{myadvertisements[zone_1]}
 
تقييم الموضوع:
  • 0 صوت - 0 بمعدل
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
فلسفة اللاسلطوية وثقافة الثورة
الحوت الأبيض غير متصل
Party Pooper
*****

المشاركات: 2,292
الانضمام: Jun 2010
مشاركة: #1
فلسفة اللاسلطوية وثقافة الثورة
في المدة الأخيرة جذبتني النظريات اللاسلطوية، لست (ولا أظنني سأصبح يوما) لاسلطويا. اليوم قرأت المقال التالي في موقع جدلية، وبعد قراءته تذكرت مقالا قرأته في جريدة الأخبار أثناء (أو ربما بعيد) ثورة ٢٥ يناير تعرض لمسألة "لاسلطوية الثورة"... سأنشر هذا المقال وبعدها سأنشر المقال القديم (إن وجدته).

فلسفة اللاسلطوية وثقافة الثورة

Nov 25 2011

by Mohammed Bamyeh


الثورات الناجحة في التاريخ هي الثورات التي تغير الانسان وليس فقط انظمة الحكم. والثورات التنويريّة يمكن أن تُسمّى كذلك لأنها لا تُطيح بنظام حكم بقدر ما تُطيح بعقلية وثقافة سلطويّة مُنتشرة في المجتمع. ومن هذا المنظور يمكن القول بان النتائج الثقافية للثورات العربية الحالية لا يمكن رؤيتها بوضوح إذا ركّزنا أنظارنا فقط على الحراك السياسي في مرحلة الثورة وما بعدها، وهو حراك تمثله بشكل أساسي الديناميكيات الحزبيّه والعقليّات الدستوريّة. امّا إنجازات الثورة في ثقافة المجتمع فلا يمكن رؤيتها بوضوح إلا بعد سنوات عديدة من الثورة، وذلك لأن الثقافة تتغيّر بأساليب تختلف عن أساليب تغيير السياسات والأنظمة، و لأن التغيير الثقافي هو في نهاية المطاف تغيير لعقل ولرؤية للعالم، وليس فقط لأساليب حكم الدولة أو تقنييّات أدارة المجتمع.

ثورات الربيع العربي قد تبدو لنا كحركات سياسية هائلة، ولكنّها لم تبرز من حركات سياسية منظّمة ولم تفتح هذه الثورات المجال لقيادة أو لتنظيم أو لحزب أو حتّى لرمز ثوري ليُمثّل أو يقود الثورة بأكملها. فقد إعتمدت هذه الثورات بشكل أساسي على الحس العفوي كمصدر أساسي لنظرية الثورة وعلى خفّة الحركة كاسلوب أساسي لممارسة الثورة. من هنا يمكن القول بأن الثورات العربية أستلهمت نظرية وأسلوب الثورة من مصدر قريب منها ألا وهو الثقافة الشعبية العامة. على العموم ليس هناك دلائل على أن الكثير من الثوار كان لهم إطّلاع عميق قبل الثورة على النظريات الليبرالية مثلاً أو الفكر الماركسي أو اللاسلطوي أو ما يُعرف عادةً بالأناركية ويُترجم خطأ كفوضوية (أو حتى الإسلامي بشكله السياسي.)

ورغم ذلك أبرزت الثورات العربية أفكاراً وممارسات هي من صميم الليبرالية من ناحية واللاسلطوية من ناحية اُخرى، وكأنها كانت على معرفة عميقة ومباشرة وعفوية بأهم تيّارات الفلسفة السياسية الحديثة. السؤال إذن: من أين أتت هذة المعرفة الثورية الجاهزة؟ وإذا كان الجواب هو أنّها أتت من ثقافة شعبية موجودة وليس من مشروع سابق للثورة لأدلجة الجماهير بشكل أو بأخر، فكيف نُفسّر إذن أن هذه الثقافة نفسها لم تُنتج مثل هذه الثورات من قبل، بل كيف أن الثقافة الشعبية نفسها بدت في مرحلة ما قبل الثورة وكأنها عماد الديكتاتورية والسلطوية في الدولة والمجتمع؟

أود أن اركز في هذه المداخلة على جوانب اللاسلطوية في ثقافة الثورة وذلك لأن هذه الجوانب يتم في العادة تجاهلها في مرحلة ما بعد الثورة حين يتعلّق السؤال بطبيعة السلطة الآتية. حينئذ يستمر الفكر اللاسلطوي في الحياة كما كان دائماً خارج السلطة السياسية وكمصدر للتكوين التاريخي للمجتمع المدني ولأعطاْئه نوعاً من الأستقلالية عن الدولة. وللتدليل على مركزية الاتجاهات اللاسلطوية في الثقافة العامة أود أن أذكر مثالاً بسيطاً ولكن شديد الأهمية من الناحية التاريخية ألا وهو الفرق الذي كان حتى فترة وجيزة واضحاً، كما نعرف من الأعمال التاريخية للدكتور طريف الخالدي، بين "السياسة" كعلم للسلطة و"الشريعة" كعلم للحياة العامة يتكون من خصائص لاسلطوية قد تبدو الآن شبة منسيّة. حيث أن "السياسة" قد برزت تاريخياً، وبالتحديد إبتداءاً من القرن الثالث للهجرة، كعلم لأدارة الدولة، وكان هذا العلم منذ البداية مُميزاً بشكل واضح عن الشريعة، والتي لهذا السبب يمكن النظر إليها كعلم مستقل لأدارة الحياة اليومية، مشتملةً على المعاملات والعبادات. والفرق بين مجالي السياسة والشريعة كان واضحاً حتى بروز الدولة الحديثة في العالم العربي، إذ كان علم السياسة يُمثّل الأهتمامات السلطوية للحكام بينما كان علم الشريعة يُمثّل ديناميكيات لاسلطوية ولم تكن قادرة على السيطرة على بعضها البعض في مجتمع متغاير. وهذه الحقيقة تبدوا أكثر وضوحاً أذا أخذنا بعين الأعتبار ثلاث خصائص تاريخية للشريعة والتي جعلت من الشريعة تعبيراً شبة مثالي عن الثقافة اللاسلطوية. هذه الخصائص هي أولاً القبول بتعددية مذاهب الشريعة وليس الأصرار على وحدتها، وثانياً القبول بامكانية وجود التناقضات ضمن الشريعة كما هو واضح من إمكانية وجود فتاوي متناقضة بين طبقة العلماء في ذات الزمان وعلى أعلى المستويات، وبدون أن يُشكّل هذا التناقض سبباً لحرب ضروس، وثالثاً بلورة الشريعة تاريخياً ليس من طرف مشرّعي الدولة ولكن من طبقة قريبة للشارع وهي طبقة العلماء والذين دائماً اعتبروا، كما يُذكّرنا شاه ولي الله، أن المجتمع هو مسؤلييتهم المباشرة. كلّ هذه الخصائص تُميز الشريعة تاريخياً كمشروع لاسلطوي عظيم لأنه كان مبنياً على فرضية ضرورة إنشاء ثقافة شعبية علمية ومقبولة بشكل طوعي ومتغاير وبدون فرض سلطوي من قبل الدولة، والتي كان همّها الأساسي بأي حال تطوير علوم الحكم والأدارة وهي علوم لم يكن لها أي علاقة بالشريعة. فكما نعلم أن القوانين الأدارية التي سنّها السلطان محمد الفاتح أو سليمان، مثلاً، لم تعتمد إطلاقاً على الشريعة بل لم يدّع هذا أي من هؤلاء الحكام. وإذا عرفنا هذا التاريخ يمكن لنا أن نفهم كيف أن الشريعة يمكن أن تتحول إلى نظام سلطوي مستبد إذا تم تحويلها إلى قوانين للدولة، إذ أن الشريعة تفقد بهذا التحويل الخصائص التاريخية التي أتى ذكرها، وتتحو ل بذلك من مصدر للثقافة اللاسلطوية إلى عماد للاستبداد ولتعزيز سلطة الدولة على المجتمع.

