فلسفة الدين في الجدل الفكري المعاصر
حوار مع الدكتور مصطفى ملكيان – أستاذ في الحوزة العلمية، وأستاذ في جامعة طهران.
((*)) كيف تقوّمون الواقع الفكري في بلدكم حاضراً (إيران)؟
((ملكيان)): بشكل عام يشهد بلدنا نقاشاً فكرياً معمقاً، قلما نراه في بلدان العالم الإسلامي، ولا شك في أن خصوصية الاتجاه الفكري الغالب مع طبيعة الشعار الذي ترفعه الحكومة حفزاً على قراءة النتاج والتجربة المعاصرين، الأمر الذي سيسمح بالكشف عن آفاق ومعطيات وحقول كانت ولا تزال مجهولة وغير واضحة.
((*)) هل ثمة خريطة لتوزع الاتجاهات الفكرية المعاصرة في الساحة الثقافية الإيرانية؟
((ملكيان)): بصورة عامة يشعل خريطة الفعل الثقافي والفكري اتجاهات ثلاثة أساسية:
الاتجاه الأول: يمثله مفكرون يعنون بالحداثة مجردة، بالموضوعات والمسائل التاريخية البعيدة عن الاهتمامات الجديدة، وهؤلاء وربما عن قصد لا يتعرضون للمسائل الفكرية الإسلامية من قريب أو من بعيد.
الاتجاه الثاني: وهو الذي يتناول بالنقد والنقض الأفكار الإسلامية وإن كان يتم ذلك بصورة غير مباشرة وبمعالجات غير صحيحة، ربما تجنباً لردات الفعل أو خشية الردود.
الاتجاه الثالث: هذا الاتجاه يولي المباحث والأفكار والأسئلة حول الدين اهتماماً، ويتوخى الدفاع عن الدين ودوره ووظائفه غير أن المتتبع لمناحي التفكير ومسارات النتاج والمناهج يمكنه رصد تيارين اثنين داخل هذا الاتجاه نفسه وهما:
أ. التيار التقليدي الذي يحرص على إبراز النتاج الفقهي والأصولي والتاريخي والفلسفي بقالبه المألوف والشائع وينطق من كون هذا النتاج ينطوي على الحقيقة أو يمكنه في إطار منهجه المعتمد مقاربة الحقيقة. ولذلك فهو يخوض معركة الدفاع عن المعطيات والمناهج والأساليب والنتاج الذي عنده، ويتولى الإجابة عن الأسئـلة الجديدة للواقع، من خلال فهمه وتصوره للدين والحياة.
ب. التيار التجديدي الأصيل، وهو يقف على الأرضية الدينية عينها التي يقف عليها التيار التقليدي، إلا أن أتباع هذا التيار مع صحة إطلاق صفة الأصيل عليه، لا يتفق مع التيار التقليدي، لا بل يعتبر مناحي تفكير التيار السالف موضوعاً أساساً للنقد، ولذلك فهو تيار مخالف بصورة كبيرة للتيار التقليدي. والجدل الثقافي المحتدم في إيران يدور في الأساس على أرضية الصراع بين هذين التيارين.
((*)) السؤال هنا، حول حدود الحرية المعطاة للتيار الثاني في الاتجاه الإسلامي، فهل ثمة موانع عملية تحول دون متابعة هذا التيار طريقه، وبعبارة أخرى أين تقف السلطة؟
((ملكيان)): في كل المجتمعات، كما نعلم لا يمكن أن يُعلن ويصرح عن كل الأفكار المختزنة في عقول المبدعين من العلماء والمفكرين، وإيران لا تخرج عن هذا الواقع، ولكنني في الوقت عينه لا أريد أن أنسب الحرية أو عدمها إلى الحكومة الإسلامية والنظام، مع العلم أن النظام يعطي الحرية للتفكير والنقد إلى حد كبير، والمشكلة التي تواجه المفكرين المجددين تكمن في التضييق والإعراض وعدم الاستجابة من الرأي العام الذي لا يزال يألف الفهم التقليدي ويحبذه، ولا تكمن في النظام السياسي.
((*)) في العودة إلى الاتجاه الأول، الذي قلت عنه أنه يتمثل بالمفكرين الذين يعنون بالحداثة أو يفكرون في المسائل الثقافية دون أن يتعرضوا للمسائل الإسلامية لا من قريب ولا من بعيد، مع العلم أنهم يعيشون في مجتمع إسلامي، فمن هم هؤلاء بالتحديد؟
((ملكيان)): الذين لا يتدخلون في المسائل الفكرية الإسلامية، هم شريحة تنصب جهودها على التأليف والكتابة في موضوعات بعيدة عن تلك التي يتناولها التياران المنتميان إلى الاتجاه الثالث، وهؤلاء إما أنهم يعالجون المسائل مكتفين بالعرض والتقرير دون النقد، أو تنصب جهودهم على قضايا ومسائل أخرى. كالتاريخ الوطني، وسوسيولوجيا المجتمع الإيراني، والنقد الأدبي في إطار النتاج الفارسي وهكذا.
