رائحة - قصة قصيرة
رائحة
كان عليّ في هذا اليوم أن أنجز ما أجلته من أسابيع فالرائحة التي أصبحت لا تطاق وجعلتني أفكر في الفرار من المدينة كلها من قبل حين كانت خفيفة باهتة هي نفسها - حين صارت خانقة - التي جعلتني أتوقف عن قرار الهروب وأفكر في المواجهة , لعدة أيام منذ اكتشافي الرائحة شككت في أنفي واتهمت نفسي اتهامات باطلة , في الأيام الأولي أحسست بها خفيفة تروح وتجئ كالوهم ولم أعرها التفاتا إذ أنها كانت أشبه برائحة اللحم المشوي , في الأيام التالية بدأت تتحول إلي رائحة اللحم المحترق وبدأت أحس علي جلدي بوقع لفحات من الحر , في الأيام الأخيرة تحولت إلي قيظ ثقيل يمنع الهواء من الدخول إلي الرئة كلية فيما كنت أشمها أشبه ما تكون باللحم المتعفن , ولقد سألت نفسي في قلق : هل يمكن أن توجد جثة حيوان بهذا الحجم أمام أحد دون أن يكلف نفسه مؤنة منعها من نشر تلك الرائحة الفظيعة ؟, وبدأت الرائحة تسيطر علي أفكاري بطريقة مخيفة , في الصباح عند الاستيقاظ وقبل أن تتسرب إلي أنفي أبدأ في تشممها والاستفسار عنها كأنني أفتقدها وعندما تداعب أنفي بطبيعتها السرية أبدأ في المقاومة وأظل طيلة اليوم لا أفعل شيئا سوي التفتيش عن مصدرها .
رسمت خريطة المدينة في رأسي واستبعدت الشوارع الرئيسية والميادين العامة تلك التي أمر عليها صباح مساء دون أن أري شيئا وبدأت رحلتي من السوق وككلب الصيد المدرب أخذت أتشمم أماكن ثقل الرائحة إلا أنها كانت ثابتة , كانت محلات القصابين خالية من أي بقايا أمامها إذ أن الكلاب الراقدة هناك كانت تلتهم أية نفايات بسرعة وشراهة , أما تحت طاولات بائعي السمك فقد كانت الأرض تموج بالقطط الشريدة تبحث تحتها وقد مسحت الأرض بألسنتها الصغيرة ولم تبق علي قشرة سمكة والرائحة مازالت جاثمة , وكانت عربات القمامة تجمع بقايا الخضروات الملقاة جوار العربات وتهرع بها بعيدا إلي خارج المدينة حيث تلقي في قمامة ضخمة وسرعان ما تحرق , ولقد قلت لنفسي في هدوء : هل يشم الآخرون تلك الرائحة مثلي ؟ وإذا كانوا يشمونها فما الذي يمنعهم من الحديث بشأنها ؟ , وقلت لنفسي في غضب أيضا : كان علي الجهات المسئولة في المدينة أن تعلن عن وجود تلك الرائحة علي الأقل وإذا كانت تعاني من الفشل في مكافحتها أن تطلب المعونة من هؤلاء البشر الذين يتحركون خلالها , ولقد حرصت في أيام عديدة علي الاقتراب من المسئولين وأخذت أراقب ردود أفعالهم البسيطة التلقائية إلا أنني كنت أحس أنهم حذرون جدا ويتصنعون من الحركات ما يدل علي أنهم لا يشمون تلك الرائحة ثم تناقشت مع نفسي كثيرا حد العراك وقلت لها في النهاية : هل يمكن أن يكون الجميع متآمرين علي الصمت حيالها , فلم تجبني بشئ , وبدأت أراقب في تفحص وجوه المتسكعين في الطريق أو الماضين في جد وكان قلبي يدق في عنف حين أري أحدهم يلوي عنقه ليتابع امرأة متعطرة حتي اختفاء رائحتها ولكني كنت غير متأكد ما إذا كان يتابع عطرها أم يملأ نظره من جسدها , وتأكد لي الأمر أكثر وبشكل قاطع حين تجولت علي الشاطئ , كان البحر في أشد حالات هياجه هذا الصيف , يرغي بالزبد طيلة الوقت ويهاجم الشاطئ في عنف ويصدم الحاجز الحجري في قسوة , وأحسست أن الرائحة كما لو كانت هي الباعثة علي هذا الغضب بل وتثير فيه الغثيان فقد كان يرميني بالرشاش في غضب وأراه من بعيد