أردت ذكر مثال الشريعة ليس لأن لها أي علاقة بالربيع العربي، ولكن كنموذج لمصدر تاريخي للوعي الاجتماعي وللثقافة العامة يتمتّع بخصائص لاسلطوية عندما يوظّف كعلم يومي للحياة الأجتماعية، وبخصائص سلطوية بحتة عندما يوظف كأداة بيد الدولة لأدارة المجتمع. ومن هنا يمكن لنا أن نفهم أن الثقافة الشعبية تحمل في طيّاتها معرفة سلطوية ولاسلطوية في الوقت نفسه. ولذلك من الممكن أن نفهم كيف أن ثورة تُنادي بالحرية قد تبرز أحياناً من ذات المصادر الثقافية التي قد تُنتج قمعاً واستبداداً في فترات أُخرى. ولذلك فأن أهم مشاريع الثورة كما أعتقد هو ليس إنشاء دولة تحكم المجتمع بشكل أفضل، ولكن تعزيز الاستقلالية الذاتية للمجتمع عن الدولة، إذ في هذة الحالة تتوفر فرص أكبر للثقافة الشعبية لتطوير مفاهيمها اللاسلطوية وتجنب تحويلها الى مجرد أدوات فكرية لسلطة دولة ما بعد الثورة على المجتمع.

أود فيما يلي تلخيص ما أعتقد أنها أهم المفاهيم اللاسلطوية التي ظهرت بوضوح في الربيع العربي كأدوات فكرية أساسية للثورات، مُركّزاً على تلك المفاهيم التي لها علاقة مباشرة بالثقافة الشعبية من ناحية وباطروحات الفلسفة اللاسلطوية من ناحية أُخرى. وهناك بالتحديد ثلاثة مفاهيم تُمثّل أشد العلاقة بين هذه الثقافة وتلك الفلسفة. فأولها مفهوم بساطة الحقيقة، وثانيها مفهوم الثورة كممارسات حوارية، وثالثها مفهوم "الشعب" مُجرّداً من أي تمثيل أو قيادة.


• بساطة الحقيقة: كل من تتبع مسيرات الثورات العربية لا يلاحظ بساطتها التنظيمية أو سلاسة شعاراتها فحسب ولكن كيف أن هذه الظواهر مرتبطة بعفوية شاملة للثورة ككل، فكأنه كان هناك إتفاق شعبي شامل للقيام بثورة. ولكن ظهور هذا "الأتفاق" الى السطح لم يكن بسبب وجود أي اتفاق فعلي قبل الثورة، ولكن لأن الثورة بدت كأنها الحقيقة بعينها، الحقيقة التي يعرفها كل من يراها على الفور. ومن الصعب تفسير سيكولوجية ثورة غير مُنظّمة إذا لم نأخذ بعين الأعتبار عامل إنقشاع الغيب الجاثم على صدر زمان ما قبل الثورة وبروز واضح لرؤيا تبدو نقيضاً كاملاً لذلك الغيب، وهي ظاهرة تبدو كظهور مفاجيء لحقيقة يؤمن بها مُراقبها على الفور، كأنها "فلق الصبح" في سيرة الوحي النبوي. ففي آخر رسالة قبل إستشهاده في جمعة الغضب يقول الفنان أحمد بسيوني أنة لم يبق أمامنا إلا خطوة بسيطة جداً للإطاحة بالنظام، مُسجلاً بذلك رسالة كان من المستحيل سماعها أو قولها أو قبولها بأي شكل قبل الثورة بيوم. هذه الرؤيا لا تبرز كنتيجة لتحليل علمي وطويل ومتأنّي، ولكن كظهور مُفاجيء لإحتمال كان كل تحليل موضوعي قبل الثورة بيوم يقول أنه كان بعيداً أشد البعد.