((*)) في إطار إعادة رسم صورة الاتجاهات بشكل واضح وجلي، وصفتم الاتجاه الثاني بأن المنضوين تحته هم مفكرون مسلمون غير تقليديين، لكنهم مختلفون مع تيار التجديد في الاتجاه الثالث، فما هي القضايا والمسائل التي يتناولها هذا الاتجاه؟
((ملكيان)): يمكننا هنا، إطلاق عنوان عام على مباحث هذه المجموعة، وهو (فلسفة الدين) وسأورد أهم موضوعات هذا العلم الذي يشغل الوسط الذي نحن بصدد الحديث عنه:
1- وجه حاجة البشر إلى الدين؛ لماذا نحتاج إلى الدين؟ هل هي لإشباع المتطلبات الفردية والاجتماعية، والمتطلبات الدنيوية، أم الأخروية أو كليهما معاً، أم لمعرفة القيم أو الواقع؟
2- هل ثمة بديل من الدين، وبالتالي هل بالإمكان إيجاد صيغة أخرى تحل محل الدين؟
في هذا الإطار، نضرب مثلاً: الطمأنينة التي يوفرها الدين، هل يمكن للإنسان أن يحصلها عن طريق آخر غير الدين؟ فالمسيحية تستخدم الاعتراف كوسيلة تشعر المعترف بالطمأنينة وبراحة معنوية كبيرة، لكن هل يمكن لغير الدين أن يوفر مثل هذه الطمأنينة؟
وإذا أردنا أن نثبت أن البشر محتاجون إلى الدين فعلينا أن نثبت بالمقابل أنه لا يوجد بديل للدين، ولو كان ثمة بديل لكان هناك ظاهرتان في زمان واحد تؤديان الوظيفة عينها، وبالتالي لأمكن القول بإمكانية استخدام فعاليات معنوية بديلة من الدين. بعبارة أخرى لدى دراسة الخيارات الإنسانية التي تلبي المتطلبات غير المادية للإنسان، فإن توصل العقل والتحليل الاجتماعي إلى الحكم بوجود بدائل أو خيارات رديفة للدين، فإن الخصوصية التي يتفرد بها الدين تفقد حضورها، ويفقد بالتالي الدين فعاليته التامة.
3- علاقة المعرفة بالإيمان، ويتفرع النقاش حول هذه المسألة إلى طبيعة الإيمان، فهل هي حالة نفسية من سنخ العلم والمعرفة أم لا؟ وإذا كان الإيمان حقيقة مختلفة فما هي الرابطة التي تربط الإيمان بالمعرفة والعلم؟
السؤال هنا: إذا كان الإيمان منفصلاًً فقوته وضعفه غير مرتبطين بمستوى العلم وحجمه، أما إذا كان مرتبطاً بالعلم فإن أي تراكم علمي أو إحاطة بآفاقه سينعكس إيجاباً على قوة الإيمان. وباختصار ينبغي التأمل في ماهية الإيمان وقياسها أو مقابلتها بماهية العلم لكي ندرك النسبة بينهما.
4- من المباحث الحيوية التي يتناولها هذا الاتجاه أيضاً، دعوى انحصار الصدق في دين بعينه ونفيه عن غيره. فكل دين يدعي أنه على حق وأن سائر الأديان الأخرى غير محقة وغير صحيحة، فالأسئلة التي يطرحها المفكرون في هذا الإطار تدور حول إمكانيات التثبت من الدعوى، والمنهج الذي يفترض استخدامه للبت في النتيجة.
5- والمبحث السابق يقود إلى بحث آخر مهم وحاسم، وهو حدود التقارب بين الأديان، وهل هذه الأديان مختلفة في الجوهر أم في الأعراض أو أن لها جوهراً واحداً غير أنها مختلفة في الأعراض؟ كالصلاة، فهي موجودة في كل الأديان، لكن صورها وطرق أدائها مختلفة، أي أن لها جوهراً واحداً غير أن أعراضها مختلفة، وهكذا.
