المقدمة و فصل من رواية " أولاد حارتنا "
20
عاد قدري إلى الدار يسوق الأغنام , ولم تكن عربة ادهم بموقفها . وجاءه صوت أمه من الداخل وهي تتساءل :
لماذا تأخرتما عن موعدكما ؟
فدفع الأغنام إلى الممشى المفضي على حظيرتها وهو يقول :
غلبني النوم , الم يحضر همام ؟
رفعت أميمة صوتها ليعلو على صوت الطفلين قائلة :
كلا , ألن يكن معك ؟
فازدرد ريقه جافاً و قال :
غادرني منذ الظهر دون أن يخبرني أين هو ذاهب . فظننته رجع على هنا .
فتساءل أدهم وكان قد وصل ومضى يُدخل العربة على الفناء :
هل تشاجرتما ؟
أبداً
أظنك كنت السبب في ذهابه , ولكن أين هو ؟
خرجت أميمة إلى الفناء , على حين أغلق قدري باب الحظيرة وراح يغسل وجهه و يديه من ماء طشت تحت الزير . لابد من مواجهة الموقف . الدنيا تغيرت لكن اليأس قوة . و انض1م إلى والديه في الظلام وهو يجفف وجهه بطرف جلبابه . و تساءلت أميمة :
أين ذهب همام ؟ لم يغب كهذه المرة من قبل .
فوافقها أدهم قائلاً :
بلى خبِّرنا كيف و لماذا ذهب .
و ارتعد قلب قدري لصورة خطرت برأسه , لكنه قال :
كنت جالساً في ظل الصخرة فلاحت مني التفاتة فرايته يبتعد صوب حيِّنا , وهممت أن أناديه ولكني لم افعل .
فقالت أميمة في حسرة :
ليتك ناديته ولم تستسلم لزعلك .
ونظر أدهم حائراً في الظلام حوله , فرأى ضوءاً خافتاً خلال كوة في كوخ إدريس دلّت على أن الحياة دبت فيه من جديد , ولكنه لم يابه لذلك , وثبّت بصره على البيت الكبير و تساءل :
أتراه ذهب إلى جده ؟
فقالت أميمة بإنكار :
لا يفعل ذلك دون إخبارنا .
فقال قدري بصوت شاحب :
لعل الحياء منعه !
فسدد أدهم نحوه نظرة ارتياب منقبض الصدر لخلو صوته من السخرية و العدوان وقال :
دفعناه إلى الذهاب فأبى .
فقال قدري في إعياء :
تحرج من القبول أمامنا .
ليس هذا من خلقه , وأنت مالك كالمريض ؟ !
فقال قدري بحدة :
حملت عبء العمل وحدي .
فهتف أدهم في ضيق المستغيث :
الحق أقول أن قلبي غير مطمئن .
فقالت أميمة بصوت مبحوح:
سأذهب إلى البيت الكبير لأسال عنه .
فهز أدهم منكبيه في يأس و قال :
لم يرد عليك أحد , ولكني أؤكد لك أنه لم يذهب .
فنفخت أميمة في كرب و قالت :
رباه , لم يضطرب هكذا قلبي من قبل , افعل شيئاً يارجل !
فتنهد أدهم بصوت مسموع في الظلام و قال :
فلنفتش عنه في كل ناحية .
فقال قدري :
لعله في الطريق إلينا .
فهتفت أميمة :
لا ينبغي أن ننتظر .
ثم مستدركة في جزع وهي تنظر صوب كوخ إدريس ك
أيكون إدريس قد صادفه في طريقه ؟
فقال أدهم بامتعاض :
غريم إدريس قدري لا همام
إنه لا يتردد عن القضاء على أيّ منا , إني ذاهبة إليه !
فحال أدهم بينها و بين الذهاب وهو يقول :
لا تزيدي أمورنا تعقيداً , أعدك إذا لم أعثر عليه أن أذهب إلى إدريس , وأن أذهب إلى البيت الكبير.
وحدج شبح قدري بنظرة قلقة . ما باله واجماً ؟ ! أليس عنده أكثر مما قال ؟ وأين أنت يا همام ؟!
و اندفعت أميمة لتغادر الفناء فمال أدهم نحوها و أمسك بمنكبها . وإذا بباب البيت الكبير يفتح , فتطلعوا نحوه . ز بعد قليل لاح شبح عم كريم وهو يقترب منهم فخرج إليه أدهم وهو يقول : " أهلاً بك عم كريم " , فحيله الرجل و قال :
سيدي الكبير يسأل عمّا أخر همام ؟
فقالت أميمة بيأس :
لا ندري أين هو حتى ظنناه عندكم .
