{myadvertisements[zone_1]}
 
تقييم الموضوع:
  • 0 صوت - 0 بمعدل
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
تاريخ التعذيب في الاسلام - هادي علوي
Cloudysky غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات: 163
الانضمام: Aug 2007
مشاركة: #12
تاريخ التعذيب في الاسلام - هادي علوي
تفضل يا أخ بسام ، ههذا ما وجدته عندي من الكتاب عسى أن يكون كاملا إن شاء الله

تاريخ التعذيب فى الاسلام - هادى العلوى

تاريخ التعذيب في الإسلام



ـ هادي العلوي


القسم الأول
مسح ترميزي للتعذيب في الإسلام

في الإصطلاح:
التعذيب اشتقاق حديث تقابله ثلاثة اصطلاحات قديمة: العذاب والبسط والمثلة. وقد استعمل الأولان في العصور الإسلامية بمعنى واحد يشير إلى إيلام الأسير أو المتهم على سبيل الانتقام أو الحصول منه على الاعتراف بشيء ما. والبسط يتعدى بعبارة (عليه) وهو بهذا المعنى مستعمل في دارجة بغداد ولكن متعدياً بنفسه فيقال: بسطه، بمعنى ضربه، والمبسوط هو المضروب، خلافاً للمراد منه في بعض اللهجات العربية الأخرى حيث يعني المبسوطة المستريح والمسرور. وهو اشتقاق من معنى الانبساط يعني الانشراح. أما المثلة فهي تشويه الشخص حياً أو ميتاً..
يرد العذاب في القرآن عند وصف العقاب الأخروي الذي يتم بتعريض أهل النار لصنوف من العقوبات وصفت في القرآن والحديث. وما يعدده القرآن من هذه العقوبات ينطوي اصطلاحاً تحت طائلة التعذيب ومنه: التحريق، الشيء بإنضاج الجلود، التجويع والتعطيش، سقي الصديد وهو القيح وسقي المهل أي المعادن المذابة.. وسيأتي الكلام عن هذه الأمور في القسم الثاني من الرسالة.

أغراض التعذيب وضحاياه:
استخدم التعذيب في العصور الإسلامية المختلفة لأغراض شتى سنقسمها لغرض الدراسة قسمين عريضين:
1 ـ تعذيب لأغراض سياسية.
2 ـ تعذيب لأغراض أخرى.