هناك إذاً علاقة بين الظهور المفاجيء للأماني والأيمان ببساطة الأشياء. وهذا الإيمان تُعززه اللحظة الثورية لأن الثورة ذاتها تبدوا كتعبير منطقي لهذه الحقيقة. فقد سمعت مقولة من أحد المعتصمين في ميدان التحرير في الأيام الأولى من الثورة، بأن حكمة الله رأت أن يقوم بالثورة الناس البسطاء (على حد تعبيره)، لأن قدرة ومشيئة الله تبرز في هذة الحالة بشكل طبيعي كقدرة ومشيئة الناس البسطاء وليس كتنفيذ لأرادة إنسانية اُخرى. ورغم أن هذه الأطروحة تأخذ منحى قد يبدو دينيّاً ولكنها لا تُسيّس الدين، إذ أن هذا المشارك في الثورة لم يكن مهتماً بأية حركات منظمة سواء دينيّة كانت أم غير دينيّة. حكمة الله كما تُفسّر في هذه الحالة لا تعتمد على أي سلطة اُخرى خارج الأنسان، وتبرز في التاريخ بشكل مباشر في عفوية ثورة شاملة تعبّر عن إرادة شاملة، والتي تكون شاملة بقدر ما تكون مبنيّة على إكتشاف مُلهم، كأنه الوحي، لبساطة الأشياء التي تُنظم نفسها بنفسها بدون إحتياج لأي سلطة من خارجها.


• الثورة كحوار: أكثر ما نرى من الثورات هي مواقعها الكبرى، كالمسيرات والمجازر وأحتلال الميادين والمدن ولحظات المد والتراجع والتحدّي والحسم وما إلى ذلك. ولكن في هذا الخضم ننسى أحياناً أن الثورة هي في الواقع عملية طويلة، وأن أغلب الوقت الثوري يستغرق في نقاشات وحوارات مستفيضة لا يسجّلها احد. وهذا ينطبق حتى على الثورات السريعة المسار نسبيّاً كالثورة المصرية، فكل من تواجد في ميدان التحرير مثلاً من أواخر يناير وحتّى سقوط حكومة أحمد شفيق في الثالث من مارس، قضى معظم الوقت في حوارات مع من كان متواجداً حوله. وأهميّة هذه الملاحظة تكمن في أن الثورة، وخاصّةً ثورة غير مُنظّمة وبدون قيادة، تحتاج إلى إكتشاف ذاتها بذاتها. الحوار المتواصل واللامحدود كان سبيل الثورة إلى اكتشاف أهداف الثورة والتعرّف على الكمّ الهائل من الطاقات التي لم يرها أحد من قبل والتي بدت في زمان الثورة وكأنها كانت مُخبّأة طيلة الوقت تحت حجاب تسمية "الشعب"، والذي كان مجرد إسم لمُسمّى غامض بل مشكوك بهويته قبل الثورة. والمهم في الحوار لم يكن الوصول إلى أي نتيجة بذاتها بل وجود جو تحاوري شامل يمكن من خلاله إكتشاف قدرات الذات و مواهب الآخر وتجربة جدلية الأفكار. وهذا الجو بدا لي ولغيري أهم من أي إستنتاج قد نصل أو لا نصل إليه، لأن الأمور المعروفةً في زمان الثورة هي مضمون ما يتكلم به أهل الثورة وليس نتيجة الثورة. ذلك لأن حوار الثورة يمشي على وتيرة الثورة ومعها، أما نتيجة الثورة فتبقي غير مضمونة بل ربما غير معروفة إلى أن نصل إليها.


الطبيعة الحوارية للثورات العربية تتعلق بشكل مباشر بعفوية هذه الثورات، إذ مع غياب القيادة والإرشاد الفوقي يُصبح المناخ التحاوري بوصلة الثورة. ومن هنا يُمكن القول بأن الثورات العربية هي ثورات براغماتيّة في المحصّلة النهائية رغم إنها أيضاً راديكاليّة. وهذا المزيج النادر بين ممارسة واقعية وعملية من جهة وأهداف جذرية من جهة أخرى لا يمكن الوصول إليه بدون مناخ تحاوري شامل ومستمر يساعد الثورة على إكتشاف إمكانيّاتها وآفاقها وأهدافها. وهذه الإكتشافات تصبح فيما بعد جزء من هوية الثورة، فالثورات العفوية تحصل على هويتها بعد أن تبدأ في المسير وليس قبل. براغماتيّة الثورة إذاً تتلخص في أنّ الثورة لا يدعو إليها أحد قبل أن تقوم، وانما تتحول من مسيرة إلى ثورة بعد أن تبدأ في المسير الذي تكتشف من خلاله حقيقتها كثورة. فالثورة المصرية التي تُسمّى الآن بثورة 25 يناير بدت كثورة بالفعل يوم 28 يناير. وبعد تبيان هويتها كثورة تصبح هذه الحركة جذرية الأهداف من خلال المناخ التحاوري في الميادين، والذي يُكتشف من خلاله أن الأهداف الجذرية قد أضحت أهدافاً واقعيّة، وأن الثورات العربية، وبالتحديد من خلال أسلوبها العفوي واللاسلطوي، هي في النهاية أنسب الأساليب لحلّ تناقض قديم بين الواقعية والجذرية.


• "شعب بلا قيادة": تُفهم الفلسفة اللاسلطوية أحياناً بشكل خاطيء كأنها دعوة للفوضى، بل أن الترجمة العربية المعتادة للأناركية هي "الفوضى" رغم أن المفهوم الأساسي للأناركية هي أنها نوع من النظام الإجتماعي الذي لا يعتمد على السلطة ويستمد صيرورته من التقاليد الإجتماعية التي يتم الإتفاق عليها بشكل طوعي وبراغماتي. ومن هذا المفهوم تعني "الأناركيّة" نظاماً ولكن بدون سلطة، أي "لاسلطوية" (وليس فوضى). وهناك الكثير من التعابير والمفاهيم والتقاليد في الثقافة الشعبية، مثلاً تقاليد مؤسسات الحرفيين في مصر حتى آواخر القرن التاسع عشر، والتي عبّرت تاريخيّاً عن لاسلطوية تنظيمية تلقائيّة وبديهية في مجتمعاتنا التي كانت في الواقع بعيدة في حياتها اليومية عن سلطة الدولة. ومع بروز الدولة الحديثة برز معها مفهوم سلطوى مناسب لها، ألا وهو "الشعب". فالدولة الحديثة تستمد أو تدّعي أنها تستمد سلطتها من الشعب، وقد أصبح هذا الإدعاء شاملاً لكل الدول الحديثة بما فيها الدول الديكتاتورية التي لا تستشير شعبها بأي أمر من أمور الحكم. والغريب في هذا المفهوم الحديث أن كلمة "الشعب" أضحت كأنها كلمة مفهومة وذات معنى بديهي، رغم أنها تعبير مُجرّد وغالباً غير محسوس، يختزل كمّاً هائلاً من الفوارق الفردية والطبقية والمهنية والدينية والفكرية والأسلوبحياتية وما غيرها من الفوارق الطبيعية في حياة أي "شعب". ورغم ذلك لم يكن هناك مفرّ من إستخدام هذا التعبير المُجرّد في لحظات فاصلة من التاريخ الحديث، وخاصّة تلك اللحظات التي تطلّبت وحدة الإرادة مثل النضال ضد الإستعمار ثم الغزو الصهيوني الذي ما زال مستمرّاً. فحجم "الشعب" وحجم القدرات المطلوبة منه يعتمد على حجم التهديد الذي يواجهه، ولذلك برز مفهوم "الشعب" في العالم العربي الحديث كأداة مقاومة لتهديد خارجي، ولذلك بقي "الشعب" مفهوماً دفاعياً حتى مرحلة الربيع العربي. وأعني بهذا أن تعبير "الشعب" كان غالباً يعبر عن مطالب لإستعادة حقوق مسلوبة من المجتمع ككل، أكثر مما كان يعبر عن حق المجتمع في السيادة على الدولة.

