إبراهيم
بين شجوٍ وحنين
    
المشاركات: 14,214
الانضمام: Jun 2002
|
« لماذا لست مسيحيّ » لـ برتراند رسل
نبذة عن الكاتب : اللورد برتراند راسل ( 1872 – 1970 ) عالم رياضيات , ومنطقي إنجليزي . وأحد المناضلين الإنسانيين في الغرب . رفض التجنيد في الحرب العالمية الأولى وحرض المواطنين الإنجليز على العصيان وقد دخل السجن نتيجة لذلك . كما قام برتراند راسل بكتابة عدد من المقالات مندداً بسياسة الإتحاد السوفييتي القمعية عام 1921 . وناضل برتراند راسل من أجل حقوق المرأة في بريطانيا , خصوصاً حق التصويت والترشيح والمشاركة السياسية , وكذلك حق المرأة في الحرية الجنسية بلا زواج . كما تم سجنه للمرة الثانية في منتصف الستينات وهو في التسعينات من العمر أثر تشكيله لمحكمة حملت إسمه وشاركه فيها مجموعة من المثقفين أمثال كين كوتس و جان بول سارتر وسيمون ديبفوار وجيمس بولدوين وغيرهم , وكان هدف هذه المحكمة إدانة الاجتياح الأمريكي لدولة فييتنام . وألّف برتراند راسل قرابة السبعين كتاباً في الفلسفة والرياضيات والسياسة والأخلاق والاجتماعيات , واعتبرت كتبه العلمية ثورة في المنهج التحليلي والمنطقي . وقد حاز راسل على جائزة نوبل في الأدب عام 1950 .
ملاحظة في المقدمة : لقد قام راسل بإلقاء المحاضرة في السابع من مارس للعام 1927 وذلك إبان حضوره لأحد مؤتمرات المنظمة العلمانية البريطانية National Secular Society في لندن . وتمت طباعتها في منشور بنفس السنة
لماذا لست مسيحياً ؟
كما أخبركم رئيس المؤتمر , فإن المادة التي سأقدمها لكم في هذه المحاضرة هي "لماذا لست مسيحياً ؟ " . ولربما في مستهل هذه المحاضرة سأحاول أن أوضح معنى كلمة "مسيحي" . وهي المفردة التي يتم استخدامها بسطحية كبيرة لدى شريحة عظمى من الناس . البعض يظن أن كلمة مسيحي تعني "الشخص الذي يسعى لحياة أفضل" , وبهذا المنطق , سيكون المسيحي حاضراً في كل الأديان والمذاهب . ولكنني لا أعتقد أن هذا هو المراد من كلمة مسيحي , لأنها تعني عند معتنقيها أن غير المسيحيين كالبوذيين والكونفوشيوسيين والمسلمين , هم ممّن لا يسعون إلى حياة أفضل . إنني لا أقصد بالمسيحي الشخص الذي يعيش تحت تنويراته الخاصة والذاتية . إنه يتعين عليكم أن تؤمنوا بأشياء محددة قبل أن تملكون الحق في إسباغ المسيحية على أنفسكم . فكلمة مسيحي لا تملك نفس الصخب الذي كانت تملكه على أيام القديس أوغسطين وتوما الإكويني . ففي تلك الأيام , إذا صرح أحدهم بمسيحيته , فإنه يعني بها ما بداخله من إيمان . إنك ملزم بقبول جميع الشعائر والفروض التي تتألف منها منظومة الفكر المسيحي وبدقة , وفي كل مذهب منها ستكون متشدداً ومتيقناً من معتقداتك .
من هو المسيحي ؟
في هذه الأيام صار الأمر مختلفاً , ثمة غموض يكتنفنا ونحن نتحدث عن المسيحية . وأرى أن هناك شيئين ضروريين يجب أن يتوفرا لدى كل شخص يدّعي أنه مسيحي الآن . الشيء الأول هو أن تتعصب – فطرياً - لمقولة أن الله موجود وأن ثمة أبدية . فإذا لم تؤمن بالله والأبدية , فإنك لن تكون مسيحياً البتة . وخلاف هذا , وكما يتضمن الإسم "مسيحي" , فإنه يتعين عليك أن تؤمن بأشياء معينة بحيال المسيح . إن المسلمين , على سبيل المثال , يؤمنون بالله والأبدية , ولكن لا يمكن أن يسبغوا على أنفسهم صفة المسيحية . إنه يتعين عليك , ولو بشكل طفيف جداً , أن تؤمن بأن المسيح هو أكثر الرجال حكمة على مر التاريخ , في حال لم تؤمن بألوهيته طبعاً . فإذا لم تؤمن بألوهيته , أو حكمته المطلقة على الأقل , فإنك لست بمسيحي ولا تملك الحق في إسباغ هذه الصفة على ذاتك . وبالطبع , هناك منطق آخر , يمكن أن تقرأونه في بعض الكتب الجغرافية , وهو أن تعداد العالم في ذلك الوقت ( أي العصور الوسطى ) كان مقسماً آنذاك إلى طوائف شتى , مسيحيون ومسلمون وبوذيون وبعض أتباع الشعوذات وهلم جرا . وبهذا المنطق سنكون جميعنا مسيحيين أيضاً , فكتب الجغرافيا تعتبرنا كذلك , وهو منطق جغرافي أفترض أنه يمكننا جميعاً أن نتجاهله . إنني حين أقول بلا مسيحيتي فإنني أحدثكم عن أمرين مختلفين : الأول هو .. لماذا لا أؤمن بالله والأبدية . وثانياً .. لماذا لا أجد المسيح أفضل الحكماء , مع أنني أجده على درجة عالية من الأخلاق الدينية .