التعذيب السياسي:
إن التعذيب لغرض سياسي هو الأسبق ظهوراً في الدولة، ويرتبط ذلك بظاهرة الصراع الطبقي الذي تتولى الدولة إدارته من خلال دورها الشرقي المباشرة في سيرورة الإنتاج الاجتماعي، أو من خلال دورها الأوروبي في التعبير عن حاجات الطبقة السائدة في المجتمع. وإحدى الوسائل الأساسية في إدارة الصراع الطبقي هو القمع بأشكاله المختلفة.ويتوجه القمع أساساً ضد الطبقات المنتجة مستهدفاً غرضين: إدامة الإنتاج ومنع المنتجين من الوصول إلى السلطة. وبوجه عام، تلجأ إلى القمع السياسي الحكومات التي لا تملك قاعدة شعبية تكفيها لتبيت حكمها. واعتماد وسائل التعذيب في هذه الحالة يخطط له كوسيلة معوضة عن عزلة الحكام بقصد توفير الرادع الذي يمنع المقت الشعبي من أن يتحول إلى تحرك يهدد سلطة الحاكم. أو تطبيق لهذا النوع من التعذيب يرجع إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان. وكان معاوية يملك قاعدة شعبية متينة في الشام ساعدته على أن يشتهر بالحلم المأثور عنه، لكن استقلاله بالسلطة بعد تنازل الحسن بن علي أثار في وجهه عدة إشكالات.
ـ موقف جمهور المسلمين الذي اعتادوا حكم الخلفاء المقيد بالشرع والذي تجاوزه معاوية بعد أن أقام سلطته الفردية المطلقة.
ـ موقف العرب الذي لم يتعودوا الخضوع لسلطة لا سيما سلطة مستبدة. (اللقاحية الجاهلية).
ـ معارضة أهل العراق المتمسكين بالولاء لعلي بن أبي طالب وأولاده.
والمواقف الثلاثة متكاملة متداخلة لأن الرفض العراقي لمعاوية مرتبط من جهة بالتقاليد البدوية المناوئة للاستبداد ومن جهة أخرى بأسلوب الحكم الإسلامي المستند إلى مبدأ سيادة الشريعة. ومن هنا كان العراق مركز النشاط المعارض للحكم الأموي الجديد. ورغم أن معاوية اشترى ولاء العديد من الزعامات القبلية لهذا الإقليم الخطر فإنه لم يستطع السيطرة على المعارضة التي تحركت أحياناً خارج إطار القبيلة. وقد لجأ أول الأمر إلى المداراة فولى المغيرة بن شعبه، أحد دهاة العرب، حكم البلاد، لكن دهاء المغيرة لم يكن ناجعاً في تخفيف حدة المعارضة فعزل بوال آخر من طراز مختلف، هو زياد بن أبيه، وكان قد نجح في استدراج زياد مستفيداً من عقدة النسب وجمع له ولايتي الكوفة والبصرة اللتين يتألف منهما إقليم العراق آنذاك. وقد أظهر زياد مواهب إرهابية نادرة في صدر الإسلام وصار قدوة لمن بعده من الولاة والحكام المسلمين. وهو مشرع لعدة أمور سارت عليها السلطة الإسلامية فيما بعد، مثل منع التجول والقتل الكيفي وكان يعرف عندهم بالقتل على التهمة أو على الظن، وقتل البريء لإخافة المذنب، وقد طبقه على فلاح خرج ليلاً للبحث عن بقرته الضائعة خلافاً لقراره بمنع التجول في الليل، وقتل النساء، وهو غير مألوف عن العرب. ويخبرنا الطبري أن وكيل زياد على البصرة وهو الصحابي سمرة بن جندب أعدم ثمانية آلاف من أهلها تطبيقاً لمبدأ زياد في القتل على التهمة. ويروى السمعاني في الأنساب أن زياد أمر بقطع اللسان تطوير مبكر لفن التعذيب يدل على السرعة التي تقدمت بها دولة الإسلام في طريق تكاملها كمؤسسة قمعية.
يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «تشبه زياد بعمر فأفرط، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس». ومناط الشبه هو شدة عمر التي استوحاها زياد في حكم العراق، ومن المعروف مع ذلك أن شدة عمر لم تقترن بحالات قتل كيفي، أو تعذيب، وإنما كانت درج من الحزم والضبط جعلته مهيباً في عيون الناس. ومناط الإفراط هو أن شدة عمر تحولت عند زياد إلى إرهاب دموي استوحاه الحجاج و مضى فيه إلى مداه الأبعد. والحجاج نسخة متطرفة من زياد وعلى يده أصبح الإرهاب حالة يومية شاملة يعيشها الناس على اختلاف فئاتهم ولمختلف الأسباب من سياسية وعادية. وقد أنشأ سجن الديماس المشهور. ويقال إنه كان بلا سقوف. وقدر عدد من كان فيه عند وزفاته بعشرة آلاف من الرجال والنساء.وكان التعذيب يطبق على الأسرى والمعتقلين تبعاً لحالاتهم، لكن الشكل السائد لإرهاب الحجاج كان القتل الكيفي بوسيلته الشائعة وهو قطع الرأس بالسيف.وأضاف الحجاج الصلب بعد القتل للأشخاص الذين لهم وزن خاصة في حركة المعارضة، وكان من ضحايا هذا الإجراء ميثم الثمار، من أصحاب علي بن أبي طالب المقربين.
