{myadvertisements[zone_1]}
 
تقييم الموضوع:
  • 0 صوت - 0 بمعدل
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
برجك سيدى الحاكم
newlife4 غير متصل
عضو مشارك
**

المشاركات: 7
الانضمام: Aug 2003
مشاركة: #1
برجك سيدى الحاكم
برجك سيدى الحاكم
(1)
أمام إحدى البنايات الشاهقة بحي مصر الجديدة توقفت سيارة سوداء اللون والزجاج ذات لوحة تحمل ثلاثة أرقام فقط , هبط منها رجلان يبدو من ملامحهما بأن هناك شيء غير طبيعي سيحدث وسيكسر الهدوء القاتل الذي يتصف به هذا المكان .
دخلا الرجلان إلى البناية التي يجلس على بابها عم عارف البواب النوبي ذو البشرة السمراء واللهجة النوبية الجميلة , حاول أن يسألهما عن وجهتهما ولكنه لم يتلقى رد بل تلقى نظرات كانت بمثابة تحذير له بألا يتدخل في الأمر حتى لا يصاب بمكروه .
استقلا المصعد الكهربائي , ضغط أحدهما على الرقم ( 5 ) وهو ما يعنى أنهما يقصدان الدور الخامس , نظر البواب إلى لوحة المصعد التي تحمل رقم الدور الذي سيصعدان إليه محاولا أن يستكشف وجهتهما وبدأ يتمتم مع نفسه ..
الدور الأول يسكن فيه الأستاذ مصطفى وباشمهندس سمير , الأستاذ مصطفى موظف في إحدى المصالح الحكومية ويبدو عليه رغم بخله الشديد معي أنه رجل لا يحب المشاكل .
باشمهندس سمير يملك مكتب خاص به وهو مقتدر يعطيني كل شهر مبلغ محترم ..
ظهر على الشاشة رقم ( 2 ) .. أما الدور الثاني ففيه يسكن الحاج عبد المولى تاجر القماش بالحمزاوى وهو ابن حلال ورجل خير وكل عيد يعطيني أنا وعيالي كسوة العيد . وتسكن فيه أيضا الست زيزى وهى راقصة محترمة كل يوم الساعة الرابعة فجرا تعطيني وهى عائدة من عملها والإرهاق يبدوا واضحا عليها عشرون جنيها .
ظهر على الشاشة رقم ( 3 ) .. أما الدور الثالث ففيه الأستاذ منصور وهو مؤلف قصص وروايات كان كلما يراني يعطينى إحدى كتبه التي لا أفهم منها شيئا رغم أنني أنهيت الإعدادية بتفوق .. ويسكن أيضا الدكتور عادل وهو لا يحب أحدا ولا يزور أحدا وكلما يراني أشعر بأنه قر فان منى .
ظهر رقم ( 4 ) .. الدور الرابع يسكن فيه الأستاذ أحمد المحامى وأنا بصراحة أخاف منه حتى عندما يعطيني من نفسه بعض الأموال آخذها منه وأنا أرتعش .. ويسكن الأستاذ على وهو مدرس كبير جدا يخرج كل يوم من الصباح الباكر ولا يعود إلا بعد الواحدة صباحا .
ظهر الرقم ( 5 ) .. الدور الخامس يسكن فيه الأستاذ مدكور وهو يعمل فى شركة بترول ويرتدى كل يوم بدلة , والأستاذ مندور الذي يعمل فى إحدى الجرائد الكبرى وهو يحضر معه كل يوم الجريدة ويتركها لي بعد أن يقرأها .
انتظر عم عارف أن يتحول الرقم إلى ( 6 ) ولكنه تجمد عند ( 5 ) فتمتم إذن هما يريدان واحدا منهما إما الأستاذ مدكور أو الأستاذ مندور .
لم يكن يعرف عم عارف من يريدان ولكنهما عندما خرجا من باب المصعد كانا يعلمان تماما وجهتهما وعلى الباب الذي يحمل الرقم ( 9 ) دق أحدهما الجرس ليعلن أن المطلوب هو الأستاذ مندور .

* * *
( 2 )
سمع الأستاذ مندور طرقات عنيفة على باب الشقة ,كان وحده فزوجته اليوم عند أمها في زيارة فردية أسبوعية ارتدى منامته بسرعة مصحوبة بتوتر ناتج من سرعة وقوة الضربات المتلاحقة على الباب .
من ؟؟؟
قالها مرتعدا محاولا تخمين من الذي يستطيع فعل ذلك في ذلك الوقت .