وبسبب الجهود الناجحة للملحدين في الماضي في تعريف المسيحية , فإنني لن أخاف من أي تعريف مسيحي بهذا الاعتبار . وكما قلت مسبقاً , في الماضي كانت كلمة مسيحي لها رنين قوي . فعلى سبيل المثال , كان المسيحي القديم يؤمن بالجحيم , إنه يؤمن بنار أبدية كانت تشكل إيماناً أساسياً وجوهرياً لدى كل مسيحي حتى أوقات قريبة جداً . وفي هذا البلد ( يقصد بريطانيا ) وكما تعلمون , أصبح الإيمان بالنار الأبدية شيئاً غير أساسي في المعتقد المسيحي , بعد القرار الصادر من مجلس الملكة . وبعد هذا القرار كان مطران كانتربوري ومطران يورك قد أعلنا معارضتهما لهذا القرار الملكي . ولكن في بلدنا يتم تحريك الدين عبر القرارات البرلمانية , ولهذا فقد كان المجلس الملكي قادراً على أن يسيطر على المسيحية , وأن يتم إلغاء الإيمان بالنار كجزء أساسي من معتقدات المسيحيين . إذاً , سوف لن أصر على اعتبار المسيحي رجلاً يؤمن بالنار .
وجود الله
إذا أردنا أن نقترب من السؤال المتعلق بوجود الله فسنجده سؤالاً ضخماً وخطيراً . وإذا كنت أنوي معالجة الأمر بشكلٍ صحيح , فيجب أن تسمحوا لي بمعالجته بإيجاز واقتضاب . إنكم تعلمون أن الكنيسة الكاثوليكية قد وضعت الله كمرتكز إيماني تقوم على أساسه المسيحية , وهذا الإيمان لا يتم التطرق له بالوسائل المنطقية . إن هذه العقيدة تثير الفضول , ورغم هذا تظل عقيدة الكاثوليك الرئيسية . لقد اضطروا إلى أن ينشئوها , لأنه في وقت من الأوقات كان المفكرون المتحررون يدخلون في جدالات شتى كان سببها البحت هو الله ومحاولة هؤلاء المتحررين نفي وجوده , وهم – أي المتحررون – يعرفون في أعماقهم أن الله موجود في الإيمان فحسب , ولقد طالت مدة هذه الحوارات وامتدت لوقتٍ ليس بقصير , وشعرت الكنيسة الكاثوليكية أن الوقت قد حان لإيقاف هذا الجدل . ولهذا فقد أقرّت الكنسية أن إثبات وجود الله يتم عبر أسباب جدلية , وهي الأسباب التي ظنّوها قادرة على إثبات وجود الله , وهناك عدد كبير من هذه الفرضيات , ولكنني هنا سأستعرض القليل منها .
الجدال حول المسبب الأول
لربما كانت قضية المسبب الأول هي أسهل وأكثر النظريات قابلية للفهم . وهي تعني أن كل شيء نراه في هذا العالم له سببه , وعندما تذهب إلى أبعد حلقات هذه السببية ستجد المسبب الأول وهو ما يسمى ب"الله" . إن هذه الفرضية , باعتقادي , لا تحمل مصداقية قوية هذه الأيام , لأنه , وفي المقام الأول , السبب ليس واضحاً كما يتصوره البعض . إن الفلاسفة ورجال العلم خاضوا في هذه السببية , وهي ليست بالصلاحية المرجوة منها والتي كانت تؤتي أكلها في الماضي . ولكن , وبمعزل عن كل هذا , سنجد أن فرضية السببية ليست على مستوى عالٍ من المصداقية . لربما قلت أنني حين كنت شاباً , كنت أجادل بخصوص هذه الأسئلة بكل ما أوتي عقلي من طاقة , ولقد قبلت لوقت طويل بفرضية المسبب الأول , حتى جاء اليوم الذي تخليت عن هذه الفرضية , وذلك بعد قراءتي لسيرة حياة جون ستيوارت ميل , حيث قال فيها : " لقد علمني والدي إجابة السؤال عمّن خلقني . وبعدها مباشرة طرحت سؤالاً أبعد من هذا , من خلق الإله ؟ " . إن هذه الجملة القصيرة , علمتني , إلى الآن , كيف أن مبدأ المسبب الأول هو مبدأ مغالط ومسفسط . فإذا كان لكل شيء مسبب , فيجب أن يكون لله مسبب أيضاً . وإذا كان كل شيء بلا مسبب , فسيكون العالم هو الله ! لهذا وجدت أنه لا مصداقية في هذه الفرضية . إنها تماماً مثل الفرضية الهندوكية , والتي تقول أن العالم رقد على ظهر فيل , وأن الفيل رقد على ظهر سلحفاة , ثم حين يُقال , وماذا عن السلحفاة ؟ يبادر الهندي بالإجابة : " دعنا نغير الموضوع ! ". إن السببية ليست بأفضل حالاً من السلحفائية . إننا لا ندرك السبب الذي من أجله جاء العالم بلا سبب , وكذلك في الضفة المقابلة , لا نستطيع إدراك لماذا كانت السببية غائبة وغير موجودة على الدوام . إنه لا يوجد أي داعٍ لنفترض من خلاله أن العالم له بداية . إن فكرة وجود بداية لكل شيء سببها فقر مخيلتنا عن هذا العالم . ولهذا , على الأرجح , لن أهدر مزيداً من وقتي وأنا أجادل عن السبب الأول .
