6.
الفكر الشيعى و سياسة اللا عنف
إن مما لا شك فيه عند كل المفكرين الشيعة إن دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أساسا هي دعوة للتغير بدون عنف ، بل هو أهم من أمر بالصبر والتصابر وعدم اللجوء إلى السلاح الا في حال رد العنف الواصل لحد خطر الاستئصال ، ولهذا أوصى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بالصبر وعدم استخدام أي عنف في تحقيق مقاصد الشريعة ، وقد رأينا كيف سكت أمير المؤمنين ع وبدأ يربي المسلمين على التمييز بين الحق والباطل حتى أصبح مسار الإسلام واضحا لدى نخبة كبيرة من الأنصار وقلة قليلة من المهاجرين ، ونتيجة ذالك حصل ان بويع أمير المؤمنين ع بالإرادة المحضة بخلاف من سبقه ، مهما كانت المبررات والتحايل في تحسين الصورة ، وهكذا حال الأئمة الطاهرين كلهم بلا استثناء ، يرون التغيير السلمي بدون عنف ، وإسقاط الظالم بنشر الوعي في المجتمع المسلم لخطورة جرائم السيطرة غير الشرعية على الحكم ومقدرات الناس والاستمتاع بمال المسلمين بدل المشاريع التنموية التي ترقي من المجتمع الإسلامي. الذي أدى إلى عدم انتشار الإسلام في كل الكرة الأرضية نتيجة هدر الموارد والاستمتاع بالنساء والغلمان والتفاخر بالقصور وما مشابه ذلك وكلها بأموال المسلمين .
ان صيغة نشر الفضيلة سرا ، ونشر الوعي المعارض سلميا، عند الشيعة مشهود له في جهات العالم حتى انه ما من عالم دارس الا ويعتبر الشيعة هم أهم معارض سلمي طويل التواصل تاريخا لحد الآن في الكرة الأرضية .
وقد نشر الأئمة سلام الله عليهم مبدأ التقية وهو مبدأ يبرمج الإنسان ليكون فاعلا ومؤثرا في مجتمعه مع اقل الخسائر ، فقد عرف أئمتنا ان مجابهة الطواغيت لها ثمن خطير ، لهذا يجب تعليم المؤمنين كيفية الموازنة بين الوصول إلى أهداف العدل والشرعية ، مع اقل مستوى من الخسائر ، وهذا ما جعل من التشيع المذهب العجيب في العالم الذي كلما ازداد اضطهاده كثر أتباعه ، وهو في تزايد كبير في هذا العالم حتى أصبح نسبة الشيعة إلى العالم الإسلامي يتراوح بين 30-40% من مجمل المسلمين بعد ان لم يكن بنسبة 1% في الزمن الأموي وقبله ، حسب ما يفهم من مسار الأحداث .
قد يشكل مستشكل فيقول : بان الشيعة معروفون بالثورة والثورية والعنف الثوري ، واهم قضية لديهم تدل على العنف الثوري هي ثورة الإمام الحسين عليه السلام .
فنقول : إن ثورة الإمام الحسين عليه السلام على الظلم كانت ثورة إصلاحية ، ولم تكن ثورة مسلحة إطلاقا ، ولعل بعض الباحثين كان يرى أن دراسة حركة مسلم بن عقيل رسول الإمام الحسين تدل على انه موصى أصلا بعدم استخدام العنف ، ولهذا تفرق الناس عنه حين عمل السيف والدعايات والحرب النفسية في المجتمع المناصر لمطالب الإمام الحسين عليه السلام ، والذي حدث ان الإمام عليه السلام امتنع عن بيعة الفاسق الجائر وطالب بإصلاح النظام الإسلامي ، ومن ثم أخفى نفسه عن عيون القتلة في مكة والمدينة ، واتى إلى الكوفة وقد علم بتخاذل الناس عن رسوله ومقتل رسوله ، وهو في الطريق قبل ان يأتي إليه جيش بن زياد.
وقد حاول ان يأخذ مسارا للابتعاد عن عيون أعداء الإنسانية ، ولكن جواسيسهم لاحقته ، فتصدت له جيوش وهو في رهط من عياله وأصحابه ، وحاول الابتعاد عن الكوفة حتى وصل إلى كربلاء فنازلوه ، فكان لها ، وحاشى الإمام ان يكون جبانا في مواجهة الموت ، او رعديدا يتنازل عن مطالبه لمجرد حصره في زاوية ضيقة ، فكان ان قابل جيوشهم بعدد غير متوازن فضرب أروع الأمثلة لمناضل غير عنيف في دعوته ، وقد حوصر فلم يطلب من الجماهير العنف ويهرب ، وانما قابل المصير بنفسه ، وطلب من كل رجل وامرأة معه ، ان يتخلى عنه طواعية ليسلم ، ولكن أصحابه كانوا على طريقته وهديه ، وكلهم كان مشروعا للشهادة في سبيل مبادئ الاسلام الحقيقي ، فلم يخذلوه حتى الموت ، وكان استشهاد الإمام الحسين هو المحرك الحقيقي للوعي الإسلامي ، فحصلت التبدّلات السلمية أو العنيفة في المجتمع الإسلامي ، وسقطت الدولة الأموية بكل جبروتها واندفاعها العسكري الهائل ، وحين هجم العباسيون على هذه الدولة ، لم تجد من يقف معها من المجتمع المسلم وكان التخلي عنها هو ابسط جواب عن قناعة الشعب المسلم بجريمة هذه الدولة وعدم استحقاقها للبقاء.
