المقدمة و فصل من رواية " أولاد حارتنا "
9
فتح باب البيت الكبير ليشهد هذه المرة خروج أدهم و أميمة مطرودين . خرج أدهم يحمل بقجة ملابس , و تبعته أميمة حاملة بقجة ثانية وأطعمة خفيفة .
خرجا ذليلين حزينين باكيين بلا أمل . و عندما سمعا صوت الباب وهو يغلق خلفهما ارتفع صوتاهما بالنحيب . و قالت أميمة وهي تنشج :
الموت دون ما استحق من جزاء !.
فقال أدهم بصوت متهدج :
لأول مرة تصدقين , ولكن الموت دون ما أستحق كذلك ! .
و ما كادا يبتعدان قليلاً عن البيت حتى دوت ضحكة ساخرة مخمورة , فنظرا نهو مصدرها , فرأيا إدريس أمام كوخه الذي بناه من الصفائح و الأخشاب وقد جلست امرأته نرجس تغزل صامتة . كان إدريس يضحك في سخرية و شماتة حتى ذهل أدهم و أميمة فوقفا يحملقان فيه . وراح إدريس يرقص و يفرقع بأصابعه حتى ضجرت نرجس فآوت إلى الكوخ . تابعه أدهم بعيني محمرتين من البكاء و الغضب . أدرك في لحظة المكر الذي مكره فتكشف له عن حقيقته الخبيثة المجرمة . وأدرك أيضاً مدى حمقه و غبائه الذي يرقص له المجرم شماتة و فرحاً . هذا هو إدريس الذي استحال شراً مجسداً . وغلى دمه حتى فار فأغرق مخه . و قبض على حفنة من تراب و رماه بها وهو يصيح بصوت مختنق بالغضب :
يا قذر , يا لعين , إن العقرب بالقياس إليك حشرة مستأنسة !
فأجاب إدريس بمزيد من حركاته الراقصة , هز رقبته يمنة و يسرة , ولعّب حاجبيه ومازال يفرقع بأصابعه . و تضاعف غضب أدهم فصاح :
الفساد و الدناءة و الوضاعة هذه هي صفات المخادعين الكاذبين .
فراح إدريس يهز وسطه بمثل الرشاقة التي هز بها رقبته ويرسم بفيه ضحكة صامتة قبيحة , فصاح أدهم دون التفات إلى أميمة التي حاولت أن تدفعه إلى المسير :
حتى الدعارة تجربها يا أقذر من خلق !
فمضى إدريس يهز عجيزته وهو يدور حول نفسه في بطء و دلال فأعمى الغضب أدهم فرمى بالبقجة على أرضاً ودفع أميمة التي همت بالتعلق به وجرى نحوه حتى قبض على عنقه و شد عليه بكل قوته . لم يبد على إدريس أنه تأثر بالمنقض ولا بقبضته . وواصل الرقص وهو يتأنق في تأّوده .وجن جنون أدهم فنهال على إدريس ضرباً ولكن إدريس ازداد عبثاً وراح يغني بصوت كريه :
حطة يا بطة ويا دقن القطة
و توقف بغتة وهو يزمجر , ثم دفع أدهم في صدره دفعة قوية تقهقر على أثرها وهو يترنح ثم اختل توازنه وهو فسقط على ظهره . وهرعت إليه أميمة صارخة فساعدته على النهوض وأخذت تنفض الغبار عن ثوبه وهي تقول :
مالك أنت وهذا الوحش , فلنبتعد عنه ..!
وتناول البقجة صامتاً ئ, وحملت زوجته بقجتها و ابتعدا حتى طرف البيت الآخر , وكان الإعياء قد نال منه فلرمة البقجة و جلس عليها وهو يقول : " لنسترح قليلاً " . فجلست المرأة قبالته و رجعت تبكي . وإذا بصوت إدريس يترامى إليهما قوياً كالرعد و صاحبه يقف ناظراً إلى البت الكبير نظرة التحدي و يصيح :
طردتني إكراماً لأحقر من أنجبت , أرأيت كيف كان سلوكه نحوك , ها أنت ترميه بنفسك إلى التراب , عقاب بعقاب و البادي أظلم , كي تعلم أن إدريس لا يقهر , فلتبق وحدك مع أبناؤك العقماء الجبناء , لن يكون لك حفيد إلا من يسعى في التراب و يتقلب في القاذورات , غداً يسرحون بالبطاطا واللب , غداً يتعرضون لصفعات الفتوات في العطوف و كفر الزغاري , غداً يمتزج دمك بأحقر الدماء , و تقبع لأنت وحيداً في حجرتك تبدل و تغير في كتابك كيف شاء لك الغضب و الفشل و تعني وحدة الشيخوخة في الظلام , حتى إذا جاء الأجل فلم نجد عيناً تبكيك .
