كثير من العرب وبضمنهم المتعاطفين مع الاتجاه الإسلامي يتصور أن حزب العدالة والتنمية هو حزب ديني يهدف في المدى البعيد إلى القضاء على العلمانية وتحويل تركيا إلى دولة دينية إسلامية ضمن مخطط طويل المدى ، لكن الحال ليس كذلك على الإطلاق.
فلا يوجد في الخطاب السياسي للحزب أي فكر ديني أو تعبوي يستعمل النص الديني أو الرموز الدينية خلافا للأحزاب الدينية العربية ،
العدالة والتنمية هو أشبه ما يكون بحزب محافظين غربي ينظر للإسلام كجزء من الهوية الثقافية التاريخية المميزة لتركيا وليس كأيدولوجيا للحكم ومن يتأمل في تجمعات هذا الحزب سوف يلاحظ أنه لا يوجد أي مظهر من مظاهر التدين الشكلي المعروفة بالأحزاب العربية تميز أعضاءه رجالا ونساء وسوف يلاحظ أننا أمام حزب لا يستعمل أي شعار إسلامي في خطاباته ولا يطالب مثلا بتطبيق الشريعة الإسلامية وبتوحيد أقطار إسلامية وبإعادة الخلافة ولا يرفعون شعارات من قبيل الإسلام هو الحل ، بل ويرفع أنصاره صور مصطفى كمال أتاتورك في مكاتبهم ومسيراتهم التي تمتلىء بالنساء والصبايا الغير محجبات وبالعلويين الذين يبلغ تعدادهم 18 مليون نسمة في تركيا.
بل ويصرح قادته بالحرف الواحد أن العلمانية في تركيا هي خط أحمر. أكثر من ذلك فإن قادة هذا الحزب لا يتوقفون عن السعي لانضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي المسيحي العلماني ولا يتوانى عن تلبية كل متطلبات الانضمام وخوض المعارك الديبلوماسية في سبيل تحقيق هذا الهدف.
لماذا إذن يصر الخطاب الإعلامي العربي وكثير من الكتاب والصحافيين على تصنيف العدالة والتنمية مع الأحزاب الدينية الإسلامية إذا كان نفس الحزب يقول وعلى لسان أردوغان في خطابه الإعلامي المعلن أنه حزب علماني بل ويصرح رئيسه أن حماية القيم الجمهورية والعلمانية التي أرساها أتاتورك هي على رأس واجبات حكومته ولماذا يتجاهل الإعلام العربي أن هذا الحزب لم يبني قواعده الشعبية على "الإسلام هو الحل" ولاعلى "استعمال الدين في السياسة" ولا على استعمال النص الديني أو المطالبة بالرجوع إليه ولماذا يتجاهل الإعلام العربي أن العدالة والتنمية لا يوجد في تاريخه أو حاضره رجال دين أو مفكرين إسلاميين ينظرون له أو يضعون له أيدولوجيا دينية على شاكلة القرضاوي وسيد قطب والمودودي وحسن البنا تستهدف تغيير المجتمع القائم إلى شكل من التدين يؤمنون أنه الشكل الصحيح.
أم أنه إسقاط للأحلام المريضة بعودة الخلافة على واقع غير موجود ومحاولة مستميتة ومزيفة للبحث عن تجارب إسلامية للحكم الديني الناجح.
لماذا إذن يتجاهلون الفرق الجوهري والحيوي بينه وبين كل الأحزاب الإسلامية فهذا الحزب ( لا يرى أي تعارض بين العلمانية وبين الإسلام) بخلاف الأحزاب الدينية العربية وهنا يكمن الافتراق بين الإثنين
هناك في العالم الإسلامي حزب واحد يشبه حزب العدالة والتنمية قدم هو الآخر تجربة ناجحة وحضارية اقتصاديا وسياسيا مشرقة لدول محسوبة على العالم الإسلامي ويصر رئيسه على مقولة أن الإسلام هو دين علماني إنه حزب اتحاد الملايو الوطني الذي لا يزال يقوده رئيس وزراء ماليزيا السابق محمد مهاتير صانع معجزة ماليزيا الاقتصادية والذي يعده كثير من الغربيين أفضل رئيس وزراء بالقرن العشرين.
أردوغان ومحمد مهاتير هي تجارب ناجحة ومشرقة في العالم الإسلامي ، والشيء المشترك بين الاثنين أنهما على عكس كل الأحزاب الدينية لم يجدا أي تعارض بين العلمانية والدين بل واعتبروا العلمانية طريقا للنهضة.