الجدال حول القانون الطبيعي
هناك أيضاً جدل شائع يدور حول القانون الطبيعي . لقد كان هذا الجدل هو الموضوع المفضل لدى المجادلين طيلة القرن الثامن عشر , تحت تأثير نظريات السير إسحاق نيوتن وآراءه عن نشوء الكون . لاحظ الناس أن الكواكب تدور حول الشمس وفقاً لقانون الجاذبية , وظنوّا أن الله أعطى الضوء الأخضر لهذه الكواكب كي تتحرك وفق هذه الآلية . لقد كان هذا , بالتأكيد , تفسيراً ملائماً ومبسطاً أراحهم من المتاعب التي سيخوضونها
– مستقبلاً – في محاولة فهم وشرح القوانين المابعد جاذبية . وفي هذه الأيام , نحن نشرح قانون الجاذبية بأسلوب أكثر تعقيداً عبر آينشتاين ومقولاته . سوف لن أعطيكم محاضرة عن آراء آينشتاين بهذا الخصوص لأن هذا يستلزم وقتاً أطول , ولكن بصفة عامة , لا نحتاج من الآن فصاعداً أن نلجأ لدراسة القوانين الطبيعية وفقاً للميكانيكا النيوتنية , والتي عبرها , ولأسباب لا يستوعبها الجميع , كان نيوتن يفترض أن الطبيعة تسير بشكل تماثلي وتجانسي . لقد اكتشفنا الآن أن كل ما كنا ندعوه بالقوانين الطبيعية ليست سوى قناعات بشرية . كذلك كان ثمة أشياء كبرى نعتقدها قوانين طبيعية وسرعان ما تلاشت . وعلى الطرف الآخر , عندما نتطرق إلى أية معلومة تتعلق بالذرة وحركتها , سنجد أنها – أي المعلومة – أقل تماسكاً من أن تكون قانوناً , وحال القوانين التي نصل إليها , تكون ليست بأكثر من كشف لبعض الفرص النظرية . وهناك , كما تعرفون , قانوناً ينص على أنكم لو رميتم نردين فستحصلون على الرقم ستة مرتين بمعدل مرة واحدة في كل ستة وثلاثين رمية , ونحن لا نستطيع اعتبار هذا دليلاً عن أن رمي النرد هو شيء تم التحكم به من قبل الرامي . وعلى النقيض , إذا كانت رقمي ستة يأتيان في كل مرة نرمي بها النردين , فسنقول حينها أنه بالفعل كان هناك ثمة تصميم من قبل الرامي عن عمد . إن قوانين الطبيعة هي على هذا النحو في معظمها . إنها معدلات إحصائية تنبثق عنها قوانين الصدفة , وهذا مايجعل من مسألة القانون الطبيعي أقل إدهاشاً لنا مما كنا نتخيله عنها في السابق . وبعيداً عن هذا ,ووفقاً للحالة العلمية المؤقتة والقابلة للتغير من الغد , فإن فكرة القانون الطبيعي تنطوي على مانح لهذا القانون , وهذا يكشف الخلط والاضطراب بين القانون الطبيعي والقانون البشري . إن القوانين البشرية تأمركم بالتصرف بطريقة معينة , أو بأي طريقة تودون أن تتخذوها , أو كيف تودون أن تتخلوا عنها , ولكن القوانين الطبيعية ليست بهذا الحال , فهي تصف لكم كيفية تصرف الأشياء , وتصف لكم الظروف التي على أثرها تعرفون مالذي يحدث . إنكم لا تقوون على الجدال عمّن يأمر هذه الأشياء بالتصرف بطريقتها , لأنه حتى وإن افترضتم وجود الآمر فإنكم لا تلبثون أن ترتطموا بسؤال آخر : لماذا قضى الله هذه القوانين ولم يقض غيرها ؟ وإذا قلتم ببساطة أنه فعل ذلك بمحض مشيئته المزاجية والتي هي بدون سبب , فإنكم وقتها ستصادفون أن هذا الشيء ليست بالموضوع الطبيعي , وسيتم إيقاف قطار القانون الطبيعي . وإذا قلتم كما يقول الأرثوكسيون منكم , أن الله في كل القوانين التي اقتضاها دون غيرها لأسبابه التي يحتفظ بها - فإن السبب بهذه الحالة – سيكون خلق الكون بأجمل حلة . مع أنكم لن تفكروا بتاتاً بالنظر إليها , إذا كان ثمة سببٍ للقوانين التي قضاها الله , فإن الله سيكون مادة للقانون الطبيعي , وهذا يعني أنه لا مبرر لافتراضكم أن الله وسيط بين الطبيعة وقوانينها . إن لديكم حقاً تصوراً سابقاً وخارجاً عن الإرادة الإلهية , إن الله لا يخدم أغراضكم , لأنه ليس المانح النهائي للقوانين . وباختصار , فإن هذه الجلبة عن القوانين الطبيعية لم تعن بعد الآن أي شيء كانت تعنيه في السابق . إنني أسافر عبر الزمن لأستعرض تاريخ هذه المجادلات , وأجد أنها تقوم بتغيير شخصية الله بمرور الوقت , لقد كان هناك ثمة جدالات فكرية تخوض بهذا المجال , وخلقت من ورائها سفسطات وتصورات خاطئة . وحين نتقدم بالزمان إلى الأزمنة الحديثة فإن هذه الجدالات تذبل وتفقد احترامها , وتسبب التشويش والمزيد من الغموض .
الجدال حول التصميم
الخطوة التالية من استعراضي للفرضيات لابد أن توصلني إلى جدلية التصميم . إنكم تدركون جميعاً أن فرضية التصميم تقتضي أن كل شيء في هذا العالم تم تصميمه من أجل أن نعيش وفقاً له , ولو أن العالم اختلف قليلاً عن صورته الحالية لما استطعنا أن نعيش فيه . هذه هي جدلية التصميم , إنها تكتسي بحلة من الفضول , ولنفترض فرضاً , أن ثمة أرانب تملك ذيولاً بيضاء كي يسهل علينا اصطيادها , لا أعرف كيف ستتصرف الأرانب وفق هذا النظام ؟ إنه أمر يبعث على السخرية . لابد أنكم تعرفون نكتة فولتير , وهو أن الأنف موجود من أجل الرؤية ! إن هذا النوع من الآراء لم يتحول فقط إلى علامة من علامات القرن الثامن عشر , لأنه منذ مجيء داروين بدأنا نفهم بشكل أوضح لماذا تتكيف الكائنات الحية مع بيئاتها . وهذا يعني أن البيئة ليست هي
من تكيف نفسها من أجل الكائنات , لأن الكائن هو من يكيف نفسه وينمو مرتبطاً بظروف بيئته , وهذه هي قاعدة التكيف البيئي , ولا يوجد أي دليل على التصميم فيها .