ثم التفت نحو أدهم وواصل صياحه الجنوني :
وأنت أيها الضعيف كيف تلقى الحياة وحدك ؟ ! .. لا قوة فيك تزيدك ولاقوي تعتمد عليه , وماذا تفيدك مبادىء القراءة و الحساب في هذا الخلاء ؟ ! .. ها...ها...ها...
ولم تزل أميمة تبكي حتى ضاق بها أدهم فقال في فتور :
كفّي عن البكاء .
فقالت وهي تجفف عينيها :
سابكي كثيراً , أنا الآثمة يا أدهم .
لست دونك أثماً , لو لم تلقي مني ضعيفاً نذلاً موقع الذي وقع .
الذنب ذنبي وحدي .
فهتف بغيظ :
إنك تحملين نفسك لتتقي حماتي عليك .
فباخت حميتها في اتهام نفسها وأحنت رأسها ملياً , ثم عادت تقول بصوت ضعيف :
لم أكن أتصور أن تبلغ قسوته هذا الحد !
إني أعرفه ولا عذر لي
فترددتن قليلاً ثن قالت :
كيف أعيش هنا وأنا حبلى ؟ !
في هذا الخلاء نعيش بعد البيت الكبير , ليت للدموع جدوى , و لكن ليس أمامنا إلا أن نقيم كوخاً لنا .
أين ؟
فنظر فيما حوله , ووقف نظرهُ قليلاً صوب كوخ إدريس , ثم قال بقلق :
لا يجوز أن نبتعد كثيراً عن البيت الكبير ولو اضطررنا إلى البقاء غير بعيد من كوخ إدريس , وإلا هلكنا وحدنا في أطراف هذا الخلاء .
ففكرت أميمة قليلاً ثم قالت بوجه مال إلى الاقتناع برأيه :
نعم , ولكن نبقى على مرمى بصره لعلّه يرق لحالنا .
فتأوه أدهم قائلاً :
الحسرة تقتلني , ولولاك لتوهمت مابي كابوساً , هل يجفوني قلبه إلى الأبد ؟ لم أتطاول عليه كإدريس , هيهات , لست كإدريس في شيء , فهل ألقى نفس المعاملة ؟
فقالت أميمة في حنق :
لم نعرف هذه الأحياء أباً مثل أبيك .
فتساءل بعينين حادتّين :
متى يتوب لسانك !
فانفعلت قائلة :
و الله ما ارتكبت جريمة ولا إثماً , خبّر من تشاء بما فعلت وبما نلت من جزاء ما فعلت وأراهنك أنه سيضرب كفاً بكف , و الله ما عرفت الأبوة أباً كأبيك .
ولا عرفت الدنيا رجلاً مثله , هذا الجبل و هذه الصحراء و هذه السماء تعرفه , و مثله يَجنّ عند التحدي .
بهذا الجبروت لن يبقى في البيت أحد من أبنائه
نحن أول الخارجين فنحن شر من فيه .
فقالت بامتعاض :
لست كذلك , لسنا كذلك .
الحكم الصحيح لا يكون إلا عند الامتحان .
لاذ كلاهما بالصمت . لم يكن بالخلاء حي يُرى , إلا بعض العابرين عن بعد عند سفح الجبل . و كانت الشمس ترسل أشعة حامية من سماء صافية فتغمر الرمال المترامية حيث يلمع الحصا أو قطع الزجاج المتناثرة . ولم يكن من قائم غلا الجبل في الأفق , و صخرة كبيرة في الشرق كأنها راس جسم مطمور في الرمال , وكوخ إدريس عند الطرف الشرقي للبيت الكبير ينغرس في الأرض متحدياً بهيئته الزرية . وكان الجو كله ينذر بالشقاء و التعب و الخوف . وتنهدت أميمة بصوت مسموع و قالت :
ستتعب كثيراً حتى تتيسر لنا الحياة .
فرما أدهم على البيت الكبير و قال :
و سنتعب أكثر حتى يفتح لنا هذا الباب مرة أخرى .
