورة الإسراء. {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي. وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ارتباطاً بعلم الروح وهنا ربط الله بين علم الروح وبين حالة من حالات العلاقات الإلهية للكون. حالة "الأمر الإلهي" وليست "الإرادة الإلهيّة" وليس "المشيئة الإلهية" لأن المنهج المعرفي يوضح لك "توسّطات" بما يسمى توسّطات الفعل الإلهيّ الجدليّ في علاقته مع الكون. هناك فعل أمر يرقى على المادة ويرقى على الوقائع ويرقى على الحيثيات,و أقرب مثال أجسده لك العبد الصالح في مجلس نبي الله سليمان. قال سليمان من يجلب لي عرش ماجدة التي يسمونها خطأ بلقيس وبلقيس كلمة يونانية ومعناها الصديقة أو الخليلة وهي اسمها ماجدة. حين قال:
{قَالَ يَاأَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(38)قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ(39)قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ(40)} النمل / ج 19.
أنا لا أحدث قطيعة مع التراث وأقول للناس اتركوا العلماء وأنا خلاص عبقري آخر الزمان. أنا أقول يا جماعة هذا التراث بحاجة إلى أن نعيد استيعابه ضمن منهجيتنا المعرفية
فالجن يخطف الخطفة الأولى وهو قوي ويحمل ويقطع المسافات. أما من عنده علم الكتاب فقد قال أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك بأقل من الثانية. هنا قدرة تجاوز للطبيعة وللعاديات وللمنطق المشيأ الذي يعيش فيه الإنسان. هذه أمور من عالم الأمر ولكن هناك ما هو دون عالم الأمر أي عالم الإرادة حيث لم يشق الله البحر فجأة لموسى ولكنه قال له اضرب بعصاك البحر. جعل هناك وسيلة والوسيلة ليست من عالم الأمر وإنما اتخذت طابعاً توسطياً في عالم الإرادة ,ولكن حين تأتي القضية إلى آخر مستوى وهو علاقة الله – سبحانه - بالكون الطبيعي المشيأ وهو عالم القوانين الظاهرة وعالم الجاذبية ، هذه العوالم الواقعية الموضوعية التي تتأسس عليها الحضارات الإنسانية وركائزها ، وهذه تصل إلى درجة من الدقة والانضباط حتى أن الإنسان يفكر أحيانا أنه مستغنى عن الله وعن تدخل الله لأنه يمتلك كل الأجهزة والتحكم, لدرجة أنّ مركبة فضائية في القمر يمكن له أن يصلحها من المحطات الأرضية عبر أجهزة تحكّم. هذا العالم بأكمله عالم آخر, ظاهر بقوانينه. فهناك عالم موسى القائم على الإرادة وهناك العالم الأكبر القائم على الأمر والله سبحانه وتعالى في أكثر موقع في القرآن يقول: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)} ياسين / ج 23.
{أمره، أراد، الشيء}, الأمر والإرادة والتشيؤ جعلها ثلاث حالات توسط في الفعل الإلهي وعلاقته بالكون. ماذا فهم التراث من هذه الآية؟ اللهم اجعل أمرك بين كن فيكون أمر فجائي. العملية الفجائية بالنسبة للتراث لا يوجد بها توسطات ولهذا السبب كان منهجي معرفياً ومفارقاً.
أنا لا أحدث قطيعة مع التراث وأقول للناس اتركوا العلماء وأنا خلاص عبقري آخر الزمان. أنا أقول يا جماعة هذا التراث بحاجة إلى أن نعيد استيعابه ضمن منهجيتنا المعرفية بنفس الطريقة التي تحدثت فيها عن ابن رشيد وابن خلدون وابن عربي فيما يبدو للناس أنهم متناقضين مع أن علاقة ابن رشد بابن عربي علاقة عقلانية حميمية. أخلص من ذلك إلى القول حتى حينما يقول الله عز وجل وما أمرنا إلا واحد كلمح بالبصر. فيجب أن نفهم الآية سابقتها (إنا كل شيء خلقناه بقدر) -: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(49)وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ(50)} القمر / ج 27.
