{myadvertisements[zone_1]}
الرحمن و الشيطان - د محمد شحرور
thunder75 غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات: 4,703
الانضمام: Feb 2002
مشاركة: #1
الرحمن و الشيطان - د محمد شحرور
هذا البحث مقتبس بالكامل من كتاب و (الكتاب و القرآن ) للدكتور محمد شحرور

و فيه شرح مطول و تفصيلي و عميق جدا للدلالة القرآنية لمصطلحي الرحمن و الشيطان بالإستناد على القرآن نفسه.

البحث هو من العيار الثقيل جدا و هو يقدم العديد من البراهين و الأدلة من داخل و خارج القرآن على الاستدلالات التي يخرج بها الباحث و و ليس مقالا خفيفا يحتوي على فكرة مبسطة لذا أتمنى على أي شخص يريد أن يناقش مضمونه أن يكلف نفسه مشكورا عناء قراته كاملا
09-22-2005, 02:55 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}
thunder75 غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات: 4,703
الانضمام: Feb 2002
مشاركة: #2
الرحمن و الشيطان - د محمد شحرور
إن الحق والباطل "الحقيقة والوهم" في الفكر الإنساني ملتبسان في علاقة جدلية لا تتوقف بحيث يفرز الحق عن الباطل لفترة معينة ثم يعود هذا الإلتباس من جديد أشكال جديدة، فيحتاج إلى فك جديد وهكذا دواليك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

لقد مثل الله التباس الحق والباطل بالماء الذي يشوبه التلوث فهو بحاجة إلى فرز وتنقية ليعود صافياً، وبالحديد الذي يوجد في الطبيعة على شكل فلزات فتقوم الأفران العالية الحرارة بفرز الحديد عن الخبث.

(أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حليةٍ أو متاعٍ زبدٌ مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال)

نلاحظ كيف جعل القرآن أساس المعرفة الإنسانية هو الفصل الدائم بين الحق والباطل المرتبطين ببعضهما بعلاقة تناقضات جدلية. ومهمة المعرفة هي تفريق الحقيقي عن الوهمي لذا قال لبني إسرائيل (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون).

لقد فصل النبي (ص) بين الحق والباطل عند العرب في القرن السابع ومن جراء فك الالتباس هذا حصلت الحرب الأهلية " ، حيث فرز النبي صلى الله عليه وسلم أوهام الجاهلية والوثنية عن الحقيقة الموضوعية في الفكر العربي المعرفي ثم السياسي في القرن السابع، ثم عاد الالتباس مرة أخرى بأشكال جديدة

وبالاستناد إلى نظرية المعرفة في القرآن نجيب على الأسئلة التالية:

1- ما هي نظرية المعرفة الإنسانية؟

هي فك الالتباس بين الحقيقة الموضوعية والوهم "الحق الباطل" وذلك بإدراك العالم الموضوعي الرحماني "الحقيقة" على ما هو عليه حيث أن وجود الأشياء خارج الوعي هو عين حقيقتها، فالمعرفة الإنسانية تبدأ بالمشخص الجزئي وتنتهي بالمجرد العقلي والذي يسمى بالقوننة "الكلي" وهي التي مكنت الإنسان من تسخير الأشياء لمصلحته فهي عملية انتقال مستمر من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.

2- ما المقصود بموضوعية المعرفة الإنسانية؟
هو أن الصور الموجودة في الأذهان يجب أن تكون مطابقة للأشياء الموجودة في الأعيان "خارج الوعي" حيث أنه ليس من الضروري أن تكون الصور الموجودة في الأذهان مطابقة للأشياء الموجودة في الأعيان وهنا يكمن الإلتباس الأساسي بين الحق والباطل أي بين التصديق والتصور. أي يجب أن تكون التصورات والتصديقات متطابقة فإذا كان لدينا تصور ما عن الحياة ونظرنا إلى الحياة فوجدناها غير ذلك فما علينا إلا أن نعدل هذه التصورات لكي نجعلها مطابقة للتصديقات. وإن مصداقية هذه المطابقة هي في مقدار طواعية هذه الموجودات لإرادة الإنسان وبتعبير آخر هي في مقدار استجابة هذه الموجودات لتكون مسخرة له.

3- هل العالم الموضوعي خارج الوعي حقيقي أم وهمي؟
لقد وقفت نظرية المعرفة الانعكاسية المادية "التي تقول إن المعرفة الإنسانية تنطلق من الواقع المادي القائم على صراع المتناقضات الداخلي" عاجزة عن بيان عنصري التناقض في الدماغ الإنساني وكيف تمت إزالة هذا التناقض. لذا طرحت نظرية المعرفة الإنعكاسية المقولة التالية: إن الدماغ الإنساني تطور معقد جداً للمادة، ولم تستطع تفسير كيف بلغ الإنسان مرحلة التجريد ومرحلة التخيل والابتكار. أما نظرية المعرفة القرآنية التي تلتقي من حيث المنطلق فقط مع النظرية الإنعكاسية المادية، فإنها تقدم التفسير العلمي القادر على الإجابة عن تلك الأسئلة عن طريق طرح مقولة نفخة الروح من الله تعالى "من خارج الكون المادي الثنائي" التي حملت صفة من صفات الله وهي الأحادية التي تتميز بعدم التناقض.

إن هذا الفهم المادي لنظرية المعرفة القرآنية يرد على أوهام ذوي الفهم المثالي للقرآن الذين يرفضون نظرية التطور والارتقاء ويسخرون من نظرية داروين بزعم أنها غير علمية، وحجتهم في ذلك قائمة على التساؤل التالي: لماذا تطور الإنسان من القرد، وبقي وجوابنا هو أن الله تعالى نفخ الروح في البشر "وهو فصيلة من المملكةالقرد قرداً؟ الحيوانية" فأدى ذلك إلى أنسنته وارتقائه عن عالم المملكة الحيوانية. ولو أنه نفخ الروح في فصائل أخرى لإرتقت أيضاً. إن نفخة الروح هي الحلقة المفقودة في نظرية داروين حول الأنسنة.

