{myadvertisements[zone_1]}
 
تقييم الموضوع:
  • 0 صوت - 0 بمعدل
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات: 689
الانضمام: Sep 2004
مشاركة: #12
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الثاني عشــــــــــــــــــــــــــــــر


نهض سورنجان من فراشه في العاشرة من صباح اليوم التالي . كلن ينظف أسنانه في الشرفة عندما سمع أشرف ابن خادم علي يقول لأمه :

ماشيما , إن بوتو كان يقول ليلة أمس أنهم عثروا على جثة فتاة طافية تحت جسر جنداريا تشبه مايا .

تيبست قبضة سورنجان على الف5رشاة و سرت رعشة خفيفة في جسده , أحس أنه وحيد بشكل مرعب و فظيع . لم يتمكن من سماع أي صوت في جميع أنحاء المنزل الأخرى . لا بكاء , لاشيء . المنزل مله صامت و ساكن بشكل غير طبيعي . كما لو أن أقل جملة تقال سيكون لها صدى على حوائط الصمت التي ترتفع حول البيت . كما لو أن لا أحد يعيش في هذه المدينة على مدار الألف سنة الماضية سواه . كل المدينة راقدة في هدوء . لم تستيقظ بعد من احتفالات "عيد النصر " ليلة أمس . كان لا يزال واقفا يحمل فرشاته عندما مر حيدر . ولأن العيون قد تلاقت فقد تطلب الذوق أن يتبادلا التحية . توقف حيدر و سأله :
كيف حالك ؟
ابتسم سورنجان و قال :
رائع 1

كان من المتوقع أن يدور حوار حول مايا لكن ذلك لم يحدث . استند حيدر على سور الشرفة و قال :
بالأمس في جامعة راج شاهي , بعد الاحتفالات , نبش أعضاء " معسكر الجماعة " المقابر الجماعية .

بصق سورنجان بعض معجون الأسنان على الأرض و قال :

ماذا تعني بالمقابر الجماعية ؟
نظر إليه حيدر مدهوشا و قال :
ألا تعلم معنى المقابر الجماعية ؟

هز سورنجان رأسه . تكدر وجه حيدر بالارتباك . كيف يمكن ل سورنجان , الذي كان وسط حركة الأحداث خلال حرب الاستقلال ألا يعرف معنى المقابر الجماعية .

فكر سورنجان , إذا حطم أفراد المعسكر شواهد القبور الجماعية فأهلا و سهلا بهم . إنهم يحملون أسلحة وإذا وجدوا أي سبب لاستخدامها , فمن يمكنه أن يمنعهم ؟
حتى إذا حطموا الاستقلال غير المرئي و الوطن نفسه بكل من حاربوا من أجله , فمن يمكنه أن يمنعهم ؟ سوف تنظم بعض المسيرات و الاجتماعات و تردد بعض الشعارات مثل :" لابد من إنهاء سياسات قادة شباب جماعة شيبر " . وسيكون هذا كل شيء . هذه الاعتراضات لا يمكن أن تغير شيئا . بعد ومضة انزعاجه استغرق حيدر في الصمت . بدا أنه يرغب في قول شيء . بعد لحظات قال :

هل عرفت ؟ بارفين هنا هذه الأيام , لقد طلقت من زوجها

لم يعلق سورنجان . لم يشعر بأقل الأسف على طلاقها . على العكس كان سعيدا . لقد أصروا على تزويجها لمسام بدلا من الهندوسي , وهاهم يرون إلى أين أدى بهم ذلك . شتم سورنجان بارفين شتيمة بذيئة في قلبه . في هذا الوقت المبكر من الصباح , وخصوصا و المرء ينظف أسنانه , ليس للشتيمة الجنسية أي جاذبية . ولكن في هذه الحالة , طالما أنه يقتصر على عقله , كان للأمر جاذبيته . بعد برهة قال حيدر :
أراك فيما بعد
ثم رحل . لم يجب سورنجان بأي شيء على الإطلاق.