هذه الضوابط في المعرفة المنهجية لا توجد في التراث ، لا لأنهم ضعفاء وأنا عبقري ، لأن الأدوات المعرفية التي بين أيدينا لم تكن متوافره في ذلك الوقت. لهذا السبب أنا حينما أقرأ حفريات المعرفة استفيد من هذه القراءات مع أنها ليست مطروحه للتفسير ولا لفهم القرآن ولكن للمنهج المعرفي الابتسمولوجي. أيضاً حينما أقرأ لمدرسة فرانكفورت وأجد بعض قضايا الدغمائية المادية وأجد من بينهم من يتحول إلى وجودي أكثر من "سارتر" أو أقرأ "لهبرماز" أو أقرأ "لماخ" أجد فيهم قدرات تفكيكية حتى في فلسفة المادية الجدلية ، وكذلك حين أقرأ دراسات "حلقة فيينا" في المنطقية الوضعية المعاصرة ، لذلك كثيراً ما أنصح بعض الأصدقاء بالاستكثار من قراءة آثار مدرسة فرانكفورت وليس فيها كلمة واحدة عن القرآن أو النبي ولكن فيها "أدوات".
فاضل عنان: في كل كتاباتك ونتاجاتك تركز على المنهج المعرفي لفهم القرآن...
هذا أحد المداخل, لا تنسى أني أعتبر العرفانية مدخلاً إلى العقلانية لأني حينما طرحت جدلية الغيب والإنسان والطبيعة هذا يعني أن العلاقة مع الغيب بعد جوهري وأساسي في فهم هذه الجدلية والمعرفية.
ولذلك حين يقال إنني ابتسمولوجي كمنهج فرانكفورت أو هيرمان وفلان وفلان. أنا استفيد من هؤلاء لكنني لست في النهاية من هؤلاء ,وذلك نتيجة إضافتي في النهاية البعد الغيبي كبعد أساسي.
علي الديري: ما مفهوم الغيبي لديك؟
مفهوم الغيبي هو كل ما يتعلق بالله المحجوب عن رؤيتنا الرؤية العينـة وعن نظرنا العقلي. المحجوب عن الرؤية بالعين والنظر العقلي والنظر دائماً عقلي لا علاقة له بالعين. كل ما حجب عنا من أعماق هذه الكونيّة من رؤية عينيّة ونظر عقليّ هو جزء من متناولات الغيب الذي نحاول أن نكتشفه وأن نسعى إليه ولكن كيف؟... بالقرآن من ناحية والتدبر فيه وبالاستعانة بالله, والله سبحانه وتعالى فتح هذا الباب في سورة فاطر حينما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالقول:
{وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ(31)ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)} فاطر / ج 22.
اختار الله كلمة "خبير" "تفصيل" و"بصير" "كليات" ثم أورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا، التوريث يخالف المنطق اللاهوتي, الذي يرى أن واحداً يمشي فوق الماء وآخر يمشي في الهواء وواحد يقلب الماء إلى حليب.., لا قال هم ثلاثة أنواع.( فمنهم مقتصد) بين البين يعيش مع الناس في الأسواق ويخاطبك وتخاطبه (ومنهم ظالم لنفسه) عائش في تفكير عادي ,وهناك(السابق في الخيرات) كالذي قال أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك ومثال ذلك الذي علم موسى. ولو أراد الله أن يتدنى به من مستوى العبودية لسمّاه, ولكن قال عبداً لنا كحالة محمد في الإسراء. "سبحان الذي أسرى بعبده" كحالة هذا الموجود مع نبي الله سليمان الذي عنده علم من الكتاب. هؤلاء بلغوا درجة من العبودية لم يعد الاسم مجسّداً لهم.
أعتقد أني أوضحت نفسي بهذا الموجز. فالغيب بعد أساسي فيما أطرح .
كيف تحولت إليه وكيف في نفس الوقت حافظت على هذا البعد الرمزي والبعد الاطلاقي والبعد الروحي؟
لأني احتميت بالامتناهي بمطلق الإنسان ونزوعه اللامتناهي, وحريته, وبقانون الطبيعة الذي لم ألغه ولا أقول أن الطبيعة ناقصة والله يكملها فالطبيعة متكاملة في أصلها فهنا لديك ثلاث عقليات وسأوضح لك أسلوب الربط.
