الرد على: القرآن، مقتبسات من التاريخ الشرقي
إن الكيفية التي ظهرت بها هذه الآيات في عقل محمد هي مسألة تكاد أن تكون درجة عبثية مناقشتها مساوية لعبثية محاولة تحليل طريقة عمل عقل شاعرٍ. خلال سنوات حياته الأولى كنبي, وربما في المراحل المتأخرة أيضا في أحيان, لا بد أن بعض الآيات قد انطلقت من على لسانه في لحظات إثارة لا قدرة له على السيطرة عليها, فلم يكن بإمكانه أن يعتبرها إلا إلهاما إلهيا. علينا أن نتذكر أنه لم يكن مفكرا نظاميا ملتزما, بل رائيا من الشرق الأوسط, نشأ في وسط ملئه التخاريف المستحكمة, وبدون تمرس في الثقافة, رجلٌ نال من مزاجهِ العصبي بقوةٍ التنسكُ الشاذُ, و كان يزداد ألما بالمعارضة التي تلقاها,لأن البطولة لم تكن من طبيعته. ممتلئا بأفكاره الدينية ورؤاه, ربما تخيل فعلا أنه سمع الملاك يأمره بأن يتلو ما قد قاله له. ربما كانت هنالك آيات عديدة لم يسمعها أحد إلا هو , وهو يرددها بينه وبين نفسه في سكون الليل (المزمل: 4). في الحقيقة يعترف القرآن نفسه بأنه قد نسي بعض ما أوحي إليه (الأعلى: 6و7). إلا أن الجزء الأعظم من القرآن هو بلا شكٍ نتيجة لتفكّر وتدبّر, ممزوجا بمسحة قد تزيد أو تقل من العاطفة, ومُحَفّزٌ بوهجِ بلاغي بدلا من أن يكون شعريا. إن العديد من الفقرات مستندةٌ إلى تأمل فكري. يُقال أن محمدٌ كان ينطق بهذه الفقرات أحيانا بعد إحدى نوبات الصرع هذه والتي اعتبرَها, لا أتباعه فحسب, بل (على الأقل لفترة) هو نفسه إشاراتٍ على احتكاك بقوى علوية. إن كانت هذه هي الحال, فمن الصعب القول إن كانت الحيلة تكمن في النطق بالآيات أم في النوبة نفسها.
إن الكيفية التي تم بها اتخاذ القرآن صيغته المكتوبة أمرٌ غير مؤكد. إن محمدا نفسه, على حد ما أمكننا اكتشافه, لم يدوّن أي شيء. إن مسألة إن كان بإمكانه أن يقرأ ويكتب قد خضعت للكثير من الجدل في أوساط المسلمين, وعادة ما يكون الجدل قائما على أطروحات عقائدية وتراث زائف بدلا من أن يقوم على أدلة أصيلة للأسف. إلا أنه ,من جهة ميله لممارستها, وجد أنه من الملائم تكليف شخص آخر متى ما كان لديه أي شيء يريد كتابته. بعد الهجرة إلى المدينة (622 ب.م) يُقال لنا أن قطعا قصيرة – بالأخص قرارات شرعية – كانت تدون بعد أن تنزل مباشرة, من قِبَل تابعٍ كان يُجتمَع به لهذا الغرض. لذلك لم يكن هنالك حائلٌ أمام نشرها. لذلك من الممكن أنه بدأ في مكة, حيث كانت الكتابة أكثر شيوعا فيها من المدينة باعتبار الأولى مدينة تجارية والثانية مدينة زراعية, بتدوين رؤاه. إن وجود أجزاء أطول من ذلك من القرآن مدونةً وتعود إلى فترة أقدم هو أمرٌ من المأمون لنا أن نستشفه عن طريق دلائل مختلفة, بالأخص من حقيقة أن النبي قد أمر في مكة بحشر أجزاء ومحو أجزاء من آياته السابقة. فلا يمكننا أن نفترض أنه كان يحفظ السور الأكثر طولا عن ظهر قلب بشكل تامٍ حتى يكون متمكنا من أن يضع يده على أي فقرة محددة بعد مرور وقت. في بعض الحالات ربما اعتمد بالفعل على ذاكرته بشدة. على سبيل المثال, يبدو أنه أحيانا كان يُملي السورة نفسها لأشخاص مختلفين بأشكالٍ مختلفة قليلا. في تلك الحالات ربما نوى جزئيا أن يُدخل تحسينات, وما دام الاختلاف مجرد اختلاف في التعبير ولا يؤثر في المعنى, فلم يكن يؤدي إلى إحداث حيرة لدى أتباعه. لم يكن لأحد منهم تحذلق أدبي ليشكك في تماسك الآيات الإلهية على هذا الأساس. إلا أنه, وفي حالات معينة, كان الاختلاف في القراءة مهما لدرجة لا يمكن التغاضي عنها. لذلك يعترف القرآن نفسه أن الكفار يلمزون النبي فيضعون المسألة بصيغةِ أن الله قد بدّل آية مكان آية (النحل: 101).