أصبح سودهاموي قادرا على الجلوس الآن . بمساعدة مخدة ستند ظهره جلس يستمع إلى صوت المنزل . فكر في أن الشخص الوحيد الذي كان يرغب في الحياة بينهم هي مايا . لولا مرضه, لما أتت مايا من عند بارول و لما اختطفت بهذه الطريقة . يقولون أن شخصا ما رأى جثتها تحت الجسر . من يذهب ليتعرف على الجثة ؟ عرف أن لا أحد من أسرته يريد أن يذهب لأنهم يريدون جميعا أن يصدقوا أنها ستعود في يوم من الأيام . إذا تعرفوا على الجثة و اتضح أنها مايا , فسوف يتلاشى الأمل في أنها ستعود في يوم أو يومين , أو ربما شهر أو شهرين , أو حتى أطول من ذلك . هناك أنواع من الأمل تساعدنا على الحياة , القليل جدا في هذه الحياة يجعلها تستحق أن نعيشها . و لذلك لا معنى في أن نفقد هذه الآمال التي تجعل الحياة تستمر . بعث وراء سورنجان . مر وقت طويل لم يفعل فيه ذلك . طلب منه الجلوس بجواره و قال بصوت منكسر :

أخجل من الجلوس هكذا خلف الأبواب و النوافذ المغلقة .
هل تشعر بالخجل , حسنا , أنا أشعر بالغضب
أيضا أنا قلق بشدة عليك
لماذا ؟
تعود للبيت متأخرا . هاريبادا جاء أمس . الموقف في بهولا ازداد سوءا الآلاف فقدوا منازلهم و نساء كثيرات اغتصبن .
هل هذه أخبار بالنسبة لك ؟
طبعا , هي أخبار . و هذا سبب قلقلي عليك يا سورنجان
قلق علي ؟ لماذا ؟ ألست قلقا على نفسك و على أمي ؟
ما الذي سيفعلونه بنا ؟
سيقطعون رأسيكما و يلقون بهما في نهر يوريجانجا . ألا تزال لا تفهم طبيعة هؤلاء الناس في هذا البلد ؟ سوف يصنعون وجبة من أي هندوسي يعثرون عليه . لن يفرقوا بين شاب و عجوز , يمكنني أن أؤكد لك هذا .

تغضنت جبهة سودهاموي بالغلط :
ألست واحدا من " ناس هذا البلد "
لا لم أعد أعتقد أنني واحدا من هذا البلد . إنني أحاول جاهدا و لكن لا أستطيع من قبل عندما كان كاجال-دا يتكلم عن التحيز للمسلمين كنت أقول له :" لا تضيع وقتنا بكم خسر الهندوس و كم يتعرضون للحرمان . هناك الكثير يحتاج إلى عمله في البلد ".الآن أدرك أنه كان على حق . إنني أتغير . لم يكن ينبغي أن تكون الأمور هكذا يا بابا ..

كان صوت سورنجان يتلعثم . ربت سودهاموي على ابنه مطمئنا و قال :

الناس يتحدثون عن هذا فعلا , و يعترضون أيضا , الصحف تنشر التقارير عن كل ما يحدث , المثقفون يدلون بآرائهم كذلك .

كان سورنجان متضايقا الآن وهو يقول :

كل هذا لغو هراء . فريق يقتحم الميدان بالسكاكين و الفؤوس بينما الفريق الآخر يرد بأصوات مرتفعة و أياد عزلاء . هذا لن يجدي . الفأس يجب أن تقابل بالفأس . من الحماقة أن نواجه سلاحا بأيد عارية .

هل تريد أن نتخلى عن أفكارنا الرفيعة ؟
أية أفكار تتحدث عنها؟ كل هذا هراء .
خلال الأيام القليلة الماضية , ازداد شعر سودهاموي ابيضاضا . لقد أصبح ظلا لنفسه القديمة , لكن عقله لا يزال متمسكا بمعتقداته .