سيدي يسأل عمّّا أخره ..
فهتفت أميمة :
أعوذ بالله من أوهام قلبي .
وذهب عم كريم . وأخذت أميمة تحرك رأسها في اضطراب ينذر بالانفجار . فساقها أدهم أمامه إلى حجرتهما الداخلية حيث علا بكاء الصغيرين , و صاح بوحشية :
لا تغادري الحجرة , سأعود به , ولكن إياك أن تغادري الحجرة .
و عاد إلى الفناء فعثر على قدري جالساً على الأرض فانحنى فوقه هامساً :
خبرني ماذا تعرف عن أخيك ؟
فرفع رأسه نحوه بشدة ولكن شيئاً منعه من الكلام فعاد الرجل يسائله :
خّبرني يا قدري ماذا فعلت بأخيك ؟
فقال الشاب بصوت لا يكاد يسمع :
لا شيء
و ارتد الرجل نحو الداخل ثم رجع بمصباح ووضعه على عربته فسقط نوره على وجه قدري فافحصه الرجل برهبة و قال :
وجهك ينذر بالشقاء .
وجاء صوت أميمة من الداخل مختاطاً بأصوات الطفلين ليقول كلاماً لم يميزه أحد فصاح أدهم :
اسكتي يا ولية , موتي إن شئت و لكن في صمت !
و عاد على تفحص ابنه . و بغتة ارتعدت أطرافه . وأمسك بطرف كمه و قال في فزع :
دم , ماهذا ؟ دم أخيك ؟ !
فحملق قدري في كم جلبابه ثم انكمش بحركة لا إرادية , و حنى رأسه في يأس . اعترف قدري بحركته اليائسة فجذبه أدهم حتى أقامه , ثم دفعه إلى الخارج . دفعه بقسوة لم يعهدها من قبل , و غشى عينيه ظلام فوق الظلام المحيط .
21
دفعه نحو الخلاء قائلاً :
سنميل نحو خلاء الدراسة كيلا نمر أمام كوخ إدريس
و أوغلا في الظلام , و قدري يسير كالمترنح تحت قبضة أبيه الناشبة في منكبه . و نساءل أدهم وهو يجّد في السير بصوت أدركه الهرم :
خبِّرني هل ضربته ؟ بأي شيء ضربته ؟ و على أي حال تركته ؟
لم يجب قدري . كانت قبضة أبيه شديدة و لكنه لم يشعر بها . و كان ألمه شديداً و لكته لم يفصح عنه وود أن الشمس لا تطلع أبداً ..
ارحمني و تكلم , و لكنك لم تعرف الرحمة , وقد قضيت على نفسي بالعذاب يوم أنجبتك , أنا الذي تطاردني اللعنات منذ عشرين عاماً , وها أنا أطلب الرحمة ممن لا يعرفها .
فانفجر قدري باكياً حتى ارتجف منكبه في قبضة أدهم القاسية , وظل يرتجف حتى سرت عدواه إلى أدهم , لكنه قال :
أهذه جوابك ؟ لماذا ياقدري لماذا ؟ كيف هان عليك ؟ اعترف في الظلام قبل أن ترى نفسك في ضوء النهار .
فهتف قدري :
لا طلع النهار !
نحن أسرة الظلام , لن يطلع علينا نهار !. و كنت أحسب الشر مقيماً في كوخ إدريس , فإذا به في دمنا نحن , إن إدريس يقهقه و يسكر و يعربد , أما نحن فيقتل بعضنا البعض , رباه .. هل قتلت أخاك ؟
أبداً !
فأين هو ؟
ما قصدت قتله !
فصاح أدهم :
لكنه قتل !
و أجهش قدري في البكاء و اشتدت قبضة أبيه . إذن قتل همام , زهرة العمل و حبيب الجد , كأنه لم يكن , لولا الألم المفترس ما صدقت .
و بلغا الصخرة الكبيرة فسأله أدهم بصوت غليظ :
أين تركته يا مجرم ؟
فسار قدري نحو الموضع الذي حفره لأخيه ووقف عنده فيما بين الصخرة و الجبل . و تساءل أدهم :
أين أخوك ؟ . لا أرى شيئاً
فقال قدري بصوت لا يكاد يسمع :
همت دفنته .
فصرخ أدهم دفنته ؟ !
