eyad 65
عضو متقدم
   
المشاركات: 689
الانضمام: Sep 2004
|
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الحــــــــــــــــــادي عـشر
إنه يوم " عيد النصر " الذي حصلت فيه بنغلادش على استقلالها أخيرا . كلمة استقلال تلدغ سورنجان مثل نملة سامة . البلد كله مليء بالحركة استعدادا للاحتفال بالمناسبة العظيمة . مواكب العروض العسكرية ملأت الشوارع و الجموع خرجت تحييها بسعادة و ابتهاج .
فيما مضى كان سورنجان يغادر البيت مبكرا هذا الصباح و يشارك في الاحتفالات التي تجري في أنحاء المدينة , ومن ذلك ركوب إحدى الشاحنات و غناء الأناشيد الوطنية . اليوم , يشعر سورنجان أن هذا كله تضييع للوقت , هل جنى أي شيء من استقلال البلد ؟ أي استقلال حصل عليه ؟
" جو بانجلا . بانجلار جوي " و كل أنواع التمجيد في بنغلادش التي رددها عدد كبير من الشعراء عللى رأسهم رابندرا نات طاغور الحاصل على جائزة نوبل , و نازرول و جيبانانا ندا خطرت ببال سورنجان . و بقدر ماكان يحب الاشتراك في هذه الأناشيد , بقدر ما لا يحب ذلك الان . الحماس الذي كان ينتابه في مثل هذه المناسبات حاول أن يطل برأسه هذه المرة و لكنه قرر أن يسحقه . وهو يرقد في فراشه طوال النهار , ولدت رغبة معينة في رأسه , استحضر هذه الرغبة السرية بعناية رقيقة و فعل كل شيء ليحتفظ بها حية , حية لدرجة أنها كانت لتكتسب بالفعل جناحا و تطير . لقد غذى رغبته وسقاها بالماء طوال اليوم و رعاها بعناية . راقبها تنمو و تزهر . حتى أصبح بإمكانه أن يتنفس في أريجها .
وأخيرا ترك البيت حوالي الساعة الثامنة مساء . طلب من سائق الريكشا أن يذهب به إلى أي مكان يريد . أخذه الساشق إلى توبخاو بيجوي و ناجار و كاكديل و موج بازار و أخيرا إلى رومانا . وأخذ يتفرج على زينات المدينة المضيئة .
هل تعرف الشوارع المضيئة أنه هندوسي ؟ لو أنها عرفت , لربما انشقت الطرق الإسفلتية اعتراضا . الرغبة التي تحترق في كل خلايا و نسيج جسمه , لا بد أن تتحقق اليوم بأي شكل . إشباع هذا الجوع ربما لا يحل شيئا , و لكنه قد يعطيه إحساسا هائلا بالرضا , الأكثر من هذا أن الاستسلام لهذه الرغبة كان من شأنه على القل إلى حد ما أن يخفف من غضبه و أسفه و معاناته .
طلب من سائق الريكشا أن يتوقف أمام حانة " بار كاونسل " و أشعل سيجارة , لقد فقد الأمل في العثور على مايا , و قرر أن يخبر والديه بألا يتوقعوا عودتها . ربما يكون الأمر أسهل إذا حاولوا أن يتصوروا أنها ماتت في حادث طريق , دار عقله و غرق في اليأس مرة أخرى .
بالأمس فقط تحسنت صحة والده و تمكن من ممارسة نشاطاته الطبيعية , وانحصر الأمر في التأوه بالألم و المعاناة طوال اليوم من فقدان مايا , هذه الحالة المثيرة للشفقة التي لم يكن سورنجان يطيق أن يتحمل أن يراه فيها . لابد أنهم يمزقون مايا مثل الطيور الجارحة التي تمزق فريستها . لا بد أنهم صنعوا منها وليمة .. هل استمتعوا بها كما يستمتع أكلة لحوم البشر بالتهام ضحاياهم ؟ هذه الأفكار سببت الاما رهيبة له , كما لو أنه هو الذي يتمزق تحت أسنان سبعة من الضباع .
لم يكن قد أنهى سيجارته , عندما تقدمت من عربة الريكشا فتاة في حوالي العشرين من عمرها , بلمع وجهها بالبودرو و المكياج تحت أضواء النيون . ألقى سورنجان بالسيجارة و قال للفتاة :
تعالي هنا
استندت الفتاة على العربة و لفت الساري حول كتفها و ابتسمت . سألها سورنجان :
ما اسمك ؟
ضحكت الفتاة و قالت :
بينكي
أخبريني باسمك بالكامل ؟
شاميما بيجوم .
و اسم أبيك ظ
عبد الجليل
أين تقيمين ؟
في رانجبور
ما اسمك مرة أخرى ؟
شاميما
راود الفتاة الشك . لم يسألها أحد من قبل عن اسم أبيها أو مكان سكنها , ما أغرب هذا " الزبون " ! نظر سورنجان إلى الفتاة بحدة , هل تكذب ؟ ربما لا .
حسنا , ادخلي إلى الريكشا
دخلت شاميما الغرفة , طلب سورنجان من السائق أن يذهب إلى تيكاتولي . في الطريق حدق أمامه ببرود . لم يتحدث إلى الفتاة أو ينظر نحوها .. اقتربت منه و كأنها لا تلاحظ سلوكه و استمرت في الثرثرة . أحيانا كانت تدندن بأغنية و في أحيان أخرى كانت تقهقه ضاحكة . لكن سورنجان لم يبد أي استجابة , فقط كان يشعل سيجارة وراء الأخرى . نظر عدة مرات إلى ركابه و بدأ ينشز بين حين و آخر ببعض أغاني الأفلام الهندية .
غطت الشوارع نفسها بالزينات و الأضواء الحمراء و الزرقاء , و كانت تضيء المدينة كلها .وحده لم يكن يشارك في البهجة . كان هادئا رابط الجأش , يخطط لكل فعل قبل القيام به هذه الليلة .
