1. تفاحة
في أحد أيام هذا الشهر الكريم*، وبعد أن فرغ رينيه ديكارت مما كان يفعله**، جلس يكتب رداً على سؤال سخيف أرسله الفاتورة الجيسويتي بيير بوردان.
دخل ديكارت، بعد افتتاحية ساخنة، في صلب الموضوع مباشرة:
اقتباس:لنفترض أن لدى [بوردان] سلة ملآى بالتفاح، وأنه، لقلق ما انتابه من أن يكون بعض هذه التفاحات فاسداً، يريد إخراج التفاحات الفاسدة ليمنع انتشار العطن. كيف يمكنه الشروع في ذلك؟ أفلا يبدأ بسكب كل ما بالسلة؟ ألا تكون خطوته التالية أن يتفحص تفاحة بعد تفاحة، فينتقي ويعيد ما يراه سليماً منها إلى السلة، ويترك الأخريات [خارجها]؟
بنفس الطريقة فإن أولائك الذين لم يسبق لهم تدبُّر philosophise الأمور بشكل صائب يملكون في عقولهم العديد من الآراء التي أخذوا في تخزينها منذ الطفولة، وبالتالي يملكون الحق في اعتقاد أن العديد من هذه الآراء خاطئ. من أجل ذلك فإن يحاولون فصل المعتقدات الخاطئة عن [المعتقدات] الأخرى من أجل الحيلولة دون تلوث البقية وجعل جميع [المعتقدات] معدومة اليقين.
إن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي أن يرفضوا جميع معتقداتهم دفعة واحدة، معتبرين إياها كلها خاطئة ومعدومة اليقين. بعد هذا يمكنهم تناول كل معتقد في دوره ويعيدون تبنــِّي فقط تلك التي يميزون recognise أنها صحيحة وغير قابلة للشك.
— [1] The philosophical writings of descartes, vol. 2, "Seventh set of objections with replies"
الحاصل أنه لمـَّا أنهى ديكارت سحوره*** وأخذ يتأمل صنيعه، رأى أن هذه الفكرة تشكل نقطة انطلاق لبناء قاعدة تفكيره. لكن، وربما لقراءته المتكررة للمناضل دان براون، خطر له أن ماذا لو كانت هذه الافتراضات كلها مدسوسة عليه؟ ماذا لو أن هناك إلهاً مخادعاً، أو شيطاناً ما، مهمته أن يدس في عقله المعتقدات الخاطئة؟
حتى في هذه البارانويا المتطرفة من الشك فإن فكرة أنه ـ ديكارت ـ ’يُوجَد/موجود‘ ’exists‘ تظل حقيقة وصحيحة رغم كل شيء، حتى لو تم تطبيق فرضية الخداع أو الإقناع تلك؛ فـكيف يمكن أن يُخدع المرء ما لم يكن موجوداً ليُخدَع أصلاً؟
اقتباس:لكني أقنعت نفسي بأنه لا يوجد أي شيء في العالم. لا سماء، لا أرض، لا عقول، لا أجساد. ألا يعني ذلك أني أيضاً غير موجود؟ لا. لو أني أقنعت نفسي بشيء، أو حتى لو فكرت بأي شيء، فإني حتماً موجود. لكن هناك [كيان] مخادع يملك قوى وخبث عظيمين يتعمد خداعي باستمرار. [لكني] في تلك الحالة أيضاً أكون موجوداً بلا شك؛ فلو كان يخدعني ـ وليخدعني كما يشاء ـ فإنه لا يملك أن يثبت أني لا شيء طالما أني أفكر أني شيئاً ما. لذا، وبعد التفكير ملياً في كل شيء، يجب علي الاستنتاج أخيراً أن الفرضية ’أنا أكون، أنا أوجد/موجود‘ هي صحيحة بالضرورة في كل مرة أضعها أو يتم استحضارها في عقلي.
— Meditations on first philosophy, Meditation II.
من هنا أتى التأكيد: أنا أفكر، إذاً أن أوجد/موجود Cogito ergo sum. طالما أنا أشك في الوجود فإن ذلك دليل كافٍ على وجودي أنا.
