{myadvertisements[zone_1]}
 
تقييم الموضوع:
  • 0 صوت - 0 بمعدل
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
من مذكرات الجيل والحمير : بائع اليانصيب
أبو إبراهيم غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات: 3,725
الانضمام: Mar 2004
مشاركة: #1
من مذكرات الجيل والحمير : بائع اليانصيب
هذه هي الثورات. تبدأ وتنتهي، وتنقلنا من عالم إلى آخر عبر حرب من الكلمات والتناقضات، وعبر جيش من التضحيات في سبيل هدف سامٍ أو حتى في سبيل لا شيئ.
بعضنا قد يعيشها عن قرب، وبعضنا قد تمر بعيداً عنه وعن حياته ولا يسمع عنها إلا في الأخبار. لكنها في النهاية تقلب حياة الجميع، نحو الأفضل بشكل عام، ونحو الأسوأ بعض الأوقات.

للأسف الحمار هذه المرة هو أنا. والقصة التي سأسردها وإن احتوت حلاوة وفكاهة بعض الشي، فإنها لا تعني أنني لا أحس مرارتها في فمي وقلبي.

صديقي سمعان رجل نادر أن تقابل مثله في حياتك العادية. منذ طفولتنا، عندما كنا نجري ببلاهة في الشوارع والأزقة كان سمعان بسنواته العشر يقف إلى جانب الطريق ليبيعنا علب وبالونات الحظ مصاحبين بالبسكويت والشوكولا والعلكة.

كان شكل البالون الكبير المعلق بين بقية البالونات مغرياً لمعظم الأطفال كي يجربوا حظهم ويشتروا منه "السحبة". ولم نكن الخسارة وحصول الأطفال على البالونات الصغيرة لتحبطهم وتثنيهم عن شراء السحبة في اليوم التالي.

إعجابي الطفولي بهذا الشخص وفضولي الغريزي الذي كان وابلاً علي في كثير من الأحيان جعلاني أقف مراراً أمام "بسطته" وأتبادل الحديث معه في كل مرة. وتطورت علاقتنا فصرنا أصدقاء بعدما أصبحت أجلب له الزبائن مقابل البسكويت والعلكة. كانت مهمتي سهلة : أدعي أنني كسبت نقوداً من علب الحظ التي يبيعها وهكذا يشتري الأطفال العلب التي غالباً ما تعطي جندياً أو حيواناً مصنوعين من البلاستيك، أو ألوح ببالون كبير أدعي أنني كسبته من بسطته ويقبل الأطفال على السحبة التي لا تعطي بالوناً أكبر من كف أيديهم.

ذات يوم، نظر إلي سمعان وهو يبتسم وقال لي : لقد أصبحت الآن من أصدقائي المقربين وسأصارحك ببعض من الحقيقة. لا يوجد أي علبة تحتوي على أي نقود، بل كل العلب تحتوي ألعاباً بلاستيكية، ولكنني أفتح علبة من وقت إلى آخر وأضع فيها ليرة كي أشجع الأطفال على اللعب. أما البالونات، فحال شرائي المجموعة، أسحب رقماً لا على التعيين، فإن خرج لي بالون صغير أزلته ووضعت مكانه الكبير. وبهذا لا أحد يربح البالون الكبير، ويبقى حتى أبيع كل الأرقام والبالونات. ومد يده إلى البسطة وأزال البالون الكبير وأهداني إياه.

كبرنا وكبر كل شيئ معنا. وبقي ابن حارتنا سمعان يتاجر ويعمل بجد ومثابرة حتى وصل إلى منصب مدير اليانصيب الوطني. كنت دائم الخروج معه في السهرات والمطاعم. وكنت دائم الغبطة له لمصاحبته المسؤولين ورجال الأعمال في موائد العشاء و الحفلات الخاصة. لم يكن وضعي المادي بسوية وضعه، ولم أكن بعيادة طب الأسنان التي أعمل فيها بقادر على مجاراته في المصروف أو العلاقات مع الناس. نظر إلي مرة، فرأيت في وجهه تلك الابتسامة التي عهدتها منذ سنواتنا العشر، وقال : أتريد أن تكسب الجائزة الكبرى في اليانصيب ؟ صدمني سؤاله، وأجبت على الفور: هل تستطيع أن تجعلني أربح. قال : نعم، اشتر بطاقة يانصيب اليوم وأعطني الرقم قبل السحب. وفعلاً، كم كانت فرحتي عارمة والصدمة كبيرة عندما رأيت دواليب الحظ على التلفزة تتوقف عند الرقم الذي سحبته، لأكسب عشرة ملايين بكل بساطة !!
اتصل بي على الفور وقال لي : مبروك.... لازم تحلينا.
قلت له : أحلى حلوان.