عندما تلقون نظرة إلى فرضية التصميم , ستجدونها الأكثر جذباً لانتباه الناس حيث يؤمنون بها وتكسو عيونهم وتشرح لهم هذا العالم , وبكل تفاصيل هذه الفرضية , بكل زللها وخللها , ستجدونها الأكثر صموداً وشمولية بين الناس لآلاف السنين . إنني بصدق لا أؤمن بهذا . وإذا كنتم متأكدين من أن الله يحيط بهذا الكون ويبدعه ويحاول تجميله لملايين السنين , فلماذا لم ينجب أفضل من جماعة كوكو كلاكس كان , أو الفاشيون , أو السير وينستون تشرتشل ؟ حقاً إنني لا أشعر بأي جمال في هذا , خصوصاً حين يتقدم أحدهم ويقول لي : " أنظر أي كائن رائع هو أنا , أنا أفضل كائن في الوجود على الإطلاق " . حقاً إنني لا أجد أي شيء مبهر عن جمال هذه الأشياء , فضلاً عن ذلك , إذا قبلتم بالقوانين العلمية المعهودة , فيجب أن تدركوا أن الحياة على سطح هذا الكوكب هي عرضة للموت بشكل حتمي . إن الحياة ومضة في قعرٍ سحيق , أو طور من أطوار الاضمحلال في النظام الشمسي , وفي نقطة معينة وسط هذا الاضمحلال , تملكون أن تتكيفوا مع الحرارة , وهي التي تناسب نمو البرتوبلازما وقتياً , ثم لا تلبث أن تزول وتموت , هذه هي الحياة القصيرة التي ننعم بها داخل النظام الشمسي . تستطيعون أن تلاحظوا في القمر صورة الأرض الميتة , والجامدة , والخاوية من أي شيء .
إن هذه الآراء محبطة للكثيرين , والناس إذ يخبرونكم أنهم لن يملكوا القدرة على العيش من بعد , فلا تصدقونهم , إن هذا بلا منطق , فلا أحد سيقلق على مصير الأرض لملايين السنين نتيجة لذلك . حتى وإن تصوّروا أنهم يقلقون كثيراً حيال هذا الأمر , إنهم حقاً يخادعون أنفسهم , إنهم يقلقون عن أشياء دنيوية وطبيعية , وقد لا تكون إلا هضماً عسيراً للحقائق . حقاً إنه لايوجد شخص واحد أعلن قلقه واستياءه من مصير الحياة لملايين السنين . وعلى الرغم من أن نظرتنا ستكون بائسة حيال الموت بعد أن ندرك حتميته , وفي بعض الأحيان , حين أتأمل وأستبصر في أحوال الناس وشؤونهم , فإنني أراها تعزية وسلواناً لهم . إن القصد من حديثي ليس إسباغ البؤس على الحياة , وإنما تنويه – فقط – من أجل لفت الأنظار إلى مواضيع أخرى متوارية عنا .
الجدال حول الأخلاق الدينية
والآن سوف نصل إلى خطوة أبعد وهي ما سأسميها التطور الفكري لمجادلات الدينيين , وهو ما يفضي بنا إلى الجدال حول وجود الله بالنهاية . إنكم لتعلمون حقاً , أنه في الأيام الخوالي كانت النقاشات عن وجود الله تتمحور حول ثلاثة أشراط فكرية , وكلها قد تم تنظيمها والتطرق لها من قِبل إيمانويل كانط في كتاب ( نقد العقل المحض ) . وقد خلص إلى ابتكار جدليته الخاصة عن الأخلاق , وقد اقتنع بها أشد القناعة . لقد كان كالعديد من الناس , ففيما يخص المسائل الفكرية كان متشككاً , ولكن فيما يخص الأخلاق فهو مؤمن ضمنياً بالمآثر التي تشرّبها وآمن بها في بداية حياته . وهذا يوضح ما شدد عليه المحللون النفسيون من أن التأثير الرهيب لنشأتنا في الطفولة يمتد إلى المستقبل البعيد .
إن كانط , وكما أقول , قد ابتكر جدلية أخلاقية جديدة تتعلق بوجود الله . وكانت جدليته متشكلة على هيئة صور عديدة من الأفكار التي كانت سائدة بشكل واسع إبان القرن الثامن عشر , وقد كانت على صيغٍٍ شتى . فهناك صيغة تقول أنه لاوجود للخير والشر مادام الله غير موجود , وأنا هنا لست معنياً بالتحقيق عما إذا كان هنالك ثمة اختلاف بين الخير والشر أم لا , فهذا سؤال آخر , ولكنني معني بطرح السؤال الآتي : إذا كنتم واثقون من وجود الاختلاف بين الخير والشر , فإنكم ستكونون عالقين في موقف وهو : هل هذا متوقف على كينونة الله ؟ فإذا كان هذا متعلقاً بها , فهذا يعني أن الله لا يكترث بالاختلاف بين الخير والشر , ويعني أنه لا يوجد أي فحوى حقيقية عن طيبة الله . وإذا كنتم ستتخذون نفس موقف اللاهوتيين , أن الله طيب , فعليكم أن تعترفوا أن الخير والشر يملكان نفس المعنى وأنهما مستقلان عن كينونة الله , لأن كينونة الله طيبة حسب تصوركم وأيضاً كما خلقها . كما أنكم مجبرون حينئذٍ أن تقولوا أنه ليس بواسطة الله يأتي الخير والشر إلى الوجود , بل يكونان في جوهر منطقهما سابقين على وجود الله . وبالطبع – إذا كنتم ترضون بهذا – ستستطيعون أن تقولوا أن ثمة كائن متعال يقوم بإملاء أوامره على الإله الذي صنع هذا العالم . أو أن تتخذوا نفس موقف اللا أدريين – وهو الموقف الذي لطالما وجدته معقولاً – وهو أن هذا العالم قد تمت صناعته من قبل الشر في اللحظة التي كان الله فيها غافلاً . هناك آراء من الممكن أن تقال دائماً حيال هذا الأمر , وأنا لست معنياً بدحضها .