وقبل أن ندخل في بحث جدل الإنسان يجب علينا أن نميز بين مصطلحين قرآنيين هامين جداً وهما: مصطلح الرحمن، ومصطلح الشيطان وهما النقيضان اللذان يعملان في الدماغ الإنساني "التصديق والتكذيب، الحقيقة والوهم".
09-22-2005, 02:56 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}
thunder75 غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات: 4,703
الانضمام: Feb 2002
مشاركة: #3
الرحمن و الشيطان - د محمد شحرور
الرحمن:

جاءت لفظة الرحمن في اللسان العربي من "رحم" وهو أصل يدل على الرقة والعطف والرأفة. والرحم علاقة القرابة.

وأضاف القرآن الكريم لها معنى آخر، فالرحم وظيفته التوليد ومن هنا جاء اسم الرحمن على وزن فعلان، لأن النون في الرحمن ليست من أصل الكلمة. ووزن فعلان يفهم في اللسان العربي على أنه وزن ثنائية المتناقضين والزوجين والضدين. وقد كان هذا المعنى جديداً على العرب وذلك في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً).

لنأخذ الأمثلة التالية على وزن فعلان:

كسيان ـــ عريان
جوعان ـــ شبعان
فرقان ـــ جمعان (وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان).
تعبان ـــ ريحان (فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم).
أنثان ـــ ذكران (أتأتون الذكران من العالمين).
موتان ـــ حيوان (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان).
ظمآن ـــ رويان

فاسم الله الرحمن يمثل قوانين الربوبية "السيطرة والاستحكام والتوليد وبالتالي التطور في هذا الكون المادي الثنائي" وهي تعمل بشكلٍ موضوعي، وعيناها أم لم نعها، أي بإخبار منه عنها أو دون ذلك، وهذا واضح في قوله (الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش الرحمن فاسئل به خبيراً).

(رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطاباً).

والقوانين الرحمانية "قوانين الجدل" الخلق ووحدة وصراع المتناقضات في الشيء الواحد وجدل الأزواج في الأشياء عبارة عن قوانين مخزنة في اللوح المحفوظ الذي يشتمل على القوانين العامة الناظمة لهذا الكون، وجدل الأضداد في ظواهر الطبيعة عبارة عن قوانين جزئية متغيرة (ثابت ومتحول) فنقول "الله الرحمن" ولا نقول "الرحمن الله" لذا فعندما ترد لفظة "الرحمن" في القرآن فإنها ترد في هذا المفهوم ولا ترد في مفهوم الرحمة أبداً.

وبما أن الرحمن هو المولد قال (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون) وقد قلنا إن الذكر هو الصيغة الصوتية المادية للكتاب، وهو الصيغة التعبدية المحدثة، بغض النظر عن فهم المحتوى لذا أعطاها الصيغة الصوتية المادية.

ففي العالم الرحماني لا يوجد "لا معقولات" وإنما هناك عجز العقل الإنساني عن الإدراك في عصر من العصور "مثال على ذلك الجن والملائكة".

ومن خلال القوانين الرحمانية والتي تعتبر قوانين الجدل "قانون التطور وتغير الصيرورة وقانون الزوجية "التكيف" من أساسياتها ولد هذا الكون وتشيأ أي أصبح أشياء متميزة بعضها عن بعض، وفي هذا الكون لا يوجد شيء اسمه فراغ بدون مادة أي أن ما نقول عنه الآن الفراغ الكوني هو فراغ مادي رحماني لذا قال (خلق السموات والأرض وما بينهما) أي أن الفراغ هو شكل من أشكال المادة.

هذا الوجود المادي الثنائي أطلق عليه مصطلح كلمات الله "في جوهره" وآيات الله في ظواهره، لذا فإن مفهوم كلام الله في القرآن يعني الوجود المادي ولا يعني أبداً الفكر "لا مبدل لكلماته". (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته). وإذا أخذنا الآيات التي تقول "ومن آياته .." "تلك آيات الله .." "آيات بينات .." "آية بينة .." رأينا أنها تتكلم عن الظواهر الطبيعية في هذا الوجود كقوله:

- (وانظر إلى حمارك ولنجعلك آيةً للناس).
- (أني قد جئتكم بآية من ربكم).
- (وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون).
- (تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك).
- (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها).
- (إن في السموات والأرض لآياتٍ للمؤمنين).

- (واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزقٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آياتٌ لقوم يعقلون).

هنا نلاحظ في الآيات 4-5-6 من سورة الجاثية كيف ذكر الآيات في الظواهر الكونية ثم أعقبها في الآية رقم 6 بقوله: (تلك آيات الله).



هذا الوجود المادي الثنائي "الرحماني" مرتبط مع الله الأحادي بقانون صارم هو الحركة "التسبيح"، وقد شرحت التسبيح في القانون الأول للجدل المادي، و من خلال القوانين الرحمانية "والإرادة الإلهية" ولدت الحياة على الأرض وظهر البشر ككائن عضوي حي. لذا قال (الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان). لبيان مجمل هذه الحقيقة الرحمانية، أما عندما أعطى المراحل التفصيلية لنشوء الإنسان وارتقائه فقد قال: "البشر".
09-22-2005, 02:57 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}
thunder75 غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات: 4,703
الانضمام: Feb 2002
مشاركة: #4
الرحمن و الشيطان - د محمد شحرور
الشيطان:

إن لفظة الشيطان في الكتاب هي من المصطلحات المتشابهة، فلهذه الكلمة معنيان متباينان تماماً، ويؤخذ أحد هذين المعنيين حسب السياق العام للآية التي ورد فيها مصطلح الشيطان. فعندما تأتي لفظة الشيطان من فعل "شطن" تكون النون من أصل الفعل فهو على وزن "فيعال".

