عندما يروج جمال الأتاسي للمشروع الإخواني!
كانت باريس المزهوة بحريتها، بعد انحسار الاحتلال النازي، تعيش حوارا ثقافيا وسياسيا لعله الأكثر ثراء وزخما في تاريخها الحافل. في هذا المناخ الحر المنعش، عاش المثقف الشاب جمال الأتاسي سنوات عدة من الأربعينات الباريسية. وعندما عاد الى بلده سورية كانت ترافقه ثلاث زوجات: دكتوراه في طب النفس والعقل، وثقافة اشتراكية خصبة، وزوجة فرنسية شابة.
لم يتمهل الدكتور جمال. انغمس فورا في العمل الحزبي. وكان اصلا من نخبة المثقفين القوميين الذين أسسوا حزب البعث (1947) مع ميشيل عفلق وصلاح البيطار. ركز جمال الاتاسي على تطعيم الفكر القومي بالاشتراكية. وكان محقا في ذلك. نعم، كان «البعث» يمثل الجيل الثاني من المفكرين القوميين، لكن العقيدة القومية عنده لم تكن تختلف كثيرا عن رؤى الجيل الأول العاطفية والحماسية. كانت دعوة عفلق بمثابة بديهيات جمالية رومانسية. انه جمال الاتاسي الذي أضفى على هذه الادبيات الحالمة النظرية الاشتراكية في العدل الاجتماعي.
وللأمانة، أقول ان اندماج الحزب الاشتراكي بزعامة أكرم الحوراني وحزب البعث في النصف الاول من الخمسينات، ساعد الاتاسي على ترسيخ اشتراكية الحزب ومنحه هوية يسارية واضحة.
لست متهما الاتاسي والحوراني بالتسبب في الابتذال الذي أصاب الاشتراكية الحزبية في ما بعد، لكن أخشى أن أكون ظالما للرجلين عندما أقول ان شيئا من الغموض اكتنف مضمون الاشتراكية عندهما.
الاشتراكية اشتراكيات كثيرة: انسانية مثالية، ماركسية، ديمقراطية، اجتماعية... فعلى أية اشتراكية استقر الاتاسي والحوراني في الحزب؟ أحسب ان «البعث الاشتراكي» استقر على اشتراكية أقرب ما تكون الى الماركسية في تقديمها العدل الاجتماعي على العدل السياسي، في ايثارها حرية الشعوب والمجموع على حرية الفرد. اذا كان الحوراني سياسيا «شعبويا» واشتراكيا غير مثقف، فالأتاسي المثقف لم يكن منحازا الى ديمقراطية الاشتراكية التي أسفر عنها الحوار الذي شهد بداياته وهو في باريس. لقد اختار الاشتراكيون الفرنسيون الرهان على الديمقراطية السياسية، في النضال السلمي المتدرج، لانتزاع الضمانات والمكاسب الاجتماعية من الرأسمالية البورجوازية والصناعية.
كان هذا الخيار فرزا تاريخيا، في الواقع، منذ بدايات القرن الماضي بين الاشتراكية الماركسية التي آثرت النضال الثوري والدموي، والاشتراكية اليسارية والعمالية، بما فيها الاشتراكية الفابية.
وهكذا، حققت الاشتراكية البريطانية والفرنسية نجاحا شعبيا كبيرا، ووصلت الى الحكم في فرنسا وبريطانيا مرارا وتكرارا، فيما تعثرت التجربة الاشتراكية السورية، لغموض الرؤية الاشتراكية عند الاتاسي المثقف، ولإيثار الحوراني السياسي تسييس الجيش، بدلا من النضال السلمي الديمقراطي. وما لبثت عسكرة السياسة أن ابتلعت مثقفي الحزب وساسته.
دفع الغموض والبلبلة بجيل بعثي جديد الى الانصراف عن الاشتراكية السلمية وشبه الديمقراطية عند الاتاسي والحوراني.
