المقدمة و فصل من رواية " أولاد حارتنا "
افتتاحية
هذه حكاية حارتنا , أو حكايات حارتنا وهو الأصدق . لم اشهد من واقعها إلا طوره الأخير الذي عاصرته , ولكني سجلتها جميعا كما يرويها الرواة وما أكثرهم . جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات , ويرويها كلٌ كما يسمعها في قهوة حيّه أو كما نقلت إليه خلال الأجيال , ولا سند لي فيما كتبت إلا هذه المصادر . وما أكثر المناسبات التي تدعو إلى ترديد الحكايات . كلما ضاق أحد بحاله , أو ناء بظلم أو سوء معاملة , أشار إلى البيت الكبير على راس الحارة من ناصيتها المتصلة بالصحراء وقال في حسرة : " هذا بيت جدنا , جميعنا من صلبه , ونحن مستحقو أوقافه , فلماذا نجوع ولماذا نضام ؟ ! . " ثم يأخذ في قصّ القصص و الاستشهاد بسير أدهم و جبل و رفاعة و قاسم من أولاد حارتنا الأمجاد . وجدّنا هذا لغز من الألغاز , عمّر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور حتى ضَرب المثل بطول عمره . واعتزل في بيته لكبره منذ عهد بعيد , فلم يره منذ اعتزاله أحد . وقصة كبره و اعتزاله مما يحير العقول , ولعل الخيال أو الأغراض قد اشتركت في إنشائها . على أي حال كان يدعى الجبلاوي و باسمه سميت حارتنا . وهو صاحب أوقافها وكل قائم فوق أرضها و الأحكار المحيطة بها في الخلاء . سمعت مرة رجلا يتحدث عنه فيقول : " هو أصل حارتنا , وحارتنا اصل مصر أمّ الدنيا , عاش فيها وحده وهي خلاء خراب , ثم امتلكها بقوة ساعده ومنزلته عند الوالي , وسمعت آخر يقول عنه : " كان فتوة حقاً و لكنه لم يكن كالفتوات الآخرين , فلم يفرض على أحد أتاوة , ولم يستكبر في الأرض , وكان بالضعفاء رحيماً " . ثم جاء زمان فتناولته قلة من الناس بكلام لا يليق بقدره و مكانته , و هكذا حال الدنيا . وكنت وما زلت أجد الحديث عنه شائقاً لا يمل ولكن دون جدوى . وكم وقفت أمام بابه الضخم أرنو إلى التمساح المحنط المركب أعلاه , وكم جلست في صحراء المقطم غير بعيد من سوره الكبير فلا أرى إلا رؤوس أشجار التوت و الجميز و النخيل تكتنف البيت , ونوافذ مغلقة لا تنم على أي اثر لحياة . أليس من المحزن أن يكون لنا جدّ مثل هذا الجد دون أن نراه أو يرانا ؟ أليس من الغريب أن يختفي هو في هذا البيت الكبير المغلق وأن نعيش نحن في التراب ؟ ! و إذا تساءلت عما صار به وبنا إلى هذا الحال سمعت من فورك القصص , و ترددت على أذنيك أسماء أدهم و جبل و رفاعة وقاسم , ولن تظفر بما يبل الصدر أو يريح العقل . قلت أن أحدا لم يره منذ اعتزاله . ولم يكن هذا بذي بال عند أكثر الناس , فلم يهتموا منذ بادىء الأمر إلا بأوقافه و شروطه العشرة التي كثر القيل و القال عنها , ومن هنا ولد النزاع في حارتنا منذ ولدت , ومضى خطره يستفحل بتعاقب الأجيال حتى اليوم , و الغد . ولذلك فليس أدعى إلى السخرية المريرة من الإشارة إلى صلة القربى التي تجمع بين أبناء حارتنا . كنا و ما زلنا أسرة واحدة لم يدخلها غريب . وكل في حارتنا يعرف سكانها جميعا نساء و رجالاً . ومع ذلك فلم تعرف حارةٌ حدّة الخصام كما عرفناها , ولا فرّق بين أبنائها النزاع كما فرّق بيننا , و نظير كل ساع إلى الخير تجد عشرة فتوات يلوحون بالنبابيت و يدعون على القتال . حتى اعتاد الناس أن يشتروا السلامة بالإتاوة , والأمن بالخضوع و المهانة , ولاحقتهم العقوبات الصارمة لأدنى هفوة في القول أو في الفعل بل للخاطرة تخطر فيشي بها الوجه . وأعجب شيء أن الناس في الحارات القريبة منا كالعطوف وكفر الزغاري و الدراسة و الحسينية يحسدوننا على أوقاف حارتنا و رجالنا الأشداء , فيقولون حارة منيعة و أوقاف تدر الخيرات و فتوات لا يغلبون . كل هذا حق , ولكنهم لا يعلمون أننا بتنا من الفقر كالمتسولين , نعيش في القاذورات بين الذباب و القمل , نقنع بالفتات , ونسعى بأجساد شبه عارية , وهؤلاء الفتوات يرونهم وهم يتبخترون فوق صدورنا فيأخذهم الإعجاب , ولكنهم ينسون أنهم إنما يتبخترون فوق صدورنا , ولا عزاء لنا إلا أن نتطلع إلى البيت الكبير ونقول في حزن و حسرة , " هنا يقيم جبلاوي , صاحب الأوقاف , هو الحد و نحن الأحفاد " .
شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا , وعاصرت الأحداث التي دفع بها إلى الوجود " عرفة " لبن حارتنا البار . وإلى أحد أصحاب عرفة يرجع الفضل في تسجيل حكايات حارتنا على يدي , , إذ قال لي يوماً : " إنك من القلة التي تعرف الكتابة , فلماذا لا تكتب حكايات حارتنا ؟ .. إنها تروى بغير نظام , و تخضع لأهواء الرواة و تحزباتهم , ومن المفيد أن تسجي بأمانة في وحدة متكاملة ليحسن الانتفاع بها , وسوف أمدك بما لا تعلم من الأخبار و الأسرار " . ونشطت إلى تنفيذ الفكرة , اقتناعاً بوجاهتها من ناحية , وحلاً فيمن اقترحها من ناحية أخرى . وكنت أول من اتخذ من الكتابة حرفةً في حارتنا على رغم ما جرّه ذلك علي من تحقير و سخرية . وكانت مهمتي أن أكتب العرائض و الشكاوى للمظلومين و أصحاب الحاجات . وعلى كثرة المتظلمين الذين يقصدونني فإن عملي لم يستطع أن يرفعني عن المستوى العام للمتسولين في حارتنا , إلى ما أطلعني عليه من أسرار الناس و أحزانهم حتى ضيق صدري وأشن قلبي . ولكن مهلاً , فإنني لا أكتب عن نفسي ولا عن متاعبي , وما أهون متاعبي إذا قيست بمتاعب حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة . كيف وجدت ؟ وماذا كان من أمرها ؟ ومن هم أولاد حارتنا ؟
|