رواية الولي الطاهر
كنت يا مولاي الولي الطاهر، كابنة مُجّاعة[1] قبلت عن طيب خاطر الزواج من الناصر تربة العز، لا لكونه سلطانا قوي النفوذ أذل كل متمرد، إنما لأقيَ قومي، شر الحرب وويلاتها.
- يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف.
لربما يبحث الولي الطاهر عن غيرها.
حاول أن يتذكر لمن يكون هذا العطر الذي يغمره, ومن أين ينبعث, لكن بلا جدوى.
- أدخل يا مولاي.
جاءته الدعوة من صوت نسائي هيئ له أنه سمعه قبل الآن, في مكان ما من الكون, وبمناسبة ربانية ما.
- أدخل يا مولاي.
كانت أبواب ونوافذ المقام الزكي مشرعة, فانجذب للنداء الذي كان يرتفع وينخفض في تنغيم جميل.
القاعة الفسيحة مغمورة بالرمل وبتماثيل حجرية لرجال في جناح, ولنساء في جناح ثان تنتصب على مقاعد من خشب, عليه نقوش جميلة وموثرة بقماش مطرز بالذهب, تتوسط الجناحين مقصورة, يتربع فيها شخص من طين, لحيته في حِجْره, أمامه منضدة صخرية, فوقها أدوات وسجلات تحجرت, يعلوها غبار أصفر كثيف.
- اصعد يا مولاي
تنغم الصوت الأنثوي, كأنما هو صادر عن آلة موسيقية وترية. انساق نحو السلالم, يتبع النغمات الساحرة, ليجد نفسه في قاعة فسيحة, تعمرها جثث تماثيل خشبية, لشباب في سن متقاربة على ما يبدو, ممتدة على أسرّة من صخر كأنها لقبور أثرية.
عدّ الأسرّة. مائتان بالتمام والكمال.
ومضت في ذهنه صور باهتة من ماض لا يدري ما إذا كان بعيدا أو قريبا, وهو يدقق النظر في لحى التماثيل التي تبلغ الأرض, وكما لو أنها لم تتوقف عن النمو, ما جعله ينتبه إلى أن لحيته هو بالذات, تبلغ ركبتيه ولا يدري متى بلغت هذا الطول.
بلغته أنَّات تستغيث, كأنها لجرحى حرب ما تزال على أشدها:
- بلاّرة.. بلاّرة.
- اصعد يا مولاي.
دعاه الصوت المنغم فواصل الصعود ليجد نفسه في قاعة شبيهة بالتي كان فيها, إلا أن التماثيل الممتدة على الأسرّة كانت من شمع أو من مادة شبيهة على ما يبدو.
عد الأسرّة فكانت مائتين وواحدا, أحدها فارغ.
كانت الأنَّات هنا لأصوات نسائية, تردد في توجع جارح ووهن بالغ, جملة واحدة:
- مالك بن نويرة[2]... يا كبدي... خدعت أيها الشاعر الممتع بالجمال.
محتويات الطابق السادس تتشكل من جرار مكلسة, ومن جثث محنطة أيضا, تفوح منها رائحة الرطوبة والتراب, ويبدو أنها لمشائخ أو لأئمة, فقد كان على رؤوسها عمائم ذات ألوان مختلفة.
- مولاي الولي الطاهر هذه خلوتك وطريقك إلى حبيبك.
أحدثت عبارة الولي الطاهر رجة في رأسه, وظل لحظات يرتجف ويشعر بما يشبه الدوار, حتى أنه مد يديه يبحث عن شيء يتوكأ عليه.
- مقامك الزكي يا مولاي. أوَ نسيت بلارة؟ أما كنت تبحث عني يا حبيبي؟
- بلارة.. بلارة.
اهتز وقار الولي الطاهر وهو يهتف, ثم سرح في ماض يومض له...
..........
- هيا يا مولاي. هيا....هيت لك.
- أستغفر الله العلي العظيم. أستغفر الله. يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف.
- هيت لك.
- توقفي يا سجاح[3].
انتصب الولي الطاهر في وقفته، بينما هي تتقدم منه شبه عارية، بضة، رشيقة، لطيفة، ينبعث منها السحر، موجات من نور.
- يا خافي الألطاف. نجنا مما نخاف.
- ومما تخاف يا مولاي؟
..........
تجول في خاطر الولي الطاهر الأفكار والآراء سريعة سريعة، بينما المرأة تزداد بهاء، ورونقا، وإغراء، واشتهاء…
- مولاي. مقامك الزكي هذا، بطوابقه السبعة، خال إلا مني ومنك. أنت في الخلوة تصلي، وأنا في الفضاءات أحلم بك، وها أنني عثرت عنك، فكيف تريد أن نفلت من بعضنا.
... تريد بي شرا يا مولاي، أقرأ ذلك في كل حركاتك وسكناتك، وفي لون وجهك الذي ما فتئ يزرورق.
قلت لك، إنني لست النبية الكاذبة سجاح، كما أنك لست مسيلمة[4].
- لو أنني متأكد مما تقولين أيتها الجنية، لتزوجتك على بركة الله وسنة رسوله.
- مولاي. قالت متأوهة.
.........
ارتمت في أحضانه، تراءت له أم مُتْمِم[5}، تضع القِدْر على رأس زوجها ثالث الأثافي، تراءت له سجاحا، تختلي بمسيلمة، فتمنحه نبوَّتها، ثم تستل عليه السيف. تذكر المائتي بنت المسحورات اللائي، تنفي بلاَّرة هذه, وجودهن ووجود غيرها، تذكر زفاف الليلة الذي أمر به.
غضة لدنة دافئة دفَّاقة, كانت بلارة بين يديه.
- يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف.
قال وأمسكها بقوة من كتفيها، يدفعها إلى الخلف، محدقا في وجهها الذي اعتلته الحمرة، فازداد بهاء وروعة.
- الآن أعرف ما إذا كنت إنسية أم لا.
- أحذرك يا مولاي من سفك دمي. ستلحقك بلوى البحث عني, فلا تعثر علي, حتى وإن كنت تحت قدمك.
- الآن أعرف ما إذا كنت إنسية أم لا.
- أحذرك يا مولاي من سفك دمي. ينمحي مخزون رأسك ولا تستعيده إلا بعد قرون، فيعود إليك قطرة فقطرة ونقطة فنقطة. تجوب الفيْف هذا, مئات السنين، فلا تعثر على طريقك، ويوم تعثر عنه، تبدأ من البداية.
أحذرك يا مولاي من سفك دمي. ستلحقك بلوى خوض غمار الحروب، فتشارك في حروب جرت، وفي حروب تجري، وفي حروب ستجري، إلى جانب قوم تعرفهم، وقوم لا تعرفهم ولا تفقه لسانهم، ولا تدري لماذا يحاربون.
أحذرك يا مولاي من سفك دمي. ستلحقك بلوى حز الرؤوس وخنق الأطفال والعجائز والعجزة، وحرق الأحياء.
تموت ألف ميتة وميتة، ويسقي دمك، كل صقع رُفِع فيه الآذان، وفي كل عودة لك تعاودك بلوى البحث عني من جديد دون أن تدري عم تبحث.
لن يبقى مني يا مولاي, سوى عبق عطر, تذروه هبات سماوية رقيقة, وصوت, تعزفه مخلوقات نورانية, لا تراها ولا تراني.
رأت الشر في عينيه. تخلصت منه وراحت تركض في الغرفة التي كانت تتسع كلما جرت, حتى صارت ساحة فسيحة لا يحدها البصر، مفروشة بزربية خضراء، وينسدل على نوافذها الكبيرة, أسترة باهتة الصفرة، وتنْصبُّ من سقفها الأزرق, أنوار أرجوانية تتشابك دوائر دوائر.