كان قد أغلق حجرته من الخارج قبل الذهاب , حتى لا يطرق الباب الرئيسي أو يتسبب في أي إزعاج عند رجوعه , دخلا الغرفة و قالت شاشيما :
لم تتحدث في السعر ولا مرة !
أومأ إليها بالتزام الصمت قائلا :
اسكتي تماما
لاتزال الحجرة في الفوضى, ملاءات السرير مدلاة حتى الأرض , لا صوت يأتي من الحجرة المجاورة , لا بد أنهما مستغرقان في النوم . أرهف السمع و سمع تأوه أبيه , هل يعرف أن ابنه العزيز , الطالب اللامع أحضر إلى البيت عاهرة .
لم يكن ينظر إلى شاشيما على أنها عاهرة على أية حال . كان يتوق إلى اغتصاب واحدة منهم , انتقاما لما فعلوه بأخته . أطفأ أنوار الغرفة . ألقى الفتاة على الأرض و عراها من كل ملابسها , تنفس بعمق و بسرعة وهو ينشب أظافره في جسد الفتاة . عض صدرها , كان جزء من عقله يدرك أن ما يفعله ليس حبا بالتأكيد . شد شعرها بقسوة , عض خدها و عنقها و ثدييها بأظافره الحادة , خربش خصرها و بطنها و مؤخرتها و فخذيها . في النهاية ليست الفتاة سوى عاهرة !! وهو يهاجم جسدها العاري كانت الفتاة تتأوه بالألم و تصرخ من حين لآخر :
يا إلهي أنا أموت ألما .
ضحك بوحشية وواصل إيذائها حتى لم يعد باستطاعته المزيد وعندئذ اغتصبها . وهو يتحرك فوقها فكرت الفتاة بخوف أن هذا أسوأ زبون التقت به في حياتها . تماما مثل غزال يحاول الفرار من نمر , استطاعت أن تجر نفسها بعيدة عنه و أمسكت بساريها و أسرعت إلى الباب .
كان قد هدأ الآن و أزاح عبئا ثقيلا عن كاهله . الرغبة التي أحرقته طوال اليوم تحققت .
الآن , كل ما يحتاج إليه لكي يكون سعيدا فعلا هو أن يرفس الفتاة خارج منزله بينما بدأ التوتر ينسكب في جسده مرة أخرى , ازداد تنفسه ثقلا . هل ينبغي أن يرفس الفتاة خارج منزله ؟ وقفت الفتاة عند الباب عارية و خائفة . لم تجرؤ على توجيه أي سؤال منذ أن أمرها بألا تتكلم .
أين مايا يا ترى ؟ هل قيدوا ساقيها و يديها قبل اغتصابها ؟ هل اغتصبها السبعة كلهم ؟ مايا المسكينة .. لابد أنها تعرضت لآلام هائلة , لابد أنها صرخت عاليا , ذات مرة , عندما كانت في الخامسة عشر أو السادسة عشر من عمرها صرخت مايا أثناء نومها :"دادا " . أسرع سورنجان إليها ووجدها ترتجف . سألها عن سبب ارتعاشها . حتى بعد الاستيقاظ كانت لا تزال ترتجف , لأن الكابوس لم يكن قد أرخى قبضته عنها . حكت له :
أنا و أنت ذهبنا إلى قرية جميلة , كنا نتمشى في حقول الأرز الخضراء المزهرة , نتحدث معا .. وكان هناك بعض الناس أيضا , يتحدثون إلينا بين فترة و أخرى .. فجأة لم تعد أنت موجودا وجاء بعض الرجال ليمسكوا بي . كنت في غاية الرعب وواصلت الجري هربا بعمري و أنا أنادي عليك .
عزيزتي مايا , أيتها المسكينة فكر سورنجان في أخته المفقودة , و تسارعت أنفاسه من جديد , لابد أنها محبوسة داخل غرفة في مكان ما , تصرخ طابا للمساعدة ولكن لا أحد يسمعها , لابد أنها تبكي , وليس هناك من يسمعها , ربما كانت داخل غرفة مغلقة تتوسل وتنزف أمام مجموعة من الحيوانات المتوحشة . أين مايا ؟ هذه المدينة صغيرة . ولكنه لا يعرف حتى الآن : أين أخته , هل هي في صندوق قمامة ؟ أم في بيت دعارة ؟ أم أ،ها ملقاة في قاع نهر بورجانجا ؟ أين ؟ آه , أين مايا ؟ كل ما كان يريده الان هو أن يمسك بالفتاة الواقفة بالباب و يلقي بها إلى الخارج .
الفتاة المرعوبة من سلوكه ارتدت ملابسها بأسرع ما يمكنها و قالت :
أعطني نقودي
اخرسي , اخرجي من هنا , أنا أحذرك , اخرجي فورا !
فتحت الفتاة الباب وو ضعت قدما في الخارج . ترددت ثم عادت إلى سورنجان بنظرة تمتلىء بالتوسل . كان الدم يسيل من خدها وهي تقول :
حتى لو عشرة تاكا . أرجوك أعطني إياها
اهتز جسده بالغضب . ولكن نظرات الفتاة هدأت من ثورته بعض الشيء . إنها فتاة فقيرة في النهاية .. تبيع جسدها لتطعم فمها . إنها ضحية النظام الاجتماعي القاسي الذي تجاهل أية إمكانيات قد تتمتع بها و ألفى بها في البالوعة . ربما تريد نقوده لشراء وجبة . سحب سورنجان عشرة تاكا من جيبه و أعطاها للفتاة و قال :
أنت مسلمة , أليس كذلك ؟
نعم
أنتن معتادات على تغيير الأسماء , هل غيرت اسمك ؟
لا
حسنا , يمكنك الذهاب
رحلت شاشيما . استرخى سورنجان . وعد نفسه بأنه لن يرثى على حاله اليوم . اليوم هو " عيد النصر " الجميع يستمتعون بثمار الاستقلال الذي فازوا به منذ واحد و عشرين عاما . اليوم تحقق حدث هام في تاريخ البشرية . شاميما بيجوم جاءت إلى منزل سورنجان دوتا وتم غزوها . أراد أن يطرقع أصابعه و يغني أغنية وطنية معروفة تقول كلماتها :" بنجلادش حبي الأول و ألخير .,. أعيش لبنجلادش , و أموت لبنغلادش "
لم يذكر اسمه لماشيما . كان المفروض أن يخبرها بأنه سورنجان دوتا .. كانت ستعرف ساعتها أن الرجل الذي عضها و جعلها تنزف هندوسي . نعم , الهندوس يعرفون كيف يغتصبون أيضا . هم أيضا لهم أياد و أقدام و رؤوس تمتلىء بالأفكار . أسنانهم حادة و أظافرهم يمكنها الخدش مثل المخالب .. شاشيما فتاة رقيقة و ناعمة .. ولكنها مسلمة , لو أنه يستطيع أن يصفع مسلما , لجعله هذا سعيدا .
