" تتحول صناديق الإنتخاب إلى قنابل متفجرة لو ملأها الجهلة و المتعصبون و العشوائيون بأوراقهم"
..................................
الأخت الكريمة هالة .

أشكر لك اهتمامك و تعليقك .
ناقشت قضية الديمقراطية في أكثر من شريط طرحته ، أحدها و أكثرها مدعاة للجدل هو شريط طرحته بعنوان ( الديمقراطية الآن ) ، ولا أنكر أن هذه القضية شائكة ، و بدائلها ضيقة و كلها محفوف بالمهالك . هناك من ينكر وجود مشكلة أصلآ وهناك من يتبنى اليأس كممكن وحيد ، و الإسلاميون يرون أنفسهم حلآ !، الإجابات الديماجوجية السهلة هي دائما إجابات خاطئة ، و الإجابات المعقدة تكون غالبا غير قابلة للتطبيق ، و لو ظللنا نطفو على سطح التاريخ بلا إرادة كما نفعل الآن فسوف تبتلعنا موجة قادمة لا محالة ، فالأقدار الرحيمة دوما كالعنقاء خرافة ، لهذا لا بد لنا كي نعالج هذه القضية أن نمتلك خبرات و فكر سياسي عقلاني،ولا نكتفي بترديد الشعارات المباشرة كما يفعل الجميع تقريبا كافئران التي قادها الزمار للموت غرقا في محيط هادر .
إننا لا نختلف حول أهمية الديمقراطية بل نراها استحقاقا تاريخيا ولم تعد مجرد إختيار ، رغم هذا فمراجعتنا للديمقراطية و نقدها و تحديد مدى نجاحها أمر طبيعي تماما ، فهذا ما فعلته كل النظم السياسية المتقدمة في العالم ، وهي لا تفعل ذلك من أجل تمجيد الدكتاتورية بل من أجل تنظيم الممارسة الديمقراطية و حمايتها ، إن العالم الغربي حيث منبع الديمقراطية هو الذي لاحظ أن الديمقراطية الهشة الضعيفة تأتي بنقيضها للحكم ، لهذا نظمت الممارسة الديمقراطية ووضعت قيودا ثقيلة على الدعايات الراديكالية المنفلتة ، و حظرت الأحزاب الفاشية و المعادية للديمقراطية ، كما أن التحريض ضد مؤسسات المجتمع تذهب بصاحبه إلى السجن في أرقى الديمقراطيات .
نعم الديمقراطية أداة ممتازة و رائعة و لكن في الشعوب الناضجة ، أما في الشعوب المتخلفة الأصولية فهي أداة مدمرة ، إنك لا تعطي الطفل مسدسا كي يحمي نفسه لأن أول ما يفعله هو إطلاق النار على رأسه ، أنت تضع الطفل تحت مراقبتك حتى ينضج ، حتى أكثر المفكرين دفاعا عن الحرية مثل جون ستيوارت ميل يطالب بعدم إعطاء الحرية للشعوب المتخلفة ثقافيا و سياسيا ، فهو يقول في كتابه ( عن الحرية ) :" لا يجوز منح الحرية قبل أن يصبح الشعب ناضجا و مدركا لصالحه ، يعي حرية المناقشة و يعرف معنى المساواة ،و إلا وجبت عليه الطاعة المطلقة لحاكمه " ، لقد تحمسنا للديمقراطية في لبنان و فلسطين و العراق فكانت النتيجة مأساة بل فضيحة كاملة .
علينا أن نحرر شعوبنا قبل ان ندعوها إلى صناديق الإنتخاب ، نحررها من الخوف و الوهم و الأصولية الدينية . في أوروبا شرعوا في التخلص من نير الكنيسة و الإقطاع قبل أن يفكروا في صناديق الإنتخاب ، تلك الصناديق ستتحول إلى قنابل متفجرة لو ملئها الجهلة و المعدمين بأوراقهم .
ما يخيفني أكثر من أي شيء آخر : هو أنه هناك بالفعل كثيرون يتبنون منطق دعهم يجربون جحيم الإخوان و سيعرفون عندئذ خطأهم ، أليس هذا ما حدث في الأنظمة الشمولية النازية و الفاشية و أخيرا الشيوعية ؟، هذا الرأي يتبنى المثل المصري الشائع (وقوع البلا ولا إنتظاره ) كنوع من اليأس من أي إصلاحات حقيقية تمس حياة الناس ، أو عدم الثقة في إمكانية تنشيط العقل المصري بدون حرائق كبيرة تلتهمه فيفيق !.و لكني أرى ألا نستسلم بلا مقاومة فالتاريخ سيعمل في النهاية معنا لأننا جزء من ديناميكيته الكاسحة .