استمرت سياسة التعذيب لأجل الإرهاب بعد استراحة قصيرة في خلافة عمر بن عبد العزيز، لتأخذ مدى جديداً على يد هشام بن عبد الملك في الشام وولاته في الأقاليم. وطبق هشام بنفسه طريقة القتل بقطع الأيدي والأرجل في بعض الحالات المشددة ومنها إعدام غيلان بن مسلم الدمشقي بتهمة القول بالقدر. وبنفس التهمة أعدم خالد القسري، عامله على العراق، والجعد بن درهم. وقد نفذ الإعدام ذبحاً. ولإعدام هذين الرجلين ملابسات سياسية معروفة في تاريخ القدرية والمعتزلة وكان خالد القسري قبل ولاية العراق والياً على الحجاز وأصدر حينذاك تحذيراً لمن يطعن في الخليفة أن يصلبه في الحرم، أي في داخل البيت الحرام. و من المعروف أن الشريعة حرمت قتل الحيوان في هذا المسجد واختلف الفقهاء فيما إذا كان يجوز قتل الأفاعي والعقارب فيه.
وطبق شقيقه أسد، حاكم خراسان، طريقة قطع الأيدي والأرجل والصلب على أتباع الحارث بن سريج الثائر على الأمويين في المشرق. ولدينا رواية في الطبري تفيد أن الإحراق استخدم في خلافة هشام لإعدام داعية من غلاة الشيعة هو المغيرة بن سعيد العجلي، وكان قد خرج على الدولة في ظاهر الكوفة أيام ولاية خالد القسري.
كانت خلافة هشام صحوة الموت للأمويين، وقد ورثه خلفاء قصار العمر وسط اضطرابات متلاحقة انتهت بالثورة العباسية التي قضت على مروان بن محمد آخر خلفائهم، وبويع للسفاح كأول خليفة عباسي. وقد واصل العباسيون تراث أسلافهم الأمويين وأضافوا إليه. ويذكر الطبري أن عدد من أعدمهم أبو مسلم الخراساني في المشرق بلغ ستمائة ألف بين رجل وامرأة وغلام. وكان إبراهيم الإمام، زعيم الدعوة، قد كتب إليه، بقتل أي غلام بلغ خمسة أشبار إذا شك في ولائه. واجه العباسيون بدءاً من خليفتهم الثاني أبو جعفر المنصور، معارضة متزايدة من نفس الجماعات التي عارضت الأمويين: الشيعة، الإمامية والزيدية، والخوارج والمعتزلة، ومن فرق ظهرت فيما بعد ضمت الشيعة الإسماعيلية ولواحقها وفروعها المختلفة، والخرمية والزنج، فضلاَ عن المنافسين للخلفاء والخارجين عليهم طمعاً في السلطان، واتبعوا لقمعها نفس الأساليب ولكن بعد تطويرها لمضاهاة التصاعد في أشكال المعارضة المسلحة. ولدينا روايات في «مقاتل الطالبين» لأبو الفرج الأصفهاني تفيد أن المنصور قتل بعض العلويين بدفنهم أحياء. وتطور القتل بالتقطيع إلى زيادة في عدد الأوصال المقطعة، فبعد أن كانت الأيدي والأرجل تقطع دفعة واحدة صارت تقطع إلى عدة أوصال ويضم إليها أجزاء أخرى من الجسم. وقد أبلغها الرشيد إلى أربع عشرة قطعة، مع تطوير في الوسيلة تضمنت استعمال مدية غير حادة بدلاً من السيف وبلغ القتل تحت التعذيب أشنع حالاته بعد الحقبة العباسية الأولى. ويرتبط ذلك بتعقد الوضع العام للمجتمع العربي الذي عانى مع ظهور الإسلام مخاضات التدرج من البداوة إلى الحضارة واستكملها في غضون القرن الأول للحكيم العباسي، حيث اقترن تبلور الدولة بالطلاق البائن مع بقايا المثل البدوية. وهكذا جاءت ذروة النمو الاجتماعي متوارية في حالة القمع المنفلت من الضوابط (وهو ما يفسر تبعاً لنفس المعيار حدة الثورة الاجتماعية لدى القرامطة، الذين ظهروا في هذه الحقبة، بالقياس إلى فرق المعارضة التي سبقتها).
وتأوبت الدويلات المنشقة على نهج الخلافة العباسية، لوجودها في نفس المرحلة. وكان الأمراء المتغلبون في المشرق نماذج متممة للخليفة العباسي في التعامل مع خصومهم السياسيين وهو ما نجده أيضاً في الأندلس، لا سيما في إبان الصراع بين ملوك الطوائف. ومن الجدير بالذكر هنا أن التعذيب السياسي ظل مقتصراً على الصراع الداخلي دون العلاقات الخارجية إلا في النادر. وكان هناك تمييز ملحوظ في المعاملة بين أسرى الحرب من الكفار وأسرى الحرب من المسلمين. وكان الأسير الكافر يستقر أو يفادى أو يقتل بالوسائل الاعتيادية تبعاً لأحكام الشريعة في أسرى الحرب ولم تجر العادة على قتله تحت التعذيب.