تقلب بلا راحة بقية الليل . ولكن النوم جافاه . بقي وحيدا طوال الليل في صحبة الصمت و السكون و إحساس مفزع بعدم الأمان , لقد أراد اليوم أن يقوم بانتقام صغير , و لكنه فشل . لم يكن قادرا على الانتقام . طوال الليل أخذت تعذبه الذكرى الحية لوجه شاشيما شعر بأسف من أجلها . المفروض أن يشعر بالغضب و القوة , ولكنه لم يشعر بذلك . إذن أي نوع من الانتقام هذا الذي قام به ؟
بل يمكن القول أنه نوع من الهزيمة له . هل كان سورنجان مهزوما في حقيقة الأمر ؟ نعم , بالطبع , كان خاسرا لأنه لم ينجح في الغدر بشاشيما .. وضعها الاجتماعي هو الذي كان يغدر بها . بالنسبة لها ليس هناك من فرق بين ممارسة الجنس و الاغتصاب . انكمش في فراشه وهو يدرك هذه الحقيقة , غمره خجل مؤلم . الوقت متأخر جدا ؟... لماذا هو يقظ هكذا ؟ هل اختل نظامه كله ؟ كما لو أن كل شيء داخله يتحطم تدريجيا منذ أن تحطم مسجد بابري . في الواقع لقد شعر بالأسف من أجل الفتاة التي مزقها برجولته و عضها و أدماها بغزارة ! لو أنه فقط استطاع أن يمسح الدم عن خديها قبل أن ترحل . هل سيلتقي بها ثانية ! إذا رآها مرة أخرى فسوف يطلب منها أن تسامحه .
شعر بالحر رغم الجو البارد , ألقى بغطائه .. ملاءة السرير بالقرب من قدميه كانت غير مرتبة . وضع رأسه بين ركبتيه مثل كلب .
في الصباح الباكر أراد أن يتبول لكنه لم يرغب في مغادرة سريره , كالعادة جاءت والدته و تركت له الشاي , ولكنه لم يشعر برغبة في شربه , شعر برغبة في التقيؤ , و أكثر من أي شيء , أراد أن يستحم بماء ساخن . ولكن من أين يمكنه الحصول على ماء ساخن ؟ في بيتهم في براهما بالي , كان هناك حوض اعتاد أن يستحم فيه في صباحات الشتاء الباردة . كان يحب الاستحمام في هذا الحوض الفاخر . ولكن أين يمكنه أن يجد مثله الآن ؟ لقد كره التحمم بحصة الماء القليلة في الحمام , لماذا يجب أن تكون الحياة بهذا البخل و التقتير .
|
|
02-16-2006, 10:16 PM |
|
{myadvertisements[zone_3]}
eyad 65
عضو متقدم
   
المشاركات: 689
الانضمام: Sep 2004
|
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الثاني عشــــــــــــــــــــــــــــــر
نهض سورنجان من فراشه في العاشرة من صباح اليوم التالي . كلن ينظف أسنانه في الشرفة عندما سمع أشرف ابن خادم علي يقول لأمه :
ماشيما , إن بوتو كان يقول ليلة أمس أنهم عثروا على جثة فتاة طافية تحت جسر جنداريا تشبه مايا .
تيبست قبضة سورنجان على الف5رشاة و سرت رعشة خفيفة في جسده , أحس أنه وحيد بشكل مرعب و فظيع . لم يتمكن من سماع أي صوت في جميع أنحاء المنزل الأخرى . لا بكاء , لاشيء . المنزل مله صامت و ساكن بشكل غير طبيعي . كما لو أن أقل جملة تقال سيكون لها صدى على حوائط الصمت التي ترتفع حول البيت . كما لو أن لا أحد يعيش في هذه المدينة على مدار الألف سنة الماضية سواه . كل المدينة راقدة في هدوء . لم تستيقظ بعد من احتفالات "عيد النصر " ليلة أمس . كان لا يزال واقفا يحمل فرشاته عندما مر حيدر . ولأن العيون قد تلاقت فقد تطلب الذوق أن يتبادلا التحية . توقف حيدر و سأله :
كيف حالك ؟
ابتسم سورنجان و قال :
رائع 1
كان من المتوقع أن يدور حوار حول مايا لكن ذلك لم يحدث . استند حيدر على سور الشرفة و قال :
بالأمس في جامعة راج شاهي , بعد الاحتفالات , نبش أعضاء " معسكر الجماعة " المقابر الجماعية .
بصق سورنجان بعض معجون الأسنان على الأرض و قال :
ماذا تعني بالمقابر الجماعية ؟
نظر إليه حيدر مدهوشا و قال :
ألا تعلم معنى المقابر الجماعية ؟
هز سورنجان رأسه . تكدر وجه حيدر بالارتباك . كيف يمكن ل سورنجان , الذي كان وسط حركة الأحداث خلال حرب الاستقلال ألا يعرف معنى المقابر الجماعية .
