لقد تطور الإنسان من البشر وتميز من "بقية البهائم" بالربط الذهني بين الشيء وصورته وذلك من خلال صيغة لغوية. حيث إن الحيوانات تربط بين الشيء وصورة الشيء بربط انعكاسي (reflection) فالكلب عندما يشم رائحة اللحم يسيل لعابه بربط انعكاسي بحت أي أن هناك الشيء "اللحم" وصورة الشيء "في مخ الكلب عن طري حاستي البصر والشم" حيث أدى الانعكاسي بينهما إلى سيلان اللعاب.
هذا الشيء موجود عند الإنسان في سلوكه الغريزي "البهيمي البحت". أي أن الكلب له سمع وبصر وذوق والإنسان كبشر له سمع وبصر وذوق. فماذا يزيد الإنسان عن ذلك حتى نقول إنه بداية الأنسنة.
فحتى نعرف بداية الأنسنة ونفخة الروح وظهور الفكر فما علينا إلا أن نبحث في نشأة الكلام الإنساني، والسبب الجوهري أن الربط الانعكاسي عند الحيوانات يتم بدون قالب لغوي "أي بدون أسماء". ونحن نعلم بشكل قاطع أن الفكر الإنساني مهما كان بدائياً لا يتم بدون قالب لغوي-"صوتي" لأنه يوجد تلازم لا ينفصم بين الفكر واللغة منذ بداية الأنسنة. ونرى الآن أن أهل الأرض جميعاً تفكر بقالب لغوي. أي أن اللغة لها وظيفتان الأولى هي حامل الفكر والوظيفة الثانية هي التواصل بين متكلم ومخاطب في صيغة خبر أو أمر ونهي أو تعجب واستفهام. فإذا نظرنا إلى الكلام الإنساني بين متكلم ومخاطب رأينا أن صيغة الخبر هي أكثر تردداً تليها صيغة الأمر والنهي تليها صيغة التعجب والاستفهام. فلكي نميز الإنسان عن الحيوان "البشر" نضع الصيغتين التاليتين:
فبدأ الإنسان بمرحلة الإدراك القائم على المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر. وقلنا إن الفؤاد هو بمثابة المحمي أو الصاعق لمرحلة الفكر والذي ليه وهو "القلب". لذا عندما قال (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به). أي عندما فرغ فؤاد أم موسى "بلا فؤاد" كاد أن يصبح سلوكها بهيمياً انعكاسياً غير مسيطر عليه لذا قال: (إن كادت لتبدي به). ولكن ذكر مرحلة الفكر المجرد "القلب" وهو المرحلة الأكثر تقدماً والأكثر وعياً حيث سيطرت على سلوكها بقوله: (لولا أن ربطنا على قلبها). (القصص 10).
فمهمة الفؤاد هي الإدراك بالمشخص الذي تنقله الحواس والربط بين الأشياء وأسمائها، أي هل يفيد هذا الاسم هذا الشيء حصراً ولا يفيد؟ وهذه هي عملية التقليم والتي بدأت بالربط بين الأصوات اللغوية "الأسماء" ومدلولاتها العينية "المشخصة" وهذا الربط ذهني لا انعكاسي. وبعد ذلك تصبح الأسماء جاهزة للعلاقات المجردة في الفكر والعقل.
إن الفؤاد الإنساني الذي يربط بين الشيء المشخص واسمه هو بداية نفخة الروح حيث قلنا إن الله سبحانه وتعالى وجود أحادي من صفاته عدم التناقض فبدأ باعطاء هذه الصفة الخاصة إلى البشر بالفؤاد. وابتداء من هذه الخاصية بدأ النقيضان بالعمل في الدماغ الإنساني وهما "الرحمن والشيطان" التصديق والتكذيب "الحقيقة والوهم" وهنا نرى الصيغة الأولية للفكر الإنساني. هذه هي الحلقة المفقودة التي بحث عنها العلماء والتي ربطت بين البشر والإنسان وهي السر في بداية الأنسنة أي السر في جدل النقيضين غير الماديين الحقيقة والوهم "الرحمن والشيطان" والتي تم ربطهما بقانون عدم التناقض وهنا يكمن سر بداية نفخة الروح لذا قال عن آدم (فوسوس إليه الشيطان).
وهنا يكمن السر لماذا تقدم البشر وتطور إلى انسان وأصبح كائناً عاقلاً "عالماً ومشرعاً، ولم تتطور بقية الحيوانات العليا من فصيلة القردة علماً بأنها وجدت بنفس الشروط الطبيعية ولها نفس النشأة البيولوجية؟ فالبش خضع لنفخة الروح فأصبح إنساناً والقردة لم تخضع لنفخة الروح فبقيت على ما هي عليه قردة، وعلى هذا يجب أن نزيل الأوهام العالقة في أذهاننا بأن الروح هي سر الحياة وإنما هي سر الأنسنة فالإنسان له روح وبقية الحيوانات لها روح.
وبما أن الكتاب يحتوي معلومات وتشريعات سمي روحاً. (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان .. الآية) (الشورى 52).