تمكن منها أخيرا، هتفت مرعبة:
- اقتلني خنقا يا مولاي وإياك وسفك دمي.
- وهل لك دم يا ابنة النار؟
بلغ الغضب ذراه، فتراجع كل تردد. صعق.
امتدت يداه معا فسلَّتا قرطين من أذنيها، وسال الدم على عنقها الطويل الرفيع.
تأوهت متألمة. ظلت لحظات تتأوه, ثم راحت كلما أشهقت موجوعة, تختفي في ضباب رمادي، إلى أن غابت نهائيا.
- تمكنوا منك يا حبيبي.
كانت تلك, آخر جملة لفظت بها والضباب يبتلعها.
ذاكرة الولي الطاهر تستعيد صورا وأخيلة، عن وقائع جرت، لكن لا يميز، أو حتى يتصور زمن وقوعها، الأمس واليوم والسنة الماضية، والقرن الماضي، كلها، آنٌ, قد يصغر وقد يكبر، قد يطول وقد يقصر, قد لا يكون سوى ومضة, من ومضات حلم, أو كابوس.
وميض. وميض. مناظر تتشكل، وتختفي.
ها هي بلارة بنت تميم بن المعز تعاوده، كما خاض المعركة الفاصلة معها، وليس كمجرد رغبة، ظلت تدفعه في الفَيْف سعيا وراء لا شيء.
الماضي، يغرق في الضباب. بل إنه يومض.
نعم, الآن أتذكر جيدا. أتذكرها بلارة حبيبتي. جاءت لننشئ نسل كل الناس, فخفتها, شككت فيها, وظلمتها. يا للظن الإثم.
أسلت دم حبيبتي فلحقتني ولحقتها البلوى. تحولت إلى أتون عضباء, لا يختفي أثر الجرح من أذنيها, ليمتص ذباب لعين, دمها, أركبها دون أن أدري أنني أركب روحي, ولما عرفت الحقيقة, ازداد عذابي وتضاعفت شقوتي.
رباه عفوك, فما ظلمت إلا حرصا على دينك. وما فعلت إلا ما قدَّرتَ.
اقتحم الطابق السابع, ليجد نفسه في مقامه. قاعة ليس لأبعادها حدود, كلما امتد البصر, امتدت, إن طولا وإن عرضا, وإن علوا. كل ما فيها, هلامي, شبيه بأخيلة النائم, يشعر المرء فيها بأنه, يتواجد في كل ذرة مما يقع أو وقع عليه بصره, كما يشعر بملئه لكل الأزمنة, إلى درجة أنه يحس بالانعدام, كائن وغير كائن, هو هو وليس إطلاقا هو.
اعتلى سجادا من جلد الغزال, وانطلق يؤدي ركعتي تحية المقام والملائكة.
استغرقت الركعتان دهرا لا يعلمه إلا أهل الذكر, استيقظ منه الولي الطاهر فرحا نشيطا, يقظ الروح والجوارح.
بلارة, وكل ما تعلق ببلارة, سواء قبل ظهورها أو أثناءه أو بعده. بلارة. ما بلارة إلا ومضة تسكن تجويفا من تجاويف هذا العقل الشامل للكبيرة والصغيرة في الزمان والمكان. شأنها شأن شخوص وأحداث التاريخ منذ آدم.
اشتاق الولي الطاهر إلى شيء ما لا يدريه, يحس بالحنين يفيض في صدره, يشعر بنوع من الظمأ الروحي لشيء ما, يروي الغليل, وينتظر أن يهب عليه من حين لآخر.
يعلم أنه آت لا محالة, فالروح لا تتوق إلا لما لها صلة أو ارتباط به.
يرى الولي الطاهر الأزمنة التي مر بها, وهي قرون وقرون, ولكن لا يعلم في أي زمن هو الآن.
يعسر على المرء أن يمسك بكل الأزمنة في الآن الواحد, خاصة عندما تتكدس كلها في لحظة واحدة.
هذا القطار العابر للأزمنة, لا بد له من محطة في آخر الأمر.
فكر الولي الطاهر ثم تقدم من عرشه, واستوى يحدق فيها. الأزمنة. كما لو أنه يطل من نافذة القطار.
التأرجح المتقاذف
في ذات الآن, يذرع العالم العربي من المحيط إلى الخليج, غاديا رائحا, بسرعة البرق, ويضرب في عمق التاريخ, نازلا صاعدا كالكرة المتقاذفة بجاذبية قوية, وبنفس السرعة.
يطل على شوارع دبي, يتأمل الروسيات والبلقانيات, الشقر الممتلئات, المتراميات في الشوارع كالجواميس الضالة, وحولهن من بعيد أو من قريب, علوج, حليقو الرؤوس, يملأ الوشم الملون زنودهم وأكتافهم وصدورهم, يوهم كل واحد منهم, أنه الحارس غير الأمين لهذه أو لتلك, والحامي الراعي لكل قرش يدخل محفظتها. يصنعون أوروبا وهمية في أقصى الشرق.
يهبط في الزمان, ليجد نفسه, في مجلس خليفة من الخلفاء, أو يستمع إلى أبي هريرة, يقدح ذاكرته, لكي لا يكف عن الرواية.
يقول إمام جامع الدار البيضاء المنكب بجلاله, يلعق مياه بحر الظلمات, في خطبة يعيدها كل جمعة, من ميزات المسلم, طاعة الله والرسول وأولي الأمر. فيرن صداه في جامع الزيتونة والأزهر وبيت المقدس والأمويين ومكة والمدينة, ويأتي الرجع, اللهم احفظ أمير المؤمنين.
يصعد, فتقابله شاشة عرضها المحيط والخليج, تعرض مناظر الصبايا العراقيات, يغازلن العلوج الأمريكان, في حين يسّاءل هؤلاء عن إمكانية الحصول على كمية من الحشيش, أو من أي مخدر.
يحاول أن ينام في أحد الفنادق بإحدى مدن الخليج, فيمنعه أزيز الطائرات الأمريكية, التي تحوم تحت حاجز الصوت.
يصمد في قلعة غرناطة, يوما فيومين, فأياما, وعندما يلتفت إلى جنبه, لا يجد أحدا.
هربوا جميعا وتركوه.
البعض جبن. البعض باع. البعض لم يجد مبررا للبقاء في أرض ليست أرضه, وفي وطن وهمي, صنع بالغواني وبالموسيقى وبالخمور والملذات.
اعتراه الخوف, اعتلاه الغضب, غمرته الوحشة. فكر, أن يولي وجهه شطر المشرق, فيكون آخر اللاحقين, إلا أن غليانا وفورانا في دمه, فرضا عليه أن يظل مرابطا.
أطلق آخر سهم بين يديه, وتلقى أول سهم في صدره, فانمحت غرناطة وانمحى الأندلس, إثر غمضة عين, منسابا في الزمان, متلاشيا في المكان.
تروح الأرجوحة. تجيء الأرجوحة. تنزل الكرة. ترتفع الكرة.
شبه دوران للمكان داخل الزمان, وللزمان داخل المكان, في دوامة عرضها من نهر السينيغال إلى دكة, وطولها من معركة بدر, إلى مثول صدام حسين أمام المحكمة.
تغدو الأرجوحة, نواق الشوط. الرباط. الجزائر. تونس, ليبيا. مصر. عمان. القدس. دمشق. بغداد. الخليج فالجزيرة.