وفعل شطن يعني البعد فنقول بئر شطون أي بعيدة القعر، والشطن هو الحبل لأنه بعيد ما بين الطرفين ومنه أيضاً معنى الغرابة. وفي هذا المعنى مصطلح الشيطان هو مصطلح مادي موضوعي له وجود خارج الوعي الإنساني، ولكي نفرقه عن المعنى الآخر للشيطان سنطلق عليه مصطلح "الشيطان الفيعالي" وقد جاء بهذا المعنى في الآيات التالية:

(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شيطانهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون).الشياطين هنا قد تعني أشخاصاً "زعماء" غير ظاهرين للعيان:

- (طلعها كأنه رؤوس الشياطين). الشياطين هنا تعني شيئاً غريباً بعيداً عما ألفه الناس.
- (ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك وكنا لهم حافظين).
- (والشياطين كل بناء وغواصٍ).
- (وحفظاً من كل شيطان ماردٍ).
- (وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً).
- (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا).
- (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران).
- (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين).
- (ومن الناس من يجادل في الله بغير علمٍ ويتبع كل شيطان مريد).
- (فو ربك لنحشرنهم والشياطين).
- (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين).
- (وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون).
- (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين). "لاحظ كيف استعمل التنزيل للدلالة على حركة خارج الوعي الإنساني".
- (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين).
- (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس).

أما المعنى الثاني للشيطان فهو من "شاط-شيط" هنا النون ليست من أصل الفعل لذا الشيطان في هذه الحالة هو على وزن "فعلان" وشاط تعني ذهاب الشيء وبطلانه كقولنا أشاط السلطان دم فلان أي أبطله، وجاء الشيطان بهذا المعنى للدلالة على الباطل "الوهم" في الفكر الإنساني، وسنطلق عليه مصطلح "الشيطان الفعلاني".

أي أن الشيطان الفعلاني هو أحد أطراف العملية الجدلية في الفكر الإنساني الذي يحاول معرفة الحقيقة الموضوعية الرحمانية، لذا وهو الطرف النقيض للرحم الذي هو الطرف الحقيقي وهما العنصران المتناقضان في الفكر الإنساني. وهكذا نلاحظ الخلاف الكبير جداً بين هذين المعنيين للمصطلح الواحد "وهذا هو أحد أشكال التشابه".

لقد ورد الشيطان الفعلاني في الآيات التالية:

- (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا).
- (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى).
- (وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم).
- (وكان الشيطان للإنسان خذولاً).
- (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل).
- (ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً).
- (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ع القوم الظالمين).
- (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم).
- (وكان الشيطان لربه كفوراً).
- (إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً).
- (وما يعدهم الشيطان إلا غروراً).
- (يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً).
- (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً).
- (وما هو بقول شيطان رجيم).
- (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين).
- (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه).
- (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة).

لذا فعلينا أن نفرق وندقق تماماً الشيطان الفيعالي من الشيطان الفعلاني في كل آية ورد فيها ذكر مصطلح الشيطان. وعلى الباحثين المسلمين تدقيق آيات الشيطان مرة أخرى للتفريق بين الشيطانين وبحث ماذا يمثل الشيطان الفيعالي في الحقيقة الموضوعية.

وبما أن الشيطان الفعلاني هو أحد أطراف العملية الجدلية في الفكر الإنساني، فالطرف الآخر في العملية الجدلية هو الرحمن المادي لذا قال: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً) فالشيطان الفعلاني يمثل الوهم والجانب الوهمي في الفكر الإنساني، والرحمن يمثل الجانب المادي الموضوعي في الفكر الإنساني.

وبما أن الشيطان الفعلاني هو اسم جنس ولكل إنسان شيطانه الخاص فلا يأتي في الكتاب إلا على صيغة المفرد وليس الجمع. وبما أن الشيطان الفيعالي هو وجود مادي خارج الوعي الإنساني فيمكن أن يأتي في صيغة المفرد أو في صيغة الجمع كقوله: (وإذا خلوا إلى شياطينهم ..) وعندما يأتي الشيطان في صيغة الجمع "شياطين" ينصرف معناها إلى الشيطان الفيعالي.

لذا فبالنسبة لما ورد في الكتاب من الأمر بأن نستعيذ بالله من الشيطان عند قراءة القرآن (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم). نرى أن المعنى المقصود هنا "الشيطان الفعلاني" لأن مهمة الشيطان الفعلاني تحويل قراءة "فهم" القرآن من قراءة مادية "رحمانية" إلى قراءة مثالية "شيطانية".

بعد هذا التمهيد الذي قدمناه لموضوع جدل الإنسان ننتقل الآن إلى شرح عناصر المعرفة الإنسانية:
09-22-2005, 02:58 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}
thunder75 غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات: 4,703
الانضمام: Feb 2002
مشاركة: #5
الرحمن و الشيطان - د محمد شحرور
لقد تطور الإنسان من البشر وتميز من "بقية البهائم" بالربط الذهني بين الشيء وصورته وذلك من خلال صيغة لغوية. حيث إن الحيوانات تربط بين الشيء وصورة الشيء بربط انعكاسي (reflection) فالكلب عندما يشم رائحة اللحم يسيل لعابه بربط انعكاسي بحت أي أن هناك الشيء "اللحم" وصورة الشيء "في مخ الكلب عن طري حاستي البصر والشم" حيث أدى الانعكاسي بينهما إلى سيلان اللعاب.