جاءته الإجابة مزيدا من الطرقات بينها صمت مرعب .
فتح مندور الباب قليلا ونظر من الجزء البسيط الذي فتح ولكنه لم يتمكن من الرؤية ولم يمهلاه أن يمعن النظر فبضربة قوية من أحدهما فتح الباب مصطدما بجسد مندور فوقع على الأرض متألما .
لم يمهلاه أن يتألم أو يبحث عن مكان الألم , رفعه أحدهما من على الأرض وأجلسه على المقعد الموجود في أحد أركان الصالة .
التقط أنفاسه بعد أن جلسا أمامه فنظر إليهما والذهول يضرب كل أرجاء جسده بل إن جو من الرهبة والخوف أحاط بالمكان حتى تشعر بأن جدران الصالة تنكمش خوفا من هول المفاجأة .
ماذا حدث ؟؟؟؟
قالها متقطعة وكأن كل حرف انفصل عن الحرف الذي يليه خوفا من الخروج فيكون كلمة خاطئة ينتج عنها مالا يحمد عقباه !
رد عليه أحدهما بغلظة : الست أنت مندر العقباوى الصحفي ؟
كان يتمنى أن ينكر ولكنه أجاب بسرعة : نعم أنا .
رد الآخر وكأن الأدوار موزعة : ارتدى ملابسك بسرعة لأنك ستحضر معنا .
انكمش في المقعد الجالس عليه حتى صدر أنين لا تعرف منه أم من المقعد : إلى أين ؟
جاءه الرد بنظرة معبرة تقول بلا حروف لا تسأل .
قام من مكانه وكل خلجة فى جسده ترتعد واتجه نحو غرفته وتبعه أحدهما وطلب منه ألا يغلق الباب وأن يرتدى ملابسه بسرعة .
دخل الى غرفته وعشرات الأسئلة تتجول فى رأسه محاولة أن تهتدى لاجابة .
استرجع ما حدث بالأمس , خرج من منزله صباحا , اتجه الى مقر الجريدة , لم يقابل أحد فى الطريق , لم يتشاجر مع أحد وهو يقود سيارته , كان يسير ببطء وهل يمكن أن تسير بسرعة فى وسط العاصمة ؟؟؟
طرد هذا السؤال من رأسه وتبرأ منه حتى لا يدركه الرجل المتربص به بالخارج , وعاد الى التفكير النمطى السلمى الخالى من الأسئلة التى تحمل أكثر من معنى .
وصل الى جريدته , صعد الى مكتبه .. حاول أن يتذكر هل ألقى تحية الصباح على ( محمود ) رجل الأمن المسئول عن أمن البوابة .
سمع صوت: اذن هو محمود الذى بلغ عنه .
أدرك أن تفكيره سيصل به الى حد الجنون , انه حتى لا يعرف من هؤلاء , والى أين سيأخذونه .
انتهى من ارتداء ملابسه وخرج محملا ببعض الشجاعة وقال للرجل وهو يحاول أن يظهر جديته : ممكن أعرف من حضرتكم والى أين ستأخذانى ؟
جائته الاجابة : دفعة من الرجل فى ظهره جعلته يتكور فى الصالة .
قام وقد أصابته شجاعته باهانة لكرامته فعقد العزم على الاستسلام لمصيره والحمد لله زوجته غير متواجده بالمنزل .

* * *
( 3 )
خرج من باب المنزل مصحوبا بضلفتى باب مرتديتان بدلة , حاول أن يجعل الأمر أنهما حارسان شخصيان له , وهما دون أن يشعرا ساعداه على ذلك , حيث اصطحباه الى المصعد وركبا معه وعندما وصلوا الى الدور الأرضى خرج أحدهما أمامه والآخر سار بجانبه .
هنا وقف عم عارف وحياه بكل احترام وقال : بالسلامة يا مندور بيه .
أطلق صيحة مكتومة للنصر المعنوى الناتج من التفكير السريع المصحوب بتحالف القدر مع غباء الرجلين , فقد كان لا يريد أن تسوء صورته فى المكان الذى يسكن فيه .
كان بانتظاره سيارة سوداء اللون والزجاج ألقياه فيها وأجلساه بينهما وانطلقت بهم السيارة الى المجهول
راحت السكرة وجاءت الفكرة رددها داخليا فقد أصبح صوته سجينا بداخله , الى أين سيذهب ؟ والى أين سيأخذانه ؟ ماذا فعل ؟
بدأ يستكمل ما فعله بالأمس محاولا أن يستنتج ما فعل ومن هؤلاء .
