العزيزي جقل
لا أملك إلا أن أشكرك لدخولك الهاديء الواثق إلى هذا الشريط .
يبدو أن التجربة الباركلية يمر بها الكثير من الناس ، و أنا شخصياً مررت بها - و هذا أقوله على سبيل الاستئناس - حين كنت صغيراً (12 سنة) و انتقلنا من دولة إلى أخرى ، و القصة باختصار أنني لم أستوعب كيف أخسر كل ما تربيت عليه من أصدقاء و حارة و دكان و حياة و تسلية و حبيبة قلبي الأولى لولو :D و غير ذلك إلى منطقة في بلد مقفر على ساحل أحد البحار ، البلد الجديد كان منطقة صناعية بدأت بإنشاء مصانع مثل مصانع توليد الكهرباء و إنتاج الفوسفات و الإسمنت و غير ذلك ، و لك أن تطلق العنان لتخيل مدينة ساحلية نشأت فقط كمنطقة خدمات لعدد من المصانع الكبيرة ، باختصار هي صحراوية ساحلية جافة قاتلة مضجرة لا يوجد فيها شيء تتسلى به إلا قتل الصراصير .
على كل حال ، كانت تلك نقلة نوعية في حياتنا و في حياتي ، و كثيراً ما كنت أمنّي نفسي بأن ما حدث معنا مجرد حلم سأصحو منه ذات لحظة ، هكذا كانت بذور الفكرة ، و التي ظل يعلوها صدأ الإنتظار إلى أن استسلمت لحقيقة وجودي في هذا البلد المتعب ، و الذي تغيّر كثيراً الآن و أصبحنا نتسلى بقتل الجراد بدل الصراصير :lol:
كثيراً ما يتمنى المرء حين يسقط في مشكلة معقدة تهدد مصيره و تنذر بسوء العواقب ، كثيراً ما تراه يتمنى بشكل غريزي لو كان ما يعيشه مجرد حلم أو كابوس سيفيق منه . لذلك تجد من ينتهي من مشكلة عويصة عصفت بأعصابه يقول " إففففف ، الحمد لله ، كابوس و انزاح " .
ليس من الصعب أن يتخيل المرء أن وجوده مجرد حلم ، لكن الصعب ، بل المثير للسخرية و الشفقة في آن واحد ، هو أن يلهث وراء إثبات حقيقة هذا الخاطر الفلتة من الناحية العلمية .
قبل أكثر من عقد من الزمان قرأت كتاب بعنوان (باركلي) و أذكر كاتبه أو مترجمه (فهمي هويدي) ، و الكتاب مليء بالبراهين التي كان يعتقدها باركلي علمية في زمانه ، و نحن لا نلومه على ذلك فقد كان العلم الحديث بمنهجه التجريبي يسير خطواته الأولى .
و لمن يقرأ براهين باركلي يمكن أن يسميها علمية نوعاً ما ، لأنها تعتمد على براهين و ظواهر واقعية أُسيء استخدامها ، ليس كبراهين الزميل القعقاع التي تعتمد على (لو فرضنا في الواقع الافتراضي و لو قمنا بوصل دماغي كائنين بشريين مع بعضهما :what: ) و غير ذلك من الافتراضات ، فهذه لا تصلح لأن تكون براهين علمية كما ادعى في بداية موضوعه .
كان باركلي يعتمد على خداع الحواس أساساً ، فمن الأمثلة التي أذكره استخدامه لاختلاف حجم الشمس أثناء تحركها (الظاهري في السماء) ، حيث نجد أن الشمس تكون أصغر ما يكون و هي عامودية ، بينما عند الغروب يبدو قرص الشمس أكبر ، و قد اعتقد باركلي أن العكس هو الأصح ، لأن الشمس - من الناحية الجدلية على الأقل - يجب أن تكون أكبر عندما تكون عامودية على المنطقة الأرضية الراصدة لها ، لأن المسافة العمودية هي أقصر المسافات ، لذا فالشمس أقرب عمودياً فيجب أن تكون أكبر ، على عكس حالة الغروب الذي تميل فيه الشمس و تصبح أبعد - حسب تصور باركلي - فيجب أن تكون أصغر . و بالتالي فالأمور ليست على حقيقته ، بل على ما تصوره لنا حواسنا .