هذا الشيء موجود عند الإنسان في سلوكه الغريزي "البهيمي البحت". أي أن الكلب له سمع وبصر وذوق والإنسان كبشر له سمع وبصر وذوق. فماذا يزيد الإنسان عن ذلك حتى نقول إنه بداية الأنسنة.

فحتى نعرف بداية الأنسنة ونفخة الروح وظهور الفكر فما علينا إلا أن نبحث في نشأة الكلام الإنساني، والسبب الجوهري أن الربط الانعكاسي عند الحيوانات يتم بدون قالب لغوي "أي بدون أسماء". ونحن نعلم بشكل قاطع أن الفكر الإنساني مهما كان بدائياً لا يتم بدون قالب لغوي-"صوتي" لأنه يوجد تلازم لا ينفصم بين الفكر واللغة منذ بداية الأنسنة. ونرى الآن أن أهل الأرض جميعاً تفكر بقالب لغوي. أي أن اللغة لها وظيفتان الأولى هي حامل الفكر والوظيفة الثانية هي التواصل بين متكلم ومخاطب في صيغة خبر أو أمر ونهي أو تعجب واستفهام. فإذا نظرنا إلى الكلام الإنساني بين متكلم ومخاطب رأينا أن صيغة الخبر هي أكثر تردداً تليها صيغة الأمر والنهي تليها صيغة التعجب والاستفهام. فلكي نميز الإنسان عن الحيوان "البشر" نضع الصيغتين التاليتين:

[صورة: e-1.JPG]

[صورة: e-2.JPG]

فبدأ الإنسان بمرحلة الإدراك القائم على المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر. وقلنا إن الفؤاد هو بمثابة المحمي أو الصاعق لمرحلة الفكر والذي ليه وهو "القلب". لذا عندما قال (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به). أي عندما فرغ فؤاد أم موسى "بلا فؤاد" كاد أن يصبح سلوكها بهيمياً انعكاسياً غير مسيطر عليه لذا قال: (إن كادت لتبدي به). ولكن ذكر مرحلة الفكر المجرد "القلب" وهو المرحلة الأكثر تقدماً والأكثر وعياً حيث سيطرت على سلوكها بقوله: (لولا أن ربطنا على قلبها). (القصص 10).

فمهمة الفؤاد هي الإدراك بالمشخص الذي تنقله الحواس والربط بين الأشياء وأسمائها، أي هل يفيد هذا الاسم هذا الشيء حصراً ولا يفيد؟ وهذه هي عملية التقليم والتي بدأت بالربط بين الأصوات اللغوية "الأسماء" ومدلولاتها العينية "المشخصة" وهذا الربط ذهني لا انعكاسي. وبعد ذلك تصبح الأسماء جاهزة للعلاقات المجردة في الفكر والعقل.

إن الفؤاد الإنساني الذي يربط بين الشيء المشخص واسمه هو بداية نفخة الروح حيث قلنا إن الله سبحانه وتعالى وجود أحادي من صفاته عدم التناقض فبدأ باعطاء هذه الصفة الخاصة إلى البشر بالفؤاد. وابتداء من هذه الخاصية بدأ النقيضان بالعمل في الدماغ الإنساني وهما "الرحمن والشيطان" التصديق والتكذيب "الحقيقة والوهم" وهنا نرى الصيغة الأولية للفكر الإنساني. هذه هي الحلقة المفقودة التي بحث عنها العلماء والتي ربطت بين البشر والإنسان وهي السر في بداية الأنسنة أي السر في جدل النقيضين غير الماديين الحقيقة والوهم "الرحمن والشيطان" والتي تم ربطهما بقانون عدم التناقض وهنا يكمن سر بداية نفخة الروح لذا قال عن آدم (فوسوس إليه الشيطان).


وهنا يكمن السر لماذا تقدم البشر وتطور إلى انسان وأصبح كائناً عاقلاً "عالماً ومشرعاً، ولم تتطور بقية الحيوانات العليا من فصيلة القردة علماً بأنها وجدت بنفس الشروط الطبيعية ولها نفس النشأة البيولوجية؟ فالبش خضع لنفخة الروح فأصبح إنساناً والقردة لم تخضع لنفخة الروح فبقيت على ما هي عليه قردة، وعلى هذا يجب أن نزيل الأوهام العالقة في أذهاننا بأن الروح هي سر الحياة وإنما هي سر الأنسنة فالإنسان له روح وبقية الحيوانات لها روح.
وبما أن الكتاب يحتوي معلومات وتشريعات سمي روحاً. (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان .. الآية) (الشورى 52).

ونحن نرى إلى يومنا هذا أن محلة الإدراك الفؤادي هي المرحلة التي يبدأ بها تعليم الأطفال، وذلك بالربط القائم على حاستي السمع والبصر بين الشيء المشخص واسمه وهي المرحلة التي يبدأ بها أي علم جديد، أي عندما يكتشف الإنسان شيئاً جديداً فأول شيء يفعله هو أن يضع له اسماً أو تعريفاً. قد يقول البعض إن عدم التناقض والذي هو أساس الفكر الإنساني نتج عن ظاهرة العمل فهذا غير صحيح للأسباب التالية:

1- لم يذكر أصحاب النظرية المادية الانعكاسية ما هما النقيضان اللذان يعملان في الدماغ الإنساني، وإذا كان هناك نظرية انعكاسية فكيف ظهر التصديق والتكذيب والحقيقة والهم في الدماغ الإنساني.