التعذيب لأغراض أخرى:
قلنا إن التعذيب السياسي هو أقرب ظهرواً في الدولة وأنه موجه في الأساس ضد الطبقات المنتجة لصالح الطبقة أو الطبقات السائدة. على أن الصراع الطبقي لا يتحدد في الواقع بهاتين الجبهتين العريضتين وإنما يسلك طريقه أيضاً إلى داخل الطبقة السائدة آخذاً شكل الصراع على الاستئثار بثمار عمل المنتجين. ومع نشوء حافز السلطة كقيمة مستقلة نسبياً عن وظيفة الدولة الاجتماعية لا سيما قي المشرق، يظهر صراع آخر يتمثل في التنافس على الاستئثار بالمزايا التي توفرها قيادة الدولة.
وتختلف هذه المزايا عن المزايا الطبقية في كونها ناشئة عن السلطة كمؤسسة لها خصوصياتها ضمن المجتمع الطبقي، وهي خصوصية ناشئة بدورها عن امتلاك أداة القمع وللتمتع بالقدرة على توجيه الآخرين وتسيير المجتمع، وبناء على تعدد جبهات الصراع، تتعدد حوافز القمع فتخرج به عن محض الغرض السياسي ليصبح جزءاً من السلوك اليومي للحاكم، أي «نزوعاً» يتعامل به مع سائر فئات المجتمع على اختلاف مواقعها من الخارطة السياسية للدولة. ويحدث أحياناً أن تتظاهر هذه النزعة في شكل من العصاب الذي اشتهر به الامبراطور الروماني نيرون. وظهر في العصر الحديث لدى هتلر وبعض الحكام العرب الصغار. وسنجد في تاريخنا الإسلامي آفات من هذا القبيل يتفق ظهورها مع استشراء القمع السياسي. وقد وجدت حالات تعذيب السياسي على يد العباسيين الأوائل منتهية إلى نشوء التعذيب غير السياسي كاتجاه سائد.
يشمل التعذيب في هذا المنحى:
ـ التعذيب للاعتراف.
ـ التعذيب للجباية.
ـ التعذيب للعقوبة.