يتمطي في قوة وكأنه ينوي إغراق المدينة كلها وابتلاعها في جوفه الضخم حتي يتخلص من تلك الرائحة وأحسست أن ما يفعله الآن مجرد تحذير وأن زيادة قوة الرائحة كفيل بإثارة المزيد من غضبه الذي لا يقاوم , وقلت لنفسي في النهاية – ببساطة - : طالما أن السلطات يديرها بشر مثلي فإن كل واحد منهم يتهم عقله مثلي وأنه خائف من الإفصاح و إلا نعت بالجنون , وكل ما يفعله أن يمضي إلي شاطئ البحر هناك حيث تختفي الرائحة ويهدئ نفسه ثم يعود ويتناسي الأمر كله , وقلت لنفسي أخيرا أن المعتوهين لابد وأنهم لم يفقدوا حاسة الشم أيضا , وعندما راقبت أحدهم وأنا جالس علي المقهي وكان واقفا في تقاطع طريقين من الطرق التي تمر بها السيارات يشير بيديه كأنه جندي مرور , أحسست من حركات يديه المتصلبتين كأنه يطرد تلك الرائحة , بعد قليل اتجهت إليه محاولا رؤية تفاصيل وجهه وربما مسحة الاشمئزاز المختفية في ثنايا جلده المحروق , وعندما وقفت أمامه نظر إلي في حدة والتمعت عيناه وتراجع إلي الخلف مذعورا حتي أن إحدي السيارات زعقت عجلاتها , وهرع يختبئ خلف متاع أحد المحلات التي تعرض بضائعها علي الرصيف وهو ينظر إليّ في خوف .
انطفأت الشمس عندما كنت فوق بناية عالية أراقب بمنظار مقرب نوافذ مباني المدينة , كان الناس مشغولين بأمورهم البسيطة لا يدرون شيئا عن تجسسي عليهم , أراهم يخلعون ملابسهم فتبدو أجسادهم ناصعة كالضوء الخالص حين يضعونها تحت رشاش الماء الرائق في الحمامات , أما الملابس المتسخة فيضعونها في الغسالات , يأكلون في نهم ثم يلقون البقايا في أكياس ويحكمون إغلاقها , يجامعون نساءهم في اعتياد ثم يتنظفون جيدا , يضربون أطفالهم ويطاردونهم خلال أشياءهم ثم يصالحونهم ويعيدون ترتيب ما تبعثر , يتبولون ويتغوطون ثم يحركون مقبض المياه في رشاقة , جعلت أجول بالمنظار علي كل نافذة متاحة مدققا داخل الغرف دون جدوي , بدأت أضواء المدينة تتكاثر وعيناي تجولان بالمنظار في جنون إذ أن الرائحة ثقلت فجأة وزادت حدتها , وكانت نسمات الصيف البخيلة تحملها إلي أنفي كأنها الكابوس , وضعت المنظار جانبا وأخذت أتأمل المدينة الشاطئية الجميلة أمامي والتي تحمل ذلك الذنب الذي ينشر تلك الرائحة الفظيعة , اعتمدت علي السور لدي إحساسي بالدوار وألقيت نظرة علي الشوارع , كان الزحام قد بلغ أشده , الرجال والنساء والأطفال في تزاحم تحت الأضواء الملونة , مست عيناي شارعا ثم شارعا آخر وأخذت أري شوارع المدينة المتشابكة الأضواء في عتمة الليل عناقيد من الضوء المرقط فتراجعت إلي الخلف وأنا أحس بالقشعريرة الهائلة ومن كل الاتجاهات كان يمكن أن أري ذلك الحيوان الأخطبوطي الضخم المنير ينبض كقلب يحتضر فيما الرائحة تزيد لدي تراجعي واشتممتها وهي تأتي مع النسمات فتخنقني , وإذ ذاك التفت أري البحر من أعلي فوجدت الموجات العالية بعرض الأفق الممتد تعلو قامتها عن البناية التي أقف فوقها تأتي متباطئة ثقيلة كالحلم المخيف تتلوها علي أبعاد متفاوتة موجات تصل إلي السماء وتمنعني من رؤية النجوم , ونظرت إلي أسفل فرأيت مد الماء ينساب في الشوارع ويعتلي الأرصفة والناس يخوضون فيه دون أن يلقون إليه بالا ثم يغمر مدخل البناية ثم يصعد السلم متجها إلي ّ .
كوكو
(تم إجراء آخر تعديل على هذه المشاركة: 10-13-2010, 11:26 PM بواسطة coco.)
|