لا تنس أن الناس يعترضون على الأقل . في كم من البلاد يسمح بذلك ؟

لم يتكلم سورنجان . كان يفكر في أن اسم " جمهورية بنغلادش الشعبية " سوف يتغير قريبا إلى اسم " جمهورية بنغلادش الإسلامية ". سوف توجه تعاليم الإسلام الحياة في هذا البلد . النساء سوف يرتدين النقاب و عدد الرجال الذين يرتدون الطواقي و يطيلون اللحى سوف يزداد أيضا . بدلا من المدارس و الكليات العادية سيكون هناك عدد كبير من المساجد والمدارس الإسلامية . وببطء ولكن بثقة سوف يذبح كل الهندوس . التفكير في هذا جعل عظامه تقشعر . إذا قدر لهم أن يعيشوا بعد ذلك , سوف يبقون في بيوتهم مثل أعداء المجتمع أو المجللين بالعار . إذا رأىا مسرة في الشارع تعترض على شيء ما ,
سوف يبقى في بيته تجنبا للخطر . المسلمون فقط يمكنهم الاعتراض بدون تردد . ولكن لن يستطيع الهندوس ذلك . الحاضر نفسه ليس أفضل من هذا الممكن حصوله في المستقبل . إن يقال أ الهندوس يضطهدون أمر يفضل أن يقوله مسلم و ليس هندوسي . وذلك لأنه ليس هناك بديل , إذا غامر هندوسي بالاعتراض بصوت عال , فإنه سوف يخاطر بقطع عنقه في منتصف الليل عقابا له . إذا ارتكب مسلم جريمة سوف يعاقب و لكنهم سوف يبقون على حياته . أما إذا قال سودهاموي شيئا لا يجب أن يقوله , فقد يأتون لقتله في منتصف الليل , إذا قرر الهندوس أن يغضبوا , فلن يرد عليهم المتعصبون فحسب بل المسلمون التقدميون المتحررين أيضا , التقدميون في واقع الأمر يصنفون أنفسهم إلى هندوس و مسلمون ! فكر سورنجان في نفسه كرجل متمدن . الآن , الآن بدأ هو نفسه في الشعور بأنه هندوسي . مرة أخرى راوده التفكير . هل هو يتعفن من الداخل ؟ إنه مقتنع الآن بأنه يتعفن . طلب سودهاموي منه أن يقترب . وسأله بصوت منكسر :

ألن نعثر على مايا على الإطلاق ظ
لا أعلم
كيرون لم يغمض لها جفن منذ الاعتداء . وهي قلقة عليك أيضا . إذا حدث لك أي شيء ..

إذا كان يجب أن أموت سأموت . الكثيرون يموتون على أي حال .

الآن يمكنني الجلوس . كيرون تساعدني على التحمم . ولكن إذا لم أعد إلى لياقتي , فلن أكون بحال تسمح لي بفحص المرضى . لم ندفع إيجار البيت منذ شهرين . ربما لو حصلت على عمل ..
لن أعمل لدى غرباء ..

في الواقع أسرتنا ... أعني أنه لم يعد لدينا أرض . حقل مليء بالأرز و حوض مليء بالسمك , و مزرعة مليئة بالبقر الحلوب .. نعم أنا ذقت كل هذا . أنت لم ترى شيئا منه و ذلك يؤسفني جدا . لقد بيعت أرضنا في القرية . لو أن جزءا منها لا يزال لدينا لكان بإمكاننا أن نبني بيتا صغيرا و ننفق فيه ما بقي من عمرنا .

خرج سورنجان عن طوره و صاح في والده بغضب :

دلا تتكلم مثل الحمقى . هل كنت تستطيع العيش في القرية ؟ ألم ترك أن كبار رجال القرية كانوا سيأتون بقضبانهم و يسحقون راسك لإجبارك على التخلي عن كل ما تملكه ؟

لا يجب عليك أن تسيء الظن بالجميع . بالتأكيد هناك بعض الناس الطيبين ؟
لا .. لم يعد هناك واحد منهم .
أنت متشائم بدون داع .
ليس بدون داع ز

ماذا عن أصدقائك ؟ كل هذه الأيام التي درست فيها الشيوعية . و انضممت إلى الحركات الشعبية و ناقشت فيها هذه الأفكار مع أناس عقلاء .. أليس هؤلاء من الطيبين ؟