فكر سورنجان , إذا حطم أفراد المعسكر شواهد القبور الجماعية فأهلا و سهلا بهم . إنهم يحملون أسلحة وإذا وجدوا أي سبب لاستخدامها , فمن يمكنه أن يمنعهم ؟
حتى إذا حطموا الاستقلال غير المرئي و الوطن نفسه بكل من حاربوا من أجله , فمن يمكنه أن يمنعهم ؟ سوف تنظم بعض المسيرات و الاجتماعات و تردد بعض الشعارات مثل :" لابد من إنهاء سياسات قادة شباب جماعة شيبر " . وسيكون هذا كل شيء . هذه الاعتراضات لا يمكن أن تغير شيئا . بعد ومضة انزعاجه استغرق حيدر في الصمت . بدا أنه يرغب في قول شيء . بعد لحظات قال :
هل عرفت ؟ بارفين هنا هذه الأيام , لقد طلقت من زوجها
لم يعلق سورنجان . لم يشعر بأقل الأسف على طلاقها . على العكس كان سعيدا . لقد أصروا على تزويجها لمسام بدلا من الهندوسي , وهاهم يرون إلى أين أدى بهم ذلك . شتم سورنجان بارفين شتيمة بذيئة في قلبه . في هذا الوقت المبكر من الصباح , وخصوصا و المرء ينظف أسنانه , ليس للشتيمة الجنسية أي جاذبية . ولكن في هذه الحالة , طالما أنه يقتصر على عقله , كان للأمر جاذبيته . بعد برهة قال حيدر :
أراك فيما بعد
ثم رحل . لم يجب سورنجان بأي شيء على الإطلاق.
أصبح سودهاموي قادرا على الجلوس الآن . بمساعدة مخدة ستند ظهره جلس يستمع إلى صوت المنزل . فكر في أن الشخص الوحيد الذي كان يرغب في الحياة بينهم هي مايا . لولا مرضه, لما أتت مايا من عند بارول و لما اختطفت بهذه الطريقة . يقولون أن شخصا ما رأى جثتها تحت الجسر . من يذهب ليتعرف على الجثة ؟ عرف أن لا أحد من أسرته يريد أن يذهب لأنهم يريدون جميعا أن يصدقوا أنها ستعود في يوم من الأيام . إذا تعرفوا على الجثة و اتضح أنها مايا , فسوف يتلاشى الأمل في أنها ستعود في يوم أو يومين , أو ربما شهر أو شهرين , أو حتى أطول من ذلك . هناك أنواع من الأمل تساعدنا على الحياة , القليل جدا في هذه الحياة يجعلها تستحق أن نعيشها . و لذلك لا معنى في أن نفقد هذه الآمال التي تجعل الحياة تستمر . بعث وراء سورنجان . مر وقت طويل لم يفعل فيه ذلك . طلب منه الجلوس بجواره و قال بصوت منكسر :
أخجل من الجلوس هكذا خلف الأبواب و النوافذ المغلقة .
هل تشعر بالخجل , حسنا , أنا أشعر بالغضب
أيضا أنا قلق بشدة عليك
لماذا ؟
تعود للبيت متأخرا . هاريبادا جاء أمس . الموقف في بهولا ازداد سوءا الآلاف فقدوا منازلهم و نساء كثيرات اغتصبن .
هل هذه أخبار بالنسبة لك ؟
طبعا , هي أخبار . و هذا سبب قلقلي عليك يا سورنجان
قلق علي ؟ لماذا ؟ ألست قلقا على نفسك و على أمي ؟
ما الذي سيفعلونه بنا ؟
سيقطعون رأسيكما و يلقون بهما في نهر يوريجانجا . ألا تزال لا تفهم طبيعة هؤلاء الناس في هذا البلد ؟ سوف يصنعون وجبة من أي هندوسي يعثرون عليه . لن يفرقوا بين شاب و عجوز , يمكنني أن أؤكد لك هذا .
تغضنت جبهة سودهاموي بالغلط :
ألست واحدا من " ناس هذا البلد "
لا لم أعد أعتقد أنني واحدا من هذا البلد . إنني أحاول جاهدا و لكن لا أستطيع من قبل عندما كان كاجال-دا يتكلم عن التحيز للمسلمين كنت أقول له :" لا تضيع وقتنا بكم خسر الهندوس و كم يتعرضون للحرمان . هناك الكثير يحتاج إلى عمله في البلد ".الآن أدرك أنه كان على حق . إنني أتغير . لم يكن ينبغي أن تكون الأمور هكذا يا بابا ..
كان صوت سورنجان يتلعثم . ربت سودهاموي على ابنه مطمئنا و قال :
الناس يتحدثون عن هذا فعلا , و يعترضون أيضا , الصحف تنشر التقارير عن كل ما يحدث , المثقفون يدلون بآرائهم كذلك .
كان سورنجان متضايقا الآن وهو يقول :
كل هذا لغو هراء . فريق يقتحم الميدان بالسكاكين و الفؤوس بينما الفريق الآخر يرد بأصوات مرتفعة و أياد عزلاء . هذا لن يجدي . الفأس يجب أن تقابل بالفأس . من الحماقة أن نواجه سلاحا بأيد عارية .
هل تريد أن نتخلى عن أفكارنا الرفيعة ؟
أية أفكار تتحدث عنها؟ كل هذا هراء .
خلال الأيام القليلة الماضية , ازداد شعر سودهاموي ابيضاضا . لقد أصبح ظلا لنفسه القديمة , لكن عقله لا يزال متمسكا بمعتقداته .