10
شرع أدهم و أميمة في إقامة كوخ لهما عند الطرف الغربي للبيت الكبير . كانا يجيئان بالأحجار من المقطم , و يجمعان الصفائح من سفح الجبل , و يلتقطان الأخشاب من مشارف العطوف و الجمالية و باب النصر . و تبين لهما أن بناء الكوخ سيستغرق وقتاً أطول مما قدرا , و صادف ذلك نفاذ الزاد الذي حملته أميمة من البيت من جبن و بيض و عسل اسود , فقرر أدهم أن يبدأ في السعي في سبيل رزقه ورأى أن يبيع بعض ثيابه الثمينة
ليشتري بها عربة يد لبيع البطاطا و الملانة و الخيار و غيرها على حسب الموسم . و عندما أخذ في جمع ثيابه أجهشت أميمة في البكاء من شدة التأثر , و لكنه لم يستجب لعواطفها , فقال وهو بين السخط و السخرية :
لم تعد هذه الثياب تناسبني , أليس من المضحك أن أسرح ببطاطة وأنا متلفع بعباءة مزركشة من وبر الجمل ؟ !
ثم شهده الخلاء وهو يدفع عربته نحو الجمالية , الجمالية التي لم تنس بعد زفته , و انقبض قلبه و انحبس صوته فكف عن النداء ,و كادت تغرورق عيناه بالدموع , واتجه نحو الأحياء البعيدة متهرباً . وكان يواظب على المشي و النداء من الصباح إلى المساء حتى كلّت يداه و انجرد نعلاه و سرت الأوجاع في قدميه و مفاصله . وكم كان يشق عليه مساومات النسوان , أو أن يضطره الإعياء إلى افتراش الأرض لصق جدار , أو أن يقف في ركن ليفك حصره . بدت الحياة غير حقيقية , وأيام الحديقة و إدارة الوقف و المخدع المطل على المقطم كالأساطير . وجعل يقول لنفسه :
" لا شيء حقيقي في هذه الدنيا , هي البيت الكبير , هي الكوخ الذي لم يتم , هي الحديقة هي عربة اليد , هي الأمس وهي اليوم وهي الغد لعلي أحسنت صنعاً بالإقامة قبالة البيت حتى لا افقد الماضي كما فقدت الحاضر و المستقبل , و هل من عجب أن أخسر الذاكرة كما خسرت أبي و كما خسرت نفسي ؟ ! " . فإذا عاد أول الليل إلى أميمة فليس إلى الراحة يعود , ولكن ليواصل العمل في بناء الكوخ . ومرة جلس في حارة الوطاويط عند الظهر ليستريح فنعس . و استيقظ على حركة فرأى غلماناً يسرقون عربته فنهض مهدداً . ورآه غلام فنبه أقرانه الصغار بصفير و دفع العربة لشغله بها عن مطاردتهم فاندلق الخيار على الأرض على حين تفرق الغلمان مسرعين كالجراد .و غضب أدهم غضباً شديداً حتى قذف فوه المهذب بسيل من أقذع الشتائم , ثم انكب على الأرض يجمع الخيار الذي لوث بالطين . و تضاعف غضبه دون أن يجد له متنفساً فراح يقول في تأثر و انفعال : " لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا رحمة ؟ لماذا كانت كبرياؤك أحب إليك من لحمك و دمك ؟ و كيف تنعم بالحياة الرغيدة وأنت تعلم أننا نداس بالأقدام كالحشرات ؟ والعفو و اللين و التسامح ما شأنها في بيتك الكبير أيها الجبار ! " وقبض على يدي العربة وهمّ يدفعها بعيداً عن الحارة اللعينة , وإذا بصوت يقول متهكماَ :
بكم الخيار يا عم ؟
رأى إدريس واقفاً يبتسم ابتسامة ساخرة , رافلاً في جلباب مقلماً بألوان زاهية , .على رأسه لاسة بيضاء . رآه باسماً ساخراً لا تأثراً ولا هائجاً فضاقت لمنظره الدنيا في عينيه رغم ذلك . و دفع العربة ليذهب , ولكن إدريس اعترض سبيله وهو يقول في دهشة :
ألا يستحق زبون مثلي حسن المعاملة ؟
فارتفع رأس أدهم في عصبية وهو يقول :
دعني و شأني
فأمعن إدريس في السخرية متسائلاً :
ألم تجد خيراً من هذه اللهجة تخاطب بها أخاك الأكبر ؟
فقال أدهم بلهجة المتصبر :
يا إدريس أما كفاك ما فعلت بي ؟ لا أريد أن تعرفني أو أعرفك .!
كيف يتأتى هذا ونحن في حكم الجيران ؟ !
ما أردت جوارك و لكنني قصدت أن أكون قريباً من البيت الذي ...
فقاطعه هازئاً :
الذي طردت منه !
فسكت أدهم وقد تجلى الضيق في شحوب وجهه , فاستطرد الآخر قائلاً :
النفس تتعلق بالمكان الذي تطرد منه . أليس كذلك ؟
فلم يخرج أدهم عن صمته , فقال الآخر:
إنك تطمع في العودة إلى البيت يا ماكر , إنك ضعيف حقاً و لكنك مليء بالمكر , ألا فاعلم بأني لم اسمح لك بالعودة وحدك ولو انطبقت السماء على الأرض .