دخل مكتبه وبدأ يراجع المقال الذى كتبه بالأمس تمهيدا لتقديمه لرئيس القسم , كان عليه أن ينتظر الأستاذ/ هنداوى الذى يكتب ( حظك اليوم ) الذى ينشر فى نفس الصفحة التى ينشر بها مقاله .
مر الوقت سريعا ولم يصل الأستاذ هنداوى , اتصل به رئيس القسم وسأله عن المقال فرد عليه أنه أنهاه ولكن الأستاذ هنداوى .. لم يكمل الجملة حيث صرخ به الرجل بكلمات لم يفهمها منهيا كلامه بأن يتصرف بأية طريقة فأمامه نصف ساعة على ميعاد الطبعة الأولى .
أغلق السماعة محتارا فيما عليه فعله .
أخرج هاتفه المحمول وضرب أرقام هاتف الأستاذ هنداوى ولكنه جائته الاجابة
( الهاتف الذى طلبته ربما يكون مغلقا .. يرجو اعادة المحاولة فيما بعد )
لعن الهاتف وشركة التليفون والجريدة ورئيس القسم ورئيس التحرير فى جملة واحدة .
ردد الصوت الخفى بداخله : هل يمكن أن يكون فى المكتب أجهزة تصنت نقلت السباب الى رئيس التحرير .
سأل الصوت : وهل لرئيس التحرير السطوة التى تجعله يفعل كل ذلك ؟
طرد الصوت , وطرد الفكرة , ثم عاد يستكمل بذاكرته الأحداث محاولا الضغط عليها بكل قوة حتى لا ينسى أى حدث مهما كانت بساطته .
أخذ يفكر فى التصرف الذى يجب عليه فعله حتى يخرج من هذا المأزق ..
أخذ يدور فى غرفة المكتب أكثر من مرة .. حتى وصل الى فكرة أنارت ذهنه ولم يمهل نفسه فى التفكير فى مدى خطورتها .
فتح جريدة اليوم السابق المؤرخة بتاريخ 19/8/1999 , باب حظك اليوم وقرأ ما كتبه الأستاذ ( هنداوى )
ثم أخرج ورقة بيضاء وأمسك بالقلم وبدأ يسطر حظك اليوم ليوم 20/8/1999.
وهويكتب كانت هناك عشرات المكالمات تحثه على الاسراع رغم أن الوقت كان مبكرا جدا لكن اليوم هناك شىء غير عادى فى الجريدة .
بدأ يكتب محاولا التغيير بعض الشىء معتمدا على خياله :
الحمل 22/3 : 20/4 كل شىء تقليدى وكن واضحا
الثور 21/4 : 21/5 البذرة التى زرعتها فاسدة وستجنى ثمارها
الجوزاء 22/5 : 21/6 المستقبل غير مأمون أمن نفسك
السرطان 22/6 : 23/7 كن صريحا في طلب ما تريده من الآخرين
الأســــد 24/7 : 23/8 توقع خيانة كبيرة من أقرب الناس اليك
العذراء 24/8 : 23/9 لا توقع عقودا اليوم ولا تدخل فى اتفاقات جديدة
الميزان 24/9 : 23/10 أخيرا ستلتقي عاطفيا مع من تعشق
العقرب 24/10 : 22/11 ستجد من يحاول مساعدتك ولكن احذر
القوس 23/11 : 22/12 قريب أو شريك لك ستفقده اليوم
الجدى 23/12 : 20/1 اليوم لن ترضى عنك حبيبتك
الدلو 21/1 : 29/2 ستحاول إظهار قدراتك ولكن ستفشل
الحوت 20/2 : 21/3 خبر سعيد بعد طول انتظار
هنداوى

انتهى سريعا من الكتابة دون أن يفكر فى شيء كل ما يهمه هو أن يخرج من تلك المشكلة , سلم الورقة والمقال لرئيس القسم محاولا أن يشرح له ما حدث , ولكن كان يريد الورقة بأية طريقة .
خرج من المكتب محاولا أن يبرر ما حدث ولكن كان الأمر قد وقع بالفعل ولا داعي للتفكير .
أنهى عمله وتوجه إلى إحدى المكتبات وابتاع بعض الكتب ثم ذهب مباشرة إلى المنزل , تذكر اسم الكتب محاولا أن بفكر فى هل هناك منها كتب ممنوعة , ولكن كل ما اشتراه بالأمس كان كتابان لرئيس التحرير , وكتاب عن إنجازات السيد حاكم المدينة , إذن لا مشكلة .
