- نصف مشاكل العرب المسلمين اليوم، من النّاحية الفرديّة والجماعيّة هي مشاكل نفسيّة..
- "تكريم المرأة في الإسلام" هو فعلا تكريم، ولكنّه تكريم السيّد لعبده..
- الإسلام وحده لا يفسّر الإرهاب..
- العلمانيّة: تواضع حقيقيّ يحدّ من النّرجسيّات المتمتّعة بالسّلطة ويحمي النّرجسيّات الجريحة في الوقت نفسه...
- تتحدّث في كتابك عن علاقة خاصّة للمسلمين بالجدّة هاجر أمّ إسماعيل، وعن عمليّة كبت لصورة هذه الجدّة، ما هي أبعاد هذه العلاقة وإلى أيّ حدّ تفسّر منزلة النّساء في العالم الإسلاميّ اليوم؟
هاجر تمثّل اسم جذر أوّليّ لا وجود له في القرآن، ولو حتّى بالإشارة. فأردت استقصاء أسباب هذا المحو الذي سمّيته بـ"الطّلاق الأصليّ"، فوجدت له آثارا في الأسطورة الإبراهيميّة كما جاءت في سفر التّكوين وامتدادا في النّشأة الإسلاميّة. لا يتّسع المجال لذكر تفاصيل هذا المبحث، ولكن يمثّل هذا الأمر كبتا في البنية الإسلاميّة استقطب ككلّ مكبوت الإقصاءات التي تخصّ المرأة في هذه المنظومة. محو الأمّ الأصليّة يشعّ على الحضارة بأكملها، ويطبعها بطابع خاصّ. إخراج هذا المكبوت إلى السّطح من شأنه أن يساهم في تفكيك البنى البطريركيّة في مظاهرها القمعيّة التي تنوء تحت ثقلها النّفوس. إنّ ما يسمّى بـ"تكريم المرأة في الإسلام" هو فعلا تكريم، ولكنّه تكريم السيّد لعبده، حتّى يديم سيادته الرّمزيّة وسلطته على عبده. تفطّنت أثناء قيامي بهذا البحث إلى أنّ الرئيس العربيّ العظيم الحبيب بورقيبة لم يكتف بوضع مجلّة الأحوال الشّخصيّة سنة 1956، بما فيها من مظاهر إحلال المساواة بين الجنسين، بل ذهب في حياته وفي فعله الرّمزيّ إلى صميم الموضوع، عندما تبنّى بنتا وسمّاها هاجر. مع التّذكير بأنّ بورقيبة هو الزّعيم الوحيد الذي سمح بالتّبنّي الكامل، وكأنّه بهذه العمليّة أراد أن يستقبل في الوعي وفي الحاضر تلك التي تمّ تغييبها وإقصاؤها في الأصل. هذا المثال يدلّ على وجود توافق بين العمل الفكريّ والسّياسيّ والعمل النّفسيّ. إنّ كتابة التّاريخ هي أيضا كتابة روحيّة في الوجود.
أنّ الرّجل المسلم كثيرا ما يكون مريضا بالمرأة في نفسيّته: بالمرأة المقموعة، وأرى كيف أنّ المرأة مريضة بالرّجل القامع. نجد ذلك حتّى عند الكثير من أبناء المهاجرين، رغم أنّهم يعيشون في مجتمعات أوروبّيّة، وكأنّهم ورثوا عن آبائهم وأجدادهم "أنا أعلى" قاسيا يجعلهم يعيشون معذّبين، والحال أنّهم يصبون إلى التحرّر من هذا العبء، يصبون إلى علاقة بالآخر الجنسيّ قوامها الاعتراف واللاّعنف.
لكنّ هذه الوضعيّة لا يمكن أن تجعلنا نقول بوجود حتميّة بين الإسلام وهذا الوضع. فالكثير من المسلمين أو ممن ينتمون على نحو مّا إلى الإسلام خرجوا من وضعيّة القمع الذّاتيّ هذه. إنّ وجود التّحليل النّفسيّ في الثّقافة وفي الخطاب الجماعيّ يفتح الباب أمام التّحرّر الفرديّ سواء كان هذا التّحرّر ذاتيّا أم سياسيّا.