انهمك جيل الستينات البعثي بقراءة الماركسية، بل اختار التروتسكية والاشتراكية الماركسية المراهقة التي أدانها لينين نفسه، أنموذجا للعمل الحزبي والسياسي، بحيث اصبح الحزب غريبا عن هويته القومية والاشتراكية. ما هو أشد خطرا من ذلك أن هؤلاء البعثيين التروتسكيين والمراهقين الماركسيين تمكنوا من قلب نظام عفلق والبيطار، والوصول الى الحكم على أكتاف عسكر اللواء صلاح جديد رئيس الأركان.
كانت الكوميونة التروتسكية والماركسية كارثة على سورية والحزب. لم تعرف سورية في تاريخها الحديث نظاما منغلقا ومتشنجا كنظام جديد، على الرغم من الطهر الثوري النسبي غير المشوب بالفساد في السلطة. خاصمت سورية العرب جميعا، وخسرت دورها في المنطقة، ثم ما لبثت أن جرَّت معها مصر عبد الناصر الى الهزيمة الماحقة أمام اسرائيل في عام 1967، ثم أصلحت خطأ الارتجال بخطأ غزو الأردن المروِّع.
كان التروتسكيون الحزبيون عديمي الوفاء للدكتور جمال الاتاسي أبي الاشتراكية السورية. فلم يكتفوا بتجاوز اشتراكيته السلمية، وصولا الى تبني أسوأ طبعات الماركسية، بل زجوا بأستاذهم ومعلمهم الدكتور جمال نفسه بالسجن، على الرغم من وجود قريبه وتلميذه الدكتور نور الدين الاتاسي على رأس الدولة. أتمهل هنا لأروي حادثة شخصية جرت معي، تدليلا على ضيق فكر وسلوك أولئك المتمركسين السلطويين.
فقد طفا على زبد الأحداث السورية أخيرا اسم حسين العودات (74 سنة) الذي اعتقل إثر ادارته جلسة «منتدى جمال الاتاسي» التي عُرض فيها مشروع الاخوان المسلمين للوصول الى الحكم في سورية. الاسم ليس بغريب عني. قلَّبت صفحات الذاكرة والذكريات، لأتوقف عند لقاء مع الرجل قبل 38 سنة، وبالتحديد قبيل حرب 1967 .
كنت آتيا من بيروت الى دمشق لأنضم الى وفد وكالة الأبناء التي اعمل فيها لافتتاح مكتبها في العاصمة السورية. أبلغني الوفد انه شعر بأن وزارة الاعلام راغبة في فرض مراسل «رسمي» من عندها على الوكالة. ثم في لقاء بين الوفد وحسين العودات الذي كان آنذاك مديرا لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) التفت إليَّ مهددا بجفاء: «وقف لَقُلَّكْ. والله إن وزعت منشورات أو أرسلت أخبارا لا نوافق عليها، سأضعك على الحدود.»!
أجبت بجملة واحدة مختصرة: «أنا مواطن سوري مثلك. تستطيع أن تسجنني، لكن لا تستطيع أن تضعني خارج بلدي». انتابني الأسف لتوزيع عملي بين بيروت ودمشق. فقد كان العودات «نصير الحرية والديمقراطية اليوم» مصمما مع وكالته ووزارته على عرقلة عملي. كان يرسل صحافييه ليقتحموا مكتبي في حضوري وغيابي، يفتحون الأدراج بحثا عن المنشورات المزعومة والأخبار التي لا تحمل «دمغة» الرقابة الصارمة. كنت أذهب بمعدل مرة في الأسبوع الى فروع المخابرات المختلفة للتحقيق معي حول اتصالاتي بحكم عملي الصحافي والإخباري.
الصحافي المحترف يبقى شاهدا على التاريخ. الصحافي المرسوم بقرار رسمي أو حزبي ينتهي عندما ينتهي دور المسؤول الذي يحميه ويسنده. عندما تركت الوكالة وجئت الى باريس مع الصحافة العربية المهاجرة، ضاع مني حسين العودات أكثر من ثلاثين سنة، الى أن طفا فجأة على سطح الأخبار. أدهشني التروتسكي المتشنج.
