الرد على: من درر العلامة المنار
3. مشكلة الغيبة والعقل الحسي التجريبي
إنَّ طرح مسألة الإمام المهدي عليه السلام, وغيرها على المجتمعات الحسية, قضية معقدة نسبياً, حيث يكلّم العالِمُ مجتمعاً, تمّت تربيته على المنهج الحسي, الذي يزرع فيه الظن أن هذه القضية هي ضد منهج العقل, أو يقال له _ إيحاءً, أو مباشرة _: إن منهجك في التفكير, هو منهج علمي رائع, ومنسجم, ويعتمد الوسطية, بخلاف الفكر المتطرف, الذي يؤمن بأمور غيبية, وما أشبه ذلك, من الإيهامات التي يوهمون بها مجتمعاتنا, بينما في نفس الوقت, لا يستطيع الثبات الفكري على رأي, لتلمس الحقيقة, فقد تمّت تربية الناس على عدم الثبات على فكرة, وعلى عدم التمييز الحقيقي للخطأ, والصواب, وللمصلحة, والمفسدة, فكل ساعة يمكن أن ينقلب إلى عكس ما كان يعتمده, ويدافع عنه.
وقد قمت شخصياً بتجارب, في مجتمعات كثيرة في منطقة الشرق الأوسط, متحدياً مجاميع من الناس ليختبروا طريقة تفكيرهم, فأعرض لهم الرأي بأدلته, فيقولون: هذا صحيح, ويساعدوني فيأتون بشواهد مؤيدة, ثمّ أعرض لهم الرأي المخالف تماماً, فيقولون: صحيح, ويأتون بشواهد مؤيدة جدّاً, ثمّ أقلب القضية, فأعرض رأياً ثالثاً, فيتأكدون من صحته, وأعود لأعرض الرأي الأوّل, والثاني, فيتفانون في إبطاله, وحين أخبرهم بأنهم خسروا الرهان, ولم يفوزوا في الامتحان, يتناقشون ويختلفون, ويتبيّن أنَّ القضية لم تكن فكرية, وإنما مجرد طرح أفكار.
إن هذه الكارثة العقلية في الاستدلال, وتحقيق المعرفة, هي ظاهرة غارقة في القدم, وموغلة في عمق التاريخ. ولكن, لا ينبغي أن تكون بنفس حدتها في زمننا هذا, بعد انفتاح وسائل المعرفة, ووصول إيجابيات العولمة إلينا _ مع تحفظنا على سلبياتها _, )والأمر يعود _ في الحقيقة _ إلى عدم تعليم الإنسان, لطريق التفكير السليم, بشكل حقيقي, ومرتب، ليستطيع الثبات في عالم متغيّر(. ولهذا وجدت أن من يعمل في علوم البرمجة _ بشكل حقيقي _ يتعامل بسهولة مع الأفكار, التي تحتاج إلى ترتيب في الاستدلال, وفي الوصول للنتيجة, وقد يقتنع بصورة سلسة في الحوارات, وذلك؛ لأنهم يدرسون ترتيب الأفكار, ولو جزئياً بمقدار حاجتهم المهنية, وحين يكون مبطلاً, ومتحزباً أراه يعترف بأنه يواجه صعوبة معينة؛ لأن طريقة تفكيره المرتبة, اصطدمت مع حواجز التربية على القوالب الجاهزة للفكر, الذي يصعب عليه الخروج من شرنقته, ولهذا يتهرب بمواضيع ثانوية, طلباً لعدم الدخول في فهم الحقائق؛ لأنها بدأت تصطدم بواقعه الداخلي, الذي تربّى عليه من الباطل.
وفي سبيل أن نحاور ذاتنا, حواراً داخلياً مقنعاً, علينا أن نواجه قضايا مهمة في طبيعة التفكير. فأوّل سؤال يجب أن نسأل أنفسنا به: هل الغَيبة مستحيلة عقلاً، أم هي ممكنة؟ والسؤال الثاني, الذي يجب أن نسأل أنفسنا به: هل هناك غيبة حدثت فعلاً؟ وهل هناك قناعة خارج حدود التمذهب الضيق لوجود غيبة فعلية؟
ثمّ نحاول أن ندرس القيمة الحقيقية للنصوص الدالة على التبشير بالغيبة, ابتداءً, قبل وقوعها, ثمّ على النصوص الدالة على وقوع الغيبة, انتهاءً.
وبعد أن نخرج من حوارنا الداخلي مع أنفسنا, علينا أن نتحرر من مرض الاستخفاف والسطحية, ونركّز على الحقيقة القرآنية, وعلى أن الغيبة لم تكن عملية طارئة مفاجئة في وجودها الواقعي للبشر, فتحتاج إلى تفسير أرضي لتحوّل الحالة, وإنما هي عملية مدروسة, منصوص عليها قبل حدوثها, وهي من قبل الله, لأمر يعلمه الله, وهو خارج نطاق القدرة العقلية, التي نمتلكها؛ لأنها خارج نطاق المألوف, فهي ليست ذات مصلحة مرتبطة بنا فقط, وإنما هي حقيقة, ذات علاقة كونية, مرتبطة بإرادة الله, فالعقل إذا كان يدرك الحسن والقبح, ويدرك الحقائق, لا يعني ذلك أبدا أنه قادر على إدراك ما هو خارج مجاله, فمسألة وقوع الغيبة, والنصوص عليها, يدركها عقلنا, ونتلمسها علمياً, وحسياً. ولكن تفسير أحكام هذه الحالة, يحتاج إلى معرفة من الله..
|