مرحباً للجميع :
وجه لي الزميل حسام يوسف سؤالاً عن أوجه القصور "حسب رأيي" التي تعتري المادية الجدلية كفلسفة في وجه الفلسفات التي أسست للرأسمالية ومن بعدها الرأسمالية الحديثة ... وعندما أقول قصور يعتري المادية الجدلية فهذا لا يعني بالضرورة أن الفلسفات الأخري هي الفلسفات المثالية ...
ولا أخفيكم أني تريثت قليلاً في الجواب علَّ مزاجي يعتدل وأكتب موضوع أبين فيه رأيي من خلال عقد المقارنات بين المادية الجدلية و مدارس الوضعية الجديدة والواقعية والتحليلية وفلسفة الحياة ، يكون فيه هذا الموضوع جواب شافي .
ولكن بعد مدة رأيت أن الحالة (حالة الركود الفكري) سوف تطول بي ، فآثرت أن أجيب ببعض النقاط السريعة وأن أترك النقاش يسير بنا نحو الجزئيات المختلفة كي نوضحها تباعاً إذا استمر النقاش في هذا الموضوع ...
ولو تكلمنا عن المادية الجدلية كتركيبة تجمع بين الجدل الهيجلي وبين مادية القرن التاسع عشر في أوروبا ...وضع فيها ماركس أسس المادية التاريخية ، وتولى إنجلز وضع الأسس الفلسفية العامة للنظام ، سوف نتناول هذه التركيبة من وجهة النظر الأكاديمية ومن وجهة نظر عامة .
ولا بد أيضاً أن نتكلم عن المادية الجدلية في مرحلتيها الماركسية في اللينينية وتطبيقات هذه الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية ... ولا أعلم إذا كانت هذه المداخلة السريعة ستتسع لكل الأفكار ...
من وجهة نظر أكاديمية ، هناك عدة ملاحظات وضعت على المادية بشكل عام وعلى المادية الجدلية بشكل خاص وهي :
- ترجع كل المذاهب المادية إلى موقف فلسفي كانت الحياة العقلية الأوروبية قد تجاوزته ، وخاصة مذهب المادية الجدلية . الذي مثل ردة إلى الخلف ورجعة إلى الوراء من الوجهة الفلسفية .
- المادية الجدلية لا تتعدى في كثير من الأحيان مواقف قال بها الفلاسفة اليونان السابقون على سقراط .
- وقف الماديين على العموم والماديين الجدلييين منهم على وجه الخصوص غير مكترثين بكبريات مشاكل المصير الانساني ، وهي المشكلات التي اهتم بها الفكر الأوروبي في القرن العشرين .
ففيما يخص الألم والعذاب ، والأخلاق والدين ، فإنهم اقتصروا على القول بأنها أمور لا تحمل مشكلات فلسفية . وبل قال بعضهم إنه من المخالف اعتبارها مشكلات فلسفية على الإطلاق ...!!
- إذا استثنينا ما قدمه الفلاسفة التحليليون(الفلسفة التحليلية نتيجة تزاوج مذهب جورج مور وأفكار الوضعيين الجدد ) من مساهمات في مجال مناهج البحث العلمي والمنطق . تمثل هذه المذاهب (المادية) أقل ما قدمه الفكر الغربي من حيث القيمة ، بسبب ضعفها ووهنها النظري واتجاهها الرجعي وعدم اهتمامها بكبريات مشاكل المصير الانساني ... وإذا ما دققنا قليلاً فإن الجدلية تحسب أحياناً على المدرسة التحليلية بنت الفلسفة المادية ، ولكن الحقيقة أن الجدلييين لا ينتسبون إلى الفلسفة المادية ، والذي يجمعهم مع ممثلي الفلسفة التحليلية هو تشابه المناهج وحده ...
أما الملاحظات الأخرى على وجه العموم :
- إن المادية الجدلية رغم أنها ليست ميكانيكية إلا أنها مادية تقليدية متشددة .