الجدال حول العدالة والظلم
هناك أيضاً قضية مثيرة لفضولنا فيما يتعلق بإشكالية الأخلاق , وهي أن البعض يقولون بأن وجود الله ضروري من أجل تحقيق العدالة في هذا العالم . في الحقيقة , هناك جزء من هذا الكون نعرف فيه يقيناً أنه يوجد قدر كبير من الظلم و الكثير من المعاناة . وإذا كنتم ترغبون في إحقاق العدالة فعلاً , فإنكم ملزمون بالتفكير في المستقبل وتحديث طرق المعيشة هنا في كوكب الأرض , وكما يقولون عن ضرورة الله , أو كما يقولون عن وجوب افتراض الجنة والنار من أجل تحفيز الناس على تحقيق العدل في الأمد البعيد , فإنني أرى هذا مثيراً للتساؤل , فإنكم لو حللتم الموضوع بنظرة موضوعية , فستقولون : " بالنهاية .. نحن لا نعي غير هذا العالم . ولا نفقه شيئاً عن بقية الكون . وحتى الآن , مادام أن ثمة شخص قادر على الجدال حول كافة الإمكانيات والاحتمالات , فإنه سيقول أن هذا العالم الصغير هو عينة كافية , وأنه إذا وُجد الظلم هنا , فلسوف يوجد في أي مكان بالكون " . ولنفترض أن أحدهم حصل على صندوق برتقال وقام بفتحه , ووجد أن البرتقالات العليا في الصندوق كانت فاسدة , فإنه لن يجادل , وربما سيقول أن البقية فاسدة , هذا ما سيقوله الشخص الذي يفكر بعلمية لأن هذه البرتقالات عينة الصندوق وتحتل الموقع الأعلى منه . وهذا ينطبق على الكون , إننا هنا نجد قدراً عالياً من الظلم , وهذا سبب أكثر من كافٍ كي نقول أن العدالة لا تحكم شيئاً من هذا العالم . وهذا ما يرد على ادعاءات الألوهيين . وبالتأكيد , لقد كانت النقاشات التي تحدثت بها إليكم هي ليست في الواقع من يتحكم بالناس ويدفعهم للإيمان بالله . إن مايجعل الناس يؤمنون بالله ليس المسائل الفكرية على الإطلاق . إن أغلبية المؤمنين بالله قد تم تلقينهم أن يفعلوا ذلك منذ سن مبكرة , وهذا هو السبب الرئيسي وراء إيمانهم .
وأعتقد أن السبب الثاني الرئيسي وراء إيمان البشر بالله هو أمنية الإنسان بالسلامة , إنه الشعور بأن لك أخاً أكبر يقوم برعايتك وحراستك . وهذا يلعب دوراً هائلاً في التأثير على رغبة الناس في إيمانهم بالله .
شخصية المسيح
والآن أريد أن أصرح بكلمات قليلة عن موضوعٍ لا أرى أنه لم يتم التطرق له بشكلٍ وافٍ من قبل المفكرين العقلانيين , وهو موضوع المسيح , هل هو أكثر البشر حكمة كما يقال أم لا ؟ لقد تم الأخذ بالاعتبار واليقين دائماً أن المسيح هو الأكثر حكمة وأنه يجب أن نتفق على هذا . ولكنني لا أؤمن بهذا الشيء , ثمة نقاط أتفق فيها مع المسيح أكثر من أي شخص يدعي المسيحية , ولكنني بنفس الوقت لا أستطيع أن أؤمن بكل ما قاله على طول الخط , وسأذهب مع المسيح إلى أبعد نقطة معه أكثر من أي مدعي للمسيحية . سوف تتذكرون أن المسيح قال : " لا تقاوموا الشر , بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً " . إن هذا ليس بالكلام الجديد أو بالمبدأ المسيحي , إنها مقولة استخدمها لاوتسي وبوذا قبل المسيح بخمسمائة أو ستمائة سنة قبل المسيح . وهذه هي الحقيقة التي لن يقبلها المسيحيون . ولا يوجد لدي أي شك من أن رئيس الوزراء الحالي هو مسيحي مخلص , ولكنني بنفس الوقت لا أنصح أياً منكم في أن يذهب ويصفعه على خده ! وأعتقد أنكم ستجدون أن هذه المقالة سيفهمها هو على أنها مصاغة وبتعمد على النمط المجازي .
وهناك نقطة أخرى أجدها ممتازة لأن أتطرق لها , إنكم تتذكرون جيداً أن المسيح قال : " لا تدينوا لكي لا تدانوا " . إن هذا المبدأ سوف لن تصادفوه في المحاكم المسيحية . لقد شهدت في حياتي العديد من المحاكمات المعقودة من قبل مسيحيين مخلصين واضطهدوا فيها خصومهم , وأثناء محاكماتهم لم يشعروا أنهم قد ناقضوا المسيحية بشيء . إن المسيح يقول : " من سألك فأعطه , ومن اقترض منك فلا ترده " . إن هذه أيضاً مقولة نبيلة , ولقد نبهكم رئيس المؤتمر أنني لن ألج بحديثي عن السياسة , ولكنني في الوقت ذاته لا أستطيع أن أنكر ملاحظتي أنه في الإنتخابات العامة الأخيرة كان ثمة معركة عن الجزء المتعلق بـ" بالاقتراض" فلا أحد يقرض أحداً , ولهذا فإنه يحق لي أن أتأكد من أن الليبراليين والمحافظين في هذا البلد لا يتحمسون لفكرة المسيح بدليل أنهم ألقوا بنصائحه خلف ظهورهم .
وهناك أيضاً قول مأثور عن المسيح وهو يحمل مضموناً مهماً , ولكنه لا يلقى شعبية كبيرة لدى أصدقائنا المسيحيين , فالمسيح يقول: " إن أردت أن تكون كاملاً , فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء , ويكون لك كنز في السماء , وتعال واتبعني " . إن هذه أثر رائع , ولكن كما صرحت , الأغلبية لا تطبق هذا الأثر . إن كل هذه المقولات المنحولة للمسيح هي نبيلة , على الرغم من صعوبة العيش بها , وأنا شخصياً لا أدعى أنه يمكنني ذلك , ولا أرى أن المسيحي يمكنه ذلك أيضاً .