في أحدى المناسبات, عندما نشأ خلاف بين اثنان من أتباعه حول القراءة الصيحة لفقرة ما كان كلا التابعَين قد تسلّماها عن النبي نفسه, يُقال أن محمدا قد أوضح أن القرآن قد نزل على سبعة صيغ (سبعة احرف). في هذه الرواية التي قد تكون حقيقية, تعني سبعة بالطبع, كحالات كثيرة أخرى, عددا غير محددٍ ولكن محدود. إلا أن للمرء أن يتخيل كم من العناء اضطر فقهاء المسلمين أن يتحملوه في محاولتهم تفسير الحديث طبقا لمعتقداتهم الثابتة. إن هنالك بالفعل عدد كبير من التفسيرات, بعضها ينتسب إلى مرجعية النبي نفسه بما أن أحاديث محمد المختلقة تلعب بالفعل دورا لافتا للانتباه في تفسير القرآن. تقول إحدى التفسيرات المفضلة, ولكن من غير السهل إثباتها, أن "الصيغ السبعة" تعني لهجاتٍ مختلفة.
عندما أدرك محمد هذه التباينات, كانت رغبته بلا شكٍ أن يعتبر نصٌ واحدٌ فقط من بين النصوص المتعارضة نصا أصيلا, إلا أنه لم يُقدم على تحمل عناء تحقيق رغبته مطلقا. فبالرغم من أنه, نظريا, كان مؤمنا بحرفية الإلهام, إلا أنه لم يدفع بعقيدته هذه إلى أقصى نتائجها, فنباهته العملية لم تأخذ هذه الأمور حرفيا أخذ فقهاء القرون التالية لها. إلا أنه أحيانا كان يحجب قطعا كاملة أو آياتٍ, حاثّا أتباعه على محوها أو نسيانها, ومعلنا أنها قد "نُُسخت." إحدى الحالات الأكثر إثارة للاهتمام هي حالة الآيتين من سورة النجم, واللتان اعترف فيهما أن ثلاث إلهات وثنيات هن كائنات علوية, لهن تأثير على الله. لقد فعل هذا في لحظة ضعف, حتى يكسب مواطنيه إلى جانبه من خلال تقديم تنازل مع إبقاء منزلة عالية لله. ولقد نال غرضه بالفعل, إلا أنه ندم لاحقا, وأعلن أن الكلام المذكور كان من وحي إبليس.
إن كان هذا هو الأمر بالنسبة للقراءات المنسوخة, فإن الحالة تختلف عندما نجيء إلى حالات نسخ الشرائع والأحكام الموجهة إلى المسلمين, والتي كثيرا ما تظهر في القرآن. لا يوجد في هذا الأمر ما يتعارض مع فكرة محمدٍ عن الله. فالله بالنسبة له حاكمٌ مطلق , فهو يعلن أن أمرا ما أمرٌ صحيحٌ أو خاطئ لا من حاجة متأصلة , بل بمشيئة عبثية منه. هذا الإله ينوع أوامره حسب رغبته, فيصف شرعة للمسيحيين وأخرى لليهود وثالثة للمسلمين, بل أنه يغير تعليمات للمسلمين ساعة يشاء. لذلك, على سبيل المثال, يحتوي القرآن على توجيهات مختلفة جدا, يلاءم كلٌ منها ظرفا مختلفا, بالنسبة لمعاملة التي يجب أن يتلقاها الوثنيون على يد المؤمنين. إلا أن محمدا لم يبال كثيرا بإتلاف هذه الشِرَع المُستبدلة.
