خطر لي في حوار قصير مع الأخ Awarfie حول موضوع "من أوجد ألله؟" و المطروح للنقاش في هذا المنتدى أن أطرح سؤالاً عن الدين فأردت أن أفتح الحوار تحت عنوان لموضوع آخر لأن هذا السؤال سيحيد بنا بعيداً عن السؤال الأول "من أوجد ألله؟" ولكن قبل أن أطرح السؤال أريد أن أبدأ بمقدمة؛
عندما كانت ابنتي الكبرى صغيرة و لم تكن بعد قادرة على النطق كنت ألعب معها لعبة الكرة؛ أقذف بكرة ناحيتها ثم أطلب منها أن تحضرها. و في إحدى الجولات ذهبت الكرة بعيداً عنها بحيث لم تكن تراها فأشرت بكل عفوية مستخدماً سبابتي في اتجاه الكرة و قلت؛" هي هناك، أحضريها !" ولكنها لم تكن تستجيب لتوجيهاتي مهما هززت إصبعي في اتجاه الكرة و كانت مفاجئتي عندما انتبهت أن ابنتي لم تكن تنظر في اتجاه الكرة و إنما في اتجاه إصبعي فأدركت بأنها لم تكن بعد قد بلغت مرحلة النمو الذهني لتدرك معنى الإشارة بالإصبع إلى شيء ما. في المراحل المبكرة ينظر الأطفال ليس إلى ما يشير إلبه الإصبع و إنما إلى الإصبع نفسه!!
قال الشيخ للمريد؛" لا تنظر إلى الإصبع الذي يشير إلى القمر بل انظر إلى القمر."
هل نتصرف كالأطفال أحياناً في نظرتنا للحياة فننظر إلى الإصبع بدل القمر؟
قال بوذا لتلامذته في إحدى عضاته لهم قبل أن يموت؛ " خذوا تعاليمي كما تأخذون القارب عندما تريدون عبور النهر و عندما تصلون إلى الضفة الأخرى لا تحملوا القارب على ظهوركم بل اتركوه و امضوا خفافاً."
و يقول ابن عربي بأن الطريق إلى الحقيقة يتشكل و يتلون مثل الماء و الإناء.
و تقول ماري بيتيبون بول؛" إعادة ما قاله الآخرون يحتاج تعليماً؛ وتحديه، يحتاج عقولاً."
ما تريد هو الماء و لكن لكي تشرب لا بد أن ترفعه إلى شفتيك في إناء له شكل ما و مصنوع من مادة أخرى غير الماء.
هيكل البناء، بقدر ما يحد البناء هو أيضاً يمكن البناء من النشوء.
حتى الكلمات و اللغة، بقدر ما تحد من حرية التعبير و التفكير تمكن مستخدمها من التعبير و التفكير و يدرك ذلك جيداً من يجيد أكثر من لغة واحدة.
اقترب المعلم من المريد وكان غارقاً في تمرين التأمل الذي دربه هو نفسه عليه و بدأ يسحن حجراً على حجرٍ آخر محدثاً صوتاً مزعجاً. حاول المريد أن يتجاهل الصوت و بسمو في تأمله الروحي و لكن المعلم استمر في سحن الحجرين بشدة و بهمة أكبر. و عندما لم يتحمل المريد المزيد من هذا الإزعاج فتح عينيه و سأل معلمه بكل أدب عما يفعله بالحجرين فرد المعلم بأنه يسحن أحدهما لأنه يريد أن يصنع منه مرآةً. فتعجب المريد و قال لمعلمه بأنه من المستحيل أن يصنع مرآة من هذا الحجر فرد عليه معلمه بحدة؛ فكيف إذاً بهذا التأمل تريد أن تستقبل النور بهذا العقل؟!
تنبه إلى أن المعلم هو من قبل بتدريب هذا المريد و هو من دربه على ذلك التأمل.
و الآن السؤال؛
هل يمكن للدين أن يكون إصبعاً يشير إلى شيء آخر؟
فإن كان كذلك فما هو هذا الشيء ؟
الأخ Awarfie ، تحياتي..
التحديد قد يبدو واضحاً في مقولة بوذا؛ فها هو يعلم مريديه بأن لا يأخذوا تعاليمه على أنها هي الحقية النهائية و هو يشبهها بقارب للعبور إلى شيء آخر.
كا ن يجب على إبنتي أن تكبر حتى تفهم معنى الإشارة. هل يجب أن نكون أكثر حكمة في تعاملنا مع الدين؟
هل نحن نتصرف مع الدين كما تصرفت إبنتي مع الإصبع الذي يشير إلى الكرة؟
قيمة الشيء قد لا تكون في الشيء ذاته و إنما في ما يمكن أن يؤدي إليه !
في قصة المعلم الذي كان يسحن الصخر؛ كان الهدف من كل تعاليمه للمريد هو ايصاله إلى حافة اليأس لكي يأخذ القفزة الأخيرة إلى التنور.
في البداية لا يوقظ الشعور الديني مثل الدين، و لكن إن لم يستيقظ هذا الشعور فليس من طريق هناك في الحياة غير طريق الشقاء.
هل للدين وظيفة أخرى غير " الوعد بالحلاوة " كما قلت في تعقيب لك ؟
تحياتي و تقديري
03-12-2007, 03:17 PM
{myadvertisements[zone_3]}
نبيل حاجي نائف
عضو متقدم
المشاركات: 620
الانضمام: Mar 2006
شكراً على المرور و الشكر الجزيل على مقالاتك خاصة في ساحتي العلوم و الفلسفة و علم النفس؛ و مع أني لم أقرأها جميعها إلا أن ما قرأت رتب و أوضح العديد من الجوانب في أنماط المعرفة و التفكير و قد كانت مكتوبة بطريقة ممتعة و سلسة.