النظرية القرآنية تقول إن النقيضين غير الماديين اللذين يعملان في الدماغ "الرحمن والشيطان"، "الحقيقة والوهم" مربوطان بقانون عدم التناقض. وعندما يفك هذا الربط فإن الإنسان يتحول إلى شخصيتين متناقضتين تماماً. فدائماً هناك موقف رحماني "صادق حقيقي" في أمر ما وموقف آخر شيطاني "كاذب وهمي" في الأمر نفسه.

2- حتى يعمل الإنسان بشكل واع "العمل الواعي" يجب أن يكون عنده صيغة أولية بين المخاطب والمتكلم أي أن وعي الشخص الثالث فقط لا يكفي لكي يعمل الإنسان بشكل واع بل يجب أن يكون هناك بالإضافة إلى وعي الشخص الثالث وعي الشخص الثاني "المخاطب" ووعي الشخص الأول "المتكلم".

3- إن عدم التناقض ليس من صفات المادة الثنائية القائمة على المتناقضات بل هي صفة لوجود موضوعي آخر غير الوجود المادي المعروف من قبلنا وهو الوجود المشيأ "الأشياء". وذلك الوجود الآخر هو وجود أحادي منزه عن صراع المتناقضات الداخلية في ذاته (ليس كمثله شيء). وهو الله سبحانه وتعالى لذا قال: (ونفخت فيه من روحي).


الرحمن والشيطان في الفكر:

عند الربط الذهني بين الشيء واسمه من قبل الفؤاد، يبرز شيء هام وهو الصراع بين نقيضين هما الرحمن والشيطان، فالرحمن هو اسم الله الذي يمثل قوانين الربوبية لهذا الكون المادي، وهو الذي يعطي الصور الحقيقية للأشياء. فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف ظهر مفهوم الوهم عند الإنسان ومفهوم الخطأ؟ فالفؤاد الرحماني هو الذي يثبت الصورة الحقيقية للأشياء مع مسمياتها والفؤاد الشيطاني "الفعلاني" هو الذي يعطي صورة وهمية للمسميات. ولولا هذه العلاقة الجدلية بين المتناقضات في الفكر الإنساني لما كان هناك شيء اسمه وهم ومثالية ولما كان هناك تخيل.

وهذا هو جدل الفكر الإنساني كظاهرة، حيث إن الطبيعة تقوم على القانون الأول للجدل وهو صراع المتناقضات في الشيء، والقانون الثاني التأثير والتأثر المتبادل بين شيئين مختلفين في مستويات مختلفة. أما جدل ظواهر الطبيعة فيقوم على الأضداد كالليل والنهار في اليوم والشهيق والزفير في التنفس "والتي تكون اليوم والتنفس". وكذلك الإدراك الإنساني قام على صراع المتناقضات الحقيقية والوهم والمربوط بقانون عدم التناقض. هذه العلاقة الجدلية بين المتناقضات جاءت في مصطلح الرحمن والشيطان الفعلاني (يا أبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً) (مريم).

وقد قلت إن الشيطان الفعلاني هو أحد أطراف العملية الجدلية في الفكر الإنساني وهو الطرف الوهمي المثالي. أما الرحمن فهو الطرف المادي الحقيقي.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن "هل الوهم من نتاج المادة التي لها وجود حقيقي"؟

لا يوجد خارج الفكر الإنساني شيء اسمه أوهام، فالأوهام فقط في الفكر الإنساني وهكذا نفهم قوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (النحل 98). وهنا "قرأت" تعني التعلم والفهم، ولا تعني التلاوة، فالشيطان يحول فهم آيات القرآن من فهم مادي رحماني إلى فهم وهمي مثالي شيطاني وفي هذا المجال نجح الشيطان نجاحاً باهراً مع المسلمين وغيرهم، ونفهم أنه لا يوجد إنسان في العالم إلا وله شيطانه الخاص لأن أي موقف مثالي أو خطأ مهما كان نوعه فهو موقف شيطاني.

هنا يجب أن نضيف إلى المخطط مفهوم الرحمن والشيطان اللذين يمثلان جدل النقيضين بين الحقيقة والوهم في الفكر الإنساني.

لقد ظهر مفهوم العقل وهو الربط المجرد بين المقدمات والنتائج بقانون عدم التناقض الذي ربط بين الرحمن والشيطان، وبه يستنتج الإنسان المجهول من معلوم وهو القانون الأساسي للتفكير المنطقي المجرد عند الإنسان فإذا كانت النتائج وهمية فهي شيطانية، وإذا كانت حقيقية فهي رحمانية وفي كلتا الحالتين يعمل قانون عدم التناقض.
09-22-2005, 03:01 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}
thunder75 غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات: 4,703
الانضمام: Feb 2002
مشاركة: #6
الرحمن و الشيطان - د محمد شحرور
جــدل الأضداد في معــرفة آيات الله ( العقــل الرحماني والعقــل الشيطاني )

العقل الشيطاني:

قلنا ن العقل المدرك للموجودات عبارة عن علاقة جدلية بين نقيضين هما: الرحمن وهو الجانب المادي الموضوعي "الحقيقي" والشيطان الفعلاني وهو "الوهم والخرافة". وقد شرحنا في الأقوال السابقة أسس العقل الرحماني المادي في الإدراك الفؤادي والفكر والعقل. فما هي أسس العقل الشيطاني الوهمي الذي يولد الخرافة والوهم والأمنيات الكاذبة لدى الناس؟

لقد قلنا إن المادة حقيقة موضوعية وإن الدماغ الإنساني مؤلف من مادة. فكيف يمكن للمادة التي هي حقيقة موضوعية أن تولد وهما؟ لقد أعطى القرآن جوابا لهذا السؤال ممثلا بالشيطان الفعلاني الذي هو أحد أطراف العملية الجدلية القائمة في الفكر الإنساني "الوسواس" "الأمنيات الكاذبة". والطرف الآخر هو العقل الرحماني المادي حيث قال: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطن كان للرحمن عصيا).