لديك ثلاث عقليات متناقضة وما بينهم قطيعة معرفية، كما يتوهم البعض: عقلية تؤمن بالقانون الطبيعي كما هو في عالم التشيؤ وهذا أؤمن به. فما هو الفرق بيني وبين علماني في مختبره العلمي.
كما إني أؤمن بالإنسان وحريته فما الفرق بيني وبين جان بول سارتر ثم إني أؤمن بالغيب. كيف التركيب ؟... هنا قضية الابتسمولوجي الذي أقول بها. قضية "الجمع بين القراءتين" كما أسميتها قراءة الغيب وقراءة الحركة الكونية. هذه القراءة أمر الله بها منذ البدء.
قال الله:
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)} العلق / ج 30.
العلم بالقلم هو العلم الموضوعي ينتقل بالقراءة دون أن تعرفني ولا أعرفك كما ينقل القلم نظريات العلوم التطبيقية. تقرأ كتاباً وتذهب إلى المعمل بموجب هذا الكتاب وتطبق, فالقضية لا فيها ذاتية ولا فيها فعل غيب، هنا كيف تربط بين ما أمر الله به أن يربط، الربط الذي سميته الجمع بين القرائتين. كيف تقرأ جدلية الغيب والإنسان والطبيعة أقرأ باسم ربك الذي خلق، كونه خالق مهيمناً باسطاً لكل الوجود وهذه رؤية وهنا الغيب.
والرؤية الثانية القلم الموضوعي , العلمي, التحليلي, الذي تقع فيه هذه المداخل التي ذكرتها لك، القراءة بين الغيب والوجود، هذه القراءة بحاجة إلى مصدر مطلق يعينك عليها، ليس مصدرك هي عقليتك الذاتية، لذلك جاء القرآن ليبيّن لك فعل الله في الجدليات التوسطية - عالم الأمر وعالم الإرادة وعالم المشيئة - والموازية للحاكمية الإلهية وحاكمية الاستخلاف وحاكمية الكتاب, هذه القضايا كلها تنفذ إليها من خلال الربط بين القرائتين، الرابط بين القرائتين ليس بطريقة بعض الأخوان الذي يقول لك نعم اخترعوا الذرة وفي القرآن ذكرت الذرة. والقرآن ليس كتاب اختبارات طبيّة ولا يوجد في أسلمة المعرفة ما يسمى عجلة إسلامية أو سيارة إسلامية لذلك الجمع بين القرائتين يستوجب الآتي. الدخول تحليلياً ومعرفياً في النص القرآني والدخول علمياً للنظريات العلمية والإنسانية الموجودة لأن القرآن بحكم "كونيته" يتنزل على كافة "مناهج المعرفة البشرية" يستوعبها ويتجاوزها فأنت لا تتجاوز شيئاً لا تستوعبه أصلاً، القرآن بحكم كونيته يتطلب منك استيعاب المناهج المعرفية البشرية ثم الاستيعاب الكوني لأنها مناهج وضعية وظفها الإنسان.
كذلك الإسلام بحكم "عالميته" يعطيك التفاعل مع كل "الأنساق الحضارية" وأيضاً تتجاوز السلبيات الموجودة كسلبيات الانقسام الطبقي وسلبيات العولمة . هذه السلبيات في تقسيم الحضارات أنت تفهم دوافعها وبحكم عالمية الإسلام ترقى عليها نحو "المثال".
وكذلك لا ترفض مناهج المعرفة البشرية فعندما يأتيك رجل في علم التاريخ ويقول أن التحدي والاستجابة كنظرية "توينبي"، صحيحة وممثلة تطبيقياً في مسار التاريخ لا تستطيع أن ترفضها ، ربنا أراد هذا وأنت لست حكماً على الله ، هناك قوانين في عالم المشيئة، الجمع بين القراءتين هنا هو المدخل وهو الأداة المعرفية للغيب. ربنا سبحانه وتعالى أمام مطلق الإنسان ونزوعه اللامتناهي مكّنه من وعي مطلق، لذلك إكثاري من كلمة معرفية وأكثر من عبارة أخرى، القرآن هو "المعادل بالوحي والوعي للوجود الكوني وحركته"، فدائماً أقول القرآن مطلق ويعادل الإنسان المطلق ويعادل الوجود المطلق وفوق المطلقات الثلاث "إلهٌ أزلي".