اكتشفت أن العودات ترك الحزب. أسس دار نشر لا تنشر. انضم الى منتدى الراحل جمال الأتاسي. ماذا يفعل الماركسي المتقاعد هناك؟ انه يدير الجلسة التي طرح فيها المشروع الاخواني للوصول الى السلطة في سورية.
يا لغدر التروتسكيين والماركسيين بجمال الأتاسي! لقد انقلبوا الآن الى فلاسفة الليبرالية الديمقراطية. اضطهدوه وسجنوه في حياته ويرِّوجون مع الاخوان للمشروع الغيبي في مماته، مستغلين غفلة ابنته التي ورثت منتداه.
خرج حسين العودات من السجن منذ أيام، ليعترف بأنه دافع أمام المحققين عن المشروع الاخواني قال لهم انه «مشروع يتصف بالاعتدال»! هو في ظنه يعتقد ان دولاب حظه سيفتل مرة أخرى بالرهان على دولاب الاخوان. ينسى كرادلة الماركسية التائبون ما حدث لأمثالهم وللمثقفين العراقيين. لقد تغنوا في المنفى بالحرية، أملا في الوصول على الموجة الاميركية. عندما عادوا الى العراق وجدوا ان الساسة المحترفين والطائفيين الأصوليين قد سبقوهم الى احتلال المسرح السياسي والسلطوي.
كاد اسم العودات العابر ينسيني الاسم المحفور بشرف في تاريخ سورية المعاصر، اسم جمال الأتاسي. لي مع الدكتور جمال قصص وذكريات صحافية خلال مسيرته السياسية الحافلة، ولا يُستكمل حديث اليوم إلا برواية بعضها في حديث من أحاديث الثلاثاء المقبلة. انها قصة المثقف السياسي مع السياسة والساسة والسلطة.
التعليــقــــات
صلاح نيوف، france، 07/06/2005
الشكر الجزيل للاستاذ الامام حول هذه الذاكرة السياسية، انها ليست مشكلة حسين العودات نفسه ومن يروج له هنا في فرنسا وبريطانيا أيضا، أغلب السياسيين السوريين عندما يتقدمون بالسن يعودون إلى الله او بعض ممثليه على الأرض من التنظيمات الاسلامية. فقد اعلن ميشيل عفلق اسلامه على يد الامام صدام حسين قبل موته، وفعلها خالد بكداش ايضا ..وتبقى الانتهازية اكبر شعار او سمة تطبع الفكر السياسي السوري ما بعد الاستقلال وحتى اليوم.
dr.bassam al-khoury، germany، 07/06/2005
أؤيد التفاوض مع الاخوان وكما اتفق أعداء الأمس اللبنانيين على اتفاق طائف لبناني بعد أن سالت الدماء أنهارا، يمكن للسوريين عقد اتفاق طائف سوري تبقى فيه قيادة الجيش بيد العلمانيين ويحصل الاخوان على بضعة وزارات كما حدث في تركيا.
من المعيب أن يتصافح جعجع مع جنبلاط وعرفات مع شارون ولا يتصافح البيانوني مع رفعت الأسد أو غازي كنعان أو شفيق فياض......
Dr. Bassam D. Malki، أمريكا، 07/06/2005
وأخيراً ينطق الأستاذ غسان إمام بمقال ليس فيه تحليل طائفي . لأول مرة أقرأ لغسان الإمام مقالاً لا يأتي فيه بتلك التعابير التي طالما أمقتتني: سني، علوي، درزي، مسيحي، كردي، إلخ... تهاني الحارة!
لكنني أرجو من الجريدة الموقرة أن تعطي نفس الفرصة للغائب على هذه الصفحة ،نفس الفرصة التي أعطيت لغسان الإمام ، وذلك من أجل الدفاع عن نفسه، وإلا يعتبر كلامه استغياباً بالسيد عويدات!
http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?se...4153&issue=9688