علي هنا أن أقول أن الفاتورة المذكور كان أستاذي الأول في عالم الفلسفة قبل إحدى عشرة سنة، وأن مقاله في المنهج كان أول ما قرأت فيها، وأني أول ما بدأت أشب عن الطوق، وكأي ابن بار، قذفته من أقرب نافذة.
ديكارت يستخدم نسقاً منطقياً مريباً:
- أنا أفكر.
- 2. الشيء الذي يفكر يكون موجوداً exists.
- نتيجة: أنا موجود.
لو قررنا تحويل الصيفة كلها إلى كود برمجي، للرفاق المبرمجين، فإننا نحصل على هذه المفارقة:
PHP كود:
// في البدء نصنع كائناً
var TheFatura:Object = new Object();
// بالافتراض مع ديكارت أن كل شيء غير موجود في بداية رحلة الشك المطلق،
// نقوم بتعريف الوجود كبوليين ونعينه بأنه غير صحيح
TheFatura.exists:Boolean = false;
// بعد هذا نقول بأن الفاتورة يفكر
TheFatura.thinks:Boolean = true;
// الآن نقول أنه طالما الفاتورة يفكر إذاً هو موجود، ونضع لها دالة
function proof(TheFatura){ if(TheFatura.thinks==true){TheFatura.exists=true;} }
الإخوة الرفاق المبرمجون يكتمون ضحكاتهم الآن؛ فالجريمة التي ارتكبها ديكارت أنه حول الوجود من حالة state إلى خاصية property، وبالتالي فهو يفترض مسبقاً وجود الشيء/الكائن من أجل أن يحدد ما إن كانت هذه الخاصية صحيحة أم خاطئة!
لنقم بالأمر بالشكل الصحيح. في بداية الكود قمنا بصنع الكائن، وهذا يعني أننا أكسبناه الوجود مسبقاً. هذه المرة لن نصنع الكائن، وسنمرر الكود من دون السطر الأول.
PHP كود:
TheFatura.exists:Boolean = false;
TheFatura.thinks:Boolean = true;
function proof(TheFatura){ if(TheFatura.thinks==true){TheFatura.exists=true;} }
النتيجة الحتمية: خطأ في أننا قمنا بتعيين خاصية ’يوجد‘ ’exists‘ و’يفكر‘ ’thinks‘ لكائن غير موجود أصلاً! الأمر يشبه أن تسأل البرنامج ما إن كان الجيران يملكون قطاً أم لا، مع أنك لا تملك جيراناً.
ديكارت يتمادى في غيه أكثر، ويستخدم نفس النسق لإثبات وجود إله خيِّر benevolent god. في القسم الخامس من تأملاته تصل به البجاحة إلى حد لا يمكن تصديقه:
اقتباس:لكن لو أن مجرد حقيقة أنه بمقدوري الوصول بتفكيري إلى فكرة أن شيئاً ما يشمل كل ما أستوعب بوضوح أنه ينتمي إلى ذلك الشيء فعلاً، أفلا يكون ذلك أساساً ممكناً لحجة لإثبات وجود الإله؟ (...) وفهمي [لفكرة الإله، أو فكرة الوجود الكامل العظيم]، من حيث أن من طبيعته أنه موجود دوماً، هو فهم لا يقل وضوحاً وتمييزاً عن حين أقوم بإثبات أن صفة/خاصية ما تنتمي إلى طبيعة أي شكل أو رقم أستوعبه في داخلي.
— Meditations on first philosophy, Meditation V.
بعبارة أخرى يقول الفاتورة أنه طالما يفكر أن أي شيء يمتلك صفة ما تنتمي إلى طبيعته، فإن ذلك يعني بالضرورة أن ذلك الشيء يمتلك تلك الصفة حتماً(!) وطالما أني أفكر أن الوجود صفة ضرورية تحتويها طبيعة فكرة الإله فإن ذلك يعني أن الإله موجود(!!)
