تقييم الموضوع :
  • 2 أصوات - بمعدل 5
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
فجيعة أخرى
#41
الزميل الفاضل / jafar_ali60
الزملاء الكرام

كلما تضخم الملف كلما تبين لي حجم مصابكم في الفقيد وحجم الإنسان الذي عرفتموه وتشاركتم معه الوجود والفكر ذلك الوقت الذي عاشه معكم
لم يمت ولن يموت طالما ظلت أعماله حية ,فهذا الملف الرائع خير برهان علي ما تركته كتاباته من أثر لا ينمحي فيكم وشاهد علي عمق ما ربطكم به من علاقة إنسانية رفيعة , ودليل علي أي إنسان كانه .
عزائي لكم

كوكو

الرد
#42

عزيزي كوكو

هذا الوغد الصعلوك يستحق أكثر من ملف ، لم يأخذ حقه حياً ، لعلنا ننصفه في موته

لك :98:
اسهل طريقة للتحرر من الخطيئة، هو الاعتقاد بأن كل ما نفعله بصدق هو أخلاقي/ حنا مينه

إن المتنزهين في حديقة عامة لا يحفلون برجل وحيد يجلس على مقعد مزدوج. ولكنهم هم انفسهم يقفون طويلاً لتأمل لوحة على جدار يظهر فيها رجل وحيد يجلس على مقعد مزدوج في حديقة عامة./ محمد طمليه


قال في أمه :- هي امرأة من طحين، ووجهها رغيف، ويا لها من مفارقة، فقد ماتت وهي تعد قلاية بندورة لأخي علي، الذي يعود من عمله في الرابعة، ماتت وهي على رأس عملها كأم


أنا الأضحية الوحيدة التي اخذها ملحدون الى حج مرفوض سلفاً - وأنا ;الملوخية التي بتسيّل, وأنا العريس الذي ذهب في رحلة شهر عسل بمفرده. وأنا الجندي الذي مات برصاصة اطلقوها احتفالا بوقف اطلاق النار. وأنا شاخصة مرور لتحديد السرعة في طريق زراعي تعبره الدواب فقط: طريق بلا انارة: أنا العتمة هناك. وأنا قشة يتعلق بها غريق في شبر ماء .وأنا الموفد اذا اقتضت الهزيمة ان أستسلم

هو بطبيعة الحال


[صورة: tnew1yy5.jpg] http://www.nadyelfikr.com/index.php?showtopic=56352
الرد
#43

قطيع في المدرسة







ولاسماء الامهات حكاية اكثر طرافة..

كنت ذات يوم تلميذا في الابتدائى -كنت واحدا من قطيع بائس يذهب كل صباح الى المدرسة على مضض, ولمجرد ان يتعرض هناك لعمليات تنكيل يمارسها معلمون حاقدون للغاية -كان الجميع كذلك: الاب متجهم على الدوام, والام تشتم بوقاحة متناهية, والشارع مريب, وطاقم العائلة نام دون عشاء: لقد اكتشفنا »الطبيخ« في وقت متأخر نوعا ما..

افكر هكذا: لم نكبر, ولكننا نجونا..

المدرسة بحد ذاتها عقوبة, والمدير شرس, ومربي الصف تلقى هدية هي عبارة عن »مطرق رمان« يضربنا به على المؤخرات, ومراسل المدرسة جاهز عندما تقتضي العقوبة استخدام معدات.. الحبال في المقدمة/المجريات كانت توحي ان الغاية هي اجتثاث الطفولة من جذورها.

نضع هذا جانبا, ونتكلم عن المعلم الجديد الذي جاءنا البارحة..

اذكر انه طويل القامة, قوي. وهنالك شرر يتطاير من عينيه: ادركنا حالا ان الرجل ليس سهلا, فجفلنا بصورة جماعية, وصرت لا تسمع سوى وقع قدميه الكبيرتين في الغرفة, وربما نبض قلوبنا في الصدور..

لم يتكلم مطلقا, بل ظل يرشقنا بنظرات سحقتنا تماما. ولكنه تكلم اخيرا. ببساطة, وكما يلي:»انت. قف, اسمك الكامل, وبلدك, واسم امك«. فوجىء التلميذ بالطلب المتعلق باسم الام. فوجئنا جميعا. ان اسم الام عار وعيب ويمكن ان يجعل التلميذ ذليلا الى الابد. الولد مرتبك ومصعوق, والحيوان مصمم, ثم انفجر التلاميذ بالضحك عندما علموا ان اسم ام زميلهم هو »قطنة«. وانفجرنا مرة مرة اخرى عندما قال احدهم:»شيخة«, و»بهيجة«, و»فلحة«, و»ذيبة«.. وهكذا?