الخلل في تعاليم المسيح
لقد أكدّت على إيجابية بعض تعاليم المسيح قبل قليل , إلا أنني سآتي على ذكر بعض التعاليم التي لا يستطيع أحدهم أن يبرهن على حكمتها أو ارتباطها بأي شيء إلهي ومسيحي كما تم تصوير ذلك في الأناجيل , وأعتقد أنه لم يهتم أحد بتحليل السؤال التاريخي عن شخصية المسيح , فمن ناحية تاريخية , يساورنا الشك في وجود المسيح أصلاً , وإذا ما كان موجوداً فإننا لم نكن لنعرف أي شيء عنه , فلهذا لن أحلل السؤال التاريخي نظراً لصعوبته . بل سأكتفي بتحليل المسيح كما ورد في أسفار الإنجيل وإصحاحاتها , متخذاً من الروايات الإنجيلية مصدراً لي , وسأقتطع بعض الحبكات التي لا أجد فيها أي حكمة بالنسبة لي . لسبب أو لآخر , لقد ظنّ المسيح أن قدومه الثاني سيتحقق قبل ممات كل البشر في ذلك الوقت . وهناك الكثير من الآيات تدلل على هذا الظن , منها كما ورد : " ومتى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى . فإني الحق أقول لكم : لا تملكون مدن اسرائيل حتى يأتي بني الإنسان" . وهناك الكثير من الأماكن التي ظنّ فيها المسيح أنه سيظهر فيها حسب التوقيت الزمني للعديد من الأحياء آنذاك . لقد كان هذا إيمان معاصريه الذين آمنوا بقدومه , وكان هذا هو الأساس الأخلاقي لتعاليمه , ولكنه لم يظهر . كذلك قال المسيح : " فلا تهتموا للغد , لأن الغد يهتم بنفسه" وأشياء من هذا القبيل نجدها في الإنجيل , وهي تبشر بقدومه الثاني متنبأً أنه سيحدث في فترة قريبة آنذاك , ولكنه لم يأتِ في الفترة التي وعد بها , ورغم هذا فمازال العديد ينتظرونه . لقد عرفت بعض المسيحيين ممّن يتوقعون عودة المسيح الثانية قريباً , وأعرف شخصاً كان يرعب الحشود بطريقة وعظية مخبراً إياهم بدنو ظهور المسيح الثاني وكان على سيماه اليقين , ولقد وجد العزاء من قبل الحضور الذين تجاوبوا معه ومع مواعظه . لقد صدّق المسيحيون القدماء هذه التعاليم , وتجنبوا الشك فيها , لأنهم وجدوا أن عودة المسيح قريبة . إن هذا يكشف أن المسيح لم يكن حكيماً حينما بشر بقرب مقدمه , وإنه لم يكن على قدرٍ عالٍ من الحكمة كما هو حال العديد من البشر العاديين , ولم يكن ذكاؤه عالياً أوإلهياً .
المعضلة الأخلاقية
نحن الآن بصدد التطرق إلى السؤال الأخلاقي , وهناك خلل في شخصية المسيح وجدته , ذلك لأنه وعد بالجحيم للكفار , إنني لا أتصور أن ثمة شخص يملك أخلاقاً إنسانية يمكن له أن يعد بعقوبة أبدية . إن المسيح بالتأكيد يوجد به خلل فاضح في الإنجيل نفسه لأنه يبشر بالعقوبة الأبدية , وسنجد باستمرار أن المسيح يعد بالسعير لكل من لا يصغي لدعواته , لقد فعل هذا بضراوة , وهذا الموقف لا نجده شائعاً لدى المبشرين الحقيقيين والدعاة , وهذا ينقِص من ألوهية المسيح . وعلى سبيل المثال , لن نجد مثل هذا الوعيد صادراً من سقراط , لأنه لا يعد مخالفيه بالجحيم بل سنجد أن سقراط كان متحضراً وإنسانياً مع الأشخاص الذين لا يوافقونه الرأي , وبتقديري الشخصي , كان سقراط أبعد من أن يكون شخصاً يستاء من مخالفة الآخرين له . إنكم لتتذكرون بعض الكلمات التي قالها سقراط وهو يحتضر , وإنكم لتتذكرون كلماته التي يوجهها للأشخاص الذين يختلفون معه في الآراء .
إن المسيح يقول في الإنجيل : " أيها الحيات أولاد الأفاعي ! كيف تهربون من دينونة جهنم ؟ " . إن هذا الكلام الصادر من المسيح كان موجهاً إلى أشخاص لم يؤمنوا بدعوته . إن هذا الكلام بتقديري ليس أسلوباً ملائماً , كما أن هناك العديد من الإشارات في الإنجيل تتحدث عن الجحيم . هناك الجملة الشهيرة التي تتحدث عن الخطيئة تجاه روح القدس , والمذكورة في الإنجيل والتي تقول : " ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له , وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له , لا في هذا العالم ولا في الآتي" . إن هذه الآية سببت مآسٍ وفجائع عظيمة في التاريخ تجاه الأشخاص الذين اتهموا بالإساءة لروح القدس , وكانت العقوبة ضدهم مبنية على أنه لا غفران لهم و يجب عقابهم في الدنيا والآخرة . إن أفقر الرجال إلى النبل لن تصل به الوحشية إلى أن يبتكر هذا النوع من الثأر .
كذلك يقول المسيح : " يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم , ويطرحونهم في أتون النار , هناك يكون البكاء وصرير الأسنان " . وهكذا يسترسل الإنجيل بوصف العويل وصرصرة الأسنان للكافرين , آية تلو آية , ولسوف يتضح لكل قارئ أن ثمة استمتاع عند الحديث عن عويل الكفار وصرصرة أسنانهم في السعير , وأن هذه اللحظات آتية لا محالة . وإنكم لتتذكرون الآية الإنجلية التي تتحدث عن الخراف والأجداء , وكيف أن المسيح في عودته الثانية سوف يفرق بين الخراف والأجداء , وسيقول للأجداء : " اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية" . ثم يتابع المسيح قائلاً : " النار المعدّة لإبليس وملائكته " . ومن ثم يقول المسيح مرة ثانية : " وإن أعثرتك يدك فاقطعها . خير لك أن تدخل الحياة أقطع من أن تكون لك يدان وتمضي إلى جهنم , إلى النار التي لا تطفأ . حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ " . إن المسيح يردد هذا مرات ومرات . إنني أرى أن أي معتقدٍ يعتمد على التهديد بالنار , لا يسعه إلا أن يكون معتقداً وحشياً , إنه معتقد يزف القسوة إلى هذا الوجود , ويهب الأجيال الإنسانية دهوراً من الرعب والخوف . وإذا ما أخذنا بالاعتبار أن المسيح هو نفسه الوارد في الأناجيل , فإنه يمكننا تحميله مسؤولية كل هذا الرعب والانحطاط .