منتهى البلطجة الفكرية! للأمانة فإن أول من صاغ هذا المنطق المروِّع لم يكن ديكارت-تشان، بل أبو علي ابن سينا. في كتاب الشفاء يسبق ابن سينا المدارس الوجودية بالتمييز بين الوجود existence والماهية essence بشكل مختلف نوعاً؛ فالماهية لا يمكن أن تستحدث أو تنقل الوجود، كما أن الأشياء والأجسام لا تتفاعل مع بعضها البعض محدثة حركة الكون أو استمرارية الوجود من نفسها. بعبارة أخرى فإن الماهيات/الأجسام/الأشياء عبارة عن أوعية يقوم كيان ما بصب الوجود داخلها كي توجد to come to existence. هذا الكيان وظيفته إذاً أن يعطي أو يُكْسِب الماهيات/الأشياء وجودها، والأهم من ذلك أن يُكسِبها ذلك الوجود باستمرار، وإلا فإن وجودها ينعدم. هذا يعني بالضرورة أن ذلك الكيان يجب أن يكون أيضاً موجوداً وموجوداً باستمرار ليقوم بهذه المهمة.
هكذا فإن فكرة ابن سينا تلعب أيضاً على مبدأ السببية/العلية؛ فيفترض أن الكون عبارة عن سلسلة من الكائنات التي يمنح كل منها الوجود للكائنات الواقعة تحتها في السلسة. هنا يأتي ابن سينا بشيء يشبه ما جاء به الفاتورة أفلاطون من قبل، فقال أن فكرة اللانهاية غير منطقية، وبالتالي فلا بد من وجود كيان أعظم ’بسيط وأوحد‘ مكتفٍ ذاتياً ولا يحتاج لأن يكتسب وجوده من كيانات أخرى، وهو ما يعني أن الكيانات الأخرى تعتمد عليه في اكتساب واستمرارية وجودها، مما يجعل وجوده ـ وأبديته ـ هو نفسه ضرورة محققة(!)
أضع نموذجاً ثالثاً للتوضيح قبل أن أنتقل للنقطة التالية. هذه المرة من سانت آنسيلم أوف كانتربيري من القرن الحادي عشر، الذي بنى النسق الآتي:
- 1. الإله شيء لا يوجد ما هو أعظم منه.
- 2. يمكن للإله أن يكون موجوداً في التفكير [=أن يفكر فيه المرء.]
- 3. الوجود في العالم الحقيقي أعظم من الوجود في عالم التفكير.
- نتيجة: الإله موجود في العالم الحقيقي(!)
sigh
2. الوجود السابق على الوجود
لكن نقد هاته الفواتير ليس ما أريد الحديث عنه هنا، خاصة وقد قام الزملاء ورفاق الكفاح من سورين كيركيڠو وإيمانويل كانت، وكذلك داِيڤيد هيوم، بالواجب. ما أريده فقط هو أخذ إحدى أكثر الحجج شعبية في إثبات وجود الإله، ومن ثم تجريدها بشكل أكبر لتكون على النحو التالي:
- 1. الإله لا يوجد ما هو أعظم منه.
- 2. أرى أن الصفة/الخاصية ’س‘ عظيمة.
- نتيجة: الإله يملك الصفة/الخاصية ’س‘ حتماً.
’س‘ هنا يمكن أن تكون أي صفة/خاصية يمكن تخيلها وعدُّها عظيمة/كاملة
بشكل اعتباطي تماماً.
س تنتمي إلى {كلي المعرفة، قادر على كل شيء، يوجد في كل مكان، أبدي، أزلي، مطلع، سابق العلم، يتحكم في الطبيعة، يمكنه تبعيج الفيزياء [=صنع المعجزات]، عادل، خيِّر، ...}
هذه المجموعة من الصفات تشكِّل تقريباً الستاندارد للإله في الثقافات المختلفة. لو وضعنا كل هذا بشكل برمجي فإننا نحصل على الدالة التالية التي تعيد القيمة true في حالة انطبقت جميع الصفات المفترضة على الكيان الذي نفحصه.