لا , ولا واحد منهم . كلهم طائفيون
هل أصبحت أنت نفسك طائفيا ؟
أنا كذلك , هذا البلد جعلني طائفيا . ولا يلومني أحد
قال الوالد بشك :
هذا البلد يجعلك طائفيا ؟

نعم هذا البلد . و ضغط بأسنانه على كلمة " البلد " , صمت سودهاموي . نظر سورنجان إلى حطام الغرفة . شظايا و قطع الزجاج لا توال على الأرض . ألا تمزق هذه أقدامهم ؟ لقد مزقت قلوبهم بالفعل


وقد سورنجان في فراشه طوال النهار , لم يشعر بالرغبة في الذهاب إلى أي مكان . ولا برغبة في التحدث مع أي شخص . هل يجب أن يذهب و يلقي ولو نظرة سريعة على الجثة التي وجدوها تحت الجسر ؟ هل يجب أن ينظر إلى الهيئة المنتفخة بالماء لمايا لو كان هذا جسدها فعلا . لا , قرر ألا يذهب إلى أي مكان .

بعد الظهر بوقت كثير . نهض من الفراش و بدأ في التجول في الفناء ز فجأة قرر أنه يجب أن يفعل شيء ما . دخل البيت وأخرج كل كتبه و كومها على الأرض . اعتقدت أمه أنه يخرج الكتب ليضعها في الشمس لإخراج دود الكتب منها .

" رأس المال " أفكار لينين و إنجلز و ماركس و مورجان و جوركي و ديستوفسكي و توليستوي و سارتر و بافلوف و طاغور و مانيك بانديو بادهايا و نهرو و أزاد , كتب في علوم الاجتماع و الاقتصاد و السياسة و التاريخ , كتب في حجم الصخور وكتب أصغر من ذلك بكثير .. عندما انتهى من جمعها كلها و صفها على الأرض , أشعل عود ثقاب وأشعل فيها النار . تماما كما يفعل الأصوليون المسلمون عندما يشاهدون الهندوس , هكذا تفعل النار عندما تجد الورق . امتلأ الفناء بالدخان الأسود . نبهت رائحة الورق المحترق أمه فجاءت من غرفتها . ابتسم لها سورنجان و قال :

هل تريدين أن تدفئي نفسك على النار؟ لماذا لا تأتين ظ

سألته والدته بقلق :
هل جننت ؟
نعم يا أمي , كنت طوال عمري فتى طيبا الآن قررت أن أصبح مجنونا . إذا لم يكن المرء مجنونا فليس هناك أي راحة .

وقفت الأم بالباب تراقي لهيب أضحية سورنجان . لم تندفع إلى الحمام لإحضار بعض الماء لإطفاء النيران كما يفترض أن تفعل . كان بالكاد يظهر جسمه خلف الشعلات السوداء السميكة . فكرت و تخيلت أن ابنها نفسه في النار . داخل المنزل زاد من هم والده أن ابنه اللامع , المجتهد في دراسته , الذي كان محصنا ضد السم حتى الآن كان الآن يتجرع السم بنفسه . طوال هذه الساعات من الرقاد في الفراش , , و المناقشات الصاخبة مع أصدقائه و شتم المسلمين و الآن حرق الكتب ..

أدرك سودهاموي مدى الجرح الذي يعاني منه و مدى امتلائه بالألم , لقد تألم على يد أسرته و مجتمعه و فوق ذلك بلده , و اليوم يحرق نفسه في لهيب عقدة النقص .

ابتهج سورنجان بالنار . هكذا تحرق بيوت الهندوس في كل أنحاء البلاد ولكن هل هم يحرقون البيوت و المعابد فقط , ألا يحرقون قلوب و عقول الهندوس أيضا ؟ عزم سورنجان على نبذ أفكار والده المثالية منذ اليوم . كان سودهاموي يؤمن بأيديولوجية اليسار , و تربى سورنجان على دوجمائيته , ولكنه لن يتمسك بها لأكثر من ذلك . لماذا يفعل , وهو قد سمع اليساريين أنفسهم يصفون الهندوس بالأوغاد !