تتقاذف الكرة إلى فوق. الجيوش الفرنسية. الجيوش البريطانية. البرتغالية, الأسبانية, المنطقة تنغمر بالجيوش. الساحة تمتلئ بالمسيحيين. تاريخ العرب تعاد صياغته.
تعود الأرجوحة. عباد الرحمان في حالة تيهان وذهول.
تنزل الكرة. مسلمون, مسلمون, ربنا واحد, نبينا واحد, خليفتنا واحد, لكن من ليس من أمٍّ تركية, فهو مسلم من نوع ثان...
تغدو الأرجوحة. الوطن هو الصلاة والصوم والزكاة والحج لمن استطاع إليه سبيلا.
ترتفع الكرة. أحمد بن حنبل ينتصر. من فكر كفر. ولا شيء هنالك سوى الغدو والرواح في السبيل الذي عبده السلف الصالح. ولا نور غير النور الرباني.
المنارة التي اتقدت في غار حراء, هي التي ينبغي أن لا نحيد عن التحديق فيها, والالتفاف حولها, فهل تستطيع الفراشة, أن تتجاهل المصدر؟
تجيء الأرجوحة. المواطن هو شيخ القبيلة, وشيخ القبيلة وحده, هو كل الناس, وما عداه, فكائنات تفلح وترعى, تتناكح وتتوالد, تساق للحروب, وتدخل السجن وتدفع الضرائب.
تنزل الكرة. نواق الشوط. الرباط. الجزائر. تونس. ليبيا. مصر. عمان. القدس. دمشق. بغداد. الخليج فالجزيرة.
ثعبان يتلوى ويتلوى, يعاني عسر تغيير جلده, كلما سلخ شبرا عاد الجلد إلى الوراء, وكلما تلوى غلبه النعاس. ربما لأن أسنانه منزوعة, ولربما لأنهم ما يفتأون يستلون سُمه.
تعود الأرجوحة. الوطن هو القبيلة, وحيثما ارتحلت القبيلة, ارتحل الوطن, وكل القبائل الأخرى عدوة للوطن إلى أن يأذن شيخ القبيلة.
تصعد الكرة. شيوخ القبائل يتحولون إلى حكام. بعضهم ينزع الجبة والعمامة, ويرتدي اللباس الأوروبي, ويعري رأسه, ويحلق لحيته وشاربه, وبعضهم لا يفعل ذلك إلا في المناسبات.
تجيء الأرجوحة, نواق الشوط. الرباط. الجزائر. تونس ليبيا. مصر. عمان. القدس. دمشق. بغداد. الخليج فالجزيرة.
بيضة لاقسة, وقعت فتشققت في كل مواضعها, فانتشرت رائحتها النتنة, تثير الغثيان في النفس.
تنزل الكرة. محمد بن عبد الوهاب, يستيقظ في الجزيرة, ويروح يحاول مساعدة الثعبان على الاستيقاظ, والاحتفاظ بجلده. غير أن عينيه ظلتا نصف مغمضتين, مبهورا بشمس الصحراء, فاختلطت الرؤى عليه. امتدت يداه لكل شيء في الوقت الواحد, فأضاع كل شيء. وتحولت حركة أمة, إلى انتصار قبيلة.
تغدو الأرجوحة. جلد الثعبان يتمزق, فلا هو بالمنسلخ ولا هو بالباقي. لا هو بالعاري, ولا هو بالمكتسي.
تصعد تنزل. تنزل تصعد. تجيء تروح. تروح تجيء. السرعة تشتد حتى تتحول إلى حركة, يتوقف عندها البصر, فلا يرى وإن كان يبصر, يعلم أنها حركة. وأنها تشتمل على حقائق كثيرة.
يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف.
ردد الولي الطاهر عندما أحس بأنه صار الأرجوحة, كما صار الكرة, وأن غدوه ورواحه, فقد معناه, ولم يبق سوى الاستيعاب. استيعاب ما حدث طوال خمسة عشر قرنا, واستيعاب حال العرب, وحال المسلمين عموما.
كل الكليات. كل الجزئيات, ها هنا , في صفحة واحدة, لا تحتوي إلا على نقطة واحدة.
يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف.
يختنق. يد قوية تمسك بعنقه, أصابع غليظة تضغط على أنفه وفمه. لا مجال هناك للتنفس.
يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف.
عرف لحظته. أدرك الولي الطاهر الزمن الذي تواجد فيه.
ها هنا. في زمن الوباء الذي عم ليس فقط العالم العربي, إنما كل العالم الإسلامي. زمن صار فيه العرب والمسلمون جندا للمسيحيين, يحملون أسلحتهم, ويلبسون ألبستهم, ويروجون لعقائدهم. زمن صار فيه الهروب إلى الفيافي, والبدء من البداية واجبا.
تخلص من اليدين اللتين تخنقانه, ونهض واقفا, وامتلأت خياشيمه بعبق عطر, عرف لمن هو.
- أدرك زماني. أمسك بلحظتي.
... عندما دبَّ اليأس بعد محاولات متواصلة، بلغتْ حد المواجهات المسلحة، والحروب الطاحنة، ما تزال تتواصل، ارتأيت، أن الهروب بدين الله، عنصر مهمُّ في المواجهة. نقيم في هذا الفَيْف، نتضرع للمولى، عساه يفرج الكرب، فيضع حدا لهذا الاكتساح للوباء لأمم الإسلام، وفي نفس الوقت نهرَّب ما نقوى عليه من الشبان إناثا وذكورا، نلقنهم دينهم، ونزوجهم، ونعمِّر بهم الفَيْف، منشئين أمة محصنة.
قام المقام الزكي، بأموال تجمعت من كل حدْب وصوب، حتى من أمم غير أمم الإسلام. وهبَّ الفقراء والأغنياء من الأتقياء ومن غيرهم، ممن لم يصابوا بالوباء وممن أصيبوا.
جعلناه سبعا طباقا، تحتضنها مئذنة ترتفع عنها بنصف علوها، فكان كإرام ذات العماد أو أكثر.
وشق عنان السماء في ليل الفيْف الساكن تبريح:
يا خافي الألطاف نجِّنا مما نخاف.
التحق بالمقام الزكي خلقٌ كثيرٌ، تجلبهم البركات، والكرامات، وحُسن العبادة والدعاء، وانضم لحلقات الدراسة، مائتا شاب ومائتا شابة وشابة, واحدة منهن، لا أحد يعرف لها أصلا أو فصلا، لا ربْعا ولا عشيرة ولا أهلاً، تقول كلَّما سُئلت إنها وفدت من بعيد، - ذاكرةً من حين لحين اسم المهدية وإفريقية وتونس- باحثة عن ضالَّتها في المقام الزكي.
لم ينتبه أحد ليسألها عن ضالتها، واقتنعنا جميعا بأنها هاربة من الوباء، راجعة إلى ربها راضية مرضية.
- مرحبا بك في مقامك الزكي يا مولاي الولي الطاهر.
انبعث الصوت من الجهات الأربع. عرفه الولي الطاهر, أدرك بدون أي تردد أو شك, أنه لها, بلارة, فقد نزل على قلبه كقطرة من الكوثر, في الفيف الظمآن.
اكتوت الجمرة, بالقطرة الزلالية, فراحت تتبخر دون أن تنطفئ.
- انزلي المقام آمنة مكرمة يا بلارة.
قال الولي الطاهر. تجرأ فقال ذلك, دونما تردد, أو اضطراب.
ها قد قطع الخطوة الأولى في الوثبة التي كانت بلارة قد دعته إليها, منذ زمن غير معلوم.
