أولاد الشوارع ...أبرز مطربي الراي الجزائرية
GMT 8:00:00 2007 الثلائاء 28 أغسطس
سليمان بوصوفه
--------------------------------------------------------------------------------
تطويع الاغنية لانتقاد الأوضاع الاجتماعيّة المزرية
أولاد الشوارع ...أبرز مطربي الراي الجزائرية
سليمان بوصوفة من لندن: في بلد تُدجَّن فيه أحزاب المعارضة السياسية من قبل السلطة فتتحول إلى أحزاب موالاة تستفيد من ريع البترول مع أصحاب القرار؛ وتُهجّر فيه الأدمغة من شخصيات فكرية وثقافية وسياسية حقيقية إلى الخارج ؛ وفي بلد تتحول فيه المعارضة الراديكالية إلى ميليشيات مسلحة تشن الهجمات تلو الأخرى على رموز السلطة ؛ وفي بلد توزع فيه المليارات لإصدار صحف حكومية تحمل أسماء وعناوين مزيفة لتوهم المجتمع بأنها صحف معارضة ومستقلة ؛ لا تجد الشرائح الاجتماعية في الجزائر من بُدّ إلا الخروج إلى الشارع والتظاهر بحرق العجلات المطاطية وتكسير المراكز الحكومية بشكل يضفي مسحة ممارسة العنف الأعمى للتعبير عن حال الاحتقان والتهميش لتلك الشرائح.. في بلد كهذا يتحول أولاد الشوارع إلى حاملين لمشعل الدفاع عن المهمَّشين والمُحبطين !
أولاد الشوارع
من هم أولاد الشوارع؟ هم أولئك الذين لم يتخرجوا من جامعات ولا معاهد مرموقة ولم ينتموا إلى مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية. بمعنى آخر لم يمروا بمرحلة النضج الاجتماعي بالإسهام في النقاش وممارسة الحرية الفردية كأشخاص يتمتعون بالمواطنة الحقيقة، إنما رمت بهم المشاكل الاجتماعية والظروف الاجتماعية إلى الشارع ليمارسوا هواياتهم ويتحولوا إلى مشاهير داخل الوطن وخارجه.
ويتصدر قائمةَ أولاد الشوارع المشهورين مطربي أغنية الراي الجزائرية ولاعبو كرة القدم الذين استطاعوا أن يتحولوا إلى نماذج اجتماعية يُحتذى بها ثم أقحموا أنفسهم في عملية الاحتجاج والدفاع عن الطبقة المدحورة.
وبمجرد الحديث عن الجزائر وسط شلّة من الناس سواء من العرب أو الأجانب، إلا وتسابق هؤلاء على التذكر بمشاهيرها. فالجزائر التي كانت تُذكر بثورة المليون ونصف مليون شهيد، وبمشاهير أمثال فرانس فانون أو رشيدة بوحيرد أو المفكر محمد أركون، أصبحت الآن تعبّر عن مشاهير جُدد أمثال فلّة عبابسة والشاب خالد والشاب فضيل والشاب مامي والشابة الزهوانية ... وقائمة تطول من الشباب والشابات. ولا يمكن نكران ما قدّمه أولئك للجزائر وما حظوا به من احترام، لكنّهم جميعهم تخرجوا من النوادي الليلية، وهي طبيعة مهنتهم، ما يثير التعجّب أن نراهم يقودون مسيرة التغيير الاجتماعية، ويتدخّلون في الشؤون السياسية.
التدخل في السياسة
قبل أيام أثيرت زوبعة إعلامية حول مطرب الراي الجزائري (رضا الطلياني ) الذي قام أثناء تأديته لحفل في إحدى المدن المغربية بلفّ العلم المغربي حول خصره ثم بدأ يهتف مع الجمهور الكبير (الصحراء مغربية). هذه الحادثة نشرتها أغلبية الصحف المغربية وتناولتها بالتفصيل الممل. بدورها شنت الصحف الجزائرية حملة مضادة، وأصدر مدير الإذاعة الجزائرية عز الدين ميهوبي تعليمة وطنية تمنع بث أغاني الطالياني في كل البلاد. أما المطرب، فهرب إلى فرنسا واكتشف أن الدنيا قامت ولم تقعد، فسارع إلى التعبير عن أسفه والاعتذار عن حادثة وصفها بـ "زلة اللسان" التي لم يكن يدرك عواقبها.