امتلأت عينا سورنجان بالدموع من الدخان , هل هي دموع الأسى , أم أنها بسبب الدخان فحسب ؟ شعر بسعادة عندما انطفأت النيران ولم يبقى شيء من الكتب سوى الرماد . حتى الماضي القريب كانت تشحنه بأفكارها و مبادئها الزائفة . كان مريضا و مجهدا من هذه المبادىء . وتمنى أن يرفس هذه المبادىء بكل قوته . لماذا يلتزم وحده بمثل هذه المعتقدات ؟ معظم الناس يرتشفون من كوب المعرفة و لا يشربون منه أبدا , لماذا يعب وحده بغباء من نبع المعرفة ؟

عندما انتهت الأضحية أراد أن ينام , حاول ولم يستطع . وواصل التفكير في راتنا لم يلتق بها منذ زمن طويل , تساءل عن حالها . فكر في أن عينيها السوداوين العميقتين معبرتان للغاية حتى أنها لا تحتاج إلى أن تتكلم . لابد أنها تأمل في أن يأتي ذات يوم و يطرق بابها و يجلسان و يتحدثان معا عن حياتهما أثناء تناول الشاي . وهو راقد في السرير قرر أن يزورها هذا المساء و يقول لها :

لماذا ينبغي أن أكون أنا فقط الذي يأتي لزيارة الناس ؟ ألا يرغب الآخرون في زيارتي ؟

تملكه شعور غريب بأنه ذات مساء كئيب سوف تأتيه راتنا فجأة و تقول له :
شعرت بأنني وحيدة جدا يا سورنجان , ولذلك فكرت في أن آتي لرؤيتك

لقد مر زمن طويل منذ أن قبله أحد ما . اعتادت بارفين على تقبيله . كانت تحضنه بقوة و تقول :

أنت ملكي , ملكي أنا فقط . اليوم سأقبلك مائة قبلة .

وإذا دخلت أمه الغرفة فجأة كانا يسارعان في التباعد .. مع كل ذلك اختارت أن تتزوج رجل مسلم , على أمل أ، تتجنب كل أنواع المشاكل . مع راتنا ليس هناك تعقيدات طائفية أو عقائدية , ولقد وضع حياته التعيسة تحت قدميها وهي تعرف كل شيء عنها .

لابد أن يزورها هذا المساء , هكذا قرر أن يغسل كل التراب و سخام الحريق عن جسده , و يرتدي قميصا نظيفا و يذهب إلى بيتها . عندئذ سمع طرقة على الباب فتحه ليجد راتنا عند العتبة . بدت جميلة و هي ترتدي ساري ساحر و تغطي يديها بالأساور التي تصدر رنينا عندما تحركها . ابتسمت و امتلأ هو عجبا من جمالها و نعومتها .

تعالي , تفضلي بالدخول ..
بينما كان يدعوها للدخول لاحظ شابا وسيما يقف خلفها . أين يمكن أن يدعوهما للجلوس ؟ الغرفة في حالة مزرية . أعطاها مقعدا مكسورا لتجلس عليه
ابتسمت راتنا و قالت :

احزر من الذي معي ؟

لم يلتق بأخيها من قبل و تساءل عما إذا كان هو هذا الشاب الصغير

جلجل صوت راتنا وه مثل أساورها وهي تقول :

إنه هيومان زوجي .

اجتاحت دوامة عنيفة قلبه . آخر شجرة لجأ إليها اقتلعت من جذورها أمام عينيه . كان يأمل أن بعوض حياته الضائعة بالاستقرار مع راتنا , ولكنها كانت هنا مع زوج مسلم !