- الماديون الجدليون لا يزالون متشبعين تماماً بالاعتقاد الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر في الفكر الغربي بأن التطور يؤدي حتماً إلى التقدم ، ولا أدل على ذلك من قول الزميل مجدي نصر بالحرف "فيمكننا ان نفهم من الجدلية قيمة كالتقدم الصاعد الارتقائي في الحياة عموماً كقيمة أساسية" .
- الحتمية : أي أن القوانين التي تحكم هذا العالم قوانين حتمية بالمعنى التقليدي للحتمية ، ولكن الواقع أن الماديين الجدليين لا يريدون أن يطلق عليهم لقب (الحتميين) وذلك لأسباب يطول شرحها .
- الواحدية ، وهذه لي عليها ملاحظة ربما أوضحتها فيما بعد .
- علم النفس الماركسي علم مادي وحتمي معاً .
- يجمع الماركسيون بين نظرية الواقعية المطلقة ونظرية أن معيار الحقيقة هو النجاح في العمل جنباً إلى جنب ، دون العناية بتحقيق التوافق والانسجام بينهما ..
- القاعدة الأخلاقية العليا للبروليتاريا : كل ما يؤدي إلى تحطيم عالم البرجوازية هو خير أخلاقي ...
- الفن لا يمكن أن يفصل عن الحياة ، وينبغي عليه أن يشارك في صراع الطبقات ...
كل الملاحظات السابقة تظهر بشكل أو بآخر النزعة الدوجماطيقية الكامنة في المادية الجدلية ...
إلى هنا سأكتفي مع التكرار بأن قصور المادية الجدلية كفرع من المادية لا يعني أن الفروع الأخرى كانت مثالية ...
مع ملاحظة أخيرة بأني لم أعرض للفترة السوفيتية في تطبيق النظرية الماركسية باستفاضة ولم أتطرق لمشكلة الشكل الاقتصادي الذي أنتجته المادية الجدلية ، والتي ربما سنتطرق لها فيما بعد ...
(12-25-2009, 12:00 AM)مجدي نصر كتب: * أعتقد انك قلبت المسألة، فالعكس هو الصحيح، الفلسفات المادية والوضعية هى بنت الرأسمالية، فالواقع أسبق من الفكر، وفي هذه النقطة بالذات يفترق ماكس فيبر عن ماركس.
فبينما تتحدث الماركسية عن الرأسمالية التي أنتجت الإصلاح الديني والبروتستناتية
يتحدث الفيبريون عن البروتستناتية التي أنتجت الرأسمالية، ولا يسألون انفسهم عن تلك الحاجة الموضوعية التي جعلت البروتستاتنية ضرورة تاريخية بحيث تظهر في توقيت محدد، وأكثر من هذا تنجح وتنتشر.
* أعتقد أنك هنا وسعت المفهوم قليلاً، فتحرير البشر من القيم الرأسمالية شئ، ووضع فلسفات جديدة قد تقودهم بالنهاية للروحانية والصوفية شئ آخر.
باختصار أعتقد أن القيم الاشتراكية كافية.
تحيـــاتي
عزيزي مجدي بالنسبة "لمن سبق من ؟" فهذا السؤال لم يعد له معنى في الفلسفة الحديثة ... هذه أسئلة فلسفات القرن التاسع عشر وماقبلها ..!!
أما بشأن البروتستانتية والرأسمالية ومن كان المسبب لمن ... فمن الطبيعي أن يتبنى الماركسيون وجهة النظر الاقتصادية لتطور المجتمعات ، ومن الطبيعي أن يتبنى الفيبريون وجهة نظر علم اجتماع الأديان لتطور المجتمعات والأمر مرهون بالزاوية التي ينظر منها المحلل للموضوع لا أكثر ...
أما بشأن الفلسفات الروحية ... فإن وجود الإشتراكية أو الرأسمالية أو الإقطاعية أو إقتصاد الصحراء البدوي حتى ... لن يلغي كبريات مشاكل المصير الإنساني التي تؤرق عقل الإنسان والأمر لا يخضع لقيم معينة ببساطة ، أو لنظام اقتصادي أو اجتماعي معين ....
شكراً للجميع