هذه الحادثة سبقتها أخرى أغرب منها. فحين كان الرئيس الجزائري يعالج في مستشفى فال دوغلاس الباريسي، تجمع الباباراتزي ووسائل الإعلام العربية والدولية أمام المستشفى لمعرفة أخبار الرئيس عبر المتحدث باسمه. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ أطل الشاب مامي على الصحافة الفرنسية وقال إنه قابل الرئيس وإنه بخير، مدعياً أنه الوحيد الذي حظي بهذه الزيارة.
وتكمن المشكلة في أن الشاب مامي هارب من العدالة الفرنسية، بعد أن أفرجت عنه السلطات الفرنسية بكفالة جراء تورطه في قضيّة تخدير صديقته الفرنسيّة وإجهاضها. ويثير هذا الحادث تساؤلات عن موقف السلطات الجزائرية ومستشاري الرئيس إن كانوا قد سمحوا بالفعل للشاب مامي بالدخول إلى المستشفى.
صوت المحرومين
الراي، تلك الأغنية الجزائرية التي لها جذورها وأعلامها تحوّلت إلى أغنية لو فهم كلماتها المشارقة لما أدخلوها إلى بيوتهم. واستطاعت هذه الموسيقى أن تتغلغل في الحياة اليومية لشريحة واسعة من الشباب والتالي كسبت قلوبهم. وانتقلت بعدها إلى أغنية تعبّر عن الممنوعات وتصطدم مع السلطة.
وأصبح رضا الطالياني الذي أسلفنا الحديث عنه مشهورا بأغنيته (يابابور يامون آمور) التي تعني (حبيبتي ياباخرة) في إشارة إلى مشكلة الهجرة السريّة إلى الضفة الشماليّة من المتوسط عبر قوارب الموت، والهوس بالهجرة الذي يستحوذ على الجزائريين.
من جانبه، وقبل أيام من خروجه من السجن - وليس من الجامعة - أدى مغنّي الراي (عز الدين الشلفي) أغنية (شوف الحقرة شوف) تتمحور على موضوع تورط قضاة ومسؤولين كبار في رشاوى في مسقط رأس المغنّي في مدينة (الشلف) غربي العاصمة الجزائرية. ورفعت عليه هذه الآلة الجهنمية دعاوى قضائية وكسبتها فأعادته إلى السجن مجدداً لعام كامل. وخرج عز الدين مجدّداً من السجن بعد انقضاء المدّة، حاملاً وعود جديدة بتأدية أغنية تسلط الضوء على الظلم الذي يواجهه السجناء، والتجاوزات بحقّهم التي تختبئ وراء قضبان السجون الجزائرية.
وسجن عز الدين عدّة مرّات، ليس بتهمة الأغاني السياسية التي كان يؤدّيها، إنما بتهمة إصدار شيكات من دون رصيد، الأمر الذي يعكس تحوّل مغنّي الراي من ضحية نمط اجتماعي إلى جاني، يحتال ويحاول في الوقت ذاته وضع يده على مكمن الجرح من خلال الاحتجاج على الأوضاع سياسية معينة.
ولم يقتصر آداء أغنية الراي في أوساط أولاد الشوارع على الاحتجاج فقط، فلهذه الأغنية دور في انتقاد الأوضاع الاجتماعيّة المزرية التي يعيشها الشباب الجزائري، ولعل (رضا دوبل كانو) من أكثر المغنيين الذين انتقدوا تلك الأوضاع عبر أغانيهم التي نالت شهرة واسعة.
شلل في أوساط المثقفين
ولدى السؤال عن دور المثقفين والمربين الغائب، يجيب الأستاذ محمد إيدار رئيس الإتحاد الجزائري لعمال التربية والتكوين – في إحدى مداخلاته - إن الاستاذ الجزائري يعيش في حياته اليومية أوضاعا صعبة ومنافية لروح المواطنة؛ فهو مجرد منفذ لأوامر تأتيه من أعلى. فهو غارق في مشاكل اجتماعية والمواطنة تبدو فكرة مستحيلة في ظروف مثل هذه. واعتبر إيدار أن الجزائر لا تملك مواطنا بل إنسانا مخدرا بالدعاية.
http://youtube.com/watch?v=vPzyh87eQAQ