لا تنس أن الناس يعترضون على الأقل . في كم من البلاد يسمح بذلك ؟
لم يتكلم سورنجان . كان يفكر في أن اسم " جمهورية بنغلادش الشعبية " سوف يتغير قريبا إلى اسم " جمهورية بنغلادش الإسلامية ". سوف توجه تعاليم الإسلام الحياة في هذا البلد . النساء سوف يرتدين النقاب و عدد الرجال الذين يرتدون الطواقي و يطيلون اللحى سوف يزداد أيضا . بدلا من المدارس و الكليات العادية سيكون هناك عدد كبير من المساجد والمدارس الإسلامية . وببطء ولكن بثقة سوف يذبح كل الهندوس . التفكير في هذا جعل عظامه تقشعر . إذا قدر لهم أن يعيشوا بعد ذلك , سوف يبقون في بيوتهم مثل أعداء المجتمع أو المجللين بالعار . إذا رأىا مسرة في الشارع تعترض على شيء ما ,
سوف يبقى في بيته تجنبا للخطر . المسلمون فقط يمكنهم الاعتراض بدون تردد . ولكن لن يستطيع الهندوس ذلك . الحاضر نفسه ليس أفضل من هذا الممكن حصوله في المستقبل . إن يقال أ الهندوس يضطهدون أمر يفضل أن يقوله مسلم و ليس هندوسي . وذلك لأنه ليس هناك بديل , إذا غامر هندوسي بالاعتراض بصوت عال , فإنه سوف يخاطر بقطع عنقه في منتصف الليل عقابا له . إذا ارتكب مسلم جريمة سوف يعاقب و لكنهم سوف يبقون على حياته . أما إذا قال سودهاموي شيئا لا يجب أن يقوله , فقد يأتون لقتله في منتصف الليل , إذا قرر الهندوس أن يغضبوا , فلن يرد عليهم المتعصبون فحسب بل المسلمون التقدميون المتحررين أيضا , التقدميون في واقع الأمر يصنفون أنفسهم إلى هندوس و مسلمون ! فكر سورنجان في نفسه كرجل متمدن . الآن , الآن بدأ هو نفسه في الشعور بأنه هندوسي . مرة أخرى راوده التفكير . هل هو يتعفن من الداخل ؟ إنه مقتنع الآن بأنه يتعفن . طلب سودهاموي منه أن يقترب . وسأله بصوت منكسر :
ألن نعثر على مايا على الإطلاق ظ
لا أعلم
كيرون لم يغمض لها جفن منذ الاعتداء . وهي قلقة عليك أيضا . إذا حدث لك أي شيء ..
إذا كان يجب أن أموت سأموت . الكثيرون يموتون على أي حال .
الآن يمكنني الجلوس . كيرون تساعدني على التحمم . ولكن إذا لم أعد إلى لياقتي , فلن أكون بحال تسمح لي بفحص المرضى . لم ندفع إيجار البيت منذ شهرين . ربما لو حصلت على عمل ..
لن أعمل لدى غرباء ..
في الواقع أسرتنا ... أعني أنه لم يعد لدينا أرض . حقل مليء بالأرز و حوض مليء بالسمك , و مزرعة مليئة بالبقر الحلوب .. نعم أنا ذقت كل هذا . أنت لم ترى شيئا منه و ذلك يؤسفني جدا . لقد بيعت أرضنا في القرية . لو أن جزءا منها لا يزال لدينا لكان بإمكاننا أن نبني بيتا صغيرا و ننفق فيه ما بقي من عمرنا .
خرج سورنجان عن طوره و صاح في والده بغضب :
دلا تتكلم مثل الحمقى . هل كنت تستطيع العيش في القرية ؟ ألم ترك أن كبار رجال القرية كانوا سيأتون بقضبانهم و يسحقون راسك لإجبارك على التخلي عن كل ما تملكه ؟
لا يجب عليك أن تسيء الظن بالجميع . بالتأكيد هناك بعض الناس الطيبين ؟
لا .. لم يعد هناك واحد منهم .
أنت متشائم بدون داع .
ليس بدون داع ز
ماذا عن أصدقائك ؟ كل هذه الأيام التي درست فيها الشيوعية . و انضممت إلى الحركات الشعبية و ناقشت فيها هذه الأفكار مع أناس عقلاء .. أليس هؤلاء من الطيبين ؟
لا , ولا واحد منهم . كلهم طائفيون
هل أصبحت أنت نفسك طائفيا ؟
أنا كذلك , هذا البلد جعلني طائفيا . ولا يلومني أحد
قال الوالد بشك :
هذا البلد يجعلك طائفيا ؟
نعم هذا البلد . و ضغط بأسنانه على كلمة " البلد " , صمت سودهاموي . نظر سورنجان إلى حطام الغرفة . شظايا و قطع الزجاج لا توال على الأرض . ألا تمزق هذه أقدامهم ؟ لقد مزقت قلوبهم بالفعل
وقد سورنجان في فراشه طوال النهار , لم يشعر بالرغبة في الذهاب إلى أي مكان . ولا برغبة في التحدث مع أي شخص . هل يجب أن يذهب و يلقي ولو نظرة سريعة على الجثة التي وجدوها تحت الجسر ؟ هل يجب أن ينظر إلى الهيئة المنتفخة بالماء لمايا لو كان هذا جسدها فعلا . لا , قرر ألا يذهب إلى أي مكان .
بعد الظهر بوقت كثير . نهض من الفراش و بدأ في التجول في الفناء ز فجأة قرر أنه يجب أن يفعل شيء ما . دخل البيت وأخرج كل كتبه و كومها على الأرض . اعتقدت أمه أنه يخرج الكتب ليضعها في الشمس لإخراج دود الكتب منها .
" رأس المال " أفكار لينين و إنجلز و ماركس و مورجان و جوركي و ديستوفسكي و توليستوي و سارتر و بافلوف و طاغور و مانيك بانديو بادهايا و نهرو و أزاد , كتب في علوم الاجتماع و الاقتصاد و السياسة و التاريخ , كتب في حجم الصخور وكتب أصغر من ذلك بكثير .. عندما انتهى من جمعها كلها و صفها على الأرض , أشعل عود ثقاب وأشعل فيها النار . تماما كما يفعل الأصوليون المسلمون عندما يشاهدون الهندوس , هكذا تفعل النار عندما تجد الورق . امتلأ الفناء بالدخان الأسود . نبهت رائحة الورق المحترق أمه فجاءت من غرفتها . ابتسم لها سورنجان و قال :
هل تريدين أن تدفئي نفسك على النار؟ لماذا لا تأتين ظ
سألته والدته بقلق :
هل جننت ؟
نعم يا أمي , كنت طوال عمري فتى طيبا الآن قررت أن أصبح مجنونا . إذا لم يكن المرء مجنونا فليس هناك أي راحة .