و أخرج من جيبه علبة ثقاب و أشعل عوداً و تفحص الموضع على ضوئه حتى رأى قطعة من الأرض قلقة المستوى كما رأى مسحب الجثة الذي انتهى عندها . تأوه أدهم من الألم . وراح يزيح التراب بيدين مرتعشتين . وواصل عمله في جو رهيب حتى مست أصابعه رأس همام . وغرز يديه إلى ما تحت إبطيه و سحب الجثة في رفق . ز جثا على ركبتيه إلى جانبها واضعاً يديه على رأسه , مغمض العينين , مثالاً للتعاسة و الخيبة . وزفر من أعماقه , ثم غمغم :
إن حياة أربعين عاماً من العمر تبدو سخفاً سقيماً أمام جثتك يا بني .
و قام بغتة , ونظر نحو قدري وهو يقف أمام الجثة من الناحية الأخرى , فعانى لحظات كراهية عمياء , وقال بصوت غليظ :
سيعود همام على الكوخ محمولاً على عنقك .
فجفل قدري متراجعاً , ولكن الرجل سارع إليه دائراً حول الجثة ثم قبض على منكبه وهتف :
احمل أخاك !
فقال قدري بصوت كالأنين :
لا استطيع
إنك استطعت قتله
لا استطيع يا أبي
لا تقل " أبي " قاتل أخيه لا أب له , لا أم له , لا أخ له .
لا استطيع
فشد قبضته عليه وقال :
على القاتل أن يحمل ضحيته .
حاول قدري أن يفلت من قبضة أدهم و لكن أدهم لم يمكنه . وانهال على وجهه في عصبية باللكمات فلم يتفادى من لكمة أو يتأوه من ألم . و كف الرجل , ثم قال :
لا تضيع الوقت , أمك تنتظر .
و ارتعد قدري لدى ذكر أمه , فقال برجاء :
دعني اختفي .
فجذبه نحو الجثة وهو يقول :
هلم نحمله معاً
تحول أدهم إلى الجثة ووضع يديه تحت إبطي همام , وانحنى قدري واضعاً يديه تحت الساقين . رفعا الجثة معاً , وسارا في بطء نحو خلاء الدراسة . وأوغل أدهم في مشاعره الأليمة حتى فقد أي شعور بالألم أو بسواه . و لبث قدري يعاني ألماً من خفقان قلبه و ارتجاف أطرافه . وامتلأ أنفه برائحة ترابية نفاذة على حين سرى مس الجثة من يديه إلى أعماقه . وكان الظلام غليظاً بينما نضح الأفق بأنوار الأحياء الساهرة . وشعر قدري باليأس يكتم آخر أنفاسه فتوقف قائلاً لأبيه :
سأحمل الجثة وحدي .
ووضع ذراعاً تحت الظهر و أخرى تحت الفخذين , وسار يتبعه أدهم .
22وعندما اقتربا من الكوخ جاءهما صوت أميمة متسائلاً في جزع :
هل وجدتماه ؟
فصاح أدهم بصوت آمر:
اسبقيني إلى الداخل.
وسيق قدري إلى الكوخ ليتأكد من اختفائها . ووقف قدري عند مدخل الكوخ لا يريد أن ينحرك . و أشار له أبوه بالدخول فامتنع قائلاً بصوت هامس :
لا أستطيع أن ألقاها
فهمس الابن حانقاً :
استطعت ما هو أفظع .
فتشبث قدري بموقفه قائلاً :
كلا , هذه أفظع
و دفعه أدهم أمامه بحزم فاضطّر إلى التحرك حتى بلغ الحجرة الخارجية . وانقض أدهم على أميمة بسرعة فكتم براحته الصرخة التي أوشكت على الإفلات فيها , وقال بقسوة :
لا تصرخي يا ولية , لا ينبغي أن نلفت الأنظار حتى نتدبر الأمر , فلنقاس القدر صامتين , ولنتحمل الألم صابرين , الشر من بطنك ومن صلبي خرج , و اللعنة حقت علينا جميعاً .
وسد فاها بقوة . و حاولت التخلص من يده عبثاً . أرادت أن تعضها فلم تتمكن , اضطربت أنفاسها و خارت قواها فسقطت مغشياً عليها . و لبث قدري واقفاً يحمل الجثة في صمت و خزي مركزاً بصره على المصباح ليتجنب النظر إليها , و اتجه أدهم نحوه , فساعده على وضع الجثة على الفراش , ثم سجاها برفق . و نظر قدري إلى جثة أخيه المسجاة على الفراش الذي اقتسماه طوال العمر فشعر أنه لم يعد له مكان في الدار . و حركت أميمة رأسها , ثم فتحت عينيها فبادر أدهم إليها وهو يقول في حزم :
إياك أن تصرخي
و أرادت أن تنهض فساعدها على النهوض وهو يحذرها من إحداث صوت . وهمت بالارتماء على الفراش فحال دون ذلك , فوقفت مغلوبة على أمرها واندفعت تنفس عن كربها بشد شعرها بقسوة فانتزعت منه خصلات بعد خصلات . ولم يبال الرجل بما تفعل , وقال بغلظة :
افعلي ما يريحك و لكن في صمت .