ومع بداية الربيع العربي تحوّل مفهوم "الشعب" من الدفاع الى الهجوم، إذ أن الثورات العربية كلها بنت شرعيتها على أساس أنها تنفيذ لإرادة الشعب، وتأكيد على مبدأ الشعب كمصدر لأي شرعية، وفوق كل ذلك على الأيمان التلقائي بأن الشعب يقوم الآن بدوره كأداة فعل في صنع التاريخ مباشرة، ولا ينتظر أي عامل آخر ليقوم بهذا الفعل بالنيابة عنه، سواء كان هذا العامل قائداً تاريخيّاً أم حزباً أم دولة عظمى. واعتقد أن هذا التحول يُمثّل أوضح التعبيرات في التاريخ العربي الحديث عن إستمرارية المفاهيم اللاسلطوية في المجتمع رغم عقود من الإستبداد والأنظمة الحديثة التي كان همّها الأساسي محو أي ذكرى لاسلطوية في التراث الاجتماعي، وإفراغ المجتمع المدني من أي إستقلالية، وتحويل المجتمع ككل إلى مزرعة تحصدها الدولة لصالحها ولكن بأسم الشعب.

ولذلك فأن الربيع العربي يُمثّل لحظة فارقة نادرٌ مثيلها ليس فقط في التاريخ العربي الحديث بل في التاريخ الحديث ككل. فمثلاً إذا أردنا مقارنة الثورات العربية بالثورة الايرانية قبل ثلاثة عقود ونيف—وهي آخر ثورة شعبية كُبرى في محيط المنطقة قبل الربيع العربي (إذا إستثنينا الإنتفاضة السودانية الفريدة ضد نظام النميري في منتصف الثمانينات)—نجد إختلافاً كبيراً في مفهوم قيادة الثورة. فرغم أن الثورة الإيرانية كانت ثورة شعبية بكل معنى، فقد كان لها كذلك صفة إشتركت فيها مع غالب الثورات الشعبية في العصر الحديث، ألا وهي أهمية وجود قيادة واضحة تُمثّل عزم الشعب ووحدتة ضد الطغيان. ولذلك كانت مسألة سلطة الثورة واضحة في حالة الثورة الإيرانية بشكل لا يمكن مقارنته بأي من الثورات العربية، والتي لم يكن لأي منها بديل جاهز ومتفق علية بشكل عام لإستلام سلطة الدولة بعد إنهيار النظام القديم. (إلى حد ما يمكننا هنا إستثناء ليبيا حيث تطلّبت ظروف الحرب والتهديد الشامل للمدن نوعاً أعلى من التنسيق والإتفاق، والذي بقي ضمن أدنى حدود الضرورة ولا يقارن بشبة الإجماع في ايران الثورة على قيادة الخميني وبدون أي ظروف حرب تتطلّب التنسيق بين الثوار والإتفاق على نوع من الهيكلية التنظيمية).

بالمقارنة تقدم ثورات تونس ومصر النموذج الأكثر وضوحاً عن مفهوم شعب يقوم بثورة وينفّذ إرادته بإسقاط النظام ولكن دون أن يفتح أي مجال خلال هذا الصراع الملحمي لبروز قيادة ثورية لتكون جاهزة لإستلام زمام السلطة بعد سقوط النظام. ولذلك نرى أن هذه الثورات تعتمد في النهاية لإكمال الثورة على جزء نظيف نسبيّاً من صلب النظام القديم، كالمجلس العسكري في مصر أو الإنتقال الدستوري النادر في تاريخ الثورات في تونس. وهذه الظاهرة تبدو واضحة في ليبيا كذلك، إذ يتكوّن المجلس الوطني الإنتقالي إلى حد كبير من مسؤولين ذوي مناصب رفيعة في النظام القديم. في أي من الأحوال، لا نرى في أي من الثورات العربية أية ملامح لظاهرة ثورية قيادية مثل الإمام الخميني، ناهيك عن ذكر الثورات اليسارية أو القومية طوال القرن العشرين فيما كان يُعرف بالعالم الثالث، والتي إرتبطت دائماً بقيادات تاريخية واضحة المعالم والهوية، زودت كل منها ثورتها بوحدة رمز وآلية تمثيلية وتنظيمية بدت حتى الآن من بديهيات أي عمل ثوري.