التعذيب للاعتراف:
يستهدف انتزاع الاعترافات من المتهم في القضايا العادية كالقتل الشخصي والسرقة. وقد تطرق إليه أبو يوسف في كتاب الخراج وتشكى منه بمرارة مما يدل على انتشاره في الحقبة العباسية الأولى. والشكل المعتاد لذلك هو ضرب المتهم باليد أو بالهراوة أو السوط. وبالنظر لعدم مساس هذه الجرائم بأمن الدولة والمصالح المباشرة للطبقة الحاكمة، لم تستخدم فيها أساليب خارقة للعادة كالتي استعملت في التعذيب السياسي، رغم أنها عكست في ظهورها كحالة متكررة قو النزعة وشمولها. ولعل مما خفف الاندفاع فيه اختصاص القضاة بالنظر في هذه الجرائم بشيء من الاستقلال عن الدولة. و من شأن القضاة التحرج. كفقهاء. عن مخالفة الشريعة مالم يتعرضوا للضغوط من أرباب السلطة أ, يخضعوا لاعتبارات شخصية معينة.

التعذيب للجباية:
وجه لاستحصال الخراج أو الجزية من الفلاحين وأهل الذمة. وتشير رواية عن هشام بن حكيم بن حزام سنفصلها فيما بعد إلى ظهور هذه الممارسة أيام الصحابة. لأن هشام صاحبي. ولكن دون تعيين ما إذا كانت قد حصلت في زمن خليفة راشد أو أموي. على أية حال فإن تعذيب الخاضعين للضريبة قد تفاقم على يد الأمويين بتأثير قوة الداعي إليه وهو الحصول على المال، مع شيوع الامتناع عن الدفع نتيجة سياسة الإفقار التي اتبعه الأمويون ضد مجمل السكان. وترجع الكثير من وقائع التعذيب لهذا الغرض إلى زمن الحجاج، الذي ربطت بعض الروايات بين شدة بطشه وتضاؤل حصيلة الخراج في أيامه. وهناك ما يدل على أن التعذيب أصبح قاعدة متبعة في الجباة، وهو ما كان يعنيه أبو حمزة الخارجي في خطبة ألقاها بالمدينة إثر احتلال قصير الأمد لها عام 128 حين قال مشيراً إلى الخليفة الأموي:
لبس بردتين قد حيكتا له وقومتا على أهلها بألف دينار، قد أخذت، أي الدنانير. من غير حلها وصرفت من غير وجهها بعد أن ضربت فيها الأبشار وحلقت فيها الأشعار» (الأبشار ـ جمع بشرة).
يقصد أبو حمزة جلد الخاضعين للجزية والخراج وحلق شعرهم لإرغامهم على الدفع، وقد صدرت عن عمر بن عبد العزيز عند استخلافه تعليمات لعلاج هذا الوضع تضمنت النهي عن كل صنوف التعذيب ولأي غرض. ويبدو أنه حقق بعض النجاح في وقف موجة التعذيب ولكن رحيله العاجل بعد أقل من ثلاث سنوات أعاد الأمور إلى نصابها السابق. وتدلنا رواية لليعقوبي على استمرار هذه الأساليب حتى عهد الرشيد حيث ذكر أن الفضيل بن عياض، المحدث الزاهد، رأى أناساً يعذبون في الخراج فاستنكره بالاستناد إلى حديث نبوي في النهى عن التعذيب، وتذكر الرواية أن الرشيد لما بلغه ذلك أمر برفع العذاب عن الناس. وارتفع العذاب من تلك السنة. والعذاب الذي رفعه الرشيد هو عذاب الجباية وليس غيره، وقد مر بنا أنه مارس التعذيب السياسي، ولا شك في أنه استؤنف بعد الرشيد، مع افتراض التقيد بالمنع في حياته.
من قبيل تعذيب الجباية تعذيب عمال الخراج الذين يتهمون بالاختلاس وهو أمر مألوف في الوظائف المالية، وكان المتورطون فيه من كافة المراتب، الوزير فرئيس الديوان فالموظفون. وكان من الشائع أن يسطو الوزير أو رئيس الديوان على قدر من الأموال التي تحت يديه بعلم خليفته أو سلطانه، لكن حسابه يؤجل إلى ما بعد العزل، الذي غالباً ما يقترن باستجواب لأجل المصادرة يتضمن التعذيب في حالة الإنكار. أما الموظفون فهم عرضة للاستجواب في كل وقت. و تشتد وقائع الاختلاس، وما يتبعه من تعذيب، حين تكون الدولة في حالة انحلال أو فساد عام وهذا هوا لسبب في استشرائه بعد الحقبة العباسية الأولى حيث سيطر المتغلبون الأتراك على الخلافة منذ مقتل المتوكل وتجزأت الدولة إلى دويلات. وقد استخدمت لتعذيب المختلسين وسائل وأساليب يحتمل أن تكون مكرسة لهذا الغرض، منها التنور الذي ابتكره وزير الواثق محمد بن عبد الملك الزيات، وسنصفه لاحقاً. وقد استمر التعذيب دون أن يتوقف الاختلاس، فكان هناك على الدوام مختلسون من مختلف ومعذبون بتهمة الاختلاس.

