القرآن، مقتبسات من التاريخ الشرقي
القرآن: مقتبسات من التاريخ الشرقي (عام 1892)
مقدمة لثيودور نولدِكه
الترجمة الكاتب الإنترنتي: إبن المقفّع.
إن القرآن هو أساس الإسلام. إنه الكتاب المقدس لأكثر من مائة مليون مسلم, ينتمي بعضهم لأمم ذات حضارات غارقة في القدم, يعتبر من قبلهم كلهم كلمة الله المباشرة. وبما أن استخدام القران في طقوس العبادة الجماعية, في المدارس وأشباهها, هو أكثر انتشارا من قراءة الكتاب المقدس في معظم الدول المسيحية على سبيل المثال, لذلك فقد وصف بحق الكتاب الأكثر قراءة في الوجود. إن هذا الظرف وحده كفيل بان يعطيه الحق بأن يطلب انتباهنا, بالإضافة إلى ذلك, فإنه عمل محمد, وبهذا يكون ملائما لأن يقدم مفتاحا للتطور الروحاني لأنجح الأنبياء والشخصيات الدينية هذا. يجب إدراك أن أول تصفحٍ يترك على الأوربي انطباعا بالارتباك والعشوائية, هذا لا يعني أن الكتاب ضخم للغاية, فهو لا يزيد حجما عن العهد الجديد. يمكن تغيير هذا الانطباع فقط من خلال تطبيق التحليل النقدي بمساعدة من الروايات الإسلامية.
بالنسبة لعقيدة المسلمين, يعتبر القرآن, كما قلنا سابقا, كلمة الله, وهو الشيء الذي يدعيه الكتاب لنفسه أيضا. ففي ما عدا سورة الفاتحة التي هي دعاءٌ للبشر, وبعض الفقرات التي يتحدث فيها محمدٌ (الأنعام: 104, 114 والنمل: 91 والشورى: 10)أو الملائكة (مريم: 64 والصافات: 164 ومايليها من الآيات) بأسلوب المتكلّمِ بدون تدخل من صيغة الأمر "قل" (سواء كانت مفردة أو جمعا), فإن المتكلم عبر النص هو الله, إما في صيغة المتكلم المفرد , أو بصيغة جمع الجلالة الأثر شيوعا "نحن." إن نفس نوعيه المخاطبة نعرفها من كتابات الأنبياء في العهد القديم, فتختفي الشخصية الإنسانية وراء الله الذي امتلأت به في لحظة إلهامٍ. إلا أن جميع الأنبياء العبرانيين العظماء سرعان ما يهوون ثانية إلى ضمير "أنا" الإنساني المتواضع, بينما "أنا" في القرآن هي صيغة المخاطبة الثابتة. إلا أن محمدا شعر حقيقةً بأنه أداة بيد الله. كان هذا الشعور , بلا شكٍ, أقوى في بداية ظهوره عما أصبح بعد ذلك, إلا أن هذا الشعور لم يغادره البتة. لذلك فقد نعذره على اعتبارٍ, لا نتاج الإثارة الخيالية والعاطفية فقط, بل والعديد من التبيانات أو الأحكام التي كانت نتاج حسابات دقيقة كذلك, كلام الله, لو أنه فقط تحلى بالميول الأخلاقية الصرفة والتي تملأنا, في أعمال أشعيا وإرميا, بالإعجاب بعد مرور عصور وعصور.
إن السبب وراء الوحي يتم تفسيره في القرآن نفسه بما يلي: إن النص الأصلي موجود في السماء ("أم الكتاب" (الزخرف: 3), "كتاب مكنون"(الحديد: 78), "لوحِ محفوظ" (البروج: 22)). من خلال عملية تسمى بالتنزيل تم نقل قطعة بعد قطعة من القرآن للنبي. كان الوسيط ملاكا, يُسمى أحيانا بالروح (الشعراء: 193), وأحيانا بالروح القدس (النحل: 102), وفي وقتٍ لاحق سُمي جبريل (البقرة: 97).أملى الملاك الوحي للنبي الذي يردده بعده, ومن ثم يُعلنه للعالم (الأعلى: 6 ومابعدها). من الواضح أن ما أمامنا هنا هي محاولة ساذجة من قبل النبي لتقديم العملية اللاواعية, إلى درجة ما, لنفسه, تلك العملية التي من خلالها تظهر أفكاره وتتشكل تدريجيا في عقله. لا عجب ألا تكون التفاصيل متماسكة دائما إن هي تشكلت في مثل هذه المخيلة المشوشة. فعلى سبيل المثال, عندما يُقال بأن هذه النسخة القديمة السماوية هي في أيدي سفرة (عبس: 13 وما بعدها), فإن هذا يبدو كما لو أنه انتقاله إلى مجموعة مختلفة من الأفكار هي كتب القدر, أو سجلات الأعمال الإنسانية, وهي مفاهيم موجودة بالفعل في القرآن. من المُلاحَظِ دوما أن فكرة محمد تنزيه عن الله, أي أنه فوق مستوى العالم بكل كيانه, تمنع تفكيره في حدوث احتكاك مباشر بين النبي والله.