فلنعدد الأبواب الرئيسية التي يعمل من خلالها الشيطان الفعلاني:

الباب الأول: "تلاه فهو إذن سببه" وهو الربط بين حدثين متتاليين لا علاقة موضوعية بينهما إلا التتالي. مثال ذلك كسوف الشمس وموت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم حيث تلا كسوف الشمس حدث موت إبراهيم. وقد وقع كثير من الصحابة في هذا الوهم وهو قولهم "كسفت الشمس لموت إبراهيم" ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع في هذا الوهم حيث صحح لهم بقوله: إن الشمس آية من آيات ربي لا تكسف لموت أحد ولا لحية أحد. يمكن أن نضرب على هذا الباب آلاف الأمثلة حيث أن هذا هو سبب ظهور معظم الخرافات عند أهل الأرض جميعا وظهور الأسطورة. وأريد أن أورد مثالا آخر بسيطا يقع فيه معظم العرب المسلمين وهو أن زيدا شتم عمرا، وبعد فترة وجيزة أصابت زيدا حمى فيقولون إن الحمى أصابته لأنه شتم عمرا. وقس على ذلك آلاف الأمثلة.

هنا يجب أن نميز بين الربط الوهمي الناتج عن التتالي وبين الحسد. فالحسد هو صفة تحمل صاحبها على القيام بعمل مؤذ لقوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد).

الباب الثاني: الخلط بين قدرة الله ومشيئته. هذا الباب دخل منه الشيطان وأوقع كثيرا من الناس في الوهم وخاصة العرب المسلمين. والخلط بين قدرة الله ومشيئته هو الباب الذي دخل من خلاله مشعوذون ودجالون ممن يدعون التصوف أو العلم إلى عقول المسلمين السذج وزادوهم جهلا وسذاجة، وهذا الباب لا يولد إلا التخدير والأماني الخادعة. فكيف حصل هذا الخلط؟.
لنضرب المثال التالي لنوضح الالتباس بين القدرة والمشيئة. لو قلنا إن زيدا يستطيع أن يحمل 10كغ فهذا لا يعني أنه كلما صادف 10كغ حملها بالضرورة. فحمله 10كغ يتوقف أولا على استطاعته، وثانيا على مشيئته، يريد أو لا يريد.

وكذلك عندما يعلن الرئيس الأمريكي أن باستطاعة بلاده إسقاط أية طائرة تطير فوق مجالها الجوي فهذا لا يعني أن أية طائرة تطير فوق المجال الجوي للولايات المتحدة سيتم إسقاطها بالضرورة. حيث نرى أن إعلان المشيئة يتبع إعلان القدرة. فيقول أن الولايات المتحدة ستسقط أية طائرة تطير فوق مجالها الجوي بدون إذن مسبق. ولكن إعلان المشيئة دون أن يسبقه إعلان القدرة يصبح هراء. وإلا فكيف يمكن لإنسان أن يعلن عن إرادة ما إذا كان غير قادر على تنفيذ هذه الإرادة؟!
لقد فصل الكتاب بين آيات القدرة لله تعالى وآيات المشيئة. ففي آيات القدرة قال:

- (يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير).
- (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير).
- (إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير).
- (يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير).
- (الله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير).

هذا فيما يتعلق بالموجودات وظواهرها. أما فيما يتعلق بالأوامر ونفاذها بالنسبة لتاريخ الإنسان فقال:

- (ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير).
- (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصرهم إن الله على كل شيء قدير).
- (فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير).

من الآيات الواردة أعلاه نلاحظ إطلاق القدرة في ظواهر الطبيعة مع الإنسان. ولكن إطلاق القدرة لايعني الخروج على ظواهر الطبيعة وقوانينها حيث نعلمأن ظواهر الطبيعة وقوانينها هي كلمات الله وهي سننه في خلقه حيث قال: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا).

وبالنسبة للإنسان فإن الله قادر على أن يفعل ما يشاء من حيث إطلاق القدرة، ولكن قرنت في الكتاب القدرة بالمشيئة وذلك في قوله: (وما يضل به إلا الفسقين).

ونلاحظ هنا أمرين بالنسبة للوجود وظواهره الذي هو كلمات الله. فمشيئة الله هي أنه لا مبدل لكلماته ولا تبديل ولا تحويل لسنته، وبالنسبة للإنسان فمشيئة الله هي أنه لا يهدي الفاسقين والكاذبين والمنافقين. علما بأنه قادر على هدايتهم من حيث القدرة.

إن السؤال عن قدرة الله غير وارد بالنسبة للإنسان المسلم ولا الكافر. فإذا قلنا هل يستطيع الله، يخلق الشمس علما بأن الشمس موجودة؟ وهل يستطيع الله أن يخلق إنسانا، والإنسان موجود؟ فإذا قلنا هل يستطيع الله أن يجعل الشمس مكعبا بدلا من كرة فنقول: نعم يستطيع. فإذا قلنا ولكنها كرة وليست مكعبا، فهل هذا عجز؟؟ الجواب: هي كرة وليست مكعبا لأنه أرادها أن تكون كذلك. كأن نقول إنه طارت طائرة فوق الولايات المتحدة ولم يتم إسقاطها فإننا نفهم أن الولايات المتحدة لمترد ذلك ولا نفهم أنها غير قادرة على ذلك.
فإذا كان زيد ذكرا فإن الله قادر على أن يجعله أنثى. لكن بقاء زيد ذكرا مع أن الله قادر على أن يجعله أنثى لا يعني العجز بل يعني أن الله أراده أن يكون ذكرا من خلال قوانينه.