أرى أننا نعاني من نفس المحنة ، أن نراجع ما نؤمن به من قيم الديمقراطية الليبرالية ، عندما تتعرض للتشويه بل للغش و التزيف من تحالف عضوي يجمع الأصولية و التخلف ، رغم هذا كله فعلينا أن نكون من التماسك بحيث لا تجرفنا الشعارات عندما يدحضها الواقع ، إنني لا أوافق على أن نترك الشعوب للتجربة القاتلة أسوة بالمجتمعات الفاشية التي تحولت للديمقراطية الليبرالية ، إني ضد هذا المنطق كلية ، ففي تلك الأنظمة كانت هناك تراكمات علمية و تكنولوجية متطورة و قاعدة صناعية و نخب مثقفة و لم تكن هناك أمية ، وكل هذه العناصر ليست متاحة لنا خاصة في مصر ، كما أن الدين كان خارج التأثير السياسي و الإجتماعي ولم يتم إستغلاله في قهر الجماهير ، هناك أيضا عامل غاية في الحرج هو الزمن فكانت هناك وفرة منه في التجارب الأخرى لم تعد متاحة لنا ، كان مضاعفة الدخل القومي يحتاج ربما قرن من الزمان ،وهذا يتحقق الآن خلال 10 سنوات أو أقل في بعض الدول النامية التي لجأت لإصلاحات حقيقية مثل الصين و كوريا و الهند على الطريق ، هناك أيضا مشكلة النخب العربية سواء داخل أوطانها أو في الخارج ، هذه النخب ليست ديمقراطية في صميمها بل يغلب عليها الإتجاهات الأصولية السلفية و القومية الشوفينية ، و حتى في الخارج تسود تلك الإتجاهات ربما بشكل أكثر حدة ، كما أن معظم المغتربين المسلمين في الغرب يكرهون دول الإغتراب و مجتمعاتها ولا يتفاعلون مع قيمها الليبرالية عكس اليابانيون أو الروس الذين عاشوا في الغرب ، فكانوا جسورا لربط مجتماعتهم بقيم الحرية الغربية ، كل تلك العوامل تعمل ضد الديمقراطية و شيوع الحريات .
لو دققنا في الإقتصاد المصري سنجد أنه تم تمويل الإصلاحات المحدودة التي تمت بصعوبة بالغة و بمعونات خارجية جرى تدبيرها على أسس سياسية ، كما حدث في إسقاط الديون الأمريكية و الغربية لمصر عام 1992 ، مثل هذه التدفقات لن يكون ممكنا استعواضها لو وصل الإسلاميون إلى الحكم وقادوا مصر للخراب المتوقع ، هذا سيعني ببساطة إنهيار الدولة المصرية و عودة المصريين لأنساق ما قبل الدولة البدائية كما حدث في الصومال و أفغانستان طالبان ، مثل هذا السيناريو يهدد شعوبا عربية أخرى غير مصر مثل سوريا و الأردن و ...، بل نحن لدينا بالفعل تجربة العراق الدموية و تجربة حماس في غزة و غيرها من تجارب الأصوليات الإسلامية المتخلفة .
إن مصر لا تملك ترف المغامرة بالقدر الضئيل من التحديث الذي حققته ،و لهذا يجب أن يكون هناك وعي على كل المستويات بمخاطر الأصولية الإخوانية و جناحها الإرهابي ، كما يجب توطين النفس على مقاومتها بكل السبل الممكنة ،وهذا ينطبق أيضا على كل دولة عربية أخرى .
إن أفضل ما يمكن أن نفعله لو توفرت لدينا الإرادة و الشجاعة هو حظر كافة الأنشطة الدينية السياسية و تجريمها كممارسة غير أخلاقية و إستغلال مغرض للأديان ، مع فتح باب المشاركة الديمقراطية لكافة الأطياف المدنية على إتساعها ، أيضا هناك حزمة من الإصلاحات يجب تنفيذها بالتوازي مع الممارسة الديمقراطية التي يجب ضبطها بإستمرار ، و علينا أن نتذكر دائما أننا نعيش في شعوب نامية ، يضربها الفقر و الجهل و الأصولية ، لهذا فمن الضروري للغاية أن نكون واقعيين في إختيار أهدافنا و أساليبنا .
وبالأساس علينا أن نكون على وعي عميق بأن أي ثمن سندفعه الآن في الخلاص من الأصولية السياسية و إتجفيف منابعها و تقليم أظافرها سيكون مبررا و سيجنبنا ثمنا باهظا قد لا نكون قادرين على تحمله مستقبلآ .
إن الحرية هي التي تشكل جوهر الديمقراطية و ليس الشكل الديمقراطي .
ما يسترعى الإنتباه أن الجميع في مصر بما في ذلك الإخوان ، يتحدثون عن الديمقراطية كما لو كانت بضاعة يمكن شراؤها من السوبر ماركت مقابل ثمنا محددا ، و لكن لا أحد يتحدث عن كيفية مقاومة الأصولية المدمرة أو صنع الثقافة المستنيرة الديمقراطية ، إن أول ما يتعلمه السياسي في مصر -كغيرها من المجتمعات المتدينة- هو ألا يترك المقود الديني يفلت من يده ،و الأهم ألا يقبض خصمه على ذلك المقود السحري ، و النتيجة أنه بصرف النظر عمن يتفوق على الآخر فالأصولية وحدها هي التي تحصد الميداليات ، بالفعل لدينا في مصر تاريخ طويل لإستخدام الدين بواسطة الدولة كمصدر للشرعية السياسية و أداة للإنضباط الإجتماعي و الإقتصادي ، و لكن هذه الأشكال الإنضباطية و الأيديولوجية قد تخطت سيطرة الدولة ،و تنتج الآن أشكالا للسلطة لم يعد ممكنا للدولة السيطرة عليها ، هذه السلطة البديلة لا توفر أساسا للديمقراطية و التحرر من طغيان سلطة الدولة ، لأنها تعيد إنتاج السلطة التي تثور عليها بشكل أكثر توحشا و بدائية ، الفارق الوحيد و أيضا الجوهري ، أن أصولية النظم التقليدية هي أصولية تقليدية أيضا يمكن إحتمالها ببعض من أدوية الضغط ، أما الأصوليات الراديكالية (الإخوانية و القاعدية) فهي أصوليات إنقلابية فاجرة تهددنا ببحار الدم الطالباني .