PHP كود:
function f(x){
y = [\'omniscient\',\'omnipotent\',\'ubiquitous\',\'eternal\',\'uncreated\',\'provident\',...];
for(i=0;i<y.length;i++){
if(x[y[i]]==true){ continue; }
else { return false; }
}
return true;
}
لكننا لو حاولنا المقارنة بين الآلهة في الثقافات متعددة الآلهة بالذات، وجرَّبنا تطبيقها على هذا الستاندارد، فإننا سنجد عدة نماذج غريبة. أهورامازدا الفارسي كان يمثل النور والظلمة معاً، الشر والخير معاً، وبالتالي هو إله يتسامى على تصنيف الفلسفات الأخلاقية البشرية. آمينوميناكانوشي في الشينتوية، الإله الأول الذي ظهر في الكون، لم يكن يملك أية قدرات أو يفعل أي شيء، إلى أن ظهر تاكاميسوبي وكاميميسوبي اللذان صنعا ما بالكون [’ميسوبي‘ من ’موسوهي‘ هي قدرة تشبه البرق والمسؤولة عن فعل الخلق في الشينتوية.] كذلك هناك الآلهة الجمعية collective gods، مثل الأوليمب اليوناني والغرانيق العربية، حيث صفات الإله موزعة على عدد من الآلهة تشكل في مجموعها مفهوم فكرة كمال الإله.
هذا يعني أن ما يحكم المجموعة التي تنتمي إليها ’س‘ في الصيغ الرياضية آنفة الذكر هو المحتوى المعرفي لدى مجموعة أو وحدة بشرية. بعبارة أخرى فإننا لو قلنا أن:
’س‘ تنتمي إلى ’ص‘، حيث ’ص‘ هي صفات الإله، وعناصر ’ص‘ تتغير بعضها أو كلها من مجموعة أو وحدة بشرية لأخرى، فبالتالي ستكون صيغة الدالة:
PHP كود:
function f(x,y){
for(i=0;i<y.length;i++){
if(x[y[i]]==true){ continue; }
else { return false; }
}
return true;
}
بعبارة أخرى فإنه سيكون علينا تمرير متغير إضافي للدالة، ’y‘، يحمل جميع الصفات التي نريد التحقق منها، وفي حالة انطباقها جميعها على الكيان ’x‘ الذي نختبره تكون النتيجة true. أما لو لم تنطبق فتكون النتيجة false.
باختصار: لم تعد هناك قيمة ثابتة أو مجموعة ثابتة من العناصر والصفات/الخصائص التي يجب توافرها في الإله والتي نريد التحقق منها، وعلينا أن نعطي الدالة قائمة بهذه العناصر/الصفات/الخصائص ’قبل‘ أن تختبرها وفي كل مرة.
الاختلاف بين المنظومات العقائدية المختلفة فيما يخص هذه النقطة هو خصائص المجموعة ’ص‘؛ فالديانات التوحيدية، كـالديانات الإبراهيمية، ترفض الديانات الأخرى جميعها لأنها تعين قيماً ثابتة للمجموعة ’ص‘ تحمل عناصراً استبعادية. مثلاً، في الإسلام هناك عنصر ’لم يلد‘، ولهذا فعند اختبار آلهة من منظومات عقائدية الأخرى تكون نتيجة الاختبار هي false. زيوس اليوناني مثلاً أنجب أثينا. اليهودية تميز الإله بالاسم، وهو ما يضمن تماماً أن كل ما هو خلاف يهوه ليس إلهاً، وبالتالي فالمنظومة التي تؤلهه خاطئة بالتبعية.
المجموعة ’ص‘ لدى الإلحاد مثيرة للاهتمام؛ فعنصرها الوحيد هو ’لا يوجد‘ ’non-existent‘، وذلك لأنها تصدر الحكم سلباً على وجود الآلهة. المفارقة هنا أننا لو استخدمنا وجهة النظر هذه وحاولنا تمرير أي شيء وهمي في الدالة فستكون النتيجة ’true‘ دائماً لأنها تستوفي الشروط!

هذا يعيد للأذهان نقطة أسبقية افتراض وجود الإله على إثبات وجوده وكيف أنها مثيرة للمفارقة دوماً.