- مولاي. عندما يؤذن لشظايا الأرواح أن تلتئم, أكون لك وتكون لي.
- متى يكون ذلك يا بلارة؟
- عندما تفقد الخوف يا مولاي, فأنت ما تفتأ تدعو خافي الألطاف أن ينجيك مما تخاف.
- كيف ذلك يا بلارة؟
- أعداؤك يسعون لما يخيف, ويأتون كل ما يخيف.
- بلارة لماذا تنطقين بالحكمة وكما لو أنك من الغابرين.
- إنه العلم يا مولاي. فعندما رصدوني وأسكنوني أجهزتهم وأقمارهم, نسوا قتل خلية في دماغي, فتسربت علوم الأولين والأخيرين, من الإنس والجن, إلى رأسي, وفي الحق, تذكرت ما كان وما سيكون, مما علمه الله لآدم, عليه السلام, وجرت حكمته, أن لا تتكشف الأسماء إلا بميقات.
- متى تنزلين يا ابنة النور؟
- عندما يصير القار ماء زلالا, وتسود الجبب والقمصان والعمامات فتنتزع, وتخشوشن الأيدي, وتخضر الفيافي القاحلة, ويصير التراب هو الوطن, والجار هو القبيلة والعشيرة. ويكون الدين لله, والحكم للناس.
- إن هذا لمخيف يا بلارة.
- فادع الله أن يسلطه على عباده.
العكس أصح ..!
لا يدري الولي الطاهر, ما إذا كان صوت بلارة, يأتيه من خارجه أم من داخله, ففي الحق, كانت هناك حمَّى باردة تهز أوصاله, حتى تبلغ العظام.
كان الولي الطاهر في مثل تلكم الحالات التي تسبق وضعيات الصرع التي تنتابه, كلما اشتد به الغضب, أو تراكمت عليه الحيرة وعسرت الإجابات عن ركام الأسئلة الجاثم على رأسه, أو عظم عليه الحزن, حتى حد التمزق.
امتثل لما بدا له أنه أمر, غيرَ مبال, بمصدره, فليس من عادة الشياطين أن تتسرب إلى صدره فتوسوس له.
توضأ. صلى ركعتين. رفع كفيه يدعو مغمض العينين.
- يا خافي الألطاف. سلط علينا ما نخاف.
ظل يصلي ويكرر الدعاء تسعة وتسعين مرة, إثر كل ركعتين, متجهدا.
الله وحده يعلم كم زمنا انقضى على التوسل الحثيث أمام باب المعشوق, حتى خيل إليه أنه ينفتح, وأن صوتا ملائكيا يأتيه:
- ابشر أيها الولي الطاهر, ربك استجاب لدعاء ظل ينتظره, منذ سقوط الدولة العباسية.
تجاهل الصوت, وما يقول, وواصل الصلاة والدعاء, وفي كل مرة ينتهي من الدعاء ترتفع الحمى, فتزداد اشتدادا عليه, ويزداد العرق انصبابا من كامل جسده, حتى أن لحيته ثقلت من البلل, فعند باب المعشوق, ينسى العاشق سبب التوسل, وإلا كان عاشقا, مقايضا, يعطي ويأخذ.
لم يكن يسمع ما يأتيه من أصوات, تحمل مفردات بشرية فقد داهمته الصرعة التي فارقته, منذ فتح عينيه, يتأمل الشمس الخاسفة. ويتشمم عبق عطر بلارة. راحت عضلاته, تتقلص واحدة إثر الأخرى, عضلات رجليه, ثم عضلات فخذيه, ثم وسطه, ثم صدره, ثم ذقنه, فوجنتيه, وعندما اهتزت عضلات قفاه, شعر بارتجاج في رأسه, فهوى.
ظل زمنا يتخبط, ينتظر الغيبوبة الكبرى, إلا أنها على ما يبدو لن تأتي, فقد أحس الولي الطاهر بأن صرعة اليوم, لا تشبه تماما تلك الصرعات التي كانت تغير شخصيته, كليا, حيث يتخلص من أحد ليكون أحدا آخر. في لحظات قصار, يكون أكثر من واحد, في أكثر من مكان.
في أفغانستان, دستم, وشاه مسعود, ومجيب الرحمن معا. ويكون في الجزائر مرة جنرالا, يقود الدبابات والطائرات والفيالق, ويستورد ويصدر, ويسن قوانين المنع والترخيص, وأميرا يهرب ويهجم, يقتل ويصلي, ويفتي بالتحريم والنهي, وبما يجوز وهو قليل, وما لا يجوز وهو كل ما فيه شبهة باختلافه, مع ما حدث في السنوات الأولى للنبوة.
يكون في مصر, مرة, نجيب محفوظ مذبوحا, ومرة داعية يستل الخنجر ليذبح نجيب محفوظ. تارة عمر دياب, يردد:
أنا حُـنين ومـنزلي النـجف وما نديمي إلا الفتى القصف
أقـرع بالـكأس ثغـر باطية مترعة نـارية وأغـتـرف
مـن قهوة باكر التجارَ بـها بيتُ يهودٍ قِـرارها الخزف
والعيش غض ومنزلي خصيب لم تغذنـي شقـوة ولا عنف
وتارة مجاهد, يتسلل بشحنة من المتفجرات لينسف, الركح الذي يقف عليه عمر دياب.
الجسد بكل مكوناته. والفؤاد بكل محتوياته. العِرْق النابض والعرق الميت. يقتل ذاته, تخلصا من ذاته, في محاولة إحياء ذاته.
جراثيم الوباء الذي جاء مع المستعمرين, المتفشية في الجسد الواهن, هي التي تتصارع, في كياننا, وكلما تقدم الزمن توغلت فينا, وازداد رفضنا لها.
الثعبان المصروع, يكابد عسر تغيير جلده.
بين يقظة ونوم, بين الوعي بمجريات الأمور, وبين توهم حدوثها, بين تحليق انسيابي في عوالم لازوردية, وغطس في بحر من حرير تنفشه, أنامل بلارة, متعددة في آلاف البلارات. لهن بسمة واحدة, ولهن صدر واحد.
رسالة من تحت السواد الدامس
أحس الولي الطاهر بيدين لطيفتين, تحملانه, وتجلسانه على عرشه في مقامه الزكي, فينفتح تلفاز شاشته, لا يحدها نظر.
ماعدا بعض نقاط ملونة, حمراء وخضراء, مضاءة, والصوت الذي ينبعث بجميع اللغات, لكنها, موجزة في لغة واحدة, يفهمها المرء, دون أن يدرك أية لغة هي, أهي إنكليزية, أم صينية, أم لغة قبيلة بالوبا. فلا شيء آخر.
انتظر أن تضاء الشاشة, فتبرز منها صورة ما, وقد تكون بلارة بالذات والصفات, لحما ودما. بسمة خجلى, وعطرا فواحا, الوجه البشارة الذي يستهل به البث.
سيداتي سادتي, ظاهرة غريبة تعترض العالم العربي حاليا, فضوء الشمس اسودَّ منذ لحظات, ولم تنفع معه أية إنارة, والخبراء من جميع أنحاء العالم, ينكبون على دراسة الظاهرة.
سيداتي سادتي نعتذر عن عدم ظهور الصورة, فذلك خارج عن نطاق إرادتنا. وقد علمنا أن الظاهرة, عمت كل الفضائيات المرسلة من العالم العربي, أو الموجهة إليه.
