يبدو أن شبح 20 مارس 2003 مازال يطارد جهاز الداخلية وامن الدولة حتى الأن. فبعد أن نجح المتظاهرون في تحرير ميدان التحرير بشكل كامل يوم وليلة, بدأ الأمن في التهجم بعنف مضاعف على أي مظاهرة يتجمع نشطاؤها في ميدان التحرير.
منذ 2003 ونحن نحاول استعادة ميداننا المحرر, حاولنا كثيراً, وفي كل مرة, كان العنف الامني هو الرد الوحيد علينا. إصابات ورضوض وكدمات وعشرات المحتجزين هي حصيلة مظاهرات ميدان التحرير بشكل عام في السنوات الأخيرة. ليتحول قرار التظاهر في هذا الميدان بمثابة عملية انتحار جماعي.
من عاش يوم 20 مارس 2003 سيفهم جيداً ما أقول. من اختبر حالة الحرية والإنطلاق والشعور بالثقة وامكانية التغلب على آلاف المجندين وضباط أمن الدولة بكل مايحملون من أسلحة وهراوات وأجهزة سلكية ولاسلكية, وما يعبرون عنه من قمع واستبداد وعنف لا إنساني, ستصبح مجازفتة بمحاولة تكرار التجربة أمراً منطقياً, بل هي –في الحقيقة- أمنية جميلة, قادرة على إنعاش حلم التغيير الجذري بواسطة الناس, كل الناس, في قلوبنا جميعاً.
أمس, برغم الضرب و"البعابيص" التي انهالت علينا من عساكر الأمن المركزي وفرق الكارتيه المقموعين والمكبوتين والمفعول بهم طوال الوقت, برغم سفالة الضباط وعنفهم غير المفهوم والمبرر في الكثير من الأحيان, برغم كردونات الأمن المركزي الممتدة على مد نظرك لترى الدنيا أكثر "سواداً", إلا انها كانت تجربة غنية وتستحق المجازفة.
يأخذ عملي كل وقتي. ليس هذا هو المبررالوحيد لغيابي عن أغلب الفعاليات في الفترة الأخيرة, فأنا لا أنكر أني أعاني من احباط ما غير مفهومة أسبابه. لم يكن قراري بالمشاركة أمس, إلا محاولة جديدة لتجديد طاقتي وحماسي بعد أن أثارت غضبي الأحداث الأخيرة. كما أن التظاهر في ميدان التحرير تحديداً له متعة خاصة جداً وانسانية أيضاً جداً.
عدد المتظاهرين كان صغيراً إذا ما قورن بحجم الحدث الذي تجمعنا لأجله. بالطبع لو كنا تحركنا بالمظاهرة لصارت أكبر حجماً وأكثر حيوية وبالنتيجة تأثيراً, هذه حقيقة موضوعية قد تبرر العنف الذي واجهنا بها النظام أمس. مصريين من كل التيارات السياسية, اشتراكيين ثوريين وناصريين وأعضاء حزب الغد وحزب العمل الإسلامي وناشطين يساريين مستقلين. حتى الإشتراكيين الديمقراطيين الذين تجولوا في المظاهرة حاملين أعلام كتب عليها "لا لقتل المدنيين" (لم أفهم عن أي مدنيين يتحدثون!!).
لم يتغيب عن المظاهرة سوى الإخوان. أعترف, أني لا أفهم الإخوان في الكثير من الأحيان. لماذا لم يشاركوا في المظاهرة؟ لا أعرف!! لماذا رفضوا المشاركة في مظاهرات الأزهر وإكتفوا بالهتاف داخل المسجد "حسبنا الله ونعم الوكيل", ومارسوا دور واضح في تحجيمها, أيضاً, لا أعرف!!
بصراحة شديدة وبدون مواربة أو تجني, من قلبي طالعة يعني: جتكم القرف يا إخوان!! حزب الله الشيعي يحارب اسرائيل, حماس الإخوانية تقوم بعمليات مسلحة ضد الإحتلال, وأنتم, في مصر, تكتفون بالدعاء "حسبنا الله ونعم الوكيل" ولسان حال أغلب قياداتكم يقول "عشان مانعلى ونعلى ونعلى.. لازم نطاطي نطاطي نطاطي"!!
شارك في المظاهرة أيضاً أجانب من جنسيات مختلفة, شباب لبناني, فلسطيني, بل وشارك أيضاً بعض الأفغانيين. كانت هذه ظاهرة جديدة بحق, وبينما إرتدى الشباب الفلسطينيين تيشيرتات جيفارا والحطة الفلسطينية وهتفوا بقوة ضد اسرائيل ليلفتوا نظر الجميع بقاماتهم المفرودة وبنيانهم القوي, وقف اللبنانيون في كتلة واحدة, متحفظين وقلقين من الهتاف ضد مبارك. مجموعة كاملة من الملابس "السينييه" والعطور الغالية والشعر المصفوف عند الكوافير, أثارت خيال آلاف العساكر الذين فغروا أفواههم بدهشة مضحكة. جدير بالذكر أيضاً, أن الجميلات البرجوازيات نجحن ببساطة وتلقائية فيما فشلت فيه القوى الوطنية على إختلاف فصائلها على مدار سنوات طويلة, "الإتفاق على رأي واحد".
لم تنقذنا وكالات الأنباء, ولا الاجانب ولا البنات اللبنانيات من عصي عساكر الامن المركزي الذين يضربونك بيمينهم ويعتذرون لك في نفس اللحظة. "دي الأوامر يا أستاذة.. هم بيقولوا اضربوا واحنا غلابة"!!
سرت أيضاً إشاعة خبيثة في المظاهرة, مفادها, ان حزب الله ضرب تل أبيب. انفجر شباب الناصريين هتافاً ورقصاً وبدأت التليفونات والرسائل الخاصة في الدوران. حزب الله ضرب تل ابيب, عاشت المقاومة, ضربوا تل أبيب والدور الجاي على البيت الأبيض..الخ. اعتقد, أن مطلق الإشاعة, أراد أن يحفز بها الجميع إنفعالياً ويشجعهم على كسر كوردون الامن والخروج بالمظاهرة من تحت سيطرته لتنجح في التحرك في عابدين والعتبة ووسط البلد. لكن الإشاعة فشلت, والأمن, الله يلعن اللي جابوه, نجح في السيطرة تماماً على الوضع. ليضيق الكوردون علينا في كل لحظة أكثر وأكثر.
انتهت المظاهرة على الثامنة تقريباً وانتهت طاقتنا معها, أنا شخصياً طالني كف على أذني اليسرى لأطير أمتار كاملة كما الأفلام الهزلية وظننت أنني سأختنق أكثر من مرة من شدة التدافع والتطاوش بيننا وبين الأمن المركزي الذي يضربك بكل عنف, ثم يعود مرة أخرى –كما أشرت سابقاً- معتذراً لك ليدفعك للجنون في نهاية الامر.
لبنان.. هتفنا لك أمس, صارعنا كلاب النظام, توشحنا بأعلامك وفلسطين, هتفنا من قلوبنا تضامناً مع مقاومتك. لكن كل هذا, ليس شيئاً بالمرة, لا مجال أصلاً لمقارنته بصمود وعزم مقاوميك. علمتنا مقاومتك درساً علينا ألا ننساه, "ليس هناك مستحيل".
الموت للصهيونية وكلابها... المجد- فقط- للمقاومة..
(f)
صور من المظاهرة..
كلاب جائعة..
نفس الكلاب يضربون المصورة هالة القوصي..