هذا يبدو دليلاً علمياً يغري الكثيرين قبل 3 قرون بتبني هذا الرأي ، و هم معذورون لأنهم لم يكونوا على علم بالتفسير العلمي لانكسار أشعة الشمس و غيره من الظاهر المصاحبة للغروب كاحمرار السماء و غير ذلك .
دائماً عندما يقف العلم مكتوف الأيدي أمام ظاهرة ما ، تبدأ بعض الأصوات بتقديم الحلول الميتافيزيقية كوصفة سهلة لحل المسألة ، بل تجدهم يرفعون عقيرتهم بالصياح في وجه العلم بنوع من التشفي لعجزه عن تفسير الظاهرة ، مقترحين حلولاً ميتافيزيقية لا تصل إلى كعب البحث العلمي ، و أكبر مثال أمثلة القعقاع عن الواقع الافتراضي و ربط الأعصاب ، و التي نقلها بحماس شديد عن هارون يحيى .
مثال آخر كان يستعمله باركلي ، هو توقف السمع أثناء وجود الصوت ، و توقف النظر أثناء وجود الصورة ، فهو يقول أن أحداً حين يكون شارد الذهن ، (سرحان بالمعنى الشعبي) ، فإنه لا يسمعك و أنت تحدثه ، بل لا يسمع شيء من ضجيج الشارع أثناء جلوسه في مقهى ، بل يجد نفسه شارداً م فكرة كأن يتذكر جلسته الهادئة على إحدى الشواطيء ، و بينماأنت تتحدث إليه بل و تعيد كلامك مراراً و تكراراً إلا أنه لا يسمعه نهائياً ، و هذا يشبه من يشرد و بجانبه الراديو ، فإن صوت الراديون يختفي من رأسه ، رغم أنه موجود على الحقيقة . هذا بالنسبة للسمع .
أما بالنسبة للبصر فالأمر شبيه بذلك حين يشرد الذهن لبيئة مغايرة تماماً للمكان الموجود على الحقيقة ، فأنت حين تشاهد فيلماً سينمائياً ، كفيلم ماتريكس ;) ، ربما تسرح كثيراً فتبدأ بتذكر نقاشك في هذا المنتدى و تتذكر الزميل القعقاع و ترى أمامك شاشة الكمبيوتر بكل وضوح بما تحتوي من أفكار تقرأها ، بينما عينيك مسمّرتين على شاشة التلفزيون و تشاهدان (ظاهرياً) فيلم ماتريكس . فتجد نفسك مضطر لإعادة ما فاتك من المشاهد ، أنت لا تعيدها لأنك لبيت نداء الطبيعة و ذهبت إلى الحمام ، بل تعيدها لأنك شردتَ عنها .
و من خلال هذه الأمثلة يخلص باركلي إلى أن الحواس يمكن أن تخدعنا ، فلا نسمع الصوت أثناء وجوده على الحقيقة ، و لا نرى الصورة أثناء وجودها على الحقيقة , و يخلص بذلك إلى أن الصوت و الصورة هو فقط ما يصوّره لنا عقلنا .
قد تبدو هذه الأمثلة مقنعة في عصر باركلي ، لأنهم لم يكونوا يعرفون بشيء إسمه lateral inhibition ، أو الإغلاق الجانبي ، الذي يقوم به الدماغ لما لا يحتاج للتفكير فيه حالياً ، كالإغلاق الجانبي لإحساس خلايا الجلد بالملابس أو الساعة أو النظارة ، و إلا لاضطر الإنسان أن يشعر بها بشكل متواصل مما قد يسبب له الجنون ، و هذا الإغلاق لا ينفي وجود هذه الملابس ، لكنه ينفي إمكانية إدراكها من حيث حاسة اللمس ، و لكن بمجرد توجيه التفكير بوجودها مرة أخرى ، كأن تفكر في هذه اللحظة بملابسك أثناء قراءتك لهذه الجملة فإنك ستشعر بوجودها مرة أخرى . مما يعني أن إدراكها أو عدم إدراكها لا يؤثر في حقيقة كونها موجودة أم لا .