جاء دوري: من السخف ان اعترف بالحقيقة في هذا الجو الصاخب, مع قناعتي ان اسم امي معتدل:»حليمة«. بقيت ساكتا الى ان كرر الحيوان الطلب, وبجلافة ارعبتني, فوجدتني اقول:»سوسن«, وندمت.

اسهل طريقة للتحرر من الخطيئة، هو الاعتقاد بأن كل ما نفعله بصدق هو أخلاقي/ حنا مينه

إن المتنزهين في حديقة عامة لا يحفلون برجل وحيد يجلس على مقعد مزدوج. ولكنهم هم انفسهم يقفون طويلاً لتأمل لوحة على جدار يظهر فيها رجل وحيد يجلس على مقعد مزدوج في حديقة عامة./ محمد طمليه


قال في أمه :- هي امرأة من طحين، ووجهها رغيف، ويا لها من مفارقة، فقد ماتت وهي تعد قلاية بندورة لأخي علي، الذي يعود من عمله في الرابعة، ماتت وهي على رأس عملها كأم


أنا الأضحية الوحيدة التي اخذها ملحدون الى حج مرفوض سلفاً - وأنا ;الملوخية التي بتسيّل, وأنا العريس الذي ذهب في رحلة شهر عسل بمفرده. وأنا الجندي الذي مات برصاصة اطلقوها احتفالا بوقف اطلاق النار. وأنا شاخصة مرور لتحديد السرعة في طريق زراعي تعبره الدواب فقط: طريق بلا انارة: أنا العتمة هناك. وأنا قشة يتعلق بها غريق في شبر ماء .وأنا الموفد اذا اقتضت الهزيمة ان أستسلم

هو بطبيعة الحال


[صورة: tnew1yy5.jpg] http://www.nadyelfikr.com/index.php?showtopic=56352
الرد
#44
ما الجديد الذي قدمته؟
"نحن لم نقدم جديداً. الحياة قدمت نفسها وتقدم نفسها يومياً بشكل دمار وخراب سواء في فلسطين والعراق أو في كل بقعة من بقاع العالم الملتهبة، والتي فيها ظلم وسفله. وأرجو أن تظهر هذه الكلمة".

"متنا بما فيه الكفاية، ونموت يومياً، ولكن المثير للسخط هو أن موتنا ما يزال بدائياً ومتخلفاً ويحدث بسهولة متناهية وبما يوحي أننا عجزنا عن تكديس خبرات مفيدة في هذا المجال: كأننا نموت للمرة الأولى"

"الاحتلال ليس بالضرورة أن يكون عسكرياً أيضاً. الاحتلال يبدأ في البيت والمدرسة والزوج والزوجة. واللهاث اليومي وراء رغيف الخبز هذا أيضا احتلال".

الأردن بين احتلال إسرائيلي لفلسطين وأمريكي للعراق، "ياريت وقفت على احتلالين. بكل بساطة، وعلى الأقل هناك احتلال واضح وصريح، ونحن متقاعسين عن مواجهته، لكن الاحتلالات الأخرى تعيقنا عن التنبؤ لكيفية التخلص ومقاومة وردع ودحر هذين الاحتلالين".

http://www.asrar.jo/home/cultre/67-2008-03...4-05-25-52.html

:rose:
الرد
#45
جولة عرق لك.....منا نحن المتحمسون الاوغاد....

لك بطبيعة الحال يا من اضعت العمر واقفا ............
ما قيمة الوقوف في زمن الانكسار وما قيمة المبدا في زمن الدولار......

لا ادري ان كان هناك اخرة وعذاب وحساب ولكنني ادرك يقينا انك لم تؤذ احدا في حياتك .....فاذا كانت هناك جنة فانا موقن انك تجلس هناك الان ضاحكا علينا نحن المساكين
ابناء القحبة
ايحتاج دم بهذا الوضوح
الى معجم طائفي..؟

[صورة: 421658_164738113639086_100003086943608_2...5650_n.jpg]
الرد
#46
بين موتين


كنت يوم الخميس الماضي في مكتب الزميل هيثم يوسف رئيس ملتقى الإعلاميين الشباب العرب، للتحضير لإطلاق جائزة الراحل والصديق المبدع محمد طملية للمقالة الاجتماعية..