وقفت الأم بالباب تراقي لهيب أضحية سورنجان . لم تندفع إلى الحمام لإحضار بعض الماء لإطفاء النيران كما يفترض أن تفعل . كان بالكاد يظهر جسمه خلف الشعلات السوداء السميكة . فكرت و تخيلت أن ابنها نفسه في النار . داخل المنزل زاد من هم والده أن ابنه اللامع , المجتهد في دراسته , الذي كان محصنا ضد السم حتى الآن كان الآن يتجرع السم بنفسه . طوال هذه الساعات من الرقاد في الفراش , , و المناقشات الصاخبة مع أصدقائه و شتم المسلمين و الآن حرق الكتب ..
أدرك سودهاموي مدى الجرح الذي يعاني منه و مدى امتلائه بالألم , لقد تألم على يد أسرته و مجتمعه و فوق ذلك بلده , و اليوم يحرق نفسه في لهيب عقدة النقص .
ابتهج سورنجان بالنار . هكذا تحرق بيوت الهندوس في كل أنحاء البلاد ولكن هل هم يحرقون البيوت و المعابد فقط , ألا يحرقون قلوب و عقول الهندوس أيضا ؟ عزم سورنجان على نبذ أفكار والده المثالية منذ اليوم . كان سودهاموي يؤمن بأيديولوجية اليسار , و تربى سورنجان على دوجمائيته , ولكنه لن يتمسك بها لأكثر من ذلك . لماذا يفعل , وهو قد سمع اليساريين أنفسهم يصفون الهندوس بالأوغاد !
امتلأت عينا سورنجان بالدموع من الدخان , هل هي دموع الأسى , أم أنها بسبب الدخان فحسب ؟ شعر بسعادة عندما انطفأت النيران ولم يبقى شيء من الكتب سوى الرماد . حتى الماضي القريب كانت تشحنه بأفكارها و مبادئها الزائفة . كان مريضا و مجهدا من هذه المبادىء . وتمنى أن يرفس هذه المبادىء بكل قوته . لماذا يلتزم وحده بمثل هذه المعتقدات ؟ معظم الناس يرتشفون من كوب المعرفة و لا يشربون منه أبدا , لماذا يعب وحده بغباء من نبع المعرفة ؟
عندما انتهت الأضحية أراد أن ينام , حاول ولم يستطع . وواصل التفكير في راتنا لم يلتق بها منذ زمن طويل , تساءل عن حالها . فكر في أن عينيها السوداوين العميقتين معبرتان للغاية حتى أنها لا تحتاج إلى أن تتكلم . لابد أنها تأمل في أن يأتي ذات يوم و يطرق بابها و يجلسان و يتحدثان معا عن حياتهما أثناء تناول الشاي . وهو راقد في السرير قرر أن يزورها هذا المساء و يقول لها :
لماذا ينبغي أن أكون أنا فقط الذي يأتي لزيارة الناس ؟ ألا يرغب الآخرون في زيارتي ؟
تملكه شعور غريب بأنه ذات مساء كئيب سوف تأتيه راتنا فجأة و تقول له :
شعرت بأنني وحيدة جدا يا سورنجان , ولذلك فكرت في أن آتي لرؤيتك
لقد مر زمن طويل منذ أن قبله أحد ما . اعتادت بارفين على تقبيله . كانت تحضنه بقوة و تقول :
أنت ملكي , ملكي أنا فقط . اليوم سأقبلك مائة قبلة .
وإذا دخلت أمه الغرفة فجأة كانا يسارعان في التباعد .. مع كل ذلك اختارت أن تتزوج رجل مسلم , على أمل أ، تتجنب كل أنواع المشاكل . مع راتنا ليس هناك تعقيدات طائفية أو عقائدية , ولقد وضع حياته التعيسة تحت قدميها وهي تعرف كل شيء عنها .
لابد أن يزورها هذا المساء , هكذا قرر أن يغسل كل التراب و سخام الحريق عن جسده , و يرتدي قميصا نظيفا و يذهب إلى بيتها . عندئذ سمع طرقة على الباب فتحه ليجد راتنا عند العتبة . بدت جميلة و هي ترتدي ساري ساحر و تغطي يديها بالأساور التي تصدر رنينا عندما تحركها . ابتسمت و امتلأ هو عجبا من جمالها و نعومتها .
تعالي , تفضلي بالدخول ..
بينما كان يدعوها للدخول لاحظ شابا وسيما يقف خلفها . أين يمكن أن يدعوهما للجلوس ؟ الغرفة في حالة مزرية . أعطاها مقعدا مكسورا لتجلس عليه
ابتسمت راتنا و قالت :
احزر من الذي معي ؟
لم يلتق بأخيها من قبل و تساءل عما إذا كان هو هذا الشاب الصغير
جلجل صوت راتنا وه مثل أساورها وهي تقول :
إنه هيومان زوجي .
اجتاحت دوامة عنيفة قلبه . آخر شجرة لجأ إليها اقتلعت من جذورها أمام عينيه . كان يأمل أن بعوض حياته الضائعة بالاستقرار مع راتنا , ولكنها كانت هنا مع زوج مسلم !
امتقع وجهه بالغضب . كيف تفعل به هذا ! أن يفكر أن الجرأة واتتها لكي تحضره إلى هنا , بالتأكيد هو لا ينوي أن يجلس مع راتنا وزوجها الوسيم وربما الغني أيضا ليجري معهما حوارا صغيرا في غرفته الفقيرة المحطمة . ولا كان يرغب في أن يصافحهما و يطلب منهما أن يكررا الزيارة . فلتذهب كل هذه الواجبات الاجتماعية إلى الجحيم . التفت إلى ضيفيه و قال بجفاء :
أخشى أنني مضطر إلى الخروج لتأدية بعض الأعمال الطارئة و لا يوجد عندي وقت للحديث معكما .