فوعينا يستقبل الوجود و لا يشكله ، بمعنى أن وعينا يرى المادة ، و لا يشكل المادة ، فهو مستقبِل و ليس مرسِل لها ، نعم ربما لا يستقبل جميع ما هو موجود ، فحواسنا الخمسة لا ترى المجال المغناطيسي الذي يحيط بشاشة الكمبيوتر مثلاً ، و لا نرى بعيوننا الفيروسات ، و لا نسمع الأمواج فوق الصوتية التي تسمعها بعض الحيوانات ، و لا نرى الحرارة كما تراها البعوضة ، فنحن نرى جزءاً من المادة ، أي جزءاً من الوجود ، و هذا يخالف تماماً ما ذهب إليه باركلي و من تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين من أن وعينا هو الذي يشكل المادة .
نحن لا نرى المجال المغناطيسي حول المونيتور ، لكننا نعلم بوجوده ، لأننا قمنا بعمل تمديد لحواسنا الخمسة ، أي أننا قمنا بتمديد حاسة النظر حين رأينا المجال المغناطيسي من خلال برادة الحديد على ورقة فوق مغناطيس ، و قمنا بتمديد حاسة البصر حين رأينا المخلوقات المجهرية أو الأجرام الفلكية البعيدة ، و قد قمنا بتمديد حاسة السمع حين رصدنا الأمواج فوق الصوتية ، و حين رأينا الأشعة تحت الحمراء و رصدناها ، و حين رأينا الكهرباء من خلال تطبيقاتها .
و أحب أن أؤكد على الحاسة السادسة التي وردت في أفكار رجل قد يكون فلتة زمانه ، فقد قال بوذا بوجود حاسة سادسة هي حاسة العضو العقلي ، و التي هي عبارة عن تفاعل العقل مع ما تتلقاه الحواس الخمسة من الوجود ، أي الفهم و الإدراك .
فأنا عندما أرى جبلاً صغيراً عند الأفق لا يزيد ارتفاعه عن بضعة سنتيمترات ، أدرك أنه في الواقع يفوق هذا الحجم بكثير ، نتيجة للتجربة التي عشتها في حياتي ، فتصور الواقع على ما هو عليه لا يكفي فقط أن أستخدم الحواس الخمسة ، فعندما ننظر إلى صورة كبيرة لمشهد غابة ، نعرف أنها صورة و إن كانت بالحجم الطبيعي لأننا ننظر إلى الإطار الذي يحويها و المحيط المغاير لها (كالجدران و غيره من قطع الأثاثا) . و هذه النتيجة نصل إليها من خلال احتكاك المعلومة المستقاة من حاسة البصر مع العضو العقلي (الدماغ) ، و لكن إن عزلنا البيئة المغايرة و صورنا مشهداً و جعلنا الخلفية (الغابة) هي من المؤثرات البصرية لانطلت علينا الحيلة و اعتقدنا أنها غابة حقيقية ، و قد تم استخدام هذا الأسلوب في الأفلام القديمة (كفيلم ذهب مع الريح) حين تم استخدام خلفيات مرسومة ، أو فيلم زلزال نيويورك حيث رسموا صورة لمدينة نيويورك مليئة بالدخان و قاموا بهزّها اهتزازات توحي للمشاهِد بأنها زلزال حقيقي .
نعم التجربة هنا لا تسعفني بأن ما أشاهد ليس حقيقياً ، و لكن من يعمل في السينما ، المخرجون و المنتجون و مهندسي الصوت و عمال النظافة يدركون أن هذا ليس حقيقياً ، لماذا ؟ لأن تفاعل هذه المدرَكات الحسية و السمعية و البصرية مع عضوهم العقلي و تجربتهم تُخبرهم أن هذا ليس حقيقياً .