الربيع العربي إذاً أطاح بالبديهيات السلطوية للفكر الثوري الكلاسيكي، وأوضح كيف أنه من الممكن مقارعة وهزيمة سلطة هرمية مُسلّحة حتى الأسنان بحركة شعبية لا تُحرّكها أية سلطة. هنا من المهم أن نتذكر كيف أن هذا الشعب الذي يريد الآن إسقاط النظام بنفسه، بدا كامل الإستعداد في فترات تاريخية مضت لتخويل سلطة مُحددة لتقوم بالعمل التاريخي الثوري المطلوب بأسم الشعب وموافقته وبالنيابة عنه. فحزب الوفد حظي بهذا الدور بعد ثورة 1919 وجمال عبد الناصر قام به فيما بعد، وحاول قادة عرب آخرون تقليد هذا المنهج فيما بعد، ولكن بدون درجة عالية من النجاح المضطّرد. ويمكن لذلك القول بأن عبد الناصر كان أسطع وبالتالي آخر رمز أو تجسيد ممكن لمفهوم "الشعب" في العالم العربي. وعندما وصل النموذج الناصري إلى طريق مسدود في العالم العربي، برز مثال الخميني في مكان قريب كرمز وتجسيد موحّد لذات الفكرة، أي سلطة الشعب ممثلة بقائد تاريخي يسترد للشعب حقوقة المسلوبة ويشرح للشعب سرّ الثورة التي لا تتم إلا بحكمة قائدها، لأن الشعب لا يُمثّل إرادته مباشرة بل يمثّلها من يملك دفّة ثورته.

من هذا السياق التاريخي يمكننا إذن أن نقول بأن الربيع العربي قد أعاد لمفهوم "الشعب" سلاسته اللاسلطوية، أو بألاحرى عرّف "الشعب" من جديد بشكل لاسلطوي بحت، لأن الذاكرة لم تنس. فكما نعرف وكما عرفنا يمكن للشعب أن يقبل بديكتاتورية تحكم باسم الشعب وتُسمّي نفسها "ثورة"، كما يمكن للشعب أن يقوم بثورة تحت قيادة واضحة المعالم وتكون جاهزة لإستلام السلطة فوراً من النظام البائس، لتقوم بإنشاء إستبداد أشدّ رسوخاً لأنة يكون في هذة الحالة إستبداد باسم ثورة حقيقية. ولكننا رأينا كل هذه التجارب في القرن المنصرم، مما يدفعنا الى القول بأن ذاكرة تاريخية قد تكونت وقامت بعملها، ألا وهو إضافة ملخّص دروس التجارب الثورية الماضية الى الثقافة الشعبية. والدليل شبة المباشر على وجود هذه الذاكرة بالشكل الذي أجزمه هنا هي أن "الشعب" يحاول الآن أن يقاوم كل إغراءات القيادة أو حتى التنظيم الموحّد، رغم المنافع الأدارية الكثيرة والمعروفة لمثل هذا التوحيد. إذ أن تاريخ السلطوية بأسم الشعب قد أصبح جزء من ذاكرته السلبية وبالتالي جزء مما تشك به ثقافتة العامة بشكل عفوي.

المصدر: جدلية.
01-19-2012, 12:34 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}
الحوت الأبيض غير متصل
Party Pooper
*****

المشاركات: 2,292
الانضمام: Jun 2010
مشاركة: #2
RE: فلسفة اللاسلطوية وثقافة الثورة
ها هو المقال القديم الذي تكلمت عنه في السابق.

قبل أن تُسرق الثورة

عامر محسن

إلى روح هادي العلوي

في الفلسفة، يستخدم تعبير «المرموز الفارغ» empty signifier للدلالة على مفاهيم تستعمل بكثافة لكن لا محتوى ثابتاً لها، أي يمكن ملؤها بأيّ معنىً نريد. تعابير مثل «الحرّيّة» أو «الديموقراطيّة» هي أمثلة واضحة على المرموز الفارغ، لكنّ كلمة «الشعب» تبقى المثال الأبرز على الأسماء التي يمكن أن نعني بها ما نشاء، ويمكن أن نوظّفها في أيّ خطاب ولأيّة غاية. تساءل المفكّرون المحافظون، منذ أيّام الثورة الفرنسيّة، عن شرعيّة استعمال «الشعب» حجّةً لتشريع الثورات والأنظمة. «ما هو هذا الشعب؟ من يعرّفه ويحدّد مصالحه؟ هل رأيتم يوماً رجلاً يمشي في الشارع اسمه الشعب؟» تسائل إدموند بيرك منذ قرنين، ساخراً من مثاليات اليعاقبة الفرنسيين. وتخاف النخب الحاكمة من الشعب لكنّها تعشق كلمة «الشعب»، فبإمكانها أن تحكم الشعب باسم «الشعب» وأن تقمع الشعب باسم «الشعب»، بل وأن تقتل الشعب باسمه أيضاً.

واليوم في تونس ومصر، الشعب قام، حقّاً قام. والوصف الوحيد الممكن لما حصل في الأسابيع الماضية، هو أنّها ثورات شعبيّة، بكلّ ما للكلمة من معنى، وبما يشبه المثال الأكاديمي للتعبير. لكن ـــــ بناءً على ما أسلفناه ـــــ أن تكنّى ثورةُ ما باسم «الشعب» فهذا يعني أنّها ثورة معروضة علناً للسّرقة.

منذ الآن يلفت توني بلير إلى أنّ أغلب الشباب المتظاهر غير منضو في أيّة أحزاب، داعياً بوقاحة الى تسخير الموارد لتنظيمهم ـــــ على نهج توني بلير ـــــ كي لا يقعوا في يد «الإسلاميين». هكذا قال سيئ الذكر، الذي وصف محمّد حسني مبارك في المقابلة نفسها بأنّه «بالغ الشجاعة وهو قوّة للخير».

في العادة، تنسب جميع الثورات والانقلابات الى الشعب الذي لا يكون له علاقة بها: تتسلم نخبة ما الحكم وتخلع الحاكم السابق ثمّ تعزو انقلابها إلى «الجماهير» وإرادتها. المحزن في حالتنا اليوم هو أن يقوم الشعب فعلاً بثورة، لتعود وتسرقها النخب.

ثورة المهمّشين

بادئ ذي بدء، هنالك مجموعة من الأساسيات لا يمكن تجاهلها لدى مناقشة الثورات الحاصلة اليوم. أوّلاً، هناك الطابع الجديد والفريد والتجريبي لثورتي تونس ومصر، وما قد يلحقهما. ففي تاريخ العرب الحديث، أي منذ بدء عصر السياسات الجماهيريّة في بلادنا، لم نشهد نجاح ثورات شعبيّة بالمعنى الحقيقي للكلمة. ما نسمّيه «ثورات» في العراق ومصر وسوريا، هي تورية لاستيلاء مجموعات أيديولوجية أو عسكريّة على الحكم وإطلاقها لعمليّة تغيير واسعة في المجتمع.