علي الديري: أنت تريد أن تقرأ الإنسان ببعده المعرفي، ولكن الذات الإنسانية بتاريخها وبمتخيلاتها وبايديولوجيتها تتجاوز هذا البعد الذي هو أحد أبعادها. ألا ترى أنك بمنهجك الابستمولوجي تستبعد مناطق من ذات الإنسان لها شان كبير في القراءة والتفسير والتأويل؟
أنا كررت كلمة "استيعاب وتجاوز" لأكثر من مرة، هذه يجب استيعابها وحين تحدثت قلت يجب أن نفهم ابن رشد وقلت يجب أن نفهم ابن خلدون وقلت ابن خلدون أعمق مما أطلق عليه في العمران، وقلت يجب أن نستوعب حتى الشيخ ابن عربي الذي يعتقد البعض أنه حلولي ويقول بوحدة الوجود ويقول إنه الله. إن هذا الكلام الفارغ ينم عن الجهل وعدم الإطلاع. ابن عربي يعتبر - رضوان الله عليه - من المتصوفة العرفانية الغيبية في نظر الناس وابن رشد يعتبر عقلاني وابن خلدون عقلاني فأنا إذا كنت أستبعده أستبعد بذلك المنهج، كله، أنا أستوعب. هذا هو المنهج ثم إني أتجاوز بعد الاستيعاب لذلك أعشق قراءة الحضارة الصينية، أعشق قراءة كل القراءات من انفجار فكر التنوير في اوروبا من سنة 1300 وإلى اليوم وقبل قليل تحدثت عن مدرسة فرانكفورت وحلقة فيّنا، وأركز على الجوانب النقدية في مسيرة هذه التجارب الإنسانية. مثلاً توقفت كثيراً لدى حوار توينبي وروزنتال حول طبيعة السيد المسيح وقمت بترجمة تلك الحوارات ونشرها في صحيفة "الاتحاد – أبو ظبي – بتاريخ 29/3/1979). فهذا كله استيعاب إيجابي للموروث الإنساني فحين أحدث قطيعة مع الموروث الإنساني أعيش حينها في ظلام ، تصبح المنهجية المعرفية مختزلة. أنا أرفض تطبيق مبدأ القطيعة المعرفية على تراثنا وعلى تراث الآخرين وعلى العلم المعاصر. اللاهوتية تحدث قطيعة معرفية مع التراث المعرفي ، والتراث الحضاري وكذلك الفكر الوضعي منذ أوجست كونت الذي لم يميز بين "مراحل" التفكير "وأنماط" وتطور التفكير ، حين قال المرحلة اللاهوتية ثم المرحلة الميتافيزيقية ثم الوضعية و هذه ليست مراحل، هذه أنماط تفكير ، هناك في الفلسفة اليونانية كان نمط التفكير الوضعي. هذه أنماط وليست مراحل. يتطور الفكر بين ثلاث مراحل أخرى المرحلة الاحيائية الوثنية القديمة والمرحلة الثنائية التي تضع الشمس في مقابل القمر والحار في مقابل البارد, ومغامرة العقل الأولى والمرحلة الأخيرة هي المرحلة الجدلية توحّد الكثرة كلها في وجود كوني واحد سواء أكان وحدة وجود مادي أو وحدة وجود روحي دون حلوليّة,ودون تجسد.