علينا أن نعلم أن إرادة الله في الأشياء لا تتم إلا من خلال كلماته: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون). وعلينا أن نعلم أن لا خوارق ولا تبديل لكلمات الله ولا لسنن الوجود. وإن ما نسميه خوارق في الطبيعة هو خروج عن المألوف وعن المعرفة النسبية للإنسان لا خروجا عن سنن الطبيعة نفسها "انظر فصل إعجاز القرآن".

وكل ما يقال من أن الكرامات هي الخروج عن ظواهر الطبيعة فهي وهم. ولكن الكرامات هي غير ذلك تماما. فالله يكرم إنسانا بأن يهبه ذكورا وإناثا أو يهبه الحكمة: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) أو يكرمه فيشرح صدره للإسلام.

هذا الالتباس بين القدرة والمشيئة كان مدخل الشيطان عند المسلمين السذج، فيأتيهم دجال ويقول لهم: إن زيدا صنع كذا وكذا. فيسألون كيف حصل هذا؟ فيخرسهم بقوله: (إن الله على كل شيء قدير).

لقد أمرنا الكتاب بأن لا نسأل عن قدرة الله، وحثنا على أن نسأل عن مشيئته ونبحث فيها أي الكيفية: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق).

فواجبنا كمسلمين أن نسأل ونبحث، لا عن قدرة الله في خلق الشمس، ولكن نبحث ونسأل كيف خلق الله سبحانه وتعالى الشمس. أو كيف تمت مشيئة الله في خلق الشمس. هكذا نصل إلى جواب ونصبح علماء حقيقيين لا دجالين. ولا نسأل هل الله قادر على أن يخلق ذكرا وأنثى؟ ولكن نسأل كيف تمت مشيئة الله في وجود الذكر والأنثى؟ ففي هذا ندخل في علم المورثات ونرى أن هناك حيوانات منوية فيها XY للذكر وحيوانات منوية فيها XX للإناث.

إن الاستعمال الشيطاني الوهمي لبديهية (إن الله على كل شيء قدير). حرفنا عن منهاج البحث العلمي في الكيفيات والكميات ووقعنا عاجزين أمام العالم. وقد سببت لنا هذه الأطروحة وهما كبيرا بأن رضنا كثيرا من النظريات العلمية مثل نظرية النشوء والارتقاء والتطور. والتي برهنا في كتابنا هذا بأنها العمود الفقري لأطروحات القرآن في الخلق والوجود والساعة والبعث واليوم الآخر.

لقد قال بعض المفسرين القدامى –ونحن نعلم أن في تفسيراتهم كثيرا من الإسرائيليات- في الأمور المتعلقة بخلق الإنسان والكون. لقد قالوا عن آدم بأن الله خلقه على النحو التالي:
جمع الله ترابا من أديم الأرض وخلطه بالماء فأصبح طينا، ثم تركه ليجف فأصبح صلصالا. ومنهم من أضاف بأن كل مرحلة من امراحل استمرت أربعين عاما "كذا". ثم نفخ فيه الروح فأصبح كائنا حيا "كذا" ثم نام واستيقظ فإذا حواء بجانبه لتؤنس وحشته، وخلقتمن ضلعه، ثم سكنا الجنة ثم طردهم الله من الجنة إلى الأرض. فإذا سألتهم: أيعقل هذا؟ فيكون الجواب المباشر "أليس الله على كل شيء قدير".

ونطرح على من يقول ذلك السؤال التاي: إن كان ماتقولونه صحيحا فهذا يعني أن الله أنشأ معملا للسيراميك "الفخار". أين؟ لا ندري؟؟ وصنع تماثيل من الطين على شكل إنسان وسمك وحيتان وبقر وغنم وإبل وذباب، وكل أنواع الحشرات والطيور والأسماك والزواحف. كل على حدة. ثم نفخ فيها الروح فأصبحت أحياء. ولكن القرآن يقول إن نفخة الروح حصلت للبشر فقط. علما بأن الإنسان وبقية المخلوقات المذكورة كلها كائنات حية. ومن هذه الأطروحة الوهمية للروح على أنها سرا لحياة العضوية، انجحب المسلمون عن علوم الجيولوجيا والمستحاثات وأصل الأنواع والتشريح.

ويمكن أن يأخذ ذلك الطرح الشكل التالي: إذا كان خلق الإنسان قد تم كما ذكر في تلك الروايات "لا كما ذكر في القرآن" فهذا يعني أن الله فعلا هو الذي خلق الإنسان. وإذا جاء طرح آخر يقول إن الخلق لم يحصل كما تقولون، فهذا يعني أن الله لا علاقة له بخلق الإنسان وبالتالي فإن هذا الطرح هو طرح إلحادي كافر. هذا الاستنتاج الشيطاني علينا أن نبتعد عنه وذلك بتوضيح ما يلي:

إن الذين أولوا آيات خلق الإنسان وهي كلها آيات متشابهات "قرآن"، هم أناس كانوا يقفون على أرضية علمية ضعيفة. وكان المستوى المعرفي لعصرهم لا يسمح لهم بالتوصل لاستنتاجات حقيقية، والأرضية العلمية ومناهج ووسائل ابحث العلمي لعصرهم ضعيفة، فأولوا تأويلات تتناسب مع أرضيتهم ومناهجهم. ونحن نعلم قوله تعالى:

(لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون). لذا نستنتج أنهم كانوا عاجزين عن التأويل العلمي المقنع لنا وذلك لعجز الأرضية العلمية ومنهج البحث العلمي لديهم ووسائله.

ونحن حين نتكلم عن خلق الإنسان لا نتكلم عنا لقدرة، بل نتكلم عن المشيئة، أي كيف تمت مشيئة الله في خلق الإنسان. هذه المشيئة فقد تأخذ ثانية واحدة. وقد تأخذ مئات الملايين من السنين فإذا اكتشف داروين أن هذه المشيئة أخذت مئات الملايين من السنين، فهذا لا يعني أنه إلحاد أو كفر وكأن الله لا علاقة له بهذا.