فالقول بان ثورة الإمام الحسين دليل على استخدام العنف في دعوة الأئمة ، قول عار عن الصحة إطلاقا . ومسيرتهم وكلماتهم الشريفة تدل على عكس هذا القول ، بل ان فقهاء الشيعة وأهل الاعتقاد منهم يعلمون علم اليقين ، ان التشيع هو دعوة للإصلاح وإسعاد الإنسانية عن طريق اللاعنف ، وهذا هو سلوك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام .
وملخص دعوتهم (هي الشرعية ، الإصلاح ، السعادة للمجتمع ، التقدم اقتصاديا وسياسيا وحقوقيا ، حفظ الحقوق والحريات والموازنة بينها ، عدم الخروج عن تعاليم الإسلام ) ، وهذه كلها مبادئ مكروهة عند الجائرين ، ومحاربة من قبلهم بكل تفاصيلها .
ولم يقم أي إمام وحتى الرسول نفسه لنشر دعوته التوحيدية الإصلاحية لبناء المجتمع الأمثل ، بالعنف والسيف ، وإنما هجم عليه أعداء الحقيقة وأهل المطامع واللذات الدنيوية بالقوة العسكرية والمؤامرات الدنيئة ، وقد أفشلهم الله ، وهكذا عملوا مع علي ومع الحسن ومع الحسين ومع بقية الأئمة الطاهرين ولم يصدر منهم أي أمر بابتداء حرب أبدا ، ولا مؤامرات ضد الحاكم ، وإنما كان عملهم المطالبة بالمبادئ السامية ، والثبات عليها ، ونشر الوعي بترك الحاكم وعدم التعاون مع الظلمة ، حتى أن خياطا يخيط الألبسة للظلمة ، سأل الإمام: هل هو من أعوان الظلمة ؟ فأجابه الإمام: إن أعوان الظلمة ، هم من باعك الخيط والإبرة ، يعني انه دخل في العملية الإنتاجية للظلم فهو من الظلمة فعلا لا من اعوانهم.
فهل هناك توجيه لمناعة أكثر من هذا ؟ .
واما من يدعي ان الإسلام قام بالسيف ، فهذا إنما يدعيه من يمثل الإسلام الذي لا يعرفه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو إسلام القتل والذبح من أجل مصلحة الحاكم وبالظنة والتهمة . وليس لدينا ما يشير إلى ذلك مطلقا ، وما يستدل به مما هو منسوب للرسول بدون سند كما ورد في (شجرة طوبى) للمازندراني ج 2 ص 20 وقد نسبه إلى النبي ( ص ) أنه قال : (ما قام ولا استقام ديني إلا بشيئين مال خديجة وسيف علي ابن أبي طالب .) . فهذا النص لا يعني ان الإسلام قام بالسيف مطلقا ، وإنما ساعد سيف علي بن أبي طالب على بقاء الإسلام ن الغدر والهجمات المتتالية ، وهذه حقيقة مشهودة ، لإننا إذا درسنا ما وقع على الإسلام من مؤامرات ومن محن خلّصه منها سيف علي عليه السلام ، لعرفنا صدق هذه المقولة ، ولكن لا يعني ان النبي دعا لتخيير الناس بين السيف وبين الإسلام، كما يريدون قوله ، ولا هو قد ابتدأ الحرب حتى في معركة بدر الكبرى، فان الجيوش قد جاءت للرسول ص ، وليس هو من ذهب إليها ما يفهم بعض من لم يتعمق في الحدث، ليردوا على رسالة التعرض لقافلتهم الذي كان عقوبة تجارية على سلب أموال المسلمين في مكة ، ولم تكن حربا ، وقد تفادها أبو سفيان وحرف مسيره فتركه النبي ص، ولكنه بعث رسالة واضحة بأنه لا يتوانى عن المطالبة بالحقوق. وهذه هي الحرب الوحيدة التي قيل عنها انها ابتدائية ، وهي ليست كذلك في الحقيقة.
ومن يحب أن يعرف حروب الإسلام الشرعية، فليراجع هنا:
http://www.nadyelfikr.com/showthread.php?tid=46881
السيد مهدي الحسيني.