التعذيب على سبيل العقوبة:
تتضمنه بعض مواد العقوبات المنصوص عليها في الشريعة وهي الجلد للسكران والزاني غير المحصن والمحكوم بالقذف، والرجم للزاني المحصن، وقطع يد السارق، وقطع أيدي وأرجل قطاع الطرق وصلبهم، ويصح على هذه العقوبات اسم التعذيب من جهة كونها وسائل لإيلام المحكوم سواء كانت خفيفة نسبياً كالجلد أو شديد كالرجم وقطع الأوصال، وهو ما يميزها عن العقوبة الاعتيادية بالسجن الذي تفترض القوانين الحديثة عدم اقترانه بإيلام السجين إلا في الجرائم المعاقب عليها بالأشغال الشاقة. ومن الناحية العملية، لم يستخدم الرجم إلا نادراً، بخلاف الجلد والقطع والصلب التي استمرت في مختلف الأزمان. على أن عقوبات التعذيب لم تتحدد بالشرع وإنما امتدت إلى جرائم عادية أخرى رغم التشديد في النهي عن تجاوز الحدود المقررة. وتتصل بعض هذه الخروقات بأيام النبي محمد نفسه حيث أعدمت امرأة بأمر زيد بن حارثة بربطها إلى فرسين جرياً بها ولم تذكر المصادر ما إذا كان ذلك قد تم بعلمه، وقد مد الحكام المسلمون هذه العقوبات إلى مخالفات أخرى كجرائم الفكر والسرقة، كما استخدموها للتأديب والانتقام الشخصي، وشملت عقوبة التعذيب كذلك حالات القصاص، وهو بحسب الشرع، الإعدام بقطع الرأس في قتل العمد، لكنه تجاوز هذا الحد في القصاص السياسي، ومن أمثلته تعذيب عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب، وتعذيب الخادم الذي قتل أبو سعيد الجنابي مؤسس الحكم القرمطي في شرقي الجزيرة العربية