حسناً، عناصر المجموعة ’ص‘ تختلف من مجموعة أو وحدة بشرية لأخرى. لكن على أي أساس يتم صوغ هذه العناصر أو اختيارها؟
نعود لديكارت. يمضي الفاتورة المذكور في الخطوة التالية على إثبات وجود الذات، فيتناول فكرة الإله ووجوده.
اقتباس:طالما أني شيء يفكر، ولدي في داخلي [في عقلي] فكرة [عن] الإله، فإنه يجب الإقرار بأنه أياً كان السبب[/الشيء] الذي تنتمي إليه طبيعتي فإن ذلك السبب يجب أن يكون شيئاً يفكر بشكل مساوٍ لي، ويملك في داخله فكرة كل [الصفات] الكاملة التي أنسبها إلى الطبيعة الإلهية.
— Meditations on first philosophy, Meditation V.
منطق ديكارت الرئيسي هو أن ’اللاشيء يأتي من اللاشيء‘ (العدم ينبع من العدم)، وبالتالي فإن أي شيء يجب أن يأتي أو ينبع من شيء ما (عكس المبدأ السابق)، أي أن يكون نتيجة له. هذه هي السببية في صورتها الأساسية.
استناداً إلى السببية يقوم ديكارت-تشان بصوغ فكرته: إن الشيء الذي تسبب في مجيء أو حدوث شيء آخر يجب أن يملك على الأقل نفس صفات الشيء الناتج. هذا بدوره يقود إلى سلسلة تصنع النسق التالي:
- 1. أنا موجود.
- 2. أنا أملك في داخلي فكرة عن الإله.
- نتيجة: فكرتي عن الإله موجودة [راجع ما تم ذكره في البداية.]
- 1. فكرتي عن الإله موجودة.
- 2. كل شيء موجود يجب أن يكون له مسبب.
- نتيجة: يوجد مسبب لفكرتي عن الإله.
- 1. يوجد مسبب لفكرتي عن الإله.
- 2. الشيء الذي يسبب أو يُحدِث شيئاً أو أثراً يجب أن يملك على الأقل نفس صفات هذا الشيء أو الأثر.
- نتيجة: مسبب فكرتي عن الإله يجب أن يملك نفس صفات فكرتي عن الإله.
- 1. مسبب فكرتي عن الإله يجب أن يملك نفس صفات فكرتي عن الإله.
- 2. صفات فكرتي عن الإله تشمل الكمال.
- نتيجة: مسبب فكرتي عن الإله يجب أن يشمل ضمن صفاته على الكمال.
- 1. مسبب فكرتي عن الإله يجب أن يشمل ضمن صفاته على الكمال.
- 2. لا يوجد كيان يشمل ضمن صفاته على الكمال إلا الإله.
- نتيجة: مسبب فكرتي عن الإله يجب ألا يكون أي كيان إلا الإله.
- بالتالي: مسبب فكرتي عن الإله هو الإله.
- 1. مسبب فكرتي عن الإله هو الإله.
- 2. الشيء الذي يسبب أو يُحدِث شيئاً أو أثراً يجب أن يملك على الأقل نفس صفات هذا الشيء أو الأثر.
- 3. كل شيء موجود يجب أن يكون له مسبب.
- 4. فكرتي عن الإله من ضمن صفاتها الوجود.
- نتيجة: الإله موجود.
قد يبدو هذا النسق صلباً للوهلة الأولى، لكنه يحمل في طياته العديد من المشكلات، ليس أقلها افتراض وجود الفكرة قبل وجود الفكرة بالفعل، وهو ما استفضت في شرحه في القسم الأول من حديثي. لكن المشكلة الأكثر أهمية هنا مخبأة ببراعة.
بنظرة سريعة على الآلهة في المنظومات العقائدية والفكرية المختلفة فإن ما يطالعني دوماً هو صورة بشرية خارقة superhuman image لإله ’بشري‘ anthropomorphic deity. بل حتى في بعض الحالات، مثل المنظومات العقائدية التي تعبد الأسلاف كـالطوطمية، وحتى المسيحية، ينال البشر مكانة الإله في عملية تحول apotheosis.