امتقع وجهه بالغضب . كيف تفعل به هذا ! أن يفكر أن الجرأة واتتها لكي تحضره إلى هنا , بالتأكيد هو لا ينوي أن يجلس مع راتنا وزوجها الوسيم وربما الغني أيضا ليجري معهما حوارا صغيرا في غرفته الفقيرة المحطمة . ولا كان يرغب في أن يصافحهما و يطلب منهما أن يكررا الزيارة . فلتذهب كل هذه الواجبات الاجتماعية إلى الجحيم . التفت إلى ضيفيه و قال بجفاء :

أخشى أنني مضطر إلى الخروج لتأدية بعض الأعمال الطارئة و لا يوجد عندي وقت للحديث معكما .

المفاجأة و الغضب تبديا على وجهيهما . و اعتذرا بسرعة عن الإزعاج و رحلا . وقف متبلد المشاعر وقتا طويلا ولم ينتبه إلا عندما جاءت أمه إلى حجرته و قالت :

هل أعدت المال الذي اقترضته ؟

كلمة " اقترضته " بدت و كأنها سهم مسموم يقتحمه . نظر إلى أمه ولم يقل أي كلمة .

شعر بالاختناق . بدت له غرفته كصندوق حديدي لا مخرج له . خرج إلى الشرفة لبعض الوقت , ولكن لا شيء كان بمقدوره أن يمنع عنه الحزن الذي غمره مثل المطر الغزير . جاءت أمه بكوب من الشاي , وضعته على المائدة في صمت كعادتها و انصرفت . لم يحاول أن يشرب الشاي . رقد في سريره برهة ثم نهض مرة أخرى . هل ينبغي أن يذهب إلى الجسر لفحص الجثة ؟ التفكير في ذلك كان يزعجه . فجأة ظهرت أمام عينيه صورة للجسد الطافي في مياه المصرف خارج المنزل . البيت كله صامت مثل بركة عتيقة . مثل الحشرات التي تعوم فوق الماء الصامت في هذه البرك . كان أفراد البيت الثلاثة يمشون بحذر داخل هذا المبنى المتداعي دون أن يلتقوا , ودون أن يتواصلوا مع بعضهم البعض أبدا .

بدون أي إنذار قطعت كيرونموي الصمت بدأت في النحيب بصوت كأنه يأتي من أعماق الأرض شديدا و غير محتمل حتى أن سودهاموي جلس مشدوها و هرع سورنجان إليها , ليجدها واقفة تستند برأسها على الحائط و تبكي بدون قدرة على التحكم . أدرك سورنجان أن هذه الدموع لا يمكن إيقافها , هذه الدموع كان لا بد لها أن تنطلق . لأيام و ليالي حبست هذه الدموع ولكن السد انهار و ليس هناك ما يمكن عمله سوى الانتظار . جلس الأب ساكنا مطأطأ الرأس نحيبها الوحشي يمزق قلبه و يشعره بالعجز . أجهشت و أجهشت ولكن لم يسألها أحد عن سبب بكائها . لم يعد هناك حاجة للسؤال ولم يعزها أحد لأنه لم يكن هناك أحد يستطيع ذلك .

سورنجان الذي بقي واقفا عند باب الغرفة , مشى الآن بهدوء خشية أن تزعج خطواته دموعها .

منزل الأحلام انهار حتى الأساس و احترق حتى الرماد . كما و صدمتهم كيرونموي بنحيبها المفاجىء , هكذا فعل سورنجان أيضا انفجر بالبكاء صائحا :"أبي ... " نظر إلية الوالد مذهولا . أمسك بيدي أبيه الاثنتين و قال بتوسل :

أبي , كنت أفكر في شيء واحد طوال الليلة الماضية أعلم أنك سترفض اقتراحي , ولكن أرجوك أن تقبله ,أرجوك يا أبي .. أرجوك . فلنرحل من هنا

نرحل إلى أين ؟

إلى الهند .

بدا الاستياء على وجهه , كأن ابنه قد شتمه . كما لو أنه لم يكن يتوقع منه أن ينطق حتى بهذا اللفظ . توقفت دموع الوالدة بالتدريج . اهتز جسدها باضطراب و جلست على الأرض . واصل سودهاموي النظر إلى ابنه بقرف وهو يقول :

هل الهند موطن أبيك أو موطن أجدادك ؟ هل يعيش أحد من أسرتك في الهند ؟ هل تريد أن ترحل عن وطنك .. ألا تخجل من هذا ?