ولكن هناك مشكلة .. هناك مشكلة .. خرجت تلك الكلمات دون أن يقصد فزجره الرجلان فى نفس الوقت وكأنهما مبرمجان , صمت واضعا يده على فمه محاولا اجباره على الصمت .
توقفت السيارة أمام أحد المبانى المجهولة العنوان أو الملامح , اشتعلت نيران القلق فى أجزاء جسده فالمكان لا يبشر بالخير نهائيا فتحت البوابة مصدرة صريرا عاليا فسرى فى جسده قشعريرة رعب قوية .
أخرجاه من العربة ودخلا به الى مكتب بجوار البوابة وأغلقا الباب خلفهما .
حاول أن ينادى عليهما ولكن كان الصمت هو الرد الذي تلقاه .



* * *
( 4 )
أن تجلس صامتا بين مجموعة من الناس صعب , ولكن أن تجلس صامتا وحدك لهو الأصعب .
جلس وحيدا فى غرفة صغيرة جرداء بالية الجدران يتوسطها مكتب صغير يعلوه مصباح أصفر متدلى من سقف أصفر اللون ممتزج بالأبيض .
كل شىء فى الغرفة يدعوك لأن تخاف وتتوقع أن هناك خطر داهم قادم .
حاول أن يجلس على المقعد ولكنه كان هناك مسامير عديدة بارزة منه فلم يستطع الجلوس , طل واقفا يبحث عن مخرج أوسبب للمشكلة التى وقع فيها ولكن دون اجابات .
فتح باب الغرفة مصحوبا بالصرير الذى يعد جزءا من هذا المكان , دخل الرجلان ولكن كان بصحبتهما رجلا يبدو عليه أنه مهم وخطير فى هذا المكان .
دخل رجل يبدو عليه من ملابسه أنه الساعى وهو يحمل مقعد خشبى لاحظ أنه بدون مسامير ووضعه باحترام شديد أمام الرجل المهم .
لم يجلس الرجل ولكنه وضع قدمه عليه وطلب منه أن يجلس , فنظر اليه طالبا منه الجلوس .
رد عليه قائلا : المقعد مملوء بالمسامير .
نظر اليه فى ضجر وكأنه سبه ثم نظر الى أحد الرجلين الواقفين فتحرك أحدهما بسرعة فائقة وضغط على كتفى حتى كاد أن يمتزج بضلوعى فجلست متأوها .
سلط الرجل المهم المصباح الأصفر على وجهى وسألنى :
أتعرف لماذا أنت هنا ؟
أجبته : لا بالفعل أنا أجهل تماما سبب وجودى هنا .
قال : حاول أن تفكر بعض الشىء .
أجبته : صدقنى أنا لم أفعل أى شىء , ولا أنتمى لأى حزب أو أى حركة مضادة للحكم , أكتب فى صفحة المجتمع بعيدا عن كل مشاكل السياسة والحوادث والرياضة .
ضحك الرجل ضحكة ساخرة ونظر الى الرجلين الواقفين فاضطربا وضحكا بطريقة غريبة وكأنهما لا يعرفان الضحك .
صمت الرجل فصمت بحركة الية الرجلان .
ثم قال : لقد وفرت علينا أسئلة تقليدية كثيرة , اذن فلنتكلم بشكل مباشر ومختصر .
اليوم فى الجريدة التى تكتب فيها ماذا كتبت ؟
أجابه بسرعة : المقال اليومى الذى أكتبه منذ خمس سنوات كاملة .
اقترب منه الرجل ممسكا المصباح بقوة وقال وهو يضغط على كل حرف : فقط
تذكر هنا ما كتبه بالأمس وأن الأستاذ هنداوى لم يحضر وهو الذى كتب حظك اليوم بدلا منه .. تذكر وقال : ليس فقط.
هنا لنتفض الرجل من مكانه وقال ماذا أيضا ؟
أجابه مندور : لاشىء
نظر الرجل اليه حتى كادت عيناه تخرجان من مكانهما وقال بصوت ينذر بشرر : أستاذ مندور لقد اتفقنا أن نتكلم مباشرة وبصراحة فأرجو منك ألا تجبرنا أن نجعلك صريحا دونا عنك ,
ثم نظر الى الوحشين الكامنين بجواره , فابتسما ابتسامة تمنى ألا يتحدث حتى يمارسا رياضتهما اليومية .
ارتعد الأ ستاذ مندور وقرر فى قرارة نفسه ألا يخاطر فما فعله ليس بالأمر الذى يسبب مشاكل لأحد , لقد أنقذ ما يمكن انقاذه .