هكذا فإن مفصل نسق ديكارت يقع في أول كلمة منه: ’أنا‘. أوَليس الذي فكر في فكرة عن الإله هو ديكارت نفسه؟ ألم يمنحه الوجود بمجرد أنه فكر فيه؟ لماذا كل الآلهة تملك صورة بشرية؟ لو طبقنا فكرة ديكارت عن أن الشيء يجب أن يملك صفات ما يسببه، ولو فرضنا أن الكيان الإلهي هو ما تسبب في الإنسان أو حتى أفكاره، أفلا يتسق حينها أن يكون الإله بدوره مالكاً لصفات البشر كلها على الأقل؟ بما في ذلك مواضع قصوره؟
لكن فكرة الكمال، على عدم تحققها في الإنسان، تظل حبيسة التصور البشري للإله حصراً، بالرغم من عدم منطقية ذلك وتهديمه الحتمي لأسس الإله الصانع/المسبب بالكامل.
أحتفظ بهذه النقطة على جانب لبعض الوقت ريثما أتناول القسم الثالث من طرحي.
3. الحرب على الأبدية
قبل اختراع التدوين عاش الإنسان عالماً من العمى التاريخياني. اللغة أداة قابلة للتطويع بشدة، بحيث أصبح استخدام المفردات أو المرادفات المتعارف عليها بين أفراد المجتمع هو المعنى التعريفي لمفهوم ’الصدق‘ أو ’الحقيقة‘. يظهر ذلك بشدة في عمليات التطور اللغوي الاجتماعي والتلطيف euphemism، التي جعلت في أحيان كثيرة من مفردات كانت تعني شيئاً مضاداً تماماً للمعنى المطلوب هي المستخدمة بشكل أكثر شيوعاً، وهو ما جعل الصدق نوعاً من ’الكذب القطيعي‘ gregarious lying، لو استعرنا تعبير نيتشيه. وباستمرار التطور أصبحت المفردة تستخدم بمعنى مفردة سابقة لها، مع زيادة القليل أو نقصانه أو حتى بقائه كما هو. في النهاية أصبحت هناك سلسلة لانهائية من المفردات/المرادفات تمتد رجوعاً لو حاولنا تتبعها فلن نصل لبدايتها، لانعدام المصادر قبل حقبة زمنية بعينها تختلف من مفردة لأخرى من جهة، ومحدودية الذاكرة البشرية مع تشوهات اللغة في النقل وتباين القدرة على السرد عبر العصور من جهة.
هذا ما أعطى للتراث الإنساني الشفهي طابعه المشوَّه كحالة من الطفو في تيار غير معروف البداية أو النهاية، ومن هذه الحالة البائسة تمكن الإنسان من استيعاب مفهومين شديدي التعقيد: الأزلية، والأبدية.
مع اختراع الكتابة والتدوين تم دعم قدرة التذكر البشرية بشكل غير مسبوق وشبه كامل حصل به الإنسان على نقطة بداية لتاريخه، وبالتالي أصبح في مقدوره أن يقارن مراحل مسيرته المختلفة قياساً إلى تلك النقطة المركزية. هذه النقطة المركزية كانت حكماً بالإعدام على أي كيان يأتي بعدها يمكن أن يدعي الأزلية. بهذا تمكن الإنسان من استيعاب مفهوم الزمن/التاريخ ومقارنة التقدم في مسيرته اعتماداً عليه.
مع التقدم العلمي في الكوزمولوجيا، الجيولوجيا، علوم النبات والحيوان، وكذلك الفيزياء الكونية، تمكن الإنسان من الدفع بنقطة الارتكاز الزمنية تلك لتصل الآن، طبقاً لمسبار
WMAP، إلى 13.73 بليون سنة، مع هامش خطأ 120 مليون سنة. مع كل يوم إضافي يتم دفع نقطة الارتكاز الزمنية إلى الوراء يتم القضاء على كيان أزلي جديد. وبالمثل، مع اختراع التاريخ، أصبح بالإمكان تسجيل لحظات نشوء وانتهاء الظواهر والكيانات المختلفة، وبالتالي يتم القضاء على كيان أبدي مع كل يوم إضافي تمضيه البشرية.****
التاريخ هو أقوى سلاح توصل إليه الإنسان، وهو ما منحه القدرة على التعلم من الماضي والسيطرة على الحاضر وبالتالي بناء حضارته بشكل يزداد اضطراده إلى حد جعل حجم وسرعة إنجازات كل قرن تفوق تلك الخاصة بإنجازات عدة قرون سابقة مجتمعة.