ثورات اليوم غير مسبوقة، وليست لدينا أمثلة تاريخيّة محلّيّة يمكن أن نقارنها بها. فعلينا إذاً أن نبدأ كلّ كلام عن ثورات تونس ومصر بالتواضع والاعتراف بحدود معرفتنا، وبأنّنا جميعاً لم نتنبّأ بما حصل ولا نملك، حتى هذه اللحظة، كلّ نواصي الأحداث وخلفيّاتها.

ثانياً، وهنا اللغز الأهمّ، هي ثورات عصيّة على التفسير من داخل قاموس الحداثة السياسيّة. لا تنطبق كلّ أدوات الحداثة ومصطلحاتها، من أحزاب ونخب وطبقات وتكتّلات مصالح، على انتفاضات الشعوب العربيّة على طغاتها. كان التعبير عن الاحتجاج من خارج البنى المؤسّسيّة التي يفترض بها أن تؤطّر الفعل السياسي في عصر الحداثة. أحزاب المعارضة، مثلها مثل ممثّلي السلطة، لم تكن أكثر من شاهد على هذه الانتفاضات، ثمّ انضمّت إليها التحاقاً بالشعب، لا قيادةً له.
غربة هذه الثورات عن الحداثة، بمفهومها التقليدي، تتّضح حين نحاول أن نستمع الى مطالب المحتجّين وشعاراتهم. أفراد الشعب الذين خاطروا بحياتهم ونزلوا الى الشوارع كاسرين حاجز الخوف، مقارعين جلاوزة السّلطان بلا وجل، هؤلاء لم يصرخوا «ديموقراطيّة وانتخابات»، ولم يرفعوا مطالب يمكن تصنيفها في خانة الديموقراطيّة الليبراليّة. كذلك هم أيضاً لم يردّدوا أنّ «الإسلام هو الحلّ» ولا استعملوا لغة أيديولوجيّة محدّدة. من يحاول أن يماهي بين هذه الانتفاضات والثورات الأميركيّة الملوّنة، أو حتى انتفاضات أوروبّا الشّرقيّة في التسعينيات، هو مزوّر يحاول تجيير صوت الناس مستخفّاً بنضالاتهم. وصم انتفاضات تونس ومصر بالليبراليّة لمجرّد أنّها طالبت بـ«الحرّيّة» هو كالادعاء بأنّها حركات ماركسيّة لأنّها تجهر بالعداء للاستغلال الاقتصادي.

على العكس، أظهرت هذه الانتفاضات، وخاصّة ثورة مصر، مفارقة مثيرة: بالرغم من عشرات من منظّمات «المجتمع المدني» التي موّلها الأميركيّون واستخباراتهم في مصر وغيرها، وبالرغم من مئات الملايين التي صرفت، وكلّ ذلك بهدف زرع مصطلحات الديموقراطيّة الليبراليّة في وعي المجتمع المصري، فإنّ المصريّين اليوم يثبتون أنّ الديموقراطيّة «الجفرسونيّة» لم تدخل الى معجمهم ـــــ بعد كلّ هذا العناء.

أعتقد أنّ تفسير هذه الظواهر يكمن في الطبيعة السوسيولوجيّة للثوّار، ويمكن وصفهم بالمهمّشين في المجتمع، أي من هم خارج النظام السياسي، أي النظام برمّته: بسلطته ومعارضته، برأسمالييه وفنّانيه، بصحفه وثقافته، إلخ. المهمّشون ليسوا الفقراء فحسب، هم من لا تقرأ عنهم في الثقافة السائدة ولا تخبّر قصصهم الأفلام وكتب التّاريخ. هم «الآخر» بالنسبة إلى أولاد الطبقة الوسطى، من يؤدّون الأعمال اليدويّة في اقتصاد الخدمات، من يخدموننا في المطاعم وينتهي ارتباطنا بهم مع تأدية الخدمة المأجورة. هم من لا صوت لهم في وسط النخبة وموجودون في كلّ مجتمع.

أما في بعض الدول العربيّة كمصر، فصنعت الأنظمة مجتمعات أغلبها من المهمّشين. سيدي بوزيد مثلاً هي أفقر ولايات تونس قاطبة: ريفيّة زراعيّة، يقلّ عدد سكّانها عن نصف المليون، وتقع في الغرب الداخلي ذي المناخ القاسي، حيث لا ماء ولا سياحة، بعيداً عن ولايات الساحل المحظيّة. سيدي بوزيد التي عانت أكثر من غيرها من تحوّلات الاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة، سيدي بوزيد التي ولدت أجيال عربية وماتت من دون أن تسمع باسمها، سيدي بوزيد أصبحت مدخلنا الى العصور الجديدة.

اللقاحيّة والمشاعيّة

إن كان هنالك من فهم قضيّة المهمّشين في بلادنا وتبنّاها، فهو الفيلسوف والمؤرّخ العراقي هادي العلوي. كان هادي يدرس ثورات التاريخ الإسلامي من زاوية تختلف عند باقي المؤرّخين. كان يعارض إسقاط الانتفاضات الشعبيّة على الاصطفافات السياسيّة الرائجة في زمنها، بل كان يصرّ على أنّ عماد الثورة في الشارع هم المهمّشون اللقاحيّون، أي من لا ينتمي الى أحزاب خاصّة، بل من ينتفض على السلطة بما هي سلطة، على طغيانها وقهرها وإذلالها للناس، وكلّ سلطة هي بطبيعتها غاشمة وقهّارة. هكذا كان يعتقد هادي العلوي، وهكذا يؤمن المهمّشون. وبهذه الروحيّة، يسير اليوم الملايين في شوارع مصر منتفضين على حاكم تجبّر على الناس وحبس عنهم أموالهم.