ثمة أشياء أقل أهمية , مثال على هذا , قصة الخنزير في الإنجيل , وهي بالطبع قصة ليست باللطيفة مع الخنازير , حيث تمت التضحية بها بعد أن تلبسها لبوس الشيطان لتنجرف إلى البحر ومنه إلى الجحيم . عليكم أن تتذكروا أن المسيح يفترض به أن يكون لامتناهي الذكاء , كان قادراً على أن يقول للشياطين ببساطة ( اغربوا ) فيغربون , لكنه اختار أن يرسلهم إلى الخنازير . وكذلك كانت هناك قصة شجرة التين , والتي لطالما أثارت فضولي , إنكم لتتذكرون ما جاء فيها : " وفي الغد لما خرج من عنيا جاع . فنظر شجرة تين من بعيد عليها ورق , وجاء لعله يجد فيها شيئاً . فلما جاء إليها لم يجد شيئاً إلا ورقاً , لأنه لم يكن وقت التين . فأجاب يسوع وقال لها : لا يأكل أحد منك ثمراً بعد إلى الأبد " . ومن ثم يقول له بطرس : " يا سيدي , انظر ! التينة التي لعنتها قد يبست ! " . إن هذه القصة فعلاً مثيرة للاهتمام , فالشجرة كانت موسم لا ينبت فيه التين , وبالتالي لا نستطيع أن نلومها لأنها لم تنبت تيناً . إنني حقاً لا أجد أي حكمة ولا فضيلة في شخصية المسيح بالدرجة التي يحاول البعض تصويرها لنا عبر التاريخ . إنني مضطر أن أعتبر سقراط وبوذا أكثر حكمة من المسيح .
العامل العاطفي
كما أسلفت سابقاً , إنني لا أعتقد أن العامل الأساسي وراء قبول الأديان هوالمنطق الفكري , بل إن البشر يقبلون بالأديان لعوامل عاطفية بالأساس , لقد قال لي أحدهم أنه يجدر بي أن لا أهاجم الدين , لأن الدين يجعل من البشر طاهرين وفضلاء . إنكم تتذكرون الجلبة التي أحدثتها رواية صامويل بتلر والمعنونة بـ( Erewhon Revisited ) وهذه الرواية تتحدث عن شخصية هيجز الذي يسافر إلى بلدة نائية , وبعد إمضاءه لبعض الوقت هناك قرر أن يهرب بمنطاد مصنوع من البالون , وبعد عشرين سنة , ثاب إلى نفس البلدة , ووجد أن الناس كانوا قد ابتدعوا ديانة جديدة كانوا يعبدونه فيها , ويسمونه " ابن الشمس " . وقد آمنوا أن هيجز قد سافر إلى الجنة , ووجد أن موسم الاحتفال السنوي بصعوده إلى الجنة قد اقترب . وقد استمع خلسة إلى رجلين يتحادثان , وهما الكاهن هانكي والكاهن بانكي , ويقولان لبعضهما أنهما لم يحظيا بالفرصة لمقابلة السيد هيجز , وأنهما لا يرغبان أبداً بذلك , لأنهما كانا كهنة الديانة . شعر هيجز بالغيظ يملأ صدره , ثم ذهب إليهما , وقال .. سأكشف كل هذه الألاعيب , وسوف أخبر الجميع أنني لست إلا رجلاً سافر بالمنطاد فحسب ولست إلهاً لهم . ثم أجاب عليه الكهنة وقالوا : يجدر بك أن لا تفعل هذا , لأن كل أخلاقيات البلدة تأسست على هذه الخرافة , فإذا عرف الناس هنا أنك لم تسافر إلى الجنة سيجحدون أخلاقهم وينحطون . واقتنع هيجز بما قاله الكاهنان , وقرر أخيراً أن يمضي بصمت عن هذه البلدة .
إن هذه هي الغاية من فكرة أننا سنصبح منحطين إذا ما تخلينا عن الدين المسيحي . يبدو لي أن الأشخاص الذين تدينوا كانوا هم الأكثر ذنباً . ولسوف تجدون هذه الحقيقة على درجة من الخطورة , فكلما ازدادت قوة الدين وصلابته في أي عصر من العصور , ازدادت الوحشية والقسوة وانقطعت الصلة في علاقات البشر . ففيما يسمى بعصور الإيمان , عندما كان المسيحيون يؤمنون قلباً وقالباً بتعاليم المسيح , كان هذا هو نفس الوقت الذي انتشرت فيه محاكم التفتيش ذات الجرائم الشنيعة , وهو نفس الوقت الذي أُحرقت فيه ملايين النساء بتهمة الشعوذة , وهو نفس الوقت الذي مورست فيه كل أشكال البشاعة والعنف ضد الناس وبإسم الدين .
إنكم ستلاحظون في كل أنحاء العالم , أن كل دعوة للإنسانية , وكل تطور في مجال القانون , وكل دعوة لمناهضة الحرب , وكل دعوة لمناهضة العنصرية والعبودية , وكل دعوة إنسانية وأخلاقية حقيقية , ستلاحظون أن كل هذه الدعوات اتقفت كل الكنائس على محاربتها والتصدي لها بضراوة . إنني أصرح – وبكل ما أوتيت من ثقة – أن الدين المسيحي الممثل بكنائسه ومؤسساته , إنه هو الخطر الأكبر الممحق بأخلاق الإنسان .