بشكل حتمي باتت الأديان التقليدية الحالية القائمة على الجغرافيا والسرد القَصَصي/التاريخي في وضع لا تحسد عليه؛ فبقدرة الإنسان على قراءة الماضي من خلال المستحاثات وفروع العلوم الآنفة وغيرها، أصبح من الممكن جداً الحكم على صحة ما أوردته الكتب المقدسة لتلك الأديان، ولو ثبت خطأ أي منها فعلى الأقل ستفقد الكثير من المصداقية لدى عدد ليس بالهين من الناس. نفس الشيء ينطبق على المحتوى العلمي والمعرفي لتلك الكتب، وهو ما استثار دوماً تيارات التوفيق بين العلوم والنصوص الدينية والإعجاز العلمي في تلك الأخيرة، خاصة في المسيحية والإسلام.
أشبك الآن الأقسام السابقة معاً لأنتقل إلى القسم الأخير.
4. صورة الإله
ما لم يقم ديكارت بالاعتراف به هو أنه هو نفسه من امتلك فكرة عن الإله، وبالتالي فهو نفسه مصدر هذه الفكرة، وهذا هو السبب وراء الصورة البشرية الغالبة على الآلهة في صفاتها وأشكالها ومنطقها.
لكن كيف يمكن لكائن ناقص أن يملك الكمال؟ كيف يمكن لمن لا يملك شيئاً أو يَخبَره أن يملك وعياً عنه ما لم تدسه جهة خارجية في عقله؟ ببساطة شديدة: الكمال والنقصان ليسا شيئين مختلفين. الكمال هو المرحلة المطوَّرة optimised phase كمًّا وكيفاً للنقصان—تعبير عن قلق الإنسان من المستقبل، مخاوفه من الحاضر، وضياعه في فوضى الأزل والأبد قبل امتلاكه لزمام التاريخ، فيقوم بصنع صورة لما يمكن أن يكون عليه لو تغلب على هذه المخاوف والمشكلات الحاضرة وتمكن من الحصول على قاعدة راسخة لمسيرته، ويضع الصورة نصب عينيه على أمل الوصول إليها أو لمجرد المؤانسة.
هذه العناصر والأوجه جميعاً تختلف من شخص لآخر، لكن يتم توحيدها في التجمعات والوحدات البشرية، فتكون صفات الإله رمز القبيلة ـ مثلاً ـ مجموع الصفات الكاملة التي يملكها الأشخاص ذوي النفوذ في القبيلة المعنية. هكذا لا نجد حنان الإلهة نويت الفرعونية في الإله يهوه اليهودي مثلاً، وكذلك نجد أن أغلبية الآلهة من الذكور كانعكاس لهرمية الأدوار الاجتماعية social roles.
يمكن استخدام نظريات السلوك الجمعي وبنائية المجتمع لفهم هذا النموذج بشكل أفضل. هناك ثلاث نظريات أساسية هنا:
- 1. العدوى: يملك الحشد crowd تأثيراً على أفراده من شأنه أن يتخلوا عن مسؤولياتهم الشخصية ويستسلموا للكيان الجمعي لهذا الحشد. هكذا يتحول الأفراد من كيانات منفصلة إلى كيان جمعي واحد يملك ميولاً ومشاعراً موحَّدة.
- 2. التقارب: الأفراد الذين يملكون صفات متشابهة أو يريدون التصرف بشكل معين يميلون إلى أن يجتمعوا سوية ليكونوا حشداً. في ظل هذا الحشد يمكن للأفراد التصرف بشكل ما كان لهم التصرف به لو كانوا مجرد أفراداً نظراً لطبيعة الحشد التي تبدد المسؤولية الفردية.
