عن جسور
http://josor.com/article_details.php?thesi...d=2102&catid=66
عفكرة، المكتوب بالأحمر فاجأني، وحسيته فعلاً، قال صار حتى في رابطة مشجعي إيطاليا وفرنسا بسوريا.
يا الله معقول وصلنا لهالدرجة من الــسخافة؟ :(
مونديال العرب
الياس خوري
حتى الدقيقة السبعين، كانت تونس تتقدم اسبانيا بإصابة للاشيء. بدا الارهاق واضحاً على اللاعبين التونسيين، الذين استماتوا في القتال من اجل ابقاء شباكهم نظيفة. اختلطت المتعة بالذاكرة، وعاد الينا شيء من العزة القومية بعد الهزيمة المنكرة للمنتخب السعودي امام الفريق الاوكراني. وفجأةً بدأ التلاشي، واهتزت الشباك، وسقطنا. كنت اشعر اننا نهوي، والاهداف الثلاثة تتوالى في مرمانا. الهزيمة الثقيلة جاءت في نهاية المباراة كي تقول لنا اننا لا نزال بعيدين عن استحقاق النصر.
خرج العرب من المونديال بحصاد الهزائم. انهزمنا في كل المباريات. تعادل الخسارة الوحيد، كان بين الفريقين العربيين. ولولا تماهينا مع الفريق الغاني الذي رفع رؤوسنا بأقدام لاعبيه التي هزمت اميركا، لغادرنا المونديال بلا ترضية.
سحر الكرة الصغيرة هو سحر العنف الذي تحوّل استعارة، هذا ما يقوله تاريخ كرة القدم. فاللعبة الشعبية التي وضعت قوانينها في جامعة كامبردج في القرن الرابع عشر، بدأت في شكل اكثر وحشية من الحلبات الرومانية. لعبة بلا حلبة او ملاعب، اقدام تتقاذف رأس قائد دانماركي قتيل حاول غزو الجزر البريطانية في بداية الألفية الثانية. بعد مقتله وفصل رأسه عن جسمه، تحول الرأس كرة تلعب بها اقدام السابلة. ثم تطورت اللعبة الى احتفالات للعنف الشعبي، حيث كانت المباريات التي تقام بين القرى والنواحي، مناسبة يشترك فيها المئات ويكون حصادها عشرات الجرحى والمصابين.
لكن اللعبة انتقلت مع قوننتها في كامبردج، من العنف الى استعارته، وصارت الحلبة ساحة حرب رمزية، تخوضها جيوش صغيرة، تمزج التكتيك بالاستراتيجيا، واللعب الجماعي بالمهارات الفردية، وتشكل متنفسا لعنف لا يزال "الهوليغنز" يمارسونه على حافة الملاعب.
ترافق هذا التحول مع ظاهرتين:
نشوء الفرق المتعددة الجنسية، التي تشتري اللاعبين من اجل ضمان فوزها على المستويين الوطني والقاري.
ونشوء المنتخبات الوطنية، التي تخوض مبارياتها الأقليمية والدولية، تحت اعلام الأمم التي تنتمي اليها، وفي ظل اناشيدها الوطنية.
لم يكن المونديال ممكنا من دون التلفزيون والنقل الفضائي، وهذا لا يصح على الرياضة وحدها، بل على الحروب ايضا. صارت الصورة جزءا من الحروب الحقيقية، فلماذا لا تكون جزءا من الحروب الرمزية؟
كرة القدم كاستعارة كونية صارت بديلا من الحروب، او فلنقل انها شكل منظم لحرب رمزية ينتفي منها التفوق التكنولوجي. لذا يفرح العالم بفرق اميركا اللاتينية، التي تجعل الواقعية السحرية في روايات كتّابها، حقيقة ملموسة في الملاعب. من هنا يأتي سحر البرازيل، وتفوّق الأرجنتين. ومن هنا يأتي التعاطف الشعبي، مع فرق الدول الفقيرة او المتخلفة، وهي تهز شباك الدول الاستعمارية.
وفي كل موسم نصاب بالاحباط العربي. نسي سمير قصير في كتابه "تأملات في شقاء العرب" ان يذكر احباطنا الكروي. والشهيد على حق، لأنه لم يكتب عن الرمز بل عن الواقع. لكن كيف يستطيع العرب ابتلاع هزيمتين دفعة واحدة، هزيمة الواقع وهزيمة الاستعارة ايضا؟
قد يقول مستشرق حصيف ان شعراء العرب كانوا مفتونين بالتشابيه، وان الاستعارة بقيت غريبة عن متخيلهم الشعري. وهذا عين الخطأ. اذ ان ما يتناساه المستشرقون، ومعهم بعض العرب الذين اصيبوا بعقدة "الخواجة"، هو ان ابا تمام لم يكتف بتحويل الاستعارة نصابا شعريا، عندما كسر عمود الشعر في العصر العباسي، بل انه افرط فيها الى درجة جعلت النقاد لا يفهمون ما يقال. كما ان الموروث السردي العربي، من "كليلة ودمنة"، الى "الف ليلة وليلة"، قائم على الاستعارة الشاملة وعلى البناء الرمزي.
المسألة لا علاقة لها بغياب الاستعارة عند العرب، او بالعجز المتوارث الذي يحاولون اقناعنا به، كي نستكين الى انحطاطنا، ونتمتع ببهدلتنا.
المسألة لها اسم واحد هو الحاضر. الغياب عن الواقع يقود الى الغياب الرمزي. لا يستطيع احد الادعاء ان الفقر هو السبب. هذا المال النفطي الذي يتدفق، اين يذهبون به؟ لا علاقة للفقر المادي بالمسألة. مال النفط لا يذهب الى فلسطين، ولا يساهم في التنمية، فلماذا لا يذهب الى الفوتبول؟ "عجبي"، مثلما قال صلاح جاهين. مال العرب لا يساهم في الواقع، فلماذا لا يدعم الرمز ويصنع الاستعارة؟
ننسى ونحن نجرجر مرارات الهزائم الرمزية في ملاعب المانيا، ان الغياب عن الحاضر لا معادل له سوى الغياب عن الرمز. فالاستعارة، كما علّمنا النقاد العرب القدماء، لا تأتي من لا مكان، انها شكل للانتقال بالواقع الى مستوى آخر. فالاستعارة احد اسماء الواقع، ووسيلة للارتقاء به الى المستوى الروحي الذي نطلق عليه اسم الفن. حين يغيب الحاضر في الظلام، تغيب الاستعارة ايضا، ويخضع اللاعبون المساكين لعقدة الأجنبي الذي يستبيح ارضهم، فيتهاوون، ويلعبون بالخسارة.
قد نقول، ان اسرائيل غائبة عن المونديال. بل ان فريقا فلسطينيا هو فريق سخنين فاز بالدوري الاسرائيلي. وهذا صحيح، لكن الصحيح ايضا، هو ان اسرائيل تذيقنا الهزائم والموت في حلبة الواقع، ولا حاجة بها الى الرمز. كما انها لا تصل الى المونديال لأنها جزء من الدوري الأوروبي، اما نحن...
اما نحن فهزيمتنا مضاعفة. ننهزم في الواقع، ونتبهدل في الاستعارة الكروية،
ولا نجد متنفساً سوى في رفع اعلام الدول الأخرى، والهوبرة في الشوارع، كأننا نستعيض عن فشلنا بالفشل، ونستعير رمزاً لم نصنعه.