فتسائل أدهم و منخراه يتحركان من الحنق :
ألن يكفك ما فعلت بي ؟ من أجلك طردت وكنت كوكب البيت المنير
بل طردت بسبب نفسك المتعجرفة .
فقهقه إدريس قائلاً :
و طردت أنت بسبب نفسك الضعيفة , فلا مكان في البيت الكبير للقوة و لا للضعف ! فنظر إلى استبداد أبيك إنه لا يسمح باجتماع القوة و الضعف في نفس إلا نفسه هو , إنه القوي لحد الفتك بفلذات كبده , الضعيف لحد التزوج من أم كأمك .
فقطب أدهم غاضباً وهو يقول :
دعني أذهب , و تحرش إذا شئت بقوي مثلك .
أبوك يتحرش بالأقوياء و الضعفاء .
فصمت أدهم و ازداد وجهه عبوساً فقال إدريس هازئاً :
لا تريد أن تتورط في تجريحه ! هذا مكر من مكرك , ودليل على أنك لا زلت تحلم بالعودة .
ثم تناول خيارة و أخذ ينظر إليها باشمئزاز ثم قال :
كيف سولت لك نفسك أن تسرح بهذا الخيار الملوث ! ألم تجد عملاً أشرف من هذا ؟
إني راض عنه !
بل اضطرتك الحاجة إليه , على حين ينعم أبوك بالعيش الرغيد , فكِّر قليلاً في الأمر , أليس من الأكرم لك أن تنضم إلي ؟ ! .
فقال أدهم في ضجر :
لم ألق لحياتك !
انظر إلى جلبابي ! كان صاحبه يرفل فيه أمس دون وجه حق ! فلاح التساؤل في عيني أدهم وقال :
و كيف حصلت عليه ؟
كما يفعل الأقوياء !
أسرق أم قتل ! و قال بحزن :
لا أصدق أنك أخي إدريس !
فقال وهو يقهقه :
لا تعجب ما دمت تعلم أنني ابن الجبلاوي !
فهتف أدهم في نفاذ صبر :
هلا أوسعت لي الطريق ؟
كما تشاء لك حماقتك !
وملأ جيبه بالخيار , وألقى عليه نظرة ازدراء , ثم بصق على العربة و مضى .
ووقفت أميمة تستقبله وهو يقترب من الكوخ . كانت الظلمة تغشى الخلاء , وفي داخل الكوخ شمعة تحترق كأنها رمق في صدر محترق , أما في السماء فالنجوم تزهر , و على ضوئها يبدو البيت الكبير كشبح عملاق . أدركت أميمة من صمته أنه على حال يتحسن معها تجنبه . قدمت إليه كوز ماء ليغسل أطرافه وجاءته بجلباب نظيف . وغسل وجهه و قدميه و بدل جلبابه ثم جلس على الأرض ومدّ ساقيه . و اقتربت منه في حذر , فجلست وهي تقول بلهجة الاسترضاء :
ليتني أتحمل عنك بعض تعبك .
وكأنها حكت أجرب فصاح :
اخرسي يا اصل الشر والتعاسة .
فتزحزحت عنه بعيداً حتى كادت تختفي , ولكنه صاح :
إنك خير من يذكرني بغفلتي و حماقتي , ملعون اليوم الذي رأيتك فيه .
فجاءه في الظلام انتحابها و لكنه ضاعف من غضبه فقال :
سحقاً لدموعك ! إن هي إلاّ عرق الخبث الذي يمتلىء به جسدك .
فجاءه صوتها الباكي قائلاً :
كل قول يهون بالنسبة إلى عذابي .
لا تسمعيني صوتك , و ابعدي عن وجهي .
وكور ثوبه المخلوع ورماها له فتأوهت قائلة : " بطني ! " . وسرعان ما برد غضبه , و أشفق من العواقب . وآنست هي من صمته تراجعاً فقالت بصوت المتوجع :
سأذهب بعيداً كما تريد .
وقامت فمضت تبتعد حنى صاح بها :
هل ترين الوقت مناسباً للدلال ؟
ثم تحفّز للقيام وهو يصيح :
ارجعي لا رجعت إليك الراحة .
وأحدّ بصره في الظلام حتى رأى شبحها يعود فأسند ظهره إلى جدار الكوخ ورفع رأسه نحو السماء . وود لو يطمئن على بطنها ولكن أبت كبرياؤه . أجّل ذلك إلى أجل قريب . ثم مهد له بقوله :
اغسلي بعض الخيار للعشاء .
|