فإذا قلنا إن جوهر الأديان مشترك، فثمة مسألة أخرى تلح وهي: هل الجوهر المشترك في أمر واحد أو أكثر؟ فإذا كان الأديان مشتركة في الجوهر فما هو معيار التفاضل؟
6- حقل آخر يشتغل فيه أصحاب هذا الاتجاه الثاني له صلة بالميدان الثالث، أي علاقة المعرفة بالإيمان، وهو يتناول مفهوم العلم وطرق تحصيله، وقد قسمه هؤلاء إلى قسمين:
أ. الطرق العادية وهي المتوفرة والمتاحة لكل البشر، بحيث يصلون إلى المعرفة بالعمل الدؤوب في صورة متساوية تقريباً، وقد صنف المشتغلون في هذا الاتجاه الطرق العادية إلى:
1- طريق الحس والتجربة كالعلوم التجريبية أو العلوم التطبيقية والعلوم التجريبية الإنسانية كعلم الاجتماع والاقتصاد والنفس وغيرها.
2- الطريق العقلي كالمنطق والرياضيات والفلسفة.
3- الطريق التاريخي كعلم التاريخ والجغرافية واللغة وهم تتم عبر النقل أو من خلاله في صورة أساسية أي أنها ترتكز على النقل في الأساس وليس على العقل والحس.
4- طريق الكشف والشهود أو طريق الإشراق والعلم الحضوري وهو علم خاص ينفرد به المشتغلون بالعرفان والتصوف.
هذه الطرق الأربعة تندرج كلها تحت عنوان الطرق العادية، بمعنى توفر الإمكانية لكل الناس للاشتغال فيها وعليها لتحصيلها.
ب. الطرق غير العادية لكسب المعرفة، وهذه ليست في متناول كل الناس وإنما في متناول المصطفين من الأنبياء، وهي تتم عبر الوحي.
والسؤال المطروح قديماً وحديثاً هو احتمال تصادم أو تعارض حكم تم تحصيله من الطرق العادية من آخر عبر الطرق غير العادية، فهل نقدم الأول أم الثاني أم نحاول التأويل للجمع؟ وغير ذلك من الأسئلة.
7- علاقة الأخلاق بالدين، في هذا الإطار ثمة ستة أقسام متصورة لبحث العلاقة بين الدين والأخلاق وهي:
أ. هل الأخلاق نابعة من الدين؟
ب. هل الدين هو قيمة أخلاقية في الأساس؟ أي أنه متفرع من الأخلاق؟
ج،د. أن الدين جزء من الأخلاق، دون أن تنعكس المعادلة أي أن الأخلاق لا يمكن أن تكون جزءً من الدين.
هـ. الأخلاق جزء من الدين، دون أن يكون العكس صحيحاً.
و. الدين ليس جزءً من الأخلاق، ولا الأخلاق جزء من الدين والاثنان مختلفان بل هما ظاهرتان مستقلتان، هذا القسم يمكن تصوره على وجوه عدة:
- في عين أنهما مستقلان فإنهما منسجمان تماماً.
- في عين أنهما مستقلان إلا أنهما غير منسجمين تماماً.
- مع كونهما مستقلين فإن بعضاً من قضايا الدين وأحكامه ينسجم مع الآخر، وقسماً من أحكام الأخلاق وقضاياها ينسجم مع الدين.
- علاقة الدين بمقولتي العدالة والحرية.
- علاقة المتحول بالثابت والثابت بالمتحول.
نحن ندعي أن ديننا ثابت في كل الأوضاع والأحوال، في المقابل، نعلم أن الأحوال متغيرة ومتحولة، إذا كيف يمكن تطبيق هذا الدين الثابت مع الأوضاع والشرائط المتحولة؟
((*)) الملاحظ أن ثمة مسائل متعددة ترتبط بأصل الدين وحاجاتنا، كبشر إليه، ومسائل أخرى ترتبط بالمعرفة وأخرى لها علاقة بحركة المجتمع والسلطة، في هذا الإطار نسأل عن الماهية الرابطة بين الدين والأخلاق؟
((ملكيان)): ابتداءً لا بد لنا من التساؤل عما نرجوه من الدين، لنجيب عن سؤال العلاقة بين الدين والأخلاق. نحن كبشر لدينا آلام وأوجاع وحالات توتر وقلق، وهذه لا يمكن أن تزول بل هي مستمرة ومتجددة في حياة الإنسان، وإذا دققنا أكثر في أشكال الآلام والأوجاع يمكن ملاحظة قسمين منها:
أ. منها ما هو قابل للزوال والشفاء، بمعنى أنها ظرفية يمكن شفاؤها، كألم الأسنان، فإنه يزول بمجرد تناول المسكنات أو المعالجة لدى الطبيب المختص.