لا يمكن أن يكون المؤمنون في موضع شكٍ حول أيٍ من الفقرتين المتعارضتين لا تزال فعالة, وربما يستمرون في إيجاد تهذيبٍ للنفوس في تلك التي أصبحت ملغاة. لم يخطر ببال محمدٍ أن الأجيال اللاحقة قد لا تتمكن من تمييز "المنسوخ" من "الناسخ" بسهولة, فرؤيته, بالطبع, قلما توسعت لتفكر في مستقبل مجتمعه الديني. كانت الأحداث الجارية تُذكر دائما في الآيات. نال إعجاب المؤمنين ملاحظة عدد المرات التي أعطاهم الله فيها إجابة على مسألة كان البت فيها مطلوبا بإلحاح في تلك اللحظة. تظهر السذاجة نفسها في ملاحظة الخليفة عثمان حول إحدى المُعضلات: "لو أن رسول الله كان حيا, لنزل قرآنٌ في هذه المسألة." كثيرا ما كان يلاحَظ بأن الكلام الإلهي يتفق مع النصيحة التي قد تلقاها محمدٌ من أتباعه الأشد قُربا." تقول إحدى الروايات المتواترة: "كان لعمر في كثير من الأحيان رأي ما,فينزل القرآن وفقا لرأيه". (وافقني الله على ثلاثة).
إن محتويات الأجزاء المختلفة من القرآن متنوعة للغاية. تتألف العديد من الفقرات من تأملاتٍ دينية أو أخلاقية. يتم تذكيرنا بعظمة الله وخيره وصلاحه كما يتجلى ذلك في الطبيعة وفي التاريخ وفي ما نزل على الأنبياء من الوحي, وبالأخص ما نزل عبر محمد. يتم تعظيم الله على الواحد المقتدر. تُشجب الوثنية بغزارة ومعها جميع أشكال تأليه المخلوقات كعبادة المسيح باعتباره ابنا لله. توصف مسرات الجنة وعذابات الجحيم بأوصاف خيالية حسّية تنبض بالحياة, وكذلك الرعب الذي يستولي على الخليقة عندما يجيء اليوم الآخر وحساب العالم. يتلق المؤمنون تعليما أخلاقيا عاما, بالإضافة إلى توجيهات تتعلق بظروف معينة. يتم توبيخ المتوانين, وتهديد الأعداء بعذاب أليم في الدنيا وفي الآخرة. يتم شرح حقيقة الإسلام للمتشكك, وتسود طريقة معينة ولكن غير قوية الحجة لتبيان ذلك. في العديد من الفقرات يتخذ الكتاب المقدس عند المسلمين أسلوبا وعظيا مسهبا, تبدو فقراتُ أخرى أشبه بإعلانات أو أوامر عامة. عدد كبير من الفقرات يحتوي تشريعات شعائرية أو قانونية, أو حتى أوامر خاصة موجهة إلى أشخاص, مسائل قد تنحط بمستواها إلى درجة تنظيم أمور حريم محمد. في فقرات ليست بالقليلة, تتم الإجابة على أسئلة كانت قد طُرحت على النبي حقيقة من قبل المؤمنين أو من قبل الكفار. يتلقى محمد نفسه بتكرارٍ أوامرَ مباشرةٍ, ولا ينجو من توبيخ في بعض الأحيان. إحدى السور (الفاتحة) هي عبارة عن دعاء, واثنتان (الفلق والناس) هما عبارة عن تعويذتين سحريتين. تتناول العديد من السور موضوعا واحدا, بينما تحتضن سورٌ أخرى مواضيع عدة.