قال لهما : أنا أكتب فى صفحة المجتمع وليس شىء اخر يمكننى أن أكتبه فما الذى فعلته حتى يحدث كل هذا؟
أخرج الرجل المهم الجريدة وألقى بها على المكتب وقال له : افتح الصفحة التى تكتب فيها لتعرف الذى فعلته .
التقط مندور الجريدة بيد مرتعشة وفتح الصفحة وقال : هاهو مقالى ممهور بتوقيعى , هل هناك مشكلة ؟
أجابه الرجل وعيناه تزداد اتساعا ونظراته تزداد قوة حتى شعرت أنه يخترقنى : أنا لا أتحدث عن مقالك الاجتماعى التافه بل أتحدث عن باب حظك اليوم !!!!!
هنا دق ناقوس الخطر أجراسه القوية التى زلزلت الأستاذ مندور حتى أنه تغاضى عن وصف مقاله بالتفاهة وتساقطت قطرات العرق من على جبينه المرتفع الحرارة وارتعدت شفتاه وقال : من يكتب ذلك الباب هو الأستاذ هنداوى .
حرك الرجل المهم قطعة شطرنج بحركة رائعة وذكية ومباشرة وقال : وهل حضر الأستاذ هنداوى أمس ؟
أجابه بسرعة مفاجئة متلعثما : ن نعم .. لا
ضحك الرجل وهو يدرك أن المباراة أوشكت على الانتهاء وماهى الا حركة واحدة ويفوز فقال وهو يضحك : ولكننا سألنا عنه بالأمس وأكد لنا رئيس القسم أنه لم يحضر , هل حضر وأنت فقط من رأيته ؟
حاول مندور أن يقوم بحركة مضادة فقال : نعم وأعطانى الورقة التى يتم نشرها وقدمتها الى رئيس القسم .
نظر اليه طويلا ثم قال : أستاذ مندور .. أنت كاذب .. الأستاذ هنداوى فى المستشفى لاصابته بنوبة قلبية مفاجئة وهو مازال فى العناية المركزة الى الآن .
نظر مندور الى الأرض معلنا استسلامه رافعا الراية البيضاء و فضحك الرجل المهم ضحكة الانتصار وقال بصوت عالى وهو يدور فى الحجرة الصغيرة ذات المصباح الأصفر .. هذا يعنى أنك .. ثم أشار بأصبعه فى حركة مفاجئة أفزعت الرجلان قبل مندور .. أنك أنت يا أستاذ من اقترفت تلك الجريمة وكتبت باب حظك اليوم .
نظر اليه مندور مذهولا وقال : جريمة !!!! أية جريمة ياسيدى ؟
لقد أنقذت الموقف , ثم انها مجرد أبراج وهمية وتافهة وخزعبلات تعتمد على التوقعات ,يضحك بها كاتبها على القراء و نملأ بها ركنا فارغا فى الصفحة كان من الممكن أن يكتب فيه شيئا ذو أهمية ينتفع منه القراء .
نظر اليه الرجل كالمصعوق وتلفت حوله كأنه يخشى أن يكون أحدا قد سمع هذه الكلمات ولم يتمالك نفسه واذا به يصفع مندور على وجهه صفعة حملت كل معانى الخوف والكراهية التى يكنها له . سقط على اثرهه أرضا مع شعور بخيط ساخن من الدم يسيل من جانب فمه الأيسر .
نظر الرجل المهم الى الرجلين الماثلين كالتمثال أمامه فرفعه أحدهما بيد واحده وأجلسه مرة ثانية على الكرسى المطعم بالمسامير فاخترق أحدها لحمه فصرخ .
نظر الرجل المهم الى مندور وقد فاض به الكيل وقال : كيف تقول على الباب الذى يقرأه سيدى الحاكم كل صباح بأنه تافه ووهمى ؟
لم يصدق مندور ما سمعه فنظر فى بلاهة الى الرجل وقال والحروف تتطاير من فمه : سيدى الحاكم يقرأ هذا الباب كل صباح .. سيدى الحاكم .. يقرأه فى الصباح .. يا للهول .. ياللهول .
قال له الرجل : هل أدركت مدى المصيبة التى وقعت فيها ؟
نظر اليه وقال ببطء : بل أدركت مدى المصيبة التى فيها شعبى .
سأله الرجل وهو لايفهم : شعبك , وما هى تلك المصيبة أيها الفيلسوف ؟
أجابه مندور فى أسى وقال : المصيبة أن من يحكم شعبى يقرأ كل صباح باب حظك اليوم .