ب. ما هو غير قابل للزوال، كمكابدة الإنسان في الحياة بفعل صراعه مع الطبيعة، وهذه قد ينحسر وجودها بتراكم الخبرات وتطور العلوم والتصنيع. وهذه لم يكن زوالها مرتبطاً بزمن محدد أي أن الزمن ليس هو على ارتفاعها وإنما تطور العلوم هو الذي رفعها، غير أن مثل هذه الآلام قد تزول بفعل التطور لكن سرعان ما تحل محلها آلام جديدة، وهي بهذا اللحاظ مستمرة، تماماً كمشكلة البيئة، فهي لم تشغل الإنسان قبل هذا العصر، وعندما توسعت معارف العلمية وانتقل إلى التصنيع المتطور، داهمته المشكلة.
هذا شكل من الآلام، وثمة شكل آخر يداهم الإنسان باستمرار كالوجوم والملل والتوتر التي يتألم منها جميعاً، فالإنسان في الحياة لا يقوم بأعمال الخير فحسب، ولكنه يفعل الشر، وإن كان لديه توق إلى العصمة، وهذا يولد لديه شعوراً بالألم لا يمكن إزالته. وفي هذا الإطار المعرفي الإنسان تواق إلى معرفة الواقع الموضوعي كما هو، غير أن التجارب أثبتت نسبية هذه المعارف مما يولد فيه شعوراً بالألم.
في هذا الإطار رجوعنا إلى الدين لا يكون لرفع الآلام والتوترات كالمسكنات، وإنما لرفعها بعهد العلم وتلك التي لا يمكن رفعها يساعد الدين على تحملها، ولكي تصبح هذه الآلام قابلة للتحمل أوصانا الدين بالقيام ببعض الأعمال، وهذه نسميها الأخلاق الدينية، وهي سلسلة من الأوامر والنواهي والأحكام، فتصبح الأخلاق الدينية علاجاً لتلك الآلام والأوجاع.
إذا عدنا إلى السؤال الأساسي عن علاقة الدين بالأخلاق، نقول بأن الأخلاق جزء من الدين وهو الجزء اللازم لرؤية الدين الكونية. لا تقتصر الأخلاق على الأحكام والأوامر الظاهرية، أو الممارسات الظاهرية، فحسب، وإنما على الباطنية أيضاً.
((*)) هنا، يأتي استحقاق مهم، في سياق هذا الحوار، هو حول جوهر الدين، فهل الأديان متفقة أم مختلفة؟
((ملكيان)): برأيي أن كل الأديان متفقة في الجوهر، أو لها جوهر واحد وغاية واحدة، وهي إيصال الناس إلى حالة نفسية مستقرة ترتكز على الطمأنينة والرجاء والسرور، وكل من يدين بدين معين فهو يبتغي من تدينه الوصول إلى هذه الحالات الثلاثة؛ بتعبير آخر نقول إن الإنسان معرض في حياته لأعراض اليأس والقلق والحزن وهو يجهد لرفعها ما أمكن، غير أن الدين يوفر لهذا الإنسان المضطرب العلاج الشافي لهذه الأمراض.
((*)) منطوق كلامكم واضح، غير أن مفهومه يعني أن الأديان مختلفة في العرض فقط وليس في الجوهر، ما هي بنظركم أهم الأعراض المختلفة حولها؟
((ملكيان)): تختلف العوارض باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال الثقافية.
((*)) إذا كيف نفاضل بين دين ودين؟
((ملكيان)): الواقع أن الإنسان لا يختار دينه، وإنما نحن نبرر ديننا.
((*)) إذا لماذا تجهد الأديان للتبشير، والإسلام يأمر صراحة معتنقيه بالدعوة إليه؟
((ملكيان)): يبدو لي أن الدعوة إلى الدين هي في الحقيقة دعوة إلى تعميق الفهم وتأصيل الممارسة وليس إلى توسيع إطار معتنقيه لدين معين، وفي اعتقادي أن البشر على امتداد التاريخ كانوا دائماً وارثين لدينهم، والذين يختارون دينهم متجاوزين المتوارث هم قلة نادرون جداً، فأنا مسلم لأن أبي مسلم، وأن مسيحي لأن أباك مسيحي، فإذا أراد المرء أن يختار دينه فعليه أن يطالع كل الأديان، وعندئذ يكون الاختيار هو ترجيح لدين على دين آخر، لكن هذا بعد التروي والتأمل والتحقيق والدراسة. فالاختيار هو من الخير، لكن من ينهض للتصدي معرفياً للديانات كلها ليختار الأفضل.؟؟
(المصدر : شبكة هجر ).