أيها السادة والسيدات. الظاهرة أخطر مما كنا نظن, فبالإضافة إلى أن الصورة التي اسود عليها النور, هي لرئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية, وهو يلقي خطابه من على متن حاملة الطائرات, أبراهام لنكولن, بالإضافة إلى ذلك, فإننا على الأقل هنا, حيث نحن, لم نعد نرى بعضنا البعض. لكن, انتظروا, فمراسلونا, من جميع البلدان العربية, على اتصال بنا حاليا. ونلفت انتباهكم سيداتي سادتي إلى أننا جميعا تسمينا بعبد الرحيم فقراء حتى لا نضطر للتفكير في أسماء بعضنا كل مرة فيضيع وقت ما أحوجنا إليه, فمراسلونا ينبثون في كل أنحاء العالم, ثم إن لهذا الاسم بالذات إيحاء معينا يرتبط بالمثقف وبرجل الإعلام, مع اعتذارنا لصاحب الاسم الحقيقي مراسل زميلتنا من واشنطن.
نواق الشوط. الرباط. الجزائر. تونس, ليبيا. مصر. عمان. القدس. دمشق. بغداد. الخليج فالجزيرة.
الظاهرة عامة, ما عدا في القدس, فهناك مناطق يسود فيها النور الأبيض.
- وماذا في رام الله, يا فقراء ؟
- في رام الله كل شيء يجري في الظلمة التي ما بعدها ظلمة.
كبير مراسلينا الآن في الجزيرة والخليج على اتصال غير مرئي بنا, فانتظروا.
- أحدثكم وكما لو أن عصابة سوداء على عيني, حتى أني لا أدري ما إذا كانت يدي أمامي أو خلفي. أين اليمنى, وأين اليسرى. إنني فعلا لا أكاد أفرق بين هذه وتلك.
- نحن في نفس الوضعية. حدثنا كيف بدأت الظاهرة؟
- المسألة في منتهى البساطة. النور الأسود بدأ يصعد من مناطق آبار النفط, حتى بلغ عنان السماء, ثم راح, على مرأى من أعيننا جميعا, يمتد مداهما زاحفا, مترا فمترا, ثم كلمترا فكلمترا, ثم منطقة فمنطقة, حتى غمنا.
- هذا صحيح فالأقمار الفضائية, تتحدث مرة عن كرة مستديرة, في شكل بطن منتفخة, ومرة عن شيء مستطيل, أشبه ما يكون بقربة معز مشعرة.
- هل هناك ضحايا؟
- لا والحمد لله, فما عدا الانتحارات التي تتواصل دون هوادة, ظنا من الناس, بأن الساعة قد قامت, فلا شيء يذكر.
- وهل صدر شيء عن السلطات الرسمية؟
- حتى الآن لا. فنحن في منتصف النهار, والمكاتب الحكومية خاوية الآن. وإنكم لعلى علم, بأن مسابقات الهجن استمرت حتى فجر اليوم تحت الأنوار الكاشفة, كما أن السواحل الأوروبية, وخاصة الأسبانية, تستوعب عددا غير قليل من أولي الأمر بعد سنة كاملة, من السهر الدءوب على سير الأمور, خاصة تعبيد الطرقات, ثم حفرها وإعادة تعبيدها.
- ثم ماذا؟
- أكثر من إمام أعلن في الخلوي أن الأمر لا يتعلق بقيام الساعة, مطلقا, فهذه يسبقها – شرطًا - ظهور المسيح الدجال, والمهدي المنتظر, وكذا ظهور صاحب الدابة, والريح الصفراء التي تقضي على كل كافر, وشروق الشمس من مغربها, وما إلى ذلك من العلامات الصغرى والكبرى, ومهما كان, فإن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق, وأمتنا والحمد لله تتوفر على أفاضل الخلق شرقا وغربا, يتقدمهم أولو الأمر منَّا.
إنّا لننصح المسلمين, بالإكثار من الصلاة ومن الاستغفار, والبقاء داخل المنازل ما أمكن ذلك.
وقد سألت الإمام الأكبر, وهو كفيف يتنقل حيثما شاء, فالنور بالنسبة إليه, أصلا أسود, سألناه بعد ما حضر إلينا, وتفضل فاقترح أن يكون مرشدا لنا, حتى يفرج الله الكرب, الذي سلطه على عباده, جزاء ما فعلت أيديهم:
- ما معنى داخل المنازل؟
فقال منفعلا, البقاء حيث هم, فلا أمام ولا خلف, ولا يسار ولا يمين, لمن لا يبصر, وكل ما هنالك, فضاء يحسن التحرك فيه.
- نتركك الآن, ونعود إلى كبير مراسلينا في الضفة والقطاع.
- عبد الرحيم فقراء, ما الجديد عندكم؟
- السواد يشمل المناطق العربية فقط, وكاميراتنا لا تعمل حتى في المناطق الأخرى. إنما الغريب في الأمر, هو أن المناطق المشمولة, تقع في حدود التقسيم الأول الذي لم يقتنع به العرب, الأمر الذي جعل الكنيست ورئيس الوزراء وأعضاء حكومته, ينتقلون على لمح البرق, على ما يبدو لكي لا تفلت منهم المبادرة, إلى تل أبيب, وقد تشكلت خلايا متابعة, شملت كل بيت وكل حي, كما شملت كل فصائل المجتمع الإسرائيلي, بما في ذلك السحرة الذين صرح كبيرهم, بأن عفاريت سيدنا سليمان هم الذين انطلقوا من أعماق الأرض, ليعلنوا عن غضب الرب من التأخير في إعادة بناء الهيكل.
ومع ذلك, فلا تعدم أصابع سيّست الظاهرة, متجهة نحو إيران, وبوجنبورة, إذ لا علم بدون سحر, ولا سحر بدون بخور- كما قيل.
وقد حاولنا الاتصال بالمحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية, الدكتور حنزليقة, فلم نفلح, حيث أننا في كل مرة نتلقى صوت امرأة, يعلن بفضاضة, أن الرقم غالط.
- سيداتي سادتي. نتوجه الآن إلى كبير مراسلينا في المغرب العربي الذي هو على الخط منذ لحظات. نعم كلنا - كما هو الشأن بالنسبة لغيرنا- نسمع ولا نرى. ما الجديد عندكم؟
- هنا رام الله, انتظر, فهناك جديد مهم جدا.
- ماذا هنالك؟
- الأمر يتعلق بأبي عمار, رئيس السلطة التنفيذية.
- ما الأمر؟
- أغلق الباب دونه, واستخرج مسدسه, وصدرت طلقة.
- ماذا تقول. خير إن شاء الله.
- لا. اطمئنوا, فالانتحار مستبعد, وأبو عمار من فصيلة المسلمين أقوياء الإيمان بالله, وعزيمته لا تهن ولا تضعف, وتشبثه بالحياة, جزء من نضاله.
- هذا معروف. فما الأمر من فضلك؟
- مجرد حادث عارض, تسبب فيه ارتجاف أصابع يد الرئيس.
- الحمد لله أن كانت الطلقة في الهواء.
- ليست في الهواء تماما, فهناك حديث عن أن دحلان مستشار السيد الرئيس, يكون قد أصيب.
- وهل من أخبار أخرى؟
- حسب ما علمنا من مصادر جد مقربة وعليمة, فإن الغضب اشتد بالسيد الرئيس عندما اقتُرح عليه, اغتنام الفرصة للهرب.
سألهم, هل تعرفون الشرق من الغرب؟ واليمين من الشمال, فلما أجابوه بالنفي تساءل, وعلى فرض أن أحدكم يعرف الطريق, فهل نترك السلطة أم نأخذها؟
شعر باقتراب أحدهم منه, فكانت الطلقة, فكان دحلان كما قلت. ويقال إن السيد الرئيس, أصيب بنوبة هستيريا, جعلته يصرخ فترة غير قصيرة:
رئيسا. رئيسا. رئيسا.