علي الديري: ألم تتجاوز الدراسات الحديثة أو ما بعد الحداثية رواد مدرسة فينا في فهمهم لواقع الإنسان وحقيقته؟
على شرط أن تفهم ما أعنيه أنا بالواقع. الواقع أعني به الحركة الموجودة في كل التوجّهات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية ، لستُ واقعيا ولا أنتمي إلى مذهب المنفعة أو البرجماتية فأكون واقعيا.. لا .. أنا أرفض هذا وأرفضها في العولمة الأمريكية التي لا تقوم على فلسفة ولا على مثل وانما تقوم على الواقع والنظرة الواقعية للإنسان. فأنا غير متعامل مع الواقع بالمنطق البراجماتي أنا أرفضه تماماً كما رفضت القول أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما وقع صلح الحديبية كان واقعياً براجماتياً. قلت لهم أنه وقع هذا الصلح وهو في "الأرض الحرام" الذي يحرّم فيها القتال إلا إذا تم الاعتداء والاعتداء لم يتم، وفي "الشهر الحرام" حيث لا يجوز القتال إلاً إذا تم الإعتداء. ثم هل محمد صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى واقعية ليدبّر أمره مع مشركي قريش، وربنا يقول:
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)} التوبة / ج 10.
فحتى أسلوبي في التعاطي مع هذه القضايا ليس بواقعي ولكن أقول لك أنزل بالفكر على الواقع. أن الفكري لا يكون هائماً في فضاء تراثي فكري إنما يكون الفكر ضرورة وحاجة لحل مشكلات الواقع. لا يمكن أن تكون الأمة العربية بأكملها في حالة هزائم وتكون اقتصادياتها مهترئة وتكون مدرسة الإتباع والتقليد والنقل سائدة في القرن الواحد والعشرين وأنا أحلل نصوص شيخ فلان في القرن الهجري والعلامة فلان... لا هذا ليس بعملي, ماهو عملي أزمات الواقع واشكالياته وحلوله من خلال القرآن. أنا لست هنا لأفسر الواقع أنا هنا لأحلل الواقع وأغيره. ولا أغيره أنا محمد أبو القاسم لا .. أقصد أن ألتزم بمنهج تحليل من أجل التغيير هذه قضية الارتباط بين الفكر والواقع وليس ارتباط الفكر بالبراجماتية الواقعية . هناك أكثر من إنسان الآن يرتبط بالواقع وبما يطلق عليه "المدرسة الوسطية" الذي يقول لك القرآن وسط والأمة وسط في حين أن دلالات الآيات تربط بين الوسطية الجغرافية وخروج خير أمة والشهادة على الناس من حولهم والتوجه إلى القبلة في مكة وشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على قومه:
إني أؤمن بالإنسان وحريته فما الفرق بيني وبين جان بول سارتر ثم إني أؤمن بالغيب. كيف التركيب ؟... هنا قضية الابتسمولوجي التي أقول بها. قضية "الجمع بين القراءتين" كما أسميتها قراءة الغيب وقراءة الحركة الكونية. هذه القراءة أمر الله بها منذ البدء
{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142)وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(143)قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ(145)} البقرة / ج 2. فهنا ربط واضح ، فالمعنى هو "الوسط الجغرافي" لتفاعل الأقوام من حولهم بحكم عالمية الإسلام. فأخذوا هذا المقصد من المضمون المعرفي وجعلوها وسطيّة ، هؤلاء هم واقعيون يقولون سيدنا محمد وقّع صلح الحديبية فكان براجماتيا دون أن يفهموا لماذا وقع الصلح. ولو أراد النبي "القتال لاختلف الأمر" لأن رسالة سيدنا محمد من عالم الأمر إلى عالم المشيئة ، هذه لا يفهمونها لأنهم لا يفهمون منهجية القرآن المعرفية. آخر سورة النمل ماذا تقول:
{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(91)وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ(92)وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(93)} النمل / ج 20.
هذه النبوة مستمدة من عالم الأمر لذلك الملائكة تنزلت في بدر له, الخندق والريح له,و النبوة سيدة وخاتمة كذلك من عالم الأمر, لكنها تنزلت على عالم المشيئة الظاهرة. ولهذا تم الربط قرآنياً بين إبراهيم (عالم المشيئة) ومحمد (عالم الأمر). {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(67)إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(68)} آل عمران / ج 3.
(
مصدرلمن يريد المتابعة )
هنا
نجد الجزء الأول
![[صورة: 127297.gif]](http://www.neelwafurat.com/images/lb/abookstore/covers/carton/127/127297.gif)
من كتابه جدلية الغيب و الانسان و الطبيعة - العالمية الاسلامية الثانية:redrose:.