تتطرق الرجل المهم قليلا محاولا ادراك ما يقوله مندور وما هى الا لحظات وتلقى فيها مندور عدد متلاحق من الصفعات مطعما بمجموعة مقفاة من الشتائم التى تنال من جده السابع عشر وصولا الى أبناءه القادمين .
* * *
( 5 )
فى بلد يركب حاكمها المترو فى تنقلاته حتى لا يتعطل المرور يحق لك أن تطالب بأن تعامل كانسان , ولكن فى بلد يقرأ حاكمها أو قل مالكها باب حظك اليوم كل صباح فأغلى ما يمكن أن تطالب به أن تتعامل بدرجة تقترب من الحيوان.
وما تلقاه الأستاذ مندور الصحفى الذى كان يعتقد أنه محترم فى بلد تحترم حقوق الانسان ,أثبت له أنه واهم وحالم .
كل هذا وهو لا يعلم السبب والتهمة الموجهة له , كل ما يعلمه أنه كتب باب حظك اليوم بدلا من هنداوى معتقدا أنه ينقذ الموقف .
العجيب أنه أثناء وصلة الضرب والسباب كان يتردد فى أذنه حديث السيد الحاكم الذى كان يستمع اليه قبيل وصول المتوحشان الى شقته وهو يقول ( لقد أرسينا قواعد الحرية والديمقراطية التى يكفلها قانون حقوق الانسان , لنمنح للشعب مساحة جديدة من الحرية والحب والمساواة )
عندها ضجت القاعة بالتصفيق الحار المتواصل الذى كان فى نفس حرارة الضربات واللكمات واللعنات التى تلقاها والتى نتج عنها حالة اغماء قصيرة .
عاد الأستاذ مندور للوعى بعد فترة قصيرة ليدرك أنه فى نفس المكان يتوسط الوحشين الضخمين وأمامه الرجل المهم الذى لا يعرفه الى الآن مثلما لا يعرف ماتهمته .
نظر الى الرجل المهم وقال له بصوت متهدج من أثر الضرب : أريد أن أعرف سبب حضورى الى هنا وسبب كل هذه الاهانات التى يعاقب عليها القانون بموجب ما هو منصوص عليه فى الدستور مادة ...
لم يكمل مندور كلامه اثر ضربة قوية تلقاها بغتة .. وقال له : هنا نحن لنا دستورنا وقوانيننا , هنا أنت ملك لنا .
ازداد شعوره بالمهانة والدونية وتمنى أن يكون كالصرصار الذى يلهو فى الغرفة مع أقرانه فعلى الأقل هو حر .
ثم قال بصوت منخفض وشفة مرتعشة وعين تملؤها دموع اللاكرامة الوطنية فى بلد اللاحرية التى يحكمها حاكم يقرأ يوميا ما تنتجه الأبراج السماوية: ما تهمتى ؟
أجابه الرجل وهو يزداد شراسة واستمتاعا : تهمتك فى نفس الصفحة .
تعجب مندور ولكنه لم يتركه يتعجب طويلا وقال له وهو ممسكا بالجريدة ويقول له اقرأ ما كتبته أيها العميل فى برج الأسد .
نظر مندور مذهولا وعيناه تلتهم الأبراج حتى وصل الى الأسد
الأســــد 24/7 : 23/8 توقع خيانة كبيرة من أقرب الناس إليك
قالها بصوت عالى فارتعد الرجل المهم وأسرع يغلق فمه قائلا أيها الغبى وتكرر تلك الفضيحة أيها الخائن
أسرع مندور يقول له بكلمات مخنوقة تتصارع من أجل الافلات من يده القوية : وماذا فى ذلك
أجابه بعد أن أفلت يده : ان هذا هو برج سيدى الحاكم يا أغبى مخلوقات الأرض .
نظر اليه فى بلاهة قائلا : وماالمشكلة فى ذلك ؟
قال له بسرعة انه برج سيدى الحاكم .
شعر منور بدوار فى تلك اللحظة وحاول أن يتماسك ولكن الرجل لم يمهله وقال له اقرأ الآن ما كتبته فى برج الميزان
قرأ مندور وهو يحاول ان يظل على وعيه :
الميزان 24/9 : 23/10 أخيرا ستلتقي عاطفيا مع من تعشق
أنهى القراءة ثم نظر غير مستوعبا ما يقصد , فقال له الرجل : أتعرف برج من هذا .