المفاجأة و الغضب تبديا على وجهيهما . و اعتذرا بسرعة عن الإزعاج و رحلا . وقف متبلد المشاعر وقتا طويلا ولم ينتبه إلا عندما جاءت أمه إلى حجرته و قالت :
هل أعدت المال الذي اقترضته ؟
كلمة " اقترضته " بدت و كأنها سهم مسموم يقتحمه . نظر إلى أمه ولم يقل أي كلمة .
شعر بالاختناق . بدت له غرفته كصندوق حديدي لا مخرج له . خرج إلى الشرفة لبعض الوقت , ولكن لا شيء كان بمقدوره أن يمنع عنه الحزن الذي غمره مثل المطر الغزير . جاءت أمه بكوب من الشاي , وضعته على المائدة في صمت كعادتها و انصرفت . لم يحاول أن يشرب الشاي . رقد في سريره برهة ثم نهض مرة أخرى . هل ينبغي أن يذهب إلى الجسر لفحص الجثة ؟ التفكير في ذلك كان يزعجه . فجأة ظهرت أمام عينيه صورة للجسد الطافي في مياه المصرف خارج المنزل . البيت كله صامت مثل بركة عتيقة . مثل الحشرات التي تعوم فوق الماء الصامت في هذه البرك . كان أفراد البيت الثلاثة يمشون بحذر داخل هذا المبنى المتداعي دون أن يلتقوا , ودون أن يتواصلوا مع بعضهم البعض أبدا .
بدون أي إنذار قطعت كيرونموي الصمت بدأت في النحيب بصوت كأنه يأتي من أعماق الأرض شديدا و غير محتمل حتى أن سودهاموي جلس مشدوها و هرع سورنجان إليها , ليجدها واقفة تستند برأسها على الحائط و تبكي بدون قدرة على التحكم . أدرك سورنجان أن هذه الدموع لا يمكن إيقافها , هذه الدموع كان لا بد لها أن تنطلق . لأيام و ليالي حبست هذه الدموع ولكن السد انهار و ليس هناك ما يمكن عمله سوى الانتظار . جلس الأب ساكنا مطأطأ الرأس نحيبها الوحشي يمزق قلبه و يشعره بالعجز . أجهشت و أجهشت ولكن لم يسألها أحد عن سبب بكائها . لم يعد هناك حاجة للسؤال ولم يعزها أحد لأنه لم يكن هناك أحد يستطيع ذلك .
سورنجان الذي بقي واقفا عند باب الغرفة , مشى الآن بهدوء خشية أن تزعج خطواته دموعها .
منزل الأحلام انهار حتى الأساس و احترق حتى الرماد . كما و صدمتهم كيرونموي بنحيبها المفاجىء , هكذا فعل سورنجان أيضا انفجر بالبكاء صائحا :"أبي ... " نظر إلية الوالد مذهولا . أمسك بيدي أبيه الاثنتين و قال بتوسل :
أبي , كنت أفكر في شيء واحد طوال الليلة الماضية أعلم أنك سترفض اقتراحي , ولكن أرجوك أن تقبله ,أرجوك يا أبي .. أرجوك . فلنرحل من هنا
نرحل إلى أين ؟
إلى الهند .
بدا الاستياء على وجهه , كأن ابنه قد شتمه . كما لو أنه لم يكن يتوقع منه أن ينطق حتى بهذا اللفظ . توقفت دموع الوالدة بالتدريج . اهتز جسدها باضطراب و جلست على الأرض . واصل سودهاموي النظر إلى ابنه بقرف وهو يقول :
هل الهند موطن أبيك أو موطن أجدادك ؟ هل يعيش أحد من أسرتك في الهند ؟ هل تريد أن ترحل عن وطنك .. ألا تخجل من هذا ?
أي وطن هذا الذي تتحدث عنه يا أبي ؟ ما الذي أعطاه هذا الوطن لك ؟ ما الذي أعطاه لمايا ؟ لماذا تبكي أمي هكذا ؟ لماذا تتأوه أ،ت طوال الليل ؟ لماذا لا أستطيع أن أنام ؟
حوادث العنف تنشب في كل مكان . أليس هناك حوادث عنف في الهند ؟ ألا يموت الناس هناك ؟ هل أحصيت عدد الذين ماتوا هناك ؟
لو أنها كانت حوادث عنف لتفهمت ذلك يا أبي , ولكنها ليست كذلك . إنها ببساطة حالة قيام مسلمين بقتل الهندوس .
هل تسمي نفسك هندوسيا إذا ظ
حاول أن ينهض من فراشه ثائرا , لكن سورنجان أعاده إلى الجلوس بيديه وواصل التوسل .
مهما قلنا أننا ملحدون , أو أننا إنسانيون , هؤلاء الذين في الخارج سيقولون لنا أننا أولاد حرام . كلما أحببنا هذا البلد , كلما فكرنا أنه وطننا , كلما أجبرونا على الانزواء في الأركان . كلما أحببنا ناس هذا البلد , كلما عزلونا . لا نستطيع أن نثق فيهم يا أبي . أنت عالجت الكثيرون منهم بدون مقابل , وبكن كم منهم أتى ليقف بجانبك في محنتك ؟ عاجلا أم آجلا سوف ندفع جميعا تحت أحد الجسور لنموت يا أبي , دعنا نذهب.... دعنا نذهب ..
مايا سوف تعود
مايا لن تعود يا أبي .. مايا لن تعود .
كان صوته مثقلا بالحزن عاد سودهاموي بظهره إلى فراشه . جسده أصبح منهكا و غمغم بضعف :
إذا لم أستطع أن أحمي مايا , فمن سأحمي إذن ؟
أنفسنا , هل يجب أن نبقى لنبكي فقط على خسارة ماقد خسرناه بالفعل ؟ وفي وسط هذه الأوقات العصيبة ؟ ليس لدينا اطمئنان , ليس لدينا أي شيء , أرجوك لنرحل من هنا .
ما الذي سنفعله هناك ؟
أي شيء . ما الذي نفعله هنا ؟ هل أحوالنا على ما يرام هنا ؟ هل نحن سعداء ؟
سيكون وجودنا بلا جذور ..