أي وطن هذا الذي تتحدث عنه يا أبي ؟ ما الذي أعطاه هذا الوطن لك ؟ ما الذي أعطاه لمايا ؟ لماذا تبكي أمي هكذا ؟ لماذا تتأوه أ،ت طوال الليل ؟ لماذا لا أستطيع أن أنام ؟

حوادث العنف تنشب في كل مكان . أليس هناك حوادث عنف في الهند ؟ ألا يموت الناس هناك ؟ هل أحصيت عدد الذين ماتوا هناك ؟

لو أنها كانت حوادث عنف لتفهمت ذلك يا أبي , ولكنها ليست كذلك . إنها ببساطة حالة قيام مسلمين بقتل الهندوس .

هل تسمي نفسك هندوسيا إذا ظ

حاول أن ينهض من فراشه ثائرا , لكن سورنجان أعاده إلى الجلوس بيديه وواصل التوسل .

مهما قلنا أننا ملحدون , أو أننا إنسانيون , هؤلاء الذين في الخارج سيقولون لنا أننا أولاد حرام . كلما أحببنا هذا البلد , كلما فكرنا أنه وطننا , كلما أجبرونا على الانزواء في الأركان . كلما أحببنا ناس هذا البلد , كلما عزلونا . لا نستطيع أن نثق فيهم يا أبي . أنت عالجت الكثيرون منهم بدون مقابل , وبكن كم منهم أتى ليقف بجانبك في محنتك ؟ عاجلا أم آجلا سوف ندفع جميعا تحت أحد الجسور لنموت يا أبي , دعنا نذهب.... دعنا نذهب ..

مايا سوف تعود

مايا لن تعود يا أبي .. مايا لن تعود .

كان صوته مثقلا بالحزن عاد سودهاموي بظهره إلى فراشه . جسده أصبح منهكا و غمغم بضعف :

إذا لم أستطع أن أحمي مايا , فمن سأحمي إذن ؟

أنفسنا , هل يجب أن نبقى لنبكي فقط على خسارة ماقد خسرناه بالفعل ؟ وفي وسط هذه الأوقات العصيبة ؟ ليس لدينا اطمئنان , ليس لدينا أي شيء , أرجوك لنرحل من هنا .

ما الذي سنفعله هناك ؟

أي شيء . ما الذي نفعله هنا ؟ هل أحوالنا على ما يرام هنا ؟ هل نحن سعداء ؟
سيكون وجودنا بلا جذور ..

ما الذي ستفعله بالجذور يا أبي ؟ إذا كانت جذورك بهذه القوة فلماذا إذن تختبئ خلف الأبواب و النوافذ المغلقة ؟ هل ستبقى مختبئا لبقية عمرك ؟ لقد أصبحت عادة لهم أن يقتحموا بيوتنا و أن يقتلوننا . أشعر بالعار بالعيش مثل الفأر يا أبي . العار يمزقني , ولكن يداي مقيدتان . عندما أغضب هل أستطيع حرق بيتين من بيوتهم ؟ لماذا يجب أن نكتفي بالجلوس و مشاهدة أنفسنا و نحن نهان و نشرد ؟ إذا صفعني مسلم , لماذا لا يحق لي أن أرد الصفعة ؟ لا يا أبي .. فلنرحل من هنا . أرجوك .

الموقف يهدأ الآن بعض الشيء . لماذا تقلق هكذا ؟ لا يمكن أن تترك نفسك لمشاعرك .