هنا وبسرعة ربط مندور بين ماهو فى برج الأسد وطابقه بما هو فى الميزان , وتمتم برج من ؟
أجابه هامسا وهو يتلفت حوله مقتربا من اذنه : برج سيدتى زوجة سيدى الحاكم .
هنا أدرك مندور أنه فى مشكلة كبرى .
قال الرجل مواصلا حديثه : أتعلم أن سيدتى زوجة سيدى الحاكم قد خرجت فى رحلة صيد واصطحبت معها حارسها الشخصى فقط على غير العادة .
نظر اليه مندور متسائلا : وما المشكلة ؟
أجابه : المشكلة أن هناك أحاديث جانبية هامسة تدور فى القصر الرئاسى عن وجود علاقة خفية بين الحارس وبين سيدتى زوجة السيد الحاكم .
قال له مذهولا : وكيف يحدث ذلك : أجابه وقد تناسى موقعه للمرة الأولى وأخرج ما فى جعبته من أسرار : أنت تعرف أن سيدى الحاكم قد بلغ من العمر الثمانون وأن مهامه الثقيلة فى الحكم جعلته يبتعد كثيرا عن السيدة زوجته وانت تعرف الباقى ..
أدرك بحسه الصحفى أن ما حصل عليه يعد خبطة صحفية كبرى ولكن كيف يمكنه نشره أو الانفراد بها ؟
أكمل الرجل متقمسا دور شيرلوك هولمز قائلا : وبربط ماكتبته عن وجود خيانة كبيرة من أقرب الناس الى سيدى الحاكم , وبين أنه أخيرا ستلتقى سيدتى عاطفيا مع من تعشق تكون قد أثبت كل ظنون وشكوك سيدى الحاكم وجعلت من الهمسات المكتومة حروفا مكتوبة يقرؤها الشعب كله .
قال مندور وهو يكاد يموت خوفا : ياللمصيبة .
* * *
( 6 )
قالها مندور وهو يدرك أنه فعل مصيبة تحالفت الأقدار مع الحظ السىء فى حياكتها .
نظر اليه الرجل وكأنه أنهى عمل شاق : اذن أنت معترف بالجريمة .
صعق مندور وقال : أية جريمة . كل ما فعلته أنني سطرت أسطر غبية من خيالي ولم أكن أعلم أن خيالي سيقودني إلى تلك المصيبة .. بالله عليك .. أنا لم أفعل شيئا .
رن هاتف الرجل المهم فالتقطه وما إن سمع صوت طالبه حتى هب واقفا متلعثما ولم ينطق طوال المكالمة إلا بجملة : تحت أمر سيدي الحاكم المبجل .
أنهى المكالمة وهو يرتعد ونظر إليه في شفقة
فنظر إليه مندور مذعورا وقال له : ماذا هناك ؟
أجابه : لقد صدر أمر بترحيلك فورا إلى المعتقل السياسي .
بهت مندور وكأنه سمع خبر وفاته ولم يعلق .
ساقه الرجلان بوحشية الى خارج المكتب وكأنهما يسوقانه إلى مقبرته , استقل العربة السوداء التي اعتقد أنها أصبحت مخصصة لتنقلاته فقط .
في الطريق بدأ شريط الأحداث يسير بسرعة تحاكى سرعة السيارة , وبين كل مشهد كانت تظهر أمام عيناه صور المعتقلات والتعذيب الوحشي الذي يتم فيها .
بدأت السيارة تهدئ من سرعتها معلنة اقترابها من مكانها , وفجأة رن الهاتف للمرة الثانية , انكمش مندور فى مكانه فهذه المرة ما الذي سيحمله من أخبار ليس بعد المعتقل سوى القتل .
أجاب الرجل وبنفس درجة الاحترام وبنفس الجملة كان الرد ( تحت أمر سيدي الحاكم المبجل ).
بعدها نظر الرجل المهم إلى مندور نظرة لم يفهم معناها إلى الآن وهمس في أذن السائق بكلمات لم يسمعها ، كل ما أدركه أن السيارة غيرت مسارها واتجهت فى الاتجاه العكسي وسارت بسرعة كبيرة .
حاول أن يستفسر من الوحشين الذى يجلس بينهما ولكنهما مثله لم يفهما شيئا .
نظر من الزجاج محاولا أن يستكشف الجهة التي يساق إليها , أدرك أنه في الطريق المؤدى إلى مصر الجديدة .
تسائل بصوت مرتفع : هل هناك معتقلا فى مصر الجديدة ؟؟؟
ضحك الرجل ضحكة صافية لأول مرة ونظر إليه كاشفا عن أسنانه وقال له : لا
صمت مندور وهو يشعر بشعور غريب .