- كيف تنظرون إلى ظاهرة الإرهاب الإسلامي اليوم، وهل يمكن أن يكون للعامل النفسي دور في تفسيره؟
الإرهاب وخاصّة العمليّات الانتحاريّة هو بالفعل العرض الذّاتيّ والسّياسيّ النّاتج عن الإخفاق التّاريخيّ للمجتمعات العربيّة الإسلاميّة. لا يمكن التّطرّق هنا إلى كلّ أبعاد كلمة "الإرهاب" واستعمالاتها المختلفة. عمليّات العنف ضدّ المدنيّين في جميع الحالات جرائم لا تبرّرها أي قضيّة. لنتطرّق بالأحرى إلى عمليّات تفجير النّفس، والدّعوة والتّوق إلى تفجير النّفس عند الكثير من الشّبّان. هذه الظّاهرة هي حقيقة مرتبطة بدوافع الموت التي أدّى إلى استفحالها نوع جديد من السّلطة والخطاب يدعوان إلى الانتحار أو يبعثان بالأحرى على المتعة الانتقاميّة بالانتحار سبيلا إلى الحياة، وسبيلا إلى استرداد الكرامة. أذكّر بأنّ الاحتلال والقمع لا يفسّران لوحدهما هذه الظّاهرة، والإسلام لوحده لا يفسّر هذه الظّاهرة. لنأخذ على ذلك مثال الاحتلال الفرنسيّ للجزائر، وقد دام قرابة قرن ونصف القرن، وكان حقيقة احتلالا بشعا استعملت فيه كلّ وسائل الإهانة والتّعذيب والقتل، ونذكّر أنّ حركة مقاومة هذا الاستعمار ككلّ حركات المقاومة في العالم الإسلاميّ لم تستعمل تفجير النّفس ولم تدع إليها. فلو فرضنا أنّ الإسلام في حدّ ذاته يدعو إلى ذلك، فلماذا لم يدع إليه قبل العشرين العام الأخيرة؟ ما الذي حصل في هاتين العشريّتين الأخيرتين؟ هناك أمر جديد حصل لا ينتمي إلى النّموذج المقاتل أو المجاهد في الإسلام وفي الحركات الوطنيّة، ولا يغرّنا إطلاق هذه الأسماء على عمليّات تفجير الذّات كما يقع الآن.
أرى أنّ ما حصل هو تحطيم جذريّ للمثل العليا المكوّنة للإنسان العربيّ المسلم. وهذا التّحطيم وقع نتيجة تضافر عاملين، هما أوّلا مسار تحديث وثانيا وضعيّة للقوى الحاكمة الدّاخليّة في ائتلافها بمصالح خارجيّة. المقصود بالتّحديث الوحشيّ هو تدمير التّماهيات القديمة دون خلق تماهيات جديدة تعوّضها، ودون خلق عمل ثقافيّ كاف يجعل هذا التّحوّل ممكنا ومفهوما ومعبّرا عنه. أمّا في ما يتعلّق بالقوى الحاكمة في العالم العربيّ فإنّ أهدافها عموما هي المتعة اللاّمتناهية بالسّلطة، وهذه المتعة تدفعها إلى أن تمتّع القوى الخارجيّة من نفسها، وهو ما أدّى إلى تدهور نرجسيّ عند الشّعوب، أي إلى فقدان المستوى الضّروريّ من حبّ النّفس لنفسها، وهو مكوّن أساسيّ للإنسان يجعله لا يندفع إلى الموت قبل الأوان. فأصبحت هذه المجتمعات وكأنها فاقدة للمناعة النّفسيّة، وأصبحت في وضعيّة يمكن أن نطلق عليها تعبير "النّهم إلى المثاليّ". إن التّحليل النّفسيّ يبيّن كيف تؤدّي الرّغبة المثاليّة إلى انتزاع للجسديّ désincorporation. فالمثاليّ نفي للجسديّ قد يتّخذ أشكالا مختلفة منها تفتيت الجسد، أو تطهيره. انظر ما يقع اليوم في هذه المجتمعات بصفة عامّة، فكلّ مظاهر التّطهّر الدّينيّ المبالغ فيه تدلّ على هذا النّهم الذي يؤدّي بها إلى كلّ أنواع التّضحية المرعبة. فالتّضحية تقوم على عمليّة تعويض شيء بشيء آخر، كتعويض إسماعيل بالكبش. الآن أصبح إسماعيل هو الذي يعوّض الكبش. انظر مشهد إعدام صدّام حسين يوم عيد الأضحى، فصدّام حسين هو من الحكّام العرب الذين أدّى بهم الاستمتاع بالسّلطة إلى اقتراف أكبر الجرائم ضدّ الإنسانيّة، ولكنّ مشهد قتله يوم العيد الذي هو ذكرى لتعويض الإنسان بالكبش يدلّ على هذا الاختلال الفظيع الذي طال الأسس الرّمزيّة للحضارة عندنا.