يهدأ ؟ هذا مظهر خادع تماما . تحت السطح سيظل هناك الحقد و القسوة . إنهم ينتظروننا بأظافر و أسنان عارية , بأفخاخ لن نتوقعها أبدا . لماذا تخليت أنت عن " الدهوتي " لترتدي البيجاما ؟ لماذا لا تحظى بحرية لبس " الدهوتي " فلنرحل بعيدا .. زمجر سودهاموي في غضب :

لا , لن أذهب , أذهب أنت إذا أردت
ألت تأتي ؟
حول سودهاموي نظره بعيدا في استياء و قال :/
لا
توسل سورنجان :
أسألك مرة أخرى يا أبي .. من فضلك دعنا نرحل .
كرر الوالد بحزم :
لا

كلمة " لا " هوت مثل قضيب حديدي على ظهر سورنجان . لقد كان يعرف طوال الوقت أن محاولاته لن تسفر عن شيء . كان الوالد عنيدا و شديد التمسك بأفكاره , حتى أنه ليس هناك وسيلة يمكن بها أن تهزه . يمكن أن يركل و يضرب و لكنه لن يخلع جذور نفسه عن أرض وطنه . يمكن لثعابين و عقارب هذه الأرض أن تلدغه و لكنه سيظل يسقط عليها . توقفت كيرونموي عن البكاء , كانت تحدق الآن باستغراق إلى صورة رادها-كريشنا في ركن الغرفة . بدا أنها تصلي للرب كريشنا , من أجل حياة خالية من الهم و القلق و عدم الأمان و العذاب و الموت . بدا سورنجان و كأنه محكوم عليه وحده بالسباحة ضد تيار اليأس . نزل الليل . في آخر الليل تكسرت فوقه موجة كاسحة من الإحساس بالوحدة . ليس بمقدوره أن يقول عن أي شخص أنه ملكه , ليس هناك أحد يعتمد عليه , كان غريبا في وطنه . فهمه , بصيرته و إحساسه بالعالم كانوا يتلاشون إلى لا شيء . بدا كما لو لأنه قد وصل إلى آخر طريقه تقريبا ...

بدوا جميعا و كأنهم ينتظرون حدوث شيء فظيع في حياتهم , الآن , ليس من أجل مايا , ولكن من أجل مستقبله هو , كان قلبه يدق متسارعا بالخوف و الترقب .

كانوا وحدهم جميعا , وحدهم تماما .. بالتأكيد معارفهم و أصدقائهم المسلمون قاموا بزيارتهم من وقت لآخر , ولكن لم يمنحهم أحد الإحساس بالاطمئنان على أن الحياة مأمونة في هذا البلد . لا أحد كان بإمكانهم أن يقول لهم :" لا داعي للقلق . لا تنحنوا تحت ضغط الخوف , يمكنكم السير بأمان و العمل بلا خوف و الضحك من القلب و النوم في سلام ."

كان سورنجان يتقلب طوال الليل في فراشه .


02-16-2006, 10:18 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}


الردود في هذا الموضوع
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة ) - بواسطة eyad 65 - 02-16-2006, 10:18 PM

المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة…
الموضوع الكاتب الردود المشاهدات آخر رد
  قصة الحضارة - ول وايرل ديورانت . ( لأول مرة - كاملة ، منسقة ، مفهرسة - 42 جزء -) ali alik 2 2,019 06-22-2012, 05:33 PM
آخر رد: نبع الحياة
  خماسية نور العادلين - هنري ترويا - الأجزاء الخمسة كاملة . ali alik 0 1,344 01-26-2012, 09:38 AM
آخر رد: ali alik
  الكوميديا الألهية - دانتي - ترجمة كاملة 1050 صفحة و ومجلد كتب منوعة جديدة ali alik 3 4,787 07-14-2011, 08:08 PM
آخر رد: الحوت الأبيض
  رواية عالم صوفي/ عرض للدكتور محمد الرميحي بسام الخوري 1 2,508 06-15-2011, 08:50 AM
آخر رد: بسام الخوري
  ايه العقل من رآك (عبدالله القصيمي) نسخة كاملة هدية لفرسان التنوير الوهيم 5 3,898 04-15-2011, 12:53 AM
آخر رد: قارع الأجراس

الانتقال السريع للمنتدى:


يتصفح هذا الموضوع من الأعضاء الان: بالاضافة الى ( 1 ) زائر
{myadvertisements[zone_2]}
إتصل بنا | نادي الفكر العربي | العودة للأعلى | | الوضع البسيط (الأرشيف) | خلاصات التغذية RSS