بعد فترة قصيرة توقفت السيارة وأمر الرجل المهم الرجلان أن يفسحا للأستاذ مندور المجال كى يهبط من السيارة .
تفاجأ الرجلان وصدم مندور وكاد أن يغشى عليه ولكن لم تستمر الدهشة طويلا حيث أفسح له الرجل المجال وفتح باب السيارة , هبط منها مندور بسرعة وكأنه يخرج للحياة من جديد وتفاجأ بأنه أمام العمارة التي يقطن بها .
لم يصدق مندور نفسه وأطلق صيحة عالية جعلت نصف سكان العمارة ينظرون إليه وهو في حالته التي يرثى لها .
جرى الأستاذ مندور نحو عم عارف واحتضنه بشدة ثم سجد على الأرض مقبلا إياها في مشهد كوميدي لا يفهمه سوى مندور والرجل المهم والرجلان الضخمان .
فجأة توجه مندور إلى الرجل المهم الجالس فى العربة السوداء وقال له : عندما كنت في مكتبك أخبرتني أن هناك لك دستور وقوانين والآن نحن في الشارع حيث الناس يعتقدون أنهم تحت مظلة من الدستور والقانون تحميهم أيمكنك أن تخبرني لماذا عدت إلى منزلي ؟
ضحك الرجل المهم وربت على كتف مندور بطيبة غريبة وقال له : منذ لحظات رزق سيدي ابن سيدي الحاكم بولد بعد معاناة طويلة .
نظر إليه مندور مستغربا وسأله : وما علاقة ذلك بي ؟
ضحك الرجل المهم وقال له عندما تصعد إلى المنزل افتح الجريدة باب حظك اليوم وابحث عن الحوت .
لم يفهم وحاول أن يفهم منه لكنه لم يمهله وأمر السائق بالانطلاق وانطلقت السيارة مخلفة ورائها عادم اعتبره مندور عادم الحرية الذى منحه اياه السيد الحاكم المبجل !!!!!!
جرى الأستاذ مندور سريعا نحو سلم العمارة وهو يقول بصوت مرتفع لاهث : الحوت , وقفز درجات السلم رغم الجراح التي كان يشعر بها , فتح الباب أسرع نحو الجريدة الماكثة على مكتبه و فتح باب حظك اليوم نظر في الأبراج فوجد في برج الحوت : الحوت 20/2 : 21/3 خبر سعيد بعد طول انتظار
أخذ مندور يضحك ودموعه تتساقط على خديه
mosakaf4
07-08-2005, 08:25 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}
فضل غير متصل
لو راح المغنى بتضل الاغانى
*****

المشاركات: 3,386
الانضمام: Jul 2002
مشاركة: #2
برجك سيدى الحاكم
قصة رهيبة

يبدو ان هذا هو هامش السيادة الممنوح للحكام فى المنطقة..ان يقراوا الابراج وان يقمعوا المواطنين ... وعدا ذلك استراتيجيات كبرى خارج صلاحياتهم
07-08-2005, 08:54 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة…
الموضوع الكاتب الردود المشاهدات آخر رد
  هل الحزب الحاكم في تركيا حزب إسلامي حقا، وهل أردوغان هو إسلامي ومحسوب على الإسلاميين؟ thunder75 11 5,141 06-17-2010, 06:50 PM
آخر رد: عاشق الكلمه
  ملف رستم غزالة نموذج لابتذالية وعهر الحاكم السوري journalist 20 5,076 04-06-2007, 12:38 AM
آخر رد: مفكراتي حر
  مطرقة الحاكم و سندان الاسلاميين: الى أين تتجه الأمة العربية..؟؟!! حسام راغب 5 1,043 03-01-2007, 01:29 PM
آخر رد: Awarfie
  اذا صلح الحاكم .... أم اذا صلحت الرعية ؟؟؟؟ حسن سلمان 1 1,027 01-18-2007, 11:27 PM
آخر رد: حسن سلمان
  مولد سيدى البنا ... مدد ! بهاء 11 1,876 10-26-2006, 01:56 PM
آخر رد: بهجت

الانتقال السريع للمنتدى:


يتصفح هذا الموضوع من الأعضاء الان: بالاضافة الى ( 1 ) زائر
{myadvertisements[zone_2]}
إتصل بنا | نادي الفكر العربي | العودة للأعلى | | الوضع البسيط (الأرشيف) | خلاصات التغذية RSS