ما الذي ستفعله بالجذور يا أبي ؟ إذا كانت جذورك بهذه القوة فلماذا إذن تختبئ خلف الأبواب و النوافذ المغلقة ؟ هل ستبقى مختبئا لبقية عمرك ؟ لقد أصبحت عادة لهم أن يقتحموا بيوتنا و أن يقتلوننا . أشعر بالعار بالعيش مثل الفأر يا أبي . العار يمزقني , ولكن يداي مقيدتان . عندما أغضب هل أستطيع حرق بيتين من بيوتهم ؟ لماذا يجب أن نكتفي بالجلوس و مشاهدة أنفسنا و نحن نهان و نشرد ؟ إذا صفعني مسلم , لماذا لا يحق لي أن أرد الصفعة ؟ لا يا أبي .. فلنرحل من هنا . أرجوك .
الموقف يهدأ الآن بعض الشيء . لماذا تقلق هكذا ؟ لا يمكن أن تترك نفسك لمشاعرك .
يهدأ ؟ هذا مظهر خادع تماما . تحت السطح سيظل هناك الحقد و القسوة . إنهم ينتظروننا بأظافر و أسنان عارية , بأفخاخ لن نتوقعها أبدا . لماذا تخليت أنت عن " الدهوتي " لترتدي البيجاما ؟ لماذا لا تحظى بحرية لبس " الدهوتي " فلنرحل بعيدا .. زمجر سودهاموي في غضب :
لا , لن أذهب , أذهب أنت إذا أردت
ألت تأتي ؟
حول سودهاموي نظره بعيدا في استياء و قال :/
لا
توسل سورنجان :
أسألك مرة أخرى يا أبي .. من فضلك دعنا نرحل .
كرر الوالد بحزم :
لا
كلمة " لا " هوت مثل قضيب حديدي على ظهر سورنجان . لقد كان يعرف طوال الوقت أن محاولاته لن تسفر عن شيء . كان الوالد عنيدا و شديد التمسك بأفكاره , حتى أنه ليس هناك وسيلة يمكن بها أن تهزه . يمكن أن يركل و يضرب و لكنه لن يخلع جذور نفسه عن أرض وطنه . يمكن لثعابين و عقارب هذه الأرض أن تلدغه و لكنه سيظل يسقط عليها . توقفت كيرونموي عن البكاء , كانت تحدق الآن باستغراق إلى صورة رادها-كريشنا في ركن الغرفة . بدا أنها تصلي للرب كريشنا , من أجل حياة خالية من الهم و القلق و عدم الأمان و العذاب و الموت . بدا سورنجان و كأنه محكوم عليه وحده بالسباحة ضد تيار اليأس . نزل الليل . في آخر الليل تكسرت فوقه موجة كاسحة من الإحساس بالوحدة . ليس بمقدوره أن يقول عن أي شخص أنه ملكه , ليس هناك أحد يعتمد عليه , كان غريبا في وطنه . فهمه , بصيرته و إحساسه بالعالم كانوا يتلاشون إلى لا شيء . بدا كما لو لأنه قد وصل إلى آخر طريقه تقريبا ...
بدوا جميعا و كأنهم ينتظرون حدوث شيء فظيع في حياتهم , الآن , ليس من أجل مايا , ولكن من أجل مستقبله هو , كان قلبه يدق متسارعا بالخوف و الترقب .
كانوا وحدهم جميعا , وحدهم تماما .. بالتأكيد معارفهم و أصدقائهم المسلمون قاموا بزيارتهم من وقت لآخر , ولكن لم يمنحهم أحد الإحساس بالاطمئنان على أن الحياة مأمونة في هذا البلد . لا أحد كان بإمكانهم أن يقول لهم :" لا داعي للقلق . لا تنحنوا تحت ضغط الخوف , يمكنكم السير بأمان و العمل بلا خوف و الضحك من القلب و النوم في سلام ."
كان سورنجان يتقلب طوال الليل في فراشه .
|
|
02-16-2006, 10:18 PM |
|
{myadvertisements[zone_3]}
eyad 65
عضو متقدم
   
المشاركات: 689
الانضمام: Sep 2004
|
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الثـــــــــــــــــــــــــالث عشـــــــــــــــــــــــر
أخيرا نام سورنجان في ساعات الليل الأخيرة . وفي نومه اجتاحه حلم غريب . كان يمشي وحيدا جوار النهر . وأثناء سيره جاءت موجة عالية و سحبته إلى العمق . حاصرته دوامة وبدأ في الغرق ببطء . كان يريد النجاة ولكن لا أحد كان هناك ليجره إلى الشاطىء . و أثناء غرقه في هذه المياه العميقة وجد نفسه يتصبب عرقا .
في اللحظة الأخيرة لمسته يد رقيقة و أيقظته . كان يائسا و مرعوبا وهو يغرق في الدوامة ولا أحد يسمعه ,و اكتشف , في اخر لحظة يد انتدت لإنقاذه فأمسك بها بكل قوته .
عندما استيقظ تماما , وجد أن ما يمسك به لم يكن سوى يد والده القوية , بمساعدة زوجته , استطاع أن يمشي حتى سرير سورنجان , حيث كان يصرخ ولده تحت وطأة الكابوس . جلس الا ممسكا بابنه , وعيناه تشعان بضوء غريب ز
ألي
قفز سؤال أخرس داخل قلب سورنجان . الفجر أشرق تقريبا ومن خلال شقوق النافذة كان يتسلل ضوء الشمس . قال الوالد :
هيا و فلنرحل
قال سورنجان باستغراب :
إلى أين سنرحل يا أبي ؟
إلى الهند
كان صوته يتكسر و الخجل يغمره , ولكنه نطق بها , أجبر نفسه على قولها . أجبر نفسه على أن يقول أنهم راحلون . وأدرك أن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يجب أن ينتهي بها الأمر , لأن الجبل القوي الذي بناه داخل نفسه كان يتضاءل يوما بعد يوم
النهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــايـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة
|
|
02-16-2006, 10:19 PM |
|
{myadvertisements[zone_3]}
|