- 3. الأعراف النابعة: يأخذ الحشد شكله في البداية ككيان جمعي مكون من أفراد تختلف مصالحهم وأهدافهم، بشكل خاص في حالة الحشود الاحتجاجية، مما يجعل الأعراف في حالة ضبابية ومتغيرة. هكذا يمكن لشخص أن يحطم الممتلكات العامة فيجد أن الناس تتبعه في ذلك؛ بمعنى أن الحشود تعمل على وضع قوانينها وأعرافها الخاصة خلال مسيرتها، بصرف النظر عن الأعراف والقوانين السابقة عليها.
الوعاء الذي تصب فيه الأفكار والمعتقدات لدى مجموعة بعينها يشكل في النهاية منظومة من المفاهيم والأفكار في صيغتها النهائية؛ بمعنى أن الناتج لا يكون عبارة عن مقدمات ونتائج، بل نتائج فحسب، وفي معظم الوقت مستعصية على المعرفة الوصفية descriptive knowledge. أو باختصار: اللاوعي الجمعي collective unconscious.
تحدث كارل يونڠ عن اللاوعي الجمعي، كتطوير للاوعي الفردي عند سيڠموند فرويد، كتراكم لجميع الأفكار والمعتقدات السابقة، وكذلك وعاء لجميع النماذج البدائية archetypes في إطار يتسع ليشمل الإنسانية كلها. هذا التراكم هو ما يشكل المبادئ المعرفية في صورها الأولية لجميع عناصر ذلك الإطار، والتي تنتقل إليهم من خلال عملية تلقين من دون مساءلة— تشرُّب indoctrination للأفكار والمواقف والاستراتيجيات المعرفية من خبرات سابقة [للآباء والرموز الأبوية paternal figures] والاحتكاك بالمجتمع الذي يساهم بدوره في هذه العملية (يجب عدم نسيان أن الأغلبية المطلقة في المجتمع تشترك في اللاوعي الجمعي الذي يؤسس حضارتها المشتركة، وبالتالي فكل عنصر في إطار هذا المجتمع عبارة عن نسخة/تنويعة من العناصر الأخرى، مما يجعل مسؤولية التلقين في عملية التشرُّب قابلة للنقل لأي من تلك العناصر، فلا يكون هناك فارق كبير بين المربية والمعلِّمة والأم والأب. بعبارة أخرى فإن التشرُّب عملية مستمرة لا تنتهي أو ينحسر تأثيرها إلا بمقاومة الفرد لها من خلال ترسيم العلاقات بين النماذج البدائية في إطار عملية التميز individuation، تنشئة الوعي النقدي، والتعرض لثقافات مغايرة.)
في الأحلام، كعالم للاوعي وتجسد لتفاعل النماذج البدائية، يتم تقديم المعلومات والمعارف والشعور في صور ورموز مرئية، وليس في شكل تحليلي أو خطابي، وهو ما يمنح تلميحاً لا بأس به عن لغة التواصل على مستوى اللاوعي، وبالتالي يسلط المزيد من الضوء على نشأة الآلهة البشرية anthropomorphic gods، وكذلك حاجة الإنسان إليها، ولو مرحلياً.
ــ
* لا يوجد أي دليل علمي أو تاريخي يؤكد أن ديكارت كتب رده في رمضان.
** لا يوجد أي دليل علمي أو تاريخي يثبت ما كان ديكارت يفعله حين كتب رده.
*** لا يوجد أي دليل علمي أو تاريخي يثبت أن ديكارت تسحر قبل كتابة رده.
**** الكثير من الطوائف والمنظومات العقائدية القائمة على نهاية العالم أثبتت فشلها بمجيء التاريخ الموعود. مثلاً، يسجل رودولفوس غلابير حالة الهلع التي انتابت أوروبا في نهاية الألفية الأولى لاعتقادهم أن نهاية العالم أوشكت. هذه الأيام هناك الهوس بالسنة 2012، باعتبارها نهاية دورة التقويم الطويل، وهو تقويم غير متكرر كان مستخدماً في حضارات أمِريكا الوسطى كالمايا.