فنون التعذيب وأبطاله:
لم يكن التعذيب مألوفاً في الجاهلية بالنظر لقيم البداوة المناهضة للتنكيل، وقد ظهرت منه بوادر في المدن التجارية وجهت رئيسياً ضد العبيد، وفي بداية الدعوة الإسلامية بمكة وجد تجار قريش حاجة لإرهاب عبيدهم ومواليهم الذين أسلموا فعذبوهم ليرجعوا عن الإسلام.، وكانت وسيلتهم في ذلك هي التشميس الذي يعتمد على شمس الجزيرة الحارقة، فكانوا يكتفون الضحية ويلقونه في الشمس بعد إلباسه أدرع الحديد أو وضع جندلة على ظهره أو صدره ويترك على هذا الحال ساعات غير محددة قد تستمر مادامت شمس النهار في عنفوانها، وظهر التشميس أيضاً في صدر الإسلام لتعذيب الممتنعين عن دفع الخراج. ويتفاوت مفعول هذه الوسيلة تبعاً لشدة حرارة الشمس، فهي في العراق والجزيرة أوجع للضحية، وفي بلاد الشام أقل إيلاماً.
إن التشميس هو أقدم وسائل التعذيب وهو وسيلة مشتركة بين الجاهلية والإسلام. ونبدأ الآن بعرض مفصل للوسائل التي ظهرت في الإسلام.
حمل الرؤوس المقطوعة:
وتدخل في باب المثلة بالميت. وقد بدأها الأمويون في زمان معاوية، ويقال إن أول رأس حمل في الإسلام هو رأس عمرو بن الحمق، أحد أتباع علي بن أبي طالب، وقد قتله زياد بن أبيه، ومن الحوادث المشهورة في هذا الباب حمل رؤوس الحسين وأصحابه بعد معركة كربلاء، وقد ثبتت الرؤوس على الرماح وسير بها من كربلاء إلى الكوفة حيث قدمت لحاكمها عبيد الله بن زياد، ثم استأنفوا السير بها إلى دمشق لتقديمها إلى الخليفة الأموي، ولم تتكرر هذه المثلة بكثرة أيام العباسيين، إلا أنها انتشرت في الأندلس أيام ملوك الطوائف ومن المبرزين فيها المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية الذي أقام في قصره حديقة لزرع الرؤوس المقطوعة، وكان المعتمد شاعراً.
الضرب والجلد:
باليد أو السوط أو الهراوة أو المقرعة وهو الكل المعتاد في تعذيب الاعتراف، كما استعمل في التأديب والانتقام السياسي، والضرب باليد غالباً ما يكون صفعاً على القفا والوجنتين ولم يكن الغرض منه الإيلام بقدر الإهانة ويضرب بالهراوة على الكتفين والظهر والأرداف. أما المقرعة فللرأس وهي أشد إيلاماً من اليد والهراوة. ويمكن اعتبار المقرعة تطويراً للدرة، وهي عصا خفيفة كان عمر بن الخطاب يحملها في طوافه بالأسواق والدروب ويقرع بها المخالفين لتعليماته، وقد استبدل بها عثمان السوط، أو العصاب بحسب الروايات وكان ذلك من أسباب النقمة عليه.
أما الضرب بالسوط فهو الجلد، وينفذ في المضروب واقفاً أو مبطوحاً وقد يقنطر ويضرب وهو ما اختاره وإلى المدينة لجلد مالك بن أنس مؤسس المذهب المالكي. وكان قد أفتى كما في رواية لابن عبد البر في «الانتقاء» بعدم شرعية البيعة للمنصور لأنها أخذت بالإكراه، فأمر الوالي بتأديبه، وتم ذلك برفعه من يديه ورجليه بعد أن قلبوه على وجهه وأخذوا بجلده على الظهر وليس للأسواط مقدار معلوم إلا في العقوبات الشرعية التي تضمنت حداً أعلى هو مائة جلدة لجريمة الزنى، لكن التحديد الشرعي لم يعمل به وكان المقدار يتحدد تبعاً لرغبة الآمر وربما استمر حتى الموت كما حدث لبشار بن برد الذي جلد بأمر المهدي بعد أن هجاه. وغالباً ما يتم الجلد دفعة واحدة ولكن يحدث أن يقسط على دفعات، ومن أمثلته جلد أبو حنيفة، مؤسس المذهب الحنفي، مائة سوط بأمر حاكم العراق الأموي ـ عمر بن هبيرة ـ لرفضه عرضاً بالعمل في إدارته وقد نفذ الحكم بالتقسيط كل يوم عشرة أسواط، وكان الهدف من التقسيط إعطاءه فرصة للتراجع وقبول المنصب الذي عرض عليه.
تقطيع الأوصال:
ويشمل قطع اليدين والرجلين واللسان وصلم الآذان وجدع الأنف وجب المذاكير (الأعضاء التناسلية للرجل)، وقطع اليد الواحدة منصوص عليه في الشريعة عقوبة للسارق، وكذلك قطع اليدين والرجلين وهو لقطاع الطرق. وقد توسع الحكام المسلمون بعد الراشدين في هذه الوسيلة دون التقيد بالجرائم المنصوص عليها، وطبقت رئيسياً على الجرائم السياسية وكان المقطوع يترك حتى يموت من تلقائه فإذا لم يمت قطعوا رأسه، وأقدم مثال لهذه الطريقة هو قتل عبد الرحمن بن ملجم، قاتل علي بن أبي طالب، وقد أعدم ببتر يديه ورجليه ولسانه وسمل عينيه، ثم قطع رأسه، والبتر وهو الغالب في هذه الحالات أما الصلم والجدع فنادراً ما يحصل ولكن جب المذاكير كان في بعض الأحيان عقوبة يفرضها السيد على عبده إذا صدر منه فعل جنسي لا يرضاه السيد.
سلخ الجلود:
في رواية لابن الأثير أن قائداً من الخوارج يدعى محمد بن عبادة أسر في أيام المعتضد بالله فسلخ جلده كما تسلخ الشاه. ونقل ابن الأثير حادثاً آخر كان ضحيته أحمد بن عبد الملك بن عطاش صاحب قلعة أصفهان الاسماعيلية. وكان السلاجقة قد حاصروا القلعة بقيادة السلطان محمد بن ملكشاه ثم افتتحوها وأسروا صاحبها ابن عطاش. يقول ابن الأثير: فسلخ جلده حتى مات، ثم حشى جلده تبناً. والغرض من حشوه عرضه بعد ذلك للتشهير والتخويف. وقبض المعز الفاطمي على الفقيه الدمشقي أبو بكر النابلسي بعد أن بلغه قوله: «لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة (الفاطميين) وواحد في الروم» واعترف بالقول وأغلظ لهم بالكلام فسلخوا جلده وحشوه تبناً وصلبوه. والسلخ من أشنع صنوف التعذيب ويستدعى الإقدام عليه نزعة سادية في غاية الإفراط، ولذلك لم يتكرر كثيراً.
الإعدام حرقاً:
فرضه أبو بكر على رجل مأبون يدعى الفجاءة السلمي، وكان قد نقل إليه إنه «يؤتى من دبره كما تؤتى النساء» وهو من الأمور التي لم يتعودها عرب الجاهلية وصدر الإسلام. وورد في حروب الردة ما يدل على أن أبا بكر ضمن تعليماته لقادة الجيوش التي أرسلها لمحاربة المرتدين أوامر بالإحراق. وروى الطبري كتابين له في هذا المعنى كما نقل وقائع نفذت فيها أوامره. ويخبرنا البلاذري في «فتوح البلدان» أن خالداً بن الوليد أحرق بعض المرتدين بعد أسرهم وأن اعتراضاً من الصحابة قدم لأبي بكر ضد هذا الإجراء، فردهم أبو بكر قائلاً: «لا أشيم سيفاً سله الله على الكفار» يقصد خالداً.
واستعمل بعض ولاة الأمويين هذه العقوبة ضد الثائرين عليهم. وقد ذكرت آنفاً إحراق المغيرة بن سعيد العجلي حياً بأمر خالد القسري حاكم العراق، وفي أوائل العباسيين أعدم الكاتب عبد الله بن المقفع حرقاً بأمر سقيان بن معاوية أحد ولاة المنصور. وقد طور العباسيون في وقت لاحق هذا الفن إلى شي الضحايا فوق نار هادئة. وهو ما فعله المعتضد بحق محمد بن الحسن المعروف بشيلمة أحد قادة الزنج في البصرة وكان المعتضد قد أعطاه الأمان ثم اكتشف أنه يواصل نشاطه المعادي سراً فأمر بنار فأوقدت ثم شد على خشبة من خشب الخيم وأدير على النار كما يدار الشواء حتى يتقطع جلده ثم ضربت عنقه.
وفي البداية والنهاية أنه وجد نصراني يشرب الخمر مع مسلمة في نهار رمضان فحكم نائب دمشق للمنصور ابن قلاوون بإحراق النصارني وجلد المرأة. فأحرق بسوق الخيل (حوادث 687هـ) والمنصور من حكام المماليك مصر.
04-19-2008, 05:48 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}


