هل سبق وحضرت معرضاً للرسوم التشكيلية؟!
... أنا فعلت ذلك حين وصلت مبكرا برفقة أحد المسؤولين إلى معرض تشكيلي في المدينة المنورة . ورغم أن الفنان استقبلنا بنفسه إلا أنه خشي ترك موقعه على باب المعرض قبل وصول الضيف الكبير.. وهكذا نادى أحد أصدقائه الفنانين ليتولى لنا شرح اللوحات، وسلمه ورقة تلخص فكرة اللوحات بالترتيب.. غير أن هذا الصديق ارتكب خطأ فادحا حيث بدأ الشرح من الاتجاه المعاكس (من نهاية اللوحات لأولها).. وهكذا استمعنا إلى قراءات معاكسة حتى إذا ما انتهينا إلى آخر لوحة في المعرض وكانت الأولى في الأصل شاهدنا الفنان يبدأ بها للضيف الكبير ... أحد الخبثاء همس خلفي : (يارجال ما فرقت معانا)!!
ومقلب كهذا يثبت عجزي وعجز البسطاء أمثالي عن استيعاب كل ما يدخل تحت تعريف الفن التشكيلي .. فالفن التشكيلي أيها السادة مدرسة فنية تسمح بإعادة "تشكيل الواقع" بحسب رؤية الفنان له، وبناء عليه يمكن القول إنه "حمال أوجه"، يمكن لأي إنسان الإفتاء بخصوصه ولا يمكن لغير صاحبه فهم دوافعه أو فك غموضه...
ومن مقالب الفن التشكيلي ماحدث عام 1987 حين تدفق مواطنو فرانكفورت لحضور معرض تشكيلي لفنان ياباني يدعى يامازاكي. وقد وصف الفنان بأنه "اكتشاف الموسم" وأنه يتمتع بنورانية الألوان واختراق الأبعاد وتلقائية الريشة (...وخذ من هالتعابير الكرتونية) .. وخلال ثلاث ساعات فقط بيعت أكثر من اثنتين وعشرين لوحة بأرقام خيالية. وبعد طول انتظار أطل على الحضور الفنان المنتظر الذي لم يكن غير قرد دُرب على "رش" الألوان والشخبطة بالفرشاة، وكان مقلباً من تدبير المعارضين للفن التشكيلي !!
ورغم احترامي لعبقرية بيكاسو وشافان وروزيني وهنري ماتيس، إلا أن الفن التشكيلي -في أحسن الأحوال- قد لا يكون أكثر من دفق تعبيري شخصي وذاتي، وربما مؤقت قد ينساه صاحبه لاحقا.. وليس أدل على هذا من القصة التي حدثت عام 1960 حين أعلن متحف الفن الحديث في نيويورك أن "لوحة الموسم" ستكون رسماً تشكيليا للفنان الكبير هنري ماتيس بعنوان الباخرة . وبعد أن افتتح الفنان المعرض بنفسه -لاحظ بنفسه- وبعد ستة وأربعين الف زائر وناقد ، اكتشف المنظمون أن اللوحة كانت معلقة رأساً على عقب!!
وشبيها لهذه قصة سمعتها من خالد القشطينى (الكاتب في الشرق الأوسط) حول فنان عراقي رسم سبع لوحات "كلها شخبطات وتلطيخات" استوحاها من المعلقات السبع، وسمى كل لوحة باسم أحد شعراء المعلقات. وبالواسطة تمكن من إقناع الحكومة العراقية بشراء هذه اللوحات لتعليقها في المتحف القومي للفنون . غير أن اللوحات اختلطت ببعضها أثناء تحميلها للمتحف فلم يعد بالامكان تمييز لوحة امرئ القيس من طرفة بن العبد .. حتى الفنان نفسه عجز عن المساعدة فتم سجنه !!
... الخدعة فيما يسمى بالفن التشكيلي أنه (باستثناء المدرسة الواقعية) عمل بلا ضوابط ولا إيقاع ولا روح ولاهدف .. شيء لاتستسيغه ولاتستطيع الحكم عليه، ومع ذلك تضطر لتملقه لمسايرة التيار وعدم الاتهام بالرجعية .. بل يمكن القول إن من أكبر عيوب الفنون التشكيلية والحداثية أنها مفتوحة لكل فاشل ومازح وهاوٍ، فكل من لايستطيع الرسم خرج ببعض الخربشات ودعاها فن تجريدي أو رمزي أو تأثيري .. وكل من لايملك موهبة الشعر رص بعض الكلمات ودعاها شعر حديث أو كلمات "لها إيقاع" .. وكل من عجز عن نظم الموسيقى خلط بعض الأصوات المزعجة ودعاها موسيقى شبابية أو فيديو كليب.. وقس على هذا كثيييير!!
.. ومتفننون من هذا النوع هم في نظري أحد ثلاثة :
إما أنهم فوق مستوى البشر بحيث عجزوا عن إيصال رسالتهم للعامة...
أو أنهم عباقرة سبقوا زمنهم (وبالتالي أقدم اعتذاري لهم سلفا)..
أو أنهم ببساطة فاشلون لم يجدوا غير الشخبطة بديلا والغموض سبيلا …
... وحتى يثبت لنا أحد هذه الثلاثة ، إليكم نكتة تختصر أهم دوافع الفن التشكيلي وطبيعة العلاقة بين أصحابه:
إذ يُحكى أن عاطلين عن العمل جلسا ذات يوم يندبان حظهما فقال الأول للثاني:
إيش رأيك نشتغل فنانين؟
فرد عليه : وأي نوع من الفن تقترح..
قال: أنت فنان تشكيلي وأنا فنان أشكيلك !!
http://www.alriyadh.com/2010/04/01/article512173.html