- كان الله في عونه. ما أخبار باقي الوزراء, والسيد رئيس الحكومة بالذات؟
- لقد بلغهم خبر الإمام الكفيف, فراقهم الحل, ووجه كل واحد منهم عن طريق الخلوي, نداء, يعلن عن توظيف وزارته لأقصى عدد ممكن من العمي.
- نعود إليك فيما بعد, لنفسح المجال لمراسل آخر.
- هنا في تونس الخضراء الزغاريد تجلجل مغردة, تملأ الفضاءات التونسية المتماسكة الصامدة النقية الطاهرة بفضل السياسة الرشيدة للسيد الرئيس, لقد شاع بين الناس, أن العملية, وما تحمل من معنى ومغزى, لا تعدو أن تكون دعابة, تسبق احتفالا سياحيا, المقصود منها, إقامة ليلة الغلطة, فقد أرست اليوم بواخر تحمل سواحا ألمانا يقال إنهم كلهم من يهود فرانكفورت, سيتوجهون إلى شبه جزيرة جربة, بعد أسبوع, هذا إلى جانب حلول طائرات بسائحات روسيات, قيل إنهن سيقضين شهرين في الخضراء ولربما أكثر.
على كل الزغاريد ما تزال تصدح, والناس يخبطون خبط عشواء مبتهجين مهللين, مثنين.
- وهل درى التوانسة, أن الظاهرة قومية؟
- تعلم أن العالم العربي يبدأ وينتهي في تونس, وأن الخطاب السياسي والإعلامي, يطلق نعت الأمة على الشعب التونسي. إن عواقب تدخل عبد الناصر في الشأن التونسي في الخمسينات, لم تنمح بعد, بل إنها تتكرس يوما بعد آخر, رغم أن لطيفة العرفاوي, لا تكاد تفارق القاهرة, مع أنها, تعلن عن تونستها وولائها, كلما تواجدت هنا بارتداء العلم التونسي. وأن المطربة التونسية الكبيرة ذكرى, استشهدت منتحرة في القاهرة, حيث بكاها كل الوسط الفني. وأنه لا يوجد تونسي واحد, لا يستمع يوميا لأم كلثوم. عليها الرحمة والغفران على الأقل مرتين, ثم إن ظاهرة تدخين الشباب للشيشة اكتسحت البيوت والنوادي والمقاهي والفنادق.
أهم من هذا كله, أن السيد الرئيس حفظه الله ورعاه, أثنى على دور مصر في انعقاد دورة الجامعة بتونس, في الحفظ والأمان
هذا في تونس الخضراء, أما في الجزائر والمغرب, فالمسألة تختلف تمام الاختلاف, ففي غمرة السواد الخانق, يرتفع الآذان في كل صومعة من صومعات المساجد, إذ كما هو معلوم، معظم المساجد, لها أكثر من صومعة وصومعتين.
إلى جانب الآذان, هناك أصوات متقطعة من الرصاص, تسمع هنا وهناك, مع أصوات انفجارات ضخمة, يعقبها تكبير جماعي.
- عما ذا يعبر ذلك في رأيك؟
- كما هو معلوم, فإن الحركة البربرية, هنا وفي كامل المنطقة, حتى جزر الكناري, وباستثناء سبتة ومليلة, تحاول باستمرار التأكيد على وجودها.
- لكن ما علاقة ذلك, بموضوعنا؟
- تعلم أن الناس هنا, يجدون صعوبة في اختيار مفردة من إحدى اللغات الثلاث, العربية, والأمازيغية والفرنسية. ولهذا فأفضل لغة لديهم هي التعبيرية, ولا أدري ما إذا كان يصح استعارة كلمة السيميائية من أساتذة الأدب؟
- فهمت. وفي موريتانيا؟
- هنا في نواق الشوط التي أتواجد بها, الناس حذرون من بعضهم, وقد التزم كل واحد الصمت المطبق, حتى لا يبلغ صوته أذن الواقف جنبه, فقد أشيع من طرف عناصر معروف ارتباطها بالموساد, منذ اللحظة الأولى, أن المسألة وما فيها, صراع عرقي بين البيض والسود. حالة سودانية أخرى أعني, وأن لبوجنبورة وإيران ضلعا في الأمر.
ومهما يكن, فالأمور جد عادية هنا في المغرب الكبير. فمهما غلى المرجل, فإنه لن يفيض. إليكم الخط.
... هنا في دول مجلس التعاون, يا عبد الرحيم فقراء, الناس لا يرون بعضهم إلا سماعا. ولحسن حظ هذه الأمة أن جاد الله عليها بالهاتف الخلوي, فلولاه لكانت القطيعة المطلقة, فالثقافة البدوية, لم تختف هنا, وليس معقولا أن تختفي لمجرد ظهور العمارات الزجاجية الشاهقة, والطرق العريضة المستقيمة, والسيارات الآسيوية البراقة, وحلول الويسكي محل لبن "الحلال", والنوق.
لقد حافظ العربي هنا على أصالته, بأمرين هامين, هما القبيلة, واللباس. فالقبيلة, أخذت اسم المشيخة وإن أضاف الشيخ لقب الأمير, والدولة تتمظهر بيمانيين, ارتدوا الزي العسكري وحملوا عصيا, وصفارات, ولربما بعض مسدسات, خالية من الخرطوش.
تعلم أولادهم كل وسائل وأدوات اللعب واللهو, من ركوب سيارات السباق, إلى التحليق بالطائرات, إلى ممارسة الدعارة في البر والبحر, إلى القمار والمضاربة في البورصات. حتى أن أحد المفكرين العرب شبههم بالأرانب, نهارهم أكل وشرب, وليلهم لهو ولعب. ولقد تجرأ بعضهم, فوضع اسمه على مؤلفات يجهل محتواها, ألفها لهم بعض الإخوة العرب الفقراء, وظهر منهم علماء ومفكرون, ومحللون يحملون ألقاب الدكتور, والعلامة والباحث وما إلى ذلك.
- لقد أسهبتَ في الحديث عن صفات الخليجي, التي لا يجهلها أحد, فماذا غير ذلك؟
هناك إشكالية, في استعمال الخلوي, قال البعض في شأنها, رب ضارة نافعة. ورب نافعة ضارة. تتمثل الإشكالية في أن الإنسان لا يتبين الرقم الذي ينبغي أن يطلبه, فيطلب عشوائيا, أو يتلقى طلبا عشوائيا أيضا, وكثيرا ما تحدث محاسن الصدف, فيقع المرء في أنثى تشبعه كلاما لذيذا, أو في غلام, تجري ملاطفته, وكثيرا ما تنتهي المكالمة, بخطوبة, يتم الوصال بعدها إذا ما فرج الله بإعادة النور. ويتحدث الناس عن حادثة طريفة, حدثت قبل قليل, فقد ظل أحدهم يغازل امرأة, ويصعد معها في القول, إلى مراتب الفاحشة, وعندما حلا الأمر بالنسبة لصاحبنا, قالت له المرأة: أين كنت تخفي كل هذا الكلام الحلو, يا كلب ابن كلبة, أم كنت تقوله من ورائي للكلبة الفيلبينة؟ فما كان من صاحبنا إلا أن طلقها بالثلاث.