من يشاهد فيلم (البركان) لتومي لي جونز سيندهش جداً حين يعرف أن سيول الحمم البركانية التي تتدفق بين البنايات ليست أكثر من عجينة تم وضعها في قالب و تم تمرير ضوء فلوريسنتي أحمر من تحتها و رش بعض الصبغات السوداء على سطحها و تكسير بعض المناطق على سطحها ثم سكبها إلى الأسفل و دمجها مع صورة الشوارع و البنايات .
نحن كمشاهدين حسب تجربتنا نظن للوهلة الأولى أنها حقيقية ، و إن كانت ضمن برنامجاً وثائقياً فلن نعتقد للحظة أنها مغايرة للواقع ، و لكن جميع أفراد طاقم العمل يعلمون أنها غير حقيقية لأن عضوهم العقلي من خلال تجربته يخبرهم بذلك .
- ملاحظة ، قد يخلط البعض بين استخدامي لمثال السينما و استخدام الزميل القعقاع ، و أحب أن أوضح أن الفرق بين الاستلالين واضح ، فأنا أتكلم على تقنية صناعة المشاهد و هذا أمر واقعي يمكن البرهنة عليه ، بينما الزميل القعقاع يستخدم مادة فيلم ماتريكس كبرهان علمي .
مسألة أخرى أحب التنويه لها :
فاجأني في أحد ردود الزميل القعقاع - ربما فاتني أن أعلق على ذلك لا أذكر - أنه لا يفرق بين الفرضية و النظرية ، أو يفرق لكنه يفترض في مستمعيه عدم القدرة على التفريق ، حيث يعتقد أن الفكرة النظرية يجب أن تسبق التطبيق العملي و إلا لما استطاع الإنسان بناء الطائرة .
حيث يقول :
اقتباس:فهو سؤال غير علميّ على الإطلاق.. فهو لا يفرّق بين العلم والتكنولوجيا!
خذ أيّ مجال علميّ.. وستجد أنّ به جانيا نظريا يسبق الجانب العمليّ.. ستجد فرضيات وقوانين لم تطبق بعد، ولكنّ العلماء عاكفون على تطبيقها!
ولو كان منطقك في التفكير صحيحا، لكان من المفروض أن يكون العلم تابعا للتكنولوجيا، حيث يجب أولا أن نخترع الطائرة، ثم يظهر أحد العلماء ليخبرنا أن من الممكن صناعة آلة تطير!.. لكنّ السؤال هو: كيف يمكن أن تخترع طائرة بدون فكرة مسبقة يسخر منها محدودو الفكر والخيال؟
ربما علقت عليها سريعاً لكني أحب أن أعلق باستفاضة أكثر هنا .
إذاً فأنا أقول له أن فكرة الطيران كانت مجرد فرضية قبل طيران أول إنسان بطائرة ، بل كانت خيالاً علمياً يداعب خيال الكثير من الكتّاب ، و بقيت المسألة مجرد فرضيات علمية أو أدبية لا يهم ، نعم تلهم الكثيرين و تحفزهم من أجل البحث في مسألة الطيران ، لكن هذا كله لا يسمى برهاناً علمياً ، و قد حصل البرهان العلمي حين طارت أول طائرة في الهواء على الحقيقة لا في دماغ دافنشي حين صمم طائرته على الورق .
فالبرهان العلمي (التجربة التي يمكن تكراراها ضمن نفس الظروف) هي التي تحوّل الفرضية إلى حقيقة يوافق عليها الجميع .
فالطائرة تطير ، و لا يعارض ذلك إلا مريض أو مكابر . و هذا يسمى دليلاً علمياً .
أما ما ذكره القعقاع نقلاً عن هارون يحيى لا يسمى إثباتاً علمياً لكنه ينفع كمادة شيقة لرواية تتعلق بالخيال العلمي .
تحياتي