-الباب الثالث: الخلط بين العلم والأخلاق والتقوى. أي الخلط بين كلمات الله والتي هي الوجود وقوانينه التي جاءت في القرآن "النبوة" وبين الوصايا والمواعظ والأوامر التي جاءت في أم الكتاب "الرسالة". لقد دخل الشيطان من الالتباس بين الرسالة والنبوة. هنا أريد أن أورد الأمثلة التالية للتوضيح:

1- إذا أخذنا قصة نوح في القرآن مع ابنه حيث قال نوح: (رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين).

لقد استغرب نوح كيف يغرق ابنه مع أن وعد الله حق نافذ، ويجيء الجواب: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح).
لكي يكون وعد الله حقا فالذي غرق ليس ابن نوح في الحقيقة، وإنما ابن زنا، دون أن يدري نوح بذلك. لذا كان استغراب نوح استغرابا في محله. وكان جواب رب العالمين بأن نوحا لا يعلم هذه الحقيقة في قوله: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صلح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين).

هنا تحت باب اللباقة والقيم الاجتماعية والتحرج تم الوقوع فيا لوهم فقيل لا يليق بامرأة نبي أن تكون زانية مع أنها من أهل النار (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صلحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين). لاحظ أن الله سبحانه وتعالى لا يستحي من الحق.

2- عندما اتهمت عائشة أم المؤمنين بالزنا "حديث الإفك" كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الاتهام موقفا موضوعيا ماديا، إذ نه لا يملك دليلا لإثبات الاتهام، ولا دليلا لنفيه، فسكت حتى جاءه الوحي بتبرئتها. وكان الأحرى بالنبي أن يقول منذ أول لحظة "اصمتوا فهذه امرأة نبي ولا يليق بها أن تكون زانية" ولكنه سكت لعدم وجود دليل الإثبات أو النفي.

3- لقد انعكس وضع المرأة الاجتماعي على وضعها في الجنة. فمن الناحية الشرعية الاجتماعية لا يجوز ولا يليق بامرأة أن تنام مع رجل بدون عقد نكاح، أو أن تعقد على رجلين. فانعكس هذا المفهوم على وضع المرأة في الجنة. فالحور العين هم للرجال فقط. ولا ندري ماذا تركوا للمرأة في الجنة غذ لا يليق بها أن تنام مع رجلين؟ علما بأننا نعلم أن في الجنة لا يوجد شيء اسمه عقود أنكحة. وكل القيم الاجتماعية والمفاهيم الأخلاقية والشرعية والقانونية الموجودة في الحياة الدنيا ملغاة في الجنة.

هنا نستنتج بأن أحد مداخل الشيطان هو الخلط وتلبيس الحقائق الموضوعية في القرآن، بالقيم الاجتماعية والأخلاقية في أم الكتاب.

فعلينا أن لا نسقط نهائيا القيم الاجتماعية والأخلاقية على الحقائق الموضوعية، وإلا فإننا نقع في الوهم "الباطل".
الباب الرابع: الاعتماد فقط على الرباط لامنطقي المجرد بين المقدمات والنتائج. أي إذا كان هناك رباط منطقي بين المقدمات والنتائج لمسألة ما، ولا يوجد تناقض، فلا يعني حتما أن المسألة صحيحة (انظر أنواع المعرفة) إذ أن صحة الرباط المنطقي لا تعني أن المسألة حقيقية حيث يمكن أن تكون المسألة كلها وهمية وفيها رباط منطقي حيث أن المقدمات يجب أن تكون حقيقية.

الباب الخامس: الأماني: وهو إسقاط أهواء الإنسان الخاصة وأمانيه الشخصية على الواقع الموضوعي، مما يسبب له الوقوع في الوهم. هذا الباب يمكن أن يقع فيه كل الناس بدون استثناء حتى الأنبياء والرسل، وذلك في قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطن في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطن ثم يحكم الله آيته والله عليم حكيم).

وفي الختام نلخص العقل الشيطاني "التكذيب والوهم" بالعبارة التالية:

إن الصور الموجودة في الأذهان غير مطابقة للأشياء الموجودة في الأعيان وهذه هي وظيفة الشيطان الفعلاني.
09-22-2005, 03:03 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة…
الموضوع الكاتب الردود المشاهدات آخر رد
  اللهم صللللللل على محمد وآلللللللل محمد الوطن العربي 18 2,037 03-29-2013, 01:03 PM
آخر رد: vodka
  ما معنى هذا الحديث إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم . coptic eagle 3 2,492 10-24-2012, 08:59 AM
آخر رد: الصفي
  هل يعبد المسلمون و المسيحيون و اليهود .. الشيطان ؟ K a M a L 5 1,689 02-01-2012, 04:16 PM
آخر رد: ABDELMESSIH67
  الشيخ محمد الزغبي يرى النبي محمد للمرة 47 ويرى إبراهيم وموسى وعيسى مؤمن مصلح 10 5,576 02-17-2011, 07:34 PM
آخر رد: K a M a L
  قنوات الرحمن وقنوات الشيطان .. في ميزان قرار الفتنة المفكر أركون 1 1,088 10-28-2010, 11:27 PM
آخر رد: سائل الرب

الانتقال السريع للمنتدى:


يتصفح هذا الموضوع من الأعضاء الان: بالاضافة الى ( 1 ) زائر
{myadvertisements[zone_2]}
إتصل بنا | نادي الفكر العربي | العودة للأعلى | | الوضع البسيط (الأرشيف) | خلاصات التغذية RSS