إن أخطر ما يواجه المجتمع ليس مجاعة في الممارسة الديمقراطية ، و لكنها تخمة في الأصولية المتغولة في كل مفاصل المجتمع ، بينما يتحاشى الجميع الحديث عنها ، سواءا في ذلك الطفيليون من مهرجي النظام أو زملائهم دونكشيوطات المعارضة ، ففي مصر لا أحد يغامر بوضع الجرس في رقبة القط الأصولي خوفا من إستعداء المحتسبين و ما أكثرهم ، و في مصر انتقاد رئيس الجمهورية أهون كثيرا من التفكير في المساس بألوهية مهدي عاكف مدرس الألعاب الرياضية المتقاعد ، وهكذا و في ظل الأصولية المنتشرة الآن قد لا يظهر أبدا في مصر المجتمع المدني الذي يقود السبيل إلى الديمقراطية و يمارسها في مقابل سلطة الدولة .
لا أنكر أني تأثرت في موقفي بأفكار و كتابات ،و لكن للمفاجأة ليست دعايات النظام فكلها تؤكد على ديمقراطيتها ! ، على النقيض تأثرت بتجارب تاريخية واضحة للجميع .. هناك التجربة التاريخية الكارثية لجمهورية فاليمار الألمانية التي سبقت وصول هتلر للحكم في ألمانيا ، وقد قرأتها مرات عدة في كتاب وليم شرر الهام ( نشأة وسقوط الرايخ الثالث ) و كتب أخرى عديدة ، تلك التجربة خرجت منها كغيري بدروس غاية الأهمية ، أهم درس هو أن المحتوى و ليس الشكل ما يعول عليه ، و أن الديمقراطية التي تقتصر على آلية الإنتخاب هي معادية للديمقراطية ، هناك ما هو أخطر و أهم .. تجارب الديمقراطية في مجتمعات مجاورة أغنى و أكثر تعليما ونموا و أقل أصولية من الشعب المصري مثل العراق ، رغم هذا انهار فيها المجتمع المدني تماما بسبب ديمقراطية شفافة و لكنها خبيثة كالتي يريدها بوش لنا ،و الآن يحكم العراق أحزاب غاية في التطرف الأصولي لكل منها ميليشيات خاصة ، الأمر الذي يبدوا معه صدام حسين الرحمة المهداة لا أقل !.
إني لا أدافع عن نظام مبارك رغم هذا أراه أفضل من أي حكم إسلامي و بما لا يقارن ،إني أيضا لا أضحك على نفسي ولا أهزل ، فلا يمكن لأحد أن يقول لن أذهب للشرق و أيضا لا أحب الغرب ، لابد للإنسان أن يعي خياراته و أن يتجه إلى وجهة ما ،هل نقبل بديمقراطية تأتي بإسلاميين إلى السلطة في مصر كما حدث في غيرها وكما يشير الإتجاه الثقافي السائد ، أو نقبل بالتدرج و التباطؤ و القبول بقدر مسيطر عليه من السماح الديمقراطي ؟ ، إن البديل الذي نطرحه ليس إستمرار الجمود و لكن فرض تطور عقلاني مسيطر عليه ليس من النظام بل من النخبة السياسية المستنيرة .
لا يمكننا أن نترك الإسلاميين جانبا ، هذا القول كله غفلة ، فقائله يعتقد انه يمكن أن يعيش هانئا غافلا أن هناك نار مشتعلة في فناء بيته بالفعل ، لا .. لا يمكن لعاقل في هذا العالم أن يغفل الإسلاميين إلا ان يكون عابثا ، فكيف يغفلهم من يعيش في المجتمع الذي أنجبهم ؟!،
الحديث عن مخاطر الأصولية لا أراه إبتزازا ، و لكنه رأي خبراء في المنطقة ، موضوع الديمقراطية كله تفجر تحت قيادة اليمين الجديد و رجل أحمق مثل بوش ، كي يمرر غزوه الكارثي للعراق ، و النتيجة واضحة للعيان ولو كان بوش رئيسا لصربيا مثلا لقبضوا عليه و حاكموه كمجرم فاقد الصواب .
رغم أن هذه هي قناعتي المبدئية فسأكون منفتحا تماما على أي رأي معارض او مخالف قليلا او كثيرا