- هل هناك مقاربة لمسألة العلمانيّة من وجهة نظر التّحليل النّفسيّ؟
المشكلة ليست العلمانيّة أو الدّين في حدّ ذاتهما. التّحليل النّفسيّ يقرّ بأنّ النّفس البشريّة لها ارتباط طفوليّ وثيق بما يسمّى بالإحيائيّة، بكافّة أنواعها. وما نسمّيه الدّين هو نوع من الإحيائيّة سواء كان هذا الدّين توحيديّا أم وثنيّا. فالطّفل يحيي كلّ الأشياء ويمنحها روحا، ويكلّمها، ويلعب معها، وينزعج منها ويضع على لسانها حكايات عجيبة، فهو بطبيعته هذه خالق. ولكنّه في الوقت نفسه، من حيث أنّه ضعيف وعرضة إلى الجزع، يحتاج إلى من يحميه، ويتخيّل أنّ هناك خالقا له مثل أبيه أو أمّه. فهو خالق مخلوق، أو كما يقول ابن عربيّ خالق لخالقه. إذن النّفس الطّفوليّة هي خالقة الآخر، وخليقته في آن واحد، وهنا تكمن كلّ القوى الدّينيّة النّفسيّة، وهي قوى جامحة لا حدّ لها، ولا تعرف الفاصل بين الحياة والموت.
أمّا الدّين كمؤسّسة، فهو يستعمل هذه القوى ليحدّ منها، ويقلبها تماما ليجعل هذا الطّفل الخالق مخلوقا وعبدا فحسب. وهذه العمليّة تجعل الطّفل يكبر ويضطرّ إلى الحدّ من أوهام عظمته، وتقحمه في العلاقة الاجتماعيّة مع الآخر، بأن يجعل القوّة العظمى في مكان لا يستطيع أيّ إنسان أن يتحصّل عليه. فالإله هو موقع القوّة التي تمّ إقصاؤها، فهي ليست بيد أحد.
ولكنّ رجال الدّين من خصائصهم أنّهم يتكلّمون بلسان هذه القوّة ويزعمون أنّ لهم معها علاقة حقيقيّة، بل أكثر من ذلك، يزعمون على نحو ما بأنّهم آباء الإله أو أرباب الرّبّ، ويقحمونه في مخارج الجسد البشريّ وفي الدّوافع الجنسيّة، ويخلقون ما يمكن أن نسمّيه بـ"الإفحاش المقدّس" الذي يؤدّي إلى بؤس الشّعور بالإثم والقمع.
إذن بالنّسبة إلى التّحليل فإنّ الدّين هو في الوقت نفسه قوى نفسيّة لا حدّ لها، ومؤسّسة تحدّ منها. فهو أمر ذو حدّين متناقضين. تاريخ الدّيانات يبيّن لنا كيف يوجد داخل كلّ دين صراع بين هذين النّقيضين، وغلبة لأحدهما على الآخر بحسب الفترات التّاريخيّة المختلفة. ما نسمّيه العلمانيّة هو محاولة لإخراج النّظام الاجتماعيّ من هذا التّناقض الرّهيب. في الحقيقة، لا يمكن القضاء على هذه القوى، لذلك فإنّ العلمانيّة ليست مطلقة، بل هي مشروع لا ينفي وجود هذه القوى، وحقيقتها النّفسيّة البشريّة، بل يرمي إلى وضع المعاملات الاجتماعيّة والسّياسيّة في مجال يحميها من هذا التّضارب بين النّقيضين. إنّها لا تلغي بل أكثر من ذلك، تقول إنّ في المجتمع السّياسيّ الواقعيّ، يجب أن يكون مكان القوّة المطلقة فارغا، ولا أحد بإمكانه أن يحلّ فيه أو يتكلّم باسمه، سواء كان فردا أم مجموعة. العلمانيّة هي في الحقيقة تواضع حقيقيّ يحدّ من النّرجسيّات المتمتّعة بالسّلطة ويحمي النّرجسيّات الجريحة في الوقت نفسه.
فتحي بن سلامة، محلّل نفسانيّ تونسيّ
http://www.alawan.org/?page=articles&o...article_id=2115