ونحن نرى إلى يومنا هذا أن محلة الإدراك الفؤادي هي المرحلة التي يبدأ بها تعليم الأطفال، وذلك بالربط القائم على حاستي السمع والبصر بين الشيء المشخص واسمه وهي المرحلة التي يبدأ بها أي علم جديد، أي عندما يكتشف الإنسان شيئاً جديداً فأول شيء يفعله هو أن يضع له اسماً أو تعريفاً. قد يقول البعض إن عدم التناقض والذي هو أساس الفكر الإنساني نتج عن ظاهرة العمل فهذا غير صحيح للأسباب التالية:
1- لم يذكر أصحاب النظرية المادية الانعكاسية ما هما النقيضان اللذان يعملان في الدماغ الإنساني، وإذا كان هناك نظرية انعكاسية فكيف ظهر التصديق والتكذيب والحقيقة والهم في الدماغ الإنساني.
النظرية القرآنية تقول إن النقيضين غير الماديين اللذين يعملان في الدماغ "الرحمن والشيطان"، "الحقيقة والوهم" مربوطان بقانون عدم التناقض. وعندما يفك هذا الربط فإن الإنسان يتحول إلى شخصيتين متناقضتين تماماً. فدائماً هناك موقف رحماني "صادق حقيقي" في أمر ما وموقف آخر شيطاني "كاذب وهمي" في الأمر نفسه.
2- حتى يعمل الإنسان بشكل واع "العمل الواعي" يجب أن يكون عنده صيغة أولية بين المخاطب والمتكلم أي أن وعي الشخص الثالث فقط لا يكفي لكي يعمل الإنسان بشكل واع بل يجب أن يكون هناك بالإضافة إلى وعي الشخص الثالث وعي الشخص الثاني "المخاطب" ووعي الشخص الأول "المتكلم".
3- إن عدم التناقض ليس من صفات المادة الثنائية القائمة على المتناقضات بل هي صفة لوجود موضوعي آخر غير الوجود المادي المعروف من قبلنا وهو الوجود المشيأ "الأشياء". وذلك الوجود الآخر هو وجود أحادي منزه عن صراع المتناقضات الداخلية في ذاته (ليس كمثله شيء). وهو الله سبحانه وتعالى لذا قال: (ونفخت فيه من روحي).
الرحمن والشيطان في الفكر:
عند الربط الذهني بين الشيء واسمه من قبل الفؤاد، يبرز شيء هام وهو الصراع بين نقيضين هما الرحمن والشيطان، فالرحمن هو اسم الله الذي يمثل قوانين الربوبية لهذا الكون المادي، وهو الذي يعطي الصور الحقيقية للأشياء. فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف ظهر مفهوم الوهم عند الإنسان ومفهوم الخطأ؟ فالفؤاد الرحماني هو الذي يثبت الصورة الحقيقية للأشياء مع مسمياتها والفؤاد الشيطاني "الفعلاني" هو الذي يعطي صورة وهمية للمسميات. ولولا هذه العلاقة الجدلية بين المتناقضات في الفكر الإنساني لما كان هناك شيء اسمه وهم ومثالية ولما كان هناك تخيل.
وهذا هو جدل الفكر الإنساني كظاهرة، حيث إن الطبيعة تقوم على القانون الأول للجدل وهو صراع المتناقضات في الشيء، والقانون الثاني التأثير والتأثر المتبادل بين شيئين مختلفين في مستويات مختلفة. أما جدل ظواهر الطبيعة فيقوم على الأضداد كالليل والنهار في اليوم والشهيق والزفير في التنفس "والتي تكون اليوم والتنفس". وكذلك الإدراك الإنساني قام على صراع المتناقضات الحقيقية والوهم والمربوط بقانون عدم التناقض. هذه العلاقة الجدلية بين المتناقضات جاءت في مصطلح الرحمن والشيطان الفعلاني (يا أبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً) (مريم).
وقد قلت إن الشيطان الفعلاني هو أحد أطراف العملية الجدلية في الفكر الإنساني وهو الطرف الوهمي المثالي. أما الرحمن فهو الطرف المادي الحقيقي.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن "هل الوهم من نتاج المادة التي لها وجود حقيقي"؟
لا يوجد خارج الفكر الإنساني شيء اسمه أوهام، فالأوهام فقط في الفكر الإنساني وهكذا نفهم قوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (النحل 98). وهنا "قرأت" تعني التعلم والفهم، ولا تعني التلاوة، فالشيطان يحول فهم آيات القرآن من فهم مادي رحماني إلى فهم وهمي مثالي شيطاني وفي هذا المجال نجح الشيطان نجاحاً باهراً مع المسلمين وغيرهم، ونفهم أنه لا يوجد إنسان في العالم إلا وله شيطانه الخاص لأن أي موقف مثالي أو خطأ مهما كان نوعه فهو موقف شيطاني.
هنا يجب أن نضيف إلى المخطط مفهوم الرحمن والشيطان اللذين يمثلان جدل النقيضين بين الحقيقة والوهم في الفكر الإنساني.
لقد ظهر مفهوم العقل وهو الربط المجرد بين المقدمات والنتائج بقانون عدم التناقض الذي ربط بين الرحمن والشيطان، وبه يستنتج الإنسان المجهول من معلوم وهو القانون الأساسي للتفكير المنطقي المجرد عند الإنسان فإذا كانت النتائج وهمية فهي شيطانية، وإذا كانت حقيقية فهي رحمانية وفي كلتا الحالتين يعمل قانون عدم التناقض.