من ضمن كم المواد التي تُشكل القرآن, وما ذكرناه بعيد عن أن يكون مستوفيا, علينا أن نختار سير الأنبياء القدامى والأولياء لكونها تحتوي على أهمية غريبة. كان غرض محمد من هذه السير إظهار كيف أن الله قد كافأ الصالحين وعاقب أعدائهم في الأزمنة الخالية. في معظم الأحيان تكون وضيفة الأنبياء القدماء إدخال تنويع بسيط في الصيغة, لأنهم في كل حالة تقريبا نسخة طبق الأصل عن محمد نفسه. إنهم يعظون بنفس طريقته, وعليهم أن يوجهوا نفس التهم لخصومهم, والذين بدورهم يتصرفون كالكفار من أهل مكة بالضبط. إن القرآن يذهب بعيدا لدرجة أن يجعل نوحا يحتج على عبادة آلهة كاذبة معينة, مذكورة بالاسم, كان يعبدها العرب في زمن محمد. في خطاب وُضع على لسان إبراهيم (الشعراء:69 ومايليها), ينسى القارئ تماما أن من يتكلم هو إبراهيم, وليس محمد (أو الله نفسه).
يكون الغرض من قصص أخرى الإمتاع على الأغلب, بالرغم من أنها دائما ما تُحَلّى بالعبارات التحريرية. لا عجب أن اعتقد القرشيون الكفار أن قصص القرآن هذه ليست أكثر إمتاعا من تلك التي لرستم وإسفنديار والتي كان يرويها لهم النضر بن الحارث, والذي, لكونه كان يترحّل متاجرا, قد تعلم عند الفرات أساطير الفرس البطولية. إلا أن النبي قد بلغ منه الحنق على منافسه لدرجة أنه أمر بإعدام النضر عندما وقع في يده بعد معركة بدر بالرغم من أنه عفى عن أهل بلده في جميع الحالات الأخرى مباشرة.
تدور هذه القصص حول شخصيات من الكتاب المقدس بشكلٍ رئيسي, وخصوصا تلك التي من العهد القديم. إلا أن الاختلاف عن الروايات الكتابية واضح جدا. إن العديد من التحويرات موجود في الحكايات الخرافية للهاجادة اليهودية وأبوكريفا العهد الجديد, إلا أن ما هو أكثر عددا من لك من التحويرات يعود إلى إساءة فهم لا يقع فيها إلا مستمعٌ (لا قارئ لكتابٍ). فحتى أكثر اليهود جهلا لن يخطئ بالاعتقاد أن هامان (وزير أحشويرش) هو وزيرٌ لفرعون, أو يعتقد أن مريم أخت موسى وهارون هي نفسها مريم أم المسيح.
بالإضافة إلى مثل هذه الأشكال من إساءة الفهم, هنالك تحويراتٍ متعددة, وبعضها فظ للغاية , ترجع إلى نزوةٍ من محمدٍ نفسه, فهو, على سبيل المثال, يجعل أساس خصوبة مصر , حيث لا يكاد يُرى مطرٌ ولا يُفتقد, تعتمد على المطر بدلا من اعتمادها على فيضان النيل, لجهله بكل ما خارج الجزيرة العربية (يوسف: 49). تعكس قصة "ذي القرنين" (أي الإسكندر الأكبر (الكهف: 83 ومايليها)), كما اكتُشِف مؤخرا, قصة سخيفة نوعا ما, كتبها سرياني في بداية القرن السادس, ولنا أن نعتقد بأن محتواها قد رُوِي للنبي على يد أحد المسيحيين. بالإضافة إلى التواريخ اليهودية والمسيحية, كان هنالك قصص قليلة العدد عن أنبياء من شبه جزيرة العرب. يبدو لنا فيها أنه قد تصرّف بما تحت يده من مواد بشكل أكثر تحررا من غيرها من القصص.
يتبع.....
|