الردود في هذا الموضوع
تاريخ التعذيب في الاسلام - هادي علوي - بواسطة Cloudysky - 04-19-2008, 05:48 AM

المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة…
الموضوع الكاتب الردود المشاهدات آخر رد
  طلب كتاب عن تاريخ الفنون hydroqenone 0 1,042 11-07-2011, 12:38 PM
آخر رد: hydroqenone
  موعد مع الجريمة - تأليف: دين كونتز تاريخ النشر: 26/07/2010 ali alik 1 1,928 10-21-2011, 02:27 AM
آخر رد: yasser_x
  من تاريخ الالحاد في الاسلام Kairos 10 3,701 10-19-2011, 06:26 PM
آخر رد: الفكر الحر
  تاريخ أكثر إيجازا للزمن ستيفن هوكينغ الجواهري 1 1,601 10-17-2011, 10:34 PM
آخر رد: yasser_x
  تاريخ الغجر Free_Mind 14 4,331 10-12-2011, 02:04 AM
آخر رد: نبع الحياة

الانتقال السريع للمنتدى:


يتصفح هذا الموضوع من الأعضاء الان: بالاضافة الى ( 4 ) زائر
{myadvertisements[zone_2]}
إتصل بنا | نادي الفكر العربي | العودة للأعلى | | الوضع البسيط (الأرشيف) | خلاصات التغذية RSS