فيما يتعلق بالقوات الأمريكية, فلا شيء – كالعادة – يتسرب من أخبارها, إلا أن بعض الأصوات الخافتة, توجه لها إصبع الاتهام, مستندة إلى معلومات تقول إن الأمريكان, منزعجون من بياض القمصان التي يرتديها أبناء البلد, حيث أنه يحتمل أن تخطئ فيه رادارات الطائرات, فتظنه صواريخ أحضرها أتباع صدام حسين, أو جماعة القاعدة.
وعلى كل فالأمر الشاغل للناس أكثر, هو هل تظل قمصانهم البيضاء بيضاء إذا ما عاد النور للشمس.
ألا يوجد هناك ضحايا؟
بلى. ففي غمرة الهجوم على شارع الروسيات وعلوجهن, وقعت بعض صدامات واصطدامات أيضا, خلفت قتلى وجرحي, لا أحد عرف عددهم, أو كيف يواجه حالتهم. إن شاء الله يعود النور قبل أن تتعقد الحالة. إليكم الخط.
- وبالنسبة للطيران, حدثنا قليلا, هل كان كله في الأرض قبل أن تسودّ الشمس؟
لا. لم يكن كله على وجه الأرض, فهذا كما تعرفون, نادر الحدوث. لقد سمعنا وسمع شهود كثيرون, انفجارات قوية, حدثت في السماء, وفهم الجميع أن ذلك, مجرد اصطدام طائرات أمريكية, لم تتعود بعد على مثل هذا الجو.
المعلومات, من هذا الجانب شحيحة جدا, وكل ما هنالك, تكهنات, تلعب فيها السياسة, الدور الكبير.
عن الخلوي, ألم يستعمل الناس العمي, مثلما هو الشأن بالنسبة لإخوانهم العرب؟
تعلمون أن اليد العاملة, كلها هنا مستوردة, والعمي الأصيلون, يستوردون مبصرات, يقمن بشؤونهم, فلا حروف براي ولا غيرها, يضاف إلى ذلك استيراد العيون من كل مناطق آسيا, خاصة من بانقلاداش, والبلدان الإسلامية.
- سنعود إليك لاحقا, أما الآن, فقد تمكن مراسلنا من القاهرة, من إصلاح الخط.
- نعم. ومن أمام جامع الأزهر, أتحدث إليكم سيداتي سادتي, فقد قاد فريقنا كفيف, شغلناه للتو, وفي أرض الكنانة, هنا, أنشئت للتو, منظمة قومية, للعمي, انقسمت إلى قسمين, قسم يدعي العلمانية, أسمى نفسه, الطاهويون, نسبة إلى العالم الجليل المرحوم الدكتور طه حسين, صاحب حديث الأربعاء, والفتنة الكبرى, ورهين المحبسين وما إلى ذلك. وقسم, أطلق على نفسه, نعت الكشكيون, ولو أن تسمية هذا القسم, غير نهائية, حيث يدور نقاش حاد, في أروقة الأزهر هنا, حول التسمية, فهناك جماعة لا يستهان بها, تقترح, "الجلاليون", نسبة طبعا إلى الشطر الأول من اسم المرحوم جلال الدين كشك.
- وعن الجانب الحكومي, هل هناك رد فعل؟
نعم, فقد بادرت السلطة, إلى إعلان رصدها مبالغ مالية معتبرة, إلى منظمة العمي بشقيها, وقال البيان الذي وصلنا عن طريق الخلوي, إن مصر لن تحيد عن نهج السلام, وعن مبادئ كامب ديفد, واتفاقيات أوسلو, وخارطة الطريق, والخط الأخضر. واتفاقيات شرم الشيخ, وخطب بيل كلينطون, وبوش الأول وبوش الثاني وباول والسيدة المستشارة للأمن القومي.
- وماذا عن الجامعة العربية؟
- لقد تلفنا بواسطة مرشدنا الكفيف, أكثر من مرة, وفي كل مرة, يقال لنا, إن الأمين العام, لم يخرج بعد من الحمام. ومعلوم أن السيد الأمين العام كان من يومين في السودان, أما مساعدوه, فهواتفهم مشغولة, ويبدو أن الاتصالات جارية مع العواصم العربية, لتحديد الموقف من بوجنبورة. وطهران.
- بوجنبورة, وطهران تقول؟
- نعم, ويبدو أن الجامعة العربية, وطبعا, ومن ورائها بعض الدول, والسلطة المصرية بالذات, تميل إلى الرأي الصادر عن الساحر الإسرائيلي الكبير, الدكتور "ضرططوخ".
- وكيف عرفتم ذلك؟
- كما لا يخفى عن حضرات السادة والسيدات المشاهدين.
- المستمعين, على الأقل مؤقتا.
- المعذرة, عن هذه الهفوة. فكما لا يخفى عن حضراتكم. فإن الأمور, هنا باتت بين أيدي الطاهويين, والجلاليين, وخلويو هؤلاء لم تتوقف عن التشغيل, فكل شيء يتم بواسطة خط براي, كما هو معلوم, ولأحدهم بنت تشتغل هنالك.
سنعود إليك فيما بعد, فبين أيدينا, بيان صادر عن جميع الحكومات العربية. أوردته الوكالة الأمريكية للأخبار, يتعلق بالحالة, والغريب هو هذا التشابه الكبير في الموقف, وفي الصيغة, بل وحتى في المفردات التي احتواها هذا البيان.
سيداتي سادتي.
تتفق جميع الحكومات العربية باستثناء الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية, التي لها موقف آخر نأتي عليه فيما بعد, على أن الظاهرة, إرهابية, تقف وراءها جماعة القاعدة, ومن والاها من الأصوليين المستعملين للدين الإسلامي الحنيف الذي هو براء منهم.
يضيف البيان, أن الظاهرة فيزيائية, وليست فسيولوجية, وأن عدم إبصار مكونات النور في المادة لا يعني أن المواطنين أصيبوا بالعمى, ولربما الأمر كله يتعلق بحالة وهم, تسبب فيها سحر ساحر, كما جاء في تصريح العالم, ضرططوخ.
وإنه لا شيء يثني القيادة السياسة عن عزمها في بناء مجتمع متقدم مزدهر. وأنه طال الظلام أو قصر, لا بد من الضرب على يد المفسدين والمخربين بقوة وبدون رحمة أو هوادة.
وتضيف وكالة الأنباء الأمريكية, أن الحكومات العربية, تناشد العالم الحر وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية, بأن يسارع, فيقدم لها يد العون لإخراجها من محنتها, وهي الحكومات العربية, كل على حدة, تعلن أن بلدها منكوب, كما تعلن الحالة القصوى من فرض منع التحرك, وإطلاق الإشاعات, خاصة المتعلقة بالمسئولين والقادة السياسيين.
وقد خالفت ليبيا ما جاء في بيانات الحكومات العربية الذي أوجزته الوكالة الأمريكية, إذ اعتبرت, أن عودة السواد إلى الأرض بهذه الصفة, مؤشر على أن مشروع الوحدة الإفريقية, الذي أعلنه القائد, سيرى النور وسيتحقق, وعلى فكرة, تقول وكالة الأنباء الأمريكية, أن ليبيا عكس تونس, تعتبر الحالة كونية تشمل العالم كله, ولا تقتصر على العالم العربي وحده. وهي ليبيا تضيف وكالة الأنباء الأمريكية, إذ تدين بشدة الاستعمار والإمبريالية, تضع ثقتها التامة في الولايات المتحدة الأمريكية, وفي بوجنبورة التي استبعد القائد شخصيا ضلوعها في أي عمل عدواني دون استشارته هو. وتنصح إيران, بالاستماع إلى نصائح العالم الجليل, ضرططوخ, فتحذو حذو ليبيا, وتتخلص من توجهها النووي. وقد صرح القائد قائلا:
- طز في الأسلحة النووية, وفي من يسعى إليها, وحاشا من يمتلكها.