كيف أعاقت الكنيسة التطور ؟
قد تظنون أن كلامي مليء بالمبالغات عندما أقول أن الكنيسة مازالت على حالها الاستبدادية , وأنا لا أعتقد أنني بالغت بشيء . سوف ألقي عليكم هذه الحقيقة , ويجب أن تكونوا صبورين حين أذكرها . إنها ليست بالحقيقة التي تجلب الفرح والحبور لكم , والكنيسة أحوج ما تكون لسماع مثل هذه الحقائق : تخيلوا أنه في العالم الذي نعيش في ظلاله اليوم كان ثمة فتاة يافعة تريد الزواج برجل مصاب بداء الزهري , في هذه الحالة ستقول الكنيسة الكاثوليكية : " إن هذا الزواج مقدس وأبدي , لهذا يجب أن تبقيا متزوجين للأبد " . ولن يحق للمرأة وفق المعتقد الكاثوليكي بأن تمنع نفسها من إنجاب أية أولاد من هذا المريض بل الواجب أن تنجب دون التفات للأضرار الصحية . هذا هو رأي الكنيسة الكاثوليكية , إنني أرى هذا التشريع في غاية الهمجية . فكل شخصٍ لم ترتبط عواطفه بالعصاب الديني ولم تمت أحاسيسه ومشاعره سوف يجد أن مثل هذا التشريع يجب أن يوقف وأن لا يستمر .
لقد ضربت لكم هذا المثال , وإن هناك الكثير من الممارسات الحالية للكنيسة تتذرع بما تسميه الأخلاق وتمارس عكسها ضد أشخاص يفترض بهم أن لا يعانوا من كل هذا . وبالطبع , وكما نعلم , ماتزال الكنيسة هي المعارض الأكبر لكل مشروع إنساني يحاول تقليص المعاناة البشرية .
الخوف كقاعدة صلبة للدين
الدين مؤسس في صميمه على الخوف أولاً وأخيراً , إنه الخوف من المجهول والغامض , وكما قلت , الدين يوهمك بأن لك أخاً كبيراً يراقبك ويرعاك ويقف معك في مشاكلك وأزماتك . إن الخوف هو أسّ الدين , الخوف من الغموض , الخوف من الهزيمة , والخوف من الموت . إن الخوف هو أبو الوحشية , ولهذا يجب أن لا نتعجب لماذا سار الدين والوحشية يداً بيد . ذلك لأن الخوف هو أساس هذين الشيئين ( الدين والوحشية ) . إننا بهذا العالم بدأنا نتعرف للتو عن أشياء جديدة , وبدأنا نسيطر عليها بمساعدة العِلم . والعلم انفصل عن المسيحية وقرر مواجهتها , كما قرر أن يواجه الكنيسة , وقرر أيضاً أن يواجه كل المقولات والآثار التراثية . إن العلم قادر على مساعدتنا على تخطي هذا الخوف الذي سيطر على عقول البشر لأجيال طويلة . إن العلم هو من سيجعلنا نتخطى عقدة الخيالات والبحث عن حلفاء وهميين في السماء . إنه وحده القادر على تحفيزنا بالعمل – هنا في الأرض – وجعل هذا الكوكب مناسباً لنا كي نعيش فيه , بدلاً من ذلك المكان المفترض الذي بشرتنا به الكنيسة طيلة قرون .
ماذا يجدر بنا أن نفعل ؟
نريد أن نقف على أقدامنا وأن ننظر للعالم بعيون واسعة , وأن نقول أن هذه حقائق جيدة , وتلك حقائق سيئة . ذاك قبيح وذاك جميل . أن ننظر للعالم كما هو وأن لا نخاف شيئاً . وأن نقهر الصعاب عبر الذكاء وأن لا نتخذ من الخوف النابع من الدين سيداً لنا . إن التصور الإلهي بكامله مستوحى من الدكتاتورية الشرقية القديمة . إنه إيمان لا يليق بالرجال الأحرار . ففي الكنيسة نسمع أشخاصاً يحتقرون أنفسهم وينتقصون من قدراتهم ويصفون حالهم بأنهم مذنبون وخطاءون , إن هؤلاء الأشخاص لا يستحقون مني أي احترام . فنحن نستحق أن نقف بشموخ وأن نشاهد وجه العالم بوضوح , إننا نستحق أن نقدم كل الجهود الممكنة في هذا العالم , وإذا لم تتكلل هذه الجهود بالنجاح المرجو منها , فإن هذا بالنهاية أفضل بكثير مما اقترفه الأقدمون طيلة القرون الماضية . إن العالم الإنساني يحتاج المعرفة والتسامح والشجاعة . ولا يحتاج للتباكي والحسرة على ما فات . كما لا يحتاج عالمنا إلى تكبيل العقل وتصفيده من أجل بضعة كلمات جمعتها بعض العقول الجاهلة في الماضي السحيق . إن عالمنا هذا يتطلب شجاعة كبيرة في النظر إلى ماهو خفي وغامض عبر العقول الذكية والمفكرة . إنه يحتاج الأمل من أجل المستقبل , وليس النظر إلى ما هو ميت ومتلاشي مما مضى . فالماضي يتجاوزه الحاضر الذي تصنعه العقول النابغة .
:cheerz:
www.itijahmu3akes.blogspot.com
نقلت هذا الموضوع لأجل خاطر صديقي بهجت وأتمنى أن أكون وفقت في الحصول على أكبر مادة من الكتاب. المصدر:
http://www.marmarita.com/vb/archive/inde...12152.html
:redrose:
|
|
06-09-2007, 09:51 PM |
|
{myadvertisements[zone_3]}
إبراهيم
بين شجوٍ وحنين
    
المشاركات: 14,214
الانضمام: Jun 2002
|
« لماذا لست مسيحيّ » لـ برتراند رسل
|
|
06-09-2007, 10:04 PM |
|
{myadvertisements[zone_3]}
{myadvertisements[zone_3]}
{myadvertisements[zone_3]}
{myadvertisements[zone_3]}
{myadvertisements[zone_3]}
{myadvertisements[zone_3]}
{myadvertisements[zone_3]}
{myadvertisements[zone_3]}
{myadvertisements[zone_3]}
|