بالنسبة إلى هادي العلوي، مفهوم اللقاحيّة أساسيّ لفهم الرفض الفطري للملك العضوض لدى جموع الناس. اللقاحيّة موروث جاهليّ، اختصّ به العرب الأوائل الذين كانوا دائمي الحذر من الوقوع تحت حكم «كسرى وقيصر»، وامتثلوا لمحمّد بوصفه نبيّاً لا ملكاً، وامتثلوا لخلفائه الراشدين لأنهم احترموا لقاحيّة الناس ولم يسيروا مسير الملوك. هكذا أرّخ هادي للّقاحيّة التي قمعها نشوء الملك الوراثي عند العرب وتجذّر الدولة المركزيّة، غير أنّها ظلّت حاضرة في ثقافة المهمّشين، من خلال ومضات وثورات استمرّت طوال عهود الدولتين، الأمويّة والعبّاسيّة.

اللقاحيّة إذاً، ليست انتصاراً لمذهب على مذهب في فنون السلطة، ولا هي ديموقراطيّة وفق التقليد الليبرالي، بل هي موقف أخلاقيّ ضدّ السلطة المركزية بذاتها، وضدّ مؤسّساتها المعقّدة، وضدّ تدخّلها الخانق في حياة الناس، وضدّ حبس حقوقهم وأموالهم.

اللقاحيّة عند العلوي ليست ليبراليّة، بل أكثر ديموقراطيّة منها. فلنتذكّر أنّ الديموقراطيّة الليبراليّة لا تعني حكم الشعب لنفسه، بل تعني «الانتقال السلمي للسلطة بين النخب»، أي الانتقال السلمي للسلطة من سعد الحريري إلى نجيب ميقاتي، أو من حسني مبارك إلى محمّد البرادعي.

في اللقاحيّة عامل فوضوي لا مجال لإنكاره، لا يرى يوتوبيا فاضلة في أيّ شكل من أشكال السلطة وينظر بعين الريبة لكلّ دولة مركزيّة. من الغريب أنّ أيّاً من المعلّقين العرب لم يلحظ الطّابع الفوضوي لثورات الشعب في تونس ومصر. حتى الصديق أسعد أبو خليل، الذي يهوى التنظير للفوضويّة، لم يلاحظ الملامح الفوضوية في الانتفاضات واللجان الشعبيّة وحكومات الشارع والتنظيم التلقائي الذي يحصل أمامنا في شوارع مصر ـــــ بعيداً عن مؤسّسات الدّولة والأحزاب وفي ممارسة جماهيريّة للديموقراطيّة المباشرة. أسعد لا يزال يبحث عن الفوضويّة في كتابات باكونين، فيما تتجلّى أسطع وأضخم فصولها أمام عينيه.

النيوليبراليّة تغتال الحداثة

في الفيلم الشهير «كوكب القرود»، يخال روّاد الفضاء أنفسهم عالقين على كوكب يشبه ماضياً مشوّهاً للأرض، حيث القرود تطوّرت وأسّست مجتمعاً متقدّماً، فيما البشر لا يزالون حيوانات لا تنطق. وفي اللقطة الأخيرة للفيلم، يكتشف المغامرون أنّهم حقيقةً يشهدون مستقبل الأرض، لا ماضيها، بعدما أفنت الإنسانيّة نفسها وأهلكت حضارتها.

قال لي المؤرّخ الأميركي بيتر غران يوماً جملة لا أنساها، تشابه الى حدّ ما سيناريو الفيلم الشهير. قال إنّ الغربيّين ينظرون الى بلاد الجنوب كمصر، على أنّها تحبو على درب الحداثة الرأسمالية، أي أنّها تمثّل، بمعنى مجازي، ماضيهم. «في الحقيقة»، يضيف بيتر غران، «حين أسير في شوارع القاهرة أشعر بأنّني أشهد مستقبل الرأسماليّة الغربيّة، لا تاريخها». أي رأسماليّة أفلتت من عقالها وهي تعيد تكوين المجتمع وتسليعه بلا رادع ـــــ رأسماليّة تعيش أيّامها الأخيرة.
من أراد فهم الثورات المصريّة والتونسيّة، لا يمكنه تجاهل التغييرات الهائلة التي طرأت على تلك المجتمعات في العقود الثلاثة الماضية. تغييرات عصفت بقسوة بحياة الملايين من أفرادها، وهو ما حصل غالباً تحت راية «الإصلاحات الاقتصادية». قال ليون تروتسكي يوماً ما معناه أنّ النماذج الرأسماليّة المتقدّمة (كوصفات الاقتصاد الليبرالي) تطبّق أكمل وأسرع في البلاد الآسيوية المستعمَرة منه في منشأ هذه النظريّات. ففي الغرب، ركّبت طبقات من المؤسّسات والكوابح لحماية الأفراد من تمادي الرّأسمالية، أمّا في مصر أو تونس، فقد تمكّنت الحكومات من قلب النظام الاقتصادي رأساً على عقب بلا مقاومة: سوق العمل وقوانينه، ونظم الملكيّة، والضمانات الاجتماعيّة، كلّها مؤسّسات دمّرت وأعيد تكوينها بسنوات قليلة.

حين درس دايفيد هارفي تأثير النيوليبراليّة على المجتمعات الغربيّة، منذ وثبتها في السبعينيات، نظر برعب الى عمليّة إعادة توزيع الدخل التي جرت في المجتمع، ناقلة الثروات من الطبقات الدنيا الى النخبة الرأسماليّة، فكانت الطبقة العاملة في أميركا وبريطانيا تمرّ في عقود من الأزمة وانخفاض الدخل، فيما كان الملّاكون والإداريّون الكبار ومديرو الأسواق الماليّة يعيشون جنّةً من النموّ والثراء الجنونيّين.