وركزت الوكالة على هذه الجملة الأخيرة. حتى أنها وضعتها عنوانا لبرقيتها.
سيداتي سادتي, حضرات المشاهدين الكرام. العفو. إنها زلة لسان, ليس إلا. حضرات المستمعين والمستمعات.
سنتصل الآن بمراسلينا في أوروبا وأمريكا, وبعدها نعود لنعرف أحوال بعض البلدان العربية التي لم نتمكن من الاتصال بها, مثل السودان واليمن والعراق, لسبب أو لآخر, ففي هذا الظلام الدامس. نعم الدامس, وأشدد على هذه العبارة, فهي الأبلغ بالنسبة للحالة.
- مراسلنا من واشنطن, عبد الرحيم فقراء, مساء الخير.
- صباح الخير بالأصح. فالوقت هنا غير الوقت عندكم.
- ماذا عندكم؟
- لقد أعلنت حالة الطوارئ القصوى. جميع المسئولين في مواقعهم, والفضاء الأمريكي, مغطى بمختلف الطائرات, والصواريخ الجوية والأرضية والبحرية, على أهبة الانطلاق, والأقمار الفضائية جميعها, منصبة على المنطقة العربية والإسلامية, فأمريكا, وعلى لسان رئيسها المؤمن جورج بوش الابن, وإن كانت تؤمن بعفاريت سيدنا سليمان, وتثق الثقة المطلقة في العلامة الإسرائيلي ضرططوخ, لا يقابلها في هذه اللحظات, إلا الإرهاب الإسلامي, وشخص بلادن بالذات, ولقد جاء على لسان مستشارة الأمن القومي, أن أمريكا لم تكن مخطئة، عندما غزت العراق, فهي تثق في المعلومات التي بين يديها عن أسلحة الدمار الشامل التي أعدها صدام حسين. من بين المعلومات الأخيرة, التي تواجدت في ليبيا والجزائر, أن صدام حسين استورد من شمال إفريقيا, كميات معتبرة من البلوط, خص بها عدة فيالق, من مليشيات حزب البعث العربي. وأوضحت التحليلات التي أجراها الخبراء, في أمريكا وفي إسرائيل, أن البلوط, إذا ما استهلك بكميات ووصفات معينة, ينتج عنه نوع من الغاز الملون, يدمر الحياة, بشكل واسع, وشامل, ويظهر أن مفعول البلوط, استعمله أنصار صدام, وجماعة القاعدة, بعد يأسهم من الانتصار على الحلفاء, وعلى الديموقراطية في العراق, وفي أفغانستان, وباكستان, ومصر.
وطمأنت مستشارة الأمن القومي المواطنين الأمريكيين على مصير أبنائهم في العراق والكويت وقطر والسعودية, قائلة إن الأوامر صدرت إليهم, بالانبطاح على بطونهم, والتزام الصمت, في جميع الأحوال, ومهما كان الأمر, وأن لا يتناولوا طعاما أو شرابا, حتى يتبين الأمر. كما طمأنت القادة العرب, ومن ورائهم الشعوب العربية, بأن الولايات المتحدة الأمريكية, ما تزال متعلقة بخارطة الطريق, وبمسار العملية السلمية, في الشرق الأوسط, وأنها ستطلعهم على نتائج التحليلات الجارية.
- عبد الرحيم فقراء, هل ظهرت صور الحالة في التلفازات الأمريكية, وكيف ظهرت؟
- نعم. شاهدنا كتلة ضخمة من السواد الجامد, وهذا الوصف جاء على لسان معلق السينان المختص, وبدت الكتلة في أبعادها الثلاثة, مرة, في شكل جلد بعير, ومرة في شكل شكوة أو قربة, ومرة في شكل حبة بلوط كبيرة. وما حير العلماء والسياسيين, والاستراتيجيين العسكريين, هو هذه الدقة في تحديد خارطة العالم العربي, وهذه الثقوب التي تظهر في إسرائيل وفي السودان وشمال العراق.
ولقد أعاد الصحفي صورا قديمة, عن حدود 48 بين العرب واليهود, فوجدها مطابقة تماما, لمسار الكتلة الغازية السوداء. عبارة الغازية, وردت على لسان الصحفي, الذي علق بعد المقارنة بين الخريطتين, بأن هذه الدقة, لا يمكن أن يتوصل إليها إلا علماء القاعدة, المنتشرون في أمريكا وأوروبا, وأستراليا أيضا. لقد أخذوا عنا التيكنولوجيا, ليستعملوها ضدنا, ولو أننا استمعنا إلى نصائح الاستراتيجيين الإسرائيليين, في الوقت المناسب, لتفادينا, كل هذه الأخطار.
- عبد الرحيم. هذا كلام, فهل هناك من إجراءات غير إجراء إعلان حالة الطوارئ ؟
- نعم. ولو أنها, هذه الإجراءات, تدخل كلها في إطار حالة الطوارئ.
- مثل ماذا؟
- تشمل حالة الطوارئ إغلاق الحدود الأمريكية, ضد كل عربي, أو قادم من المنطقة العربية, واعتبار المنطقة العربية والإسلامية, منطقة موبوءة يتوجب عزلها نهائيا, إلى أن تتأكد الوضعية الصحية في المنطقة, وما جاورها. وأيضا فرض إقامة جبرية مشددة على كل من هو من أصل عربي أو إسلامي, يعيش في أمريكا, وهناك إشارة غير واضحة, إلى إمكانية إقامة مراكز تجميع وحشد لهم, لإجراء التحقيقات والفحوصات الدقيقة والنهائية.
- نتركك الآن, فمراسلنا في أوروبا, في الانتظار.
- انتظر, قليلا, فقد جاء في الأخبار الآن, أن سعر البترول, بلغ الألف دولار للبرميل الواحد, وأن الحكومة الأمريكية, أعلنت أنها ستحمي الدولار من الانهيار الذي يتهدده.
السيد فقراء, ماذا عن الاتهامات التي يوجهها الشارع العربي لأمريكا, بأنها تجرب سلاحا استراتيجيا جديدا, ترسله بواسطة أقمارها الفضائية, وأن جنودها يضعون على أعينهم نظارات, تمكنهم, من الرؤية, وأن الهدف الأساسي لأمريكا وإسرائيل, هو إعادة ما حدث للهنود الحمر بأمريكا, لكن بشكل جذري, ومتحضر؟
- نعم. لقد أشارت المستشارة, إلى ما جاء في تقرير الدكتور حنزليقة, الوارد في النشرة الاستثنائية, لجريدة معاريف, وقالت بالحرف الواحد, بأنه تخريف عربي. وأشير هنا, إلى أن السيدة المستشارة, لم تعد تخفي استخفافها بالعرب, وعدوانيتها ضدهم, كلما ذكرتهم أو تعرضت لشؤونهم.
- مراسلنا عبد الرحيم. ماذا عن الرئيس ونوابه؟
- لا ننس أن الولايات المتحدة الأمريكية في حالة قصوى من الطوارئ, وفي مثل هذه الحالات, يكون رمز السيادة في مكان ووضع آمنين جدا جدا. الجميع يذكر أن الرئيس أثناء حادث 11 سبتمبر, كان متخفيا.
ننتقل الآن سيداتي سادتي, إلى مراسلينا في بلجيكا وألمانيا وباريس ورومة, وهذا مراسلنا ببروكسيل, إليك الخط. تفضل.
- ما أن عُلمت النكب
|