دعوته في اليوم التالي إلى أفضل مطعم في البلد. وبين حديث وآخر قال لي : أنت من خاصتي الآن، وتستحق أن تعرف الحقيقة. ثم أردف قائلاً : بكل بساطة، نحن نضع الدواليب من البداية على الرقم المطلوب، ونصورها أثناء دورانها، ومن ثم نعكس شريط الفيديو الذي سنعرضه على الشاشة. وهكذا يربح معظم أولاد المسؤولين وكبار التجار الجائزة، كل حسب رضا الحكومة عنه. ونترك من حين لآخر فقيراً يربح كيلا تنكشف اللعبة.

فاجأني بكلامه، وعرفت أنني تورطت في لعبة أكبر مني. ولكن الملايين العشر التي أصبحت في جيبي لم تعد لتخرج منه بسهولة. فصمتت وأنا أتبسم وأخطط لما سأشتريه بالملايين العشر.

بعد اندلاع الثورة اتصل سمعان بي، وقال : نحتاجك في التلفزة هذه الأيام. أدركت أن ساعة رد الدين قد حانت، ومضيت إلى مقر التلفزة حيث لاقاني، ودخلنا سوية. وقابلت هناك أحد ضباط الأمن الذي طلب مني أن أخرج على شاشة التلفاز لأفند حجج الثوريين والمعارضة. لم أكن ذا باع طويل في السياسة، ولكنني فهمت لاحقاً أن سمعان كان يريد التخلص من هذه الورطة فألبسني إياها ببراعة.

صارت مهمتي اليومية هو أن أظهر على شاشات التلفزة الرسمية، وألقي بيانات يمررها إلي سمعان أو ضابط الأمن لأقوم بالتدريب عليها قبل تصويرها.
كنت مجبراً على إجراء لقاءات أقص فيها قصصاً ما أنزل الله بها من سلطان: اتهمت معارضاً باللوطية، ومعارضة بالعمالة لإسرائيل، وحملت كيساً كنت قد ملأته طحيناً من المطبخ لأتهم المتظاهرين بتعاطي المخدرات. كنت أحس بأنني أتورط رويداً رويداً في الكذب.

أعرف أنني لم أعد أستطيع أن أتراجع عما أفعل. وأعرف أنني سأكون أول من تقتص منه الثورة حين تنتصر.
ذهبت البارحة لأرى سمعان وأنا مضطرب، وأخبرته بأن الأكاذيب التي أقولها لا تنطلي على أحد. رد علي وهو يتبسم كعادته: أنت تعرف منذ كسبت باليانصيب بل من أيام البالونات أن ما نراه أنا وأنت كأكاذيب يراه الباقي كحقيقة.
جررت ذيول خيبتي، وتمنيت لو أنني لم أتعرف عليه يوماً.

http://www.facebook.com/notes/%D9%85%D9%...0580872865
11-25-2011, 09:48 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة…
الموضوع الكاتب الردود المشاهدات آخر رد
  مذكرات مثقف جدا! forat 7 1,313 04-13-2012, 02:52 PM
آخر رد: نظام الملك
  من مذكرات الجيل والحمير : مؤتمر المغتربين. أبو إبراهيم 6 1,574 10-20-2011, 11:25 AM
آخر رد: أبو إبراهيم
  من مذكرات الجيل والحمير : يوميات مستر سميث.... أبو إبراهيم 8 2,092 10-06-2011, 04:38 AM
آخر رد: نظام الملك
  من مذكرات الجيل والحمير : سفاح المدينة الجامعية أبو إبراهيم 6 1,745 04-01-2011, 10:21 AM
آخر رد: أبو إبراهيم
  مذكرات دينية the special one 8 2,249 12-03-2008, 10:54 PM
آخر رد: الحر

الانتقال السريع للمنتدى:


يتصفح هذا الموضوع من الأعضاء الان: بالاضافة الى ( 1 ) زائر
{myadvertisements[zone_2]}
إتصل بنا | نادي الفكر العربي | العودة للأعلى | | الوضع البسيط (الأرشيف) | خلاصات التغذية RSS