لو نظر هارفي الى بلاد النيل، لاكتشف أنّ الإحصاءات عن اختلال المداخيل في الغرب تبقى مزحةً أمام التطوّرات التي أحدثها النظام النيوليبرالي، في مصر مثلاً. انتقل المصريّون، في أقلّ من جيل، من عالم ترفع فيه قيم التكاتف الاجتماعي وتقدّم فيه ضمانات معيّنة للفقراء، الى عالم أشبه بغابة رأسماليّة يخاف فيها الفرد دائماً من الفقر والعوز، وتقفل أبواب الترقّي الاجتماعي على السواد الأعظم من الناس. لم يعد المجتمع محميّاً من تقلّبات السوق الدولي وخضاته: ترتفع أسعار النفط، فيهدّد ارتفاع أسعار الغذاء قطاعات كاملة من الشعب المصري بالجوع وسوء التغذية؛ تحرّر تجارة النسيج العالميّة فيختفي قطاع كامل من الاقتصاد التونسي وتدمّر حياة الملايين.

لا شكّ في أنّ هذا «التدمير الخلّاق» للمجتمعات العربيّة، في العقود الأخيرة، قد غرس بذرة الثورة والحنق لدى الشباب المنتفض اليوم. قدّم المفكّر الهنغاري الأصل كارل بولاني، نقداً غير ماركسيّ للرأسماليّة يلتقي في العديد من جوانبه مع فكرة هادي العلوي عن اللقاحيّة والمشاعيّة. وقد تكون رؤيا بولاني مدخلاً لتفسير الثورات الحاليّة وعلاقتها بالرأسماليّة.
فسّر بولاني ما سمّاه «الحركة المزدوجة»: كلّما تقدّمت الرأسماليّة في اجتياحها للمجتمع وازداد تسليع الأرض والعمل والنقد، ارتدّ المجتمع على السّلطة مجبراً إيّاها على كبح الرأسماليّة وتعزيز نفوذ الشعب على حساب السوق. الأرض، والعمل، والنقد، ثلاثة عناصر لا تستقيم فكرة «السوق الحرّة» من دون أن تسلّع وتحوّل الى موادّ يتاجر بها السوق، بعد فصلها عن المجتمع. عزل عناصر الحياة هذه عن مجتمعها، يستدعي لدى بولاني ردّاً يشابه ردّ اللقاحيّين على الملك العضوض الذي يهين قريحتهم ويسلبهم حرّياتهم الطبيعيّة.

لا يحمل الشعب المنتفض اليوم أيديولوجيا خلاصيّة تنبثق من تراث الحداثة. تجربة العرب مع الحداثة والإمبرياليّة، طوال القرنين الماضيين، شفتهم من تلك الأوهام. الثورة الحاليّة ليست حداثيّة بالقطع، وهي أيضاً لا تعادي الحداثة الغربيّة أو تحاول طرح يوتوبيا بديلة ـــــ كما فعلت الثورة الإسلاميّة في إيران. ثورة العرب اليوم تخرج من حطام الحداثة ومن خراب العالم القبيح الذي خلقته الحداثة لنا.

خاتمة

أنا أدافع عن لقاحيّة الثورة قبل أن تسرق. أدافع عن طابعها الشعبيّ والحرّ والرافض للسّلطة بذاتها قبل أن تقطف مجموعات نخبويّة الثورة ومنجزاتها، أو أن تؤتي المؤامرات الأميركيّة أكلها وتجهض الثّورة قبل أن تنتصر. علينا أن نكون متشائمين. حتّى الثورات الناجحة تظلم المهمّشين الذين ماتوا من أجلها وتتنكّر لهم. أتظنّون أنّ سيدي بوزيد ستستفيد حقّاً من النخبة التونسيّة (نسبة الى العاصمة تونس) التي ستتسلّم من بن علي بعد أن ينقشع الغبار؟ أسيكون النظام الجديد وفيّاً لأولئك المزارعين الشجعان الذين انتفضوا وصرخوا وماتوا دفاعاً عن حرّيتهم وحرّيّتنا؟ آمل أن تكون اللجان الشعبيّة التي يجري الحديث عنها في مصر مشروعاً جدّيّاً، وأن تستمرّ وتكتسب شرعيّة وسيادة لا يناقضها النظام القادم.

فيما نحن اليوم في قلب أتون الثورة، ويبدو جيلنا أخيراً على وشك إزاحة جيل الهزيمة الذي مكث على صدورنا طويلاً بأنظمته وثقافته وانهزاميّته وثرثرته، يبقى أن نقول إنّه لا مجال للتّنبّؤ بما سيحصل. الطريق الوحيد إلى معرفة المستقبل هو العمل باتّجاهه. ستبدو هذه الثورات لغزاً محيّراً للمحلّلين والأكاديميّين، إلّا أنّ أستاذي العارف هادي العلوي كان سيرى فيها أمراً أليفاً وقديماً في آن. كان سيرى طيفاً جميلاً فوق شوارع تونس والقاهرة. كان سيرى الوجه الباسم لسلمان الفارسي، والشّيخ الكيلاني، والإمام زيد.

* طالب دكتوراه علوم سياسيّة في جامعة كاليفورنيا ــ بيركلي
العدد ١٣٣٥ الثلاثاء ٨ شباط ٢٠١١

الديكتاتوريات العربـية: بداية النهاية
رأي


نقلا عن الأخبار (اللبنانية).
بعض الحقوق محفوظة cc-by-nc-nd 3.0
01-19-2012, 03:31 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة…
الموضوع الكاتب الردود المشاهدات آخر رد
  فلسفة المجتمع العربي الإسلامي حسن عجمي 0 375 06-16-2014, 12:32 AM
آخر رد: حسن عجمي
  موقف الكنيسة المصرية من الثورة ابن فلسطين 0 441 03-01-2014, 12:38 AM
آخر رد: ابن فلسطين
  الإسلامويون، كمأساة الثورة السورية ! العلماني 9 2,509 11-30-2012, 03:40 AM
آخر رد: Rfik_kamel
  الثورة ستنتصر Serpico 11 2,581 06-22-2012, 07:51 AM
آخر رد: عاشق الكلمه
  شئ محير في الثورة السورية فارس اللواء 13 3,612 06-22-2012, 02:07 AM
آخر رد: Reef Diab

الانتقال السريع للمنتدى:


يتصفح هذا الموضوع من الأعضاء الان: بالاضافة الى ( 1 ) زائر
{myadvertisements[zone_2]}
إتصل بنا | نادي الفكر العربي | العودة للأعلى | | الوضع البسيط (الأرشيف) | خلاصات التغذية RSS