إحدى عبارات القرآن الجليّة هي أن الكتاب المقدس (القرآن) قد أٌنزِل من عند الله, لا كله في آن واحد, بل بالتدريج (الفرقان: 32). يتضح هذا من طريقة تأليف الكتاب نفسها, وهذا كذلك أمرٌٌ أكدته الروايات الإسلامية. إن هذا معناه أن محمدا قد أصدر ما أوحي له في صحف ذات أحجامٍ أكبر أو أصغر. كانت القطعة الواحدة من هذا النوع تُسمّى قرآنا, أي "قراءة" أو بالأحرى "تلاوة," أو كتابا, أي "كتابة," أو سورة, والتي هي نفسها الكلمة العبرانية المتأخرة شورة, والتي تعني حرفيا "سلسلة." أصبحت المفردة الأخيرة, في حياة محمدٍ, الصفة المعتادة للأجزاء المنفردة لتمييزها عن المجموعة الكاملة, وهكذا أصبحت الاسم الذي يُعطى للفصول المتفرقة للقرآن الحالي. هذه الفصول ذات طولٍ غير متساوٍ. بما أن العديد من قصار السور كاملة بذاتها بلا شكٍ, فمن الطبيعي أن نفترض بأن تلك الأطول, والتي تكون قابلة للاستيعاب تماما في بعض الأحيان, قد نشأت من دمج آيات متنوعة ومختلفة في الأصل. يدعم هذا الافتراض تقاليد عديدة تعطينا الظروف التي أوحيت بسببها هذه القطعة الصغيرة أو تلك, والتي تدخل الآن ضمن جزءٍ أكبر. يدعم هذا الافتراض أيضا حقيقة أن ترابط الأفكار في السور الحالية يبدو مشوشا, فحتى في قصار السور نجد أجزاء لا يُمكن أن تكون في موضعها هذا في البدء. في نفس الوقت علينا أن نحذر من المبالغة في عملية الغربلة, كما أعتقد أنني قد فعلت في أعمالي المبكّرة, وكما يبدو أن سبرنگر قد فعله أحيانا في كتابه العظيم عن محمد. بإمكاننا أن نرى بأن بعض السور كانت ذات طول لا بأس به منذ البداية من نماذج كسورة يوسف, والتي تحتوي مقدمة قصيرة, ثم تاريخ يوسف, ومن ثم ملاحظات استنتاجية معدودة, ولذلك فهي متناسقة تماما. بنفس الأسلوب , تشكل سورة طه ,والتي يشغل قسمها الأكبر تاريخُ موسى, وحدة متكاملة. نفس الشيء يمكن أن يقال عن سورة الكهف, والتي قد تبدو مجزأة إلى قطع عديدة لمن يطلع عليها لأول مرة, فتاريخ النوّام السبعة, والرواية العجيبة عن موسى, وتلك التي عن إسكندر ذي القرنين, كلها مترابطة سوية والقافية هي نفسها من بداية السورة إلى نهايتها. حتى في القصص المنفصلة يمكننا أن نلاحظ كيف أن القرآن ينتقل من موضوع إلى آخر بسلاسة, وكيف أن الانتقال من فكرة لأخرى لا تخصص له كثير من العناية, وكيف أن كثيرا ما تمحى الجمل المفيدة, التي تٌكاد أن تكون لا غنى عنها. لذلك فليس بمقدورنا, في كل حالة يكون فيها الترابط في القرآن غامضا, أن نقول بأنه متقطّعٌ فعلا, وندعي أن هذا نتاج ترقيع أخرق ليدٍ متأخرة في الزمن. حتى في الشعر العربي القديم, نجد أن مثل هذه الانتقالات المفاجأة متكررة جدا. ليس من غير المعتاد في القرآن بعد أن يتم إدخال موضوعٍ جديد أن تتم العودة تدريجيا أو فجأة إلى الفكرة العامة السابقة, وهو دليل على أنه لم يكن هنالك نية على أي فصل. بالمختصر, مهما كان وضع القرآن بصيغته الحالية غير كاملٍ, فإن السور الحالية بمعظمها مطابقة للأصل.
يتبع
|