فقالت بصوت مبحوح :
لبني !!...ابني ..
فقال أدهم في ذهول :
هذه جثته , لم يعد ابنك ولا ابني , وهذا هو قاتله , اقتليه إن شئت .
و لطمت أميمة خديها وقالت لقدري بوحشية :
إن أحط الوحوش تتبرأ من فعلتك !
فحنى قدري رأسه في صمت على حين قال أدهم بوحشية :
هل تذهب هذه الروح هدراً ؟ لا ينبغي أن تحيا , هذه هي العدالة
فهتفت أميمة :
كان أنس أملاً مشرقاً , قلنا له اذهب فأبى و ليته ذهب , لو لم يكن كريماً نبيلاً رحيماً لذهب , ايكون جزاء هذا القتل ؟ ! كيف هان عليك يا صخري القلب ! لست ابني و لست أمك !
لم ينبس قدري لكنه قال لنفسه : " قتلته مرة وهو يقتلني كل مرة ثانية , لست حياً , من قال إني حيّ ؟ ! " . وسأله أدهم بفظاظة :
ماذا أفعل بك ؟
فقال قدري بهدوء ك
قلت أنه لا ينبغي أن أحيا
فهتفت أميمة :
كيف سولت لك نفسك قتله ؟ !
فقال قدري في يأس :
لا جدوى من النواح , إني مستعد للعقاب , و القتل أهون مما أعاني ,
فقال أدهم بحنق :
لكنك جعلت حياتنا أيضاً أفظع من الموت
وهبت أميمة هاتفة وهي تلطم خديها :
لن أحب هذه الحياة , ادفنوني مع ابني , لماذا لا تدعني أصوّت ؟
فقال أدهم بمرارة و سخرية :
ليس شفقة عل حنجرتك و لكني أخشى أن يسمعنا الشيطان .
فقال قدري باستهانة :
فليسمع كيف شاء , لم أعد أكترث للحياة .
و إذا بصوت إدريس يعلوا قريباً من الكوخ :
أخي أدهم تعال يا مسكين .
فسرت الرعدة فيهم جميعاً , غير أن أدهم صاح به :
عد إلى كوخك , واحذر أن تستفزني .
فقال إدريس بصوت قوي :
شر أهون من شر , مصيبتكم نجتكم من غضبي , ولكن لندع هذا الحديث و كلانا مصاب و أنت فقدت العزيز الغالي , وأنا ضاعت ابنتي الوحيدة , كان الأبناء عزاءنا في منفانا و لكنهم ذهبوا , تعال يا مسكين نتبادل العزاء .
إذن ذاع السر ! كيف ذاع ؟ ! ولأول مرة يخاف قلب أميمة على قدري . وقال أدهم :
لا تهمني شماتتك , من يذق ألني تهن عليه الشماتة !
فجاء صوت أدهم مستنكراً :
شماتة ! ألا تدري أنني بكيت عندما رأيتك تسحب الجثة من الحفرة التي حفرها قدري ؟ !
فصاح أدهم بغضب :
تجسس حقير !
لم ابك على القتيل وحده ولكن على القاتل أيضاً ! و قلت لنفسي يالك من مسكين يا أدهم , فقدت شابين في ليلة واحدة !
و صوتت أميمة دون اكتراث لأحد , و اندفع قدري خارج الكوخ بغتة . وجرى ادهم وراءه . و صرخت أميمة :
لا أريد أن أفقد الاثنين !
أراد قدري أن يثب على إدريس لكن أدهم دفعه بعيداً عنه ثم وقف أمام الرجل متحدياً وهو يقول :
احذر أن تتعرض لنا !
فقال إدريس بهدوء أنت أحمق يا أدهم , لا تفرق بين الصديق و بين العدو , تريد أن تعارك أخاك دفاعاً عن قاتل ابنك .
اذهب عني:
فقال إدريس ضاحكاً :
كما تشاء , تقبّل عزائي و السلام عليكم .
غاب إدريس في الظلام . و تحول أدهم تحو قدري فوجد أميمة واقفة تتساءل عنه ., فجزع الرجل وراح ينظر في الظلام و يصيح بأعلى صوته :
قدري .. قدري .. أين أنت ؟ !
و جاءه صوت إدريس وهو يصيح بقوة :
قدري .. قدري .. أين أنت ؟ !
|