بالمصادفة كان يشاركنا الجلسة ضيف لا أعرفه يرتدي بذلة محترمة يتكلم بالحكمة والثقافة الواسعة والتاريخ وسير المبدعين ، وفي أثناء الحديث عن الراحل محمد طملية..روى لي الزميل هيثم قصة طريفة حدثت معه ذاك الصباح ،حيث اتصلت به احدى مقدمات البرامج في فضائية خاصة تستفسر عن الجائزة وتطلب استضافة محمد طملية شخصيا في الاستديو اليوم الأحد...اعتذر لها الزميل بدم بارد انه لا يستطيع ان يحضر محمد طملية للاستديو ، فردت الفتاة بحدة ان برنامجها مشاهد من قبل الناس وتشارك به شخصيات كبيرة من سياسيين واعلاميين وضيوف كبار..فقال لها بدم أبرد من المرة الأولى : صدقيني لو استعنا بكل الذين ذكرت لن نستطيع اقناع محمد طمليه بالحضور الى الاستديو..فاهتز بدن الفتاة وقالت: ممكن اعرف ليش؟ ..قال لها بكلمات منفصلة..لأن..محمد..طملية..توفي ..قبل..سنة!.

هنا أنزل الضيف رجله اليمنى المرفوعة فوق الرجل اليسرى وصفر، ثم ضرب الكف بالكف ...معقول ؟ معقول بلغ الجهل بالشباب الى هذا الحد ؟ معقول أن احدا لا يعرف محمد طملية رسام الكاريكاتير المشهور!!..عندها أصبت بصدمة ثانية..وساد الصمت المكتب حتى غادرت..

مبدعنا الأردني ذلك المشتغل بصمت المحروم من الأضواء والتكريم والحفاوة يموت مرتين: موت جسد وروح، وموت سيرة.

** على أي حال بعد كل ما شاهدت وسمعت ، فرصة أن أوصي الرفاق والمحبين :ان مت يا رفاق لا ترهقوا انفسكم بحفل تأبين يحتوي على كلمات مؤثرة وخطب حزينة،لا تقل مرارة عن القهوة السادة المسكوبة للحضور..فقط تذكروني - وعلى وقع قرط القضامة - عندما تغني فيروز زوروني بالسنة مرة ..حرام تنسوني بالمرة .



ahmedalzoubi@hotmail.com





http://www.alrai.com/pages.php?opinion_id=11353
"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"
الرد
#47
الأحبة في نادي الفكر
مع مرور عام على رحيل الأديب الساخر الكبير
محمد طملية
يسعدنا في زاوية أدب ولغة رفع وتثبيت هذا الموضوع كي يأخذ الأديب( الوغد) على رأي الأديب كوكو حقه

محبتي ومودتي
محبتي ومودتي
أحببْ وإن لم تُجزَ حتى بالثنا
أيّ الجزاءالغيثُ يبغي إن همى

www.josor.net
الرد
#48
أيها النهر.. انتظرني لأتبعك

كتبهامحمد طمليه ، في 7 أيار 2010 الساعة: 18:06 م

محمد طمليه - الغربة للرجال، وأنا رجل بالطبع، غير أنني لا أطيق الغربة.

أعطتني أمي، قبل أكثر من ردح من العمر، حقيبة ومبلغا صغيرا من المال، وقالت لي: اذهب إلى الجامعة المستنصرية في بغداد . آنذاك. كنت راغبا، مثل أي تلميذ أنهى الثانوية للتو، في عيش حياة جامعية صاخبة ، ولا أخفي عليكم أن خيالي الواسع أسعفني خلال رحلتي بالسيارة إلى بغداد بصور لزميلات فاتنات يتحرشن بي، وبأساتذة وقورين ينصحونني بضرورة أن أقتصد في عملية الإطاحة بالحسناوات الرقيقات، وبزملاء يتقربون مني لمجرد أن أضخ إليهم ما يفيض عن حاجتي من نسوة محبطات.. كنت مراهقا على أي حال!.

ووجدتني بعد رحلة مضنية، في بغداد. وجدتني، ولأول مرة في حياتي في مدينة لا وجود فيها لوادي الحدادة، ولا لشارع الشابسوغ، ولا لفتيات المدارس ذوات المراييل الخضراء، ولا لعبارة علي الطلاق التي تتردد كثيرا في بيت الجيران.

والأهم من ذلك كله أن بغداد تخلو من أمي.. الدالية التي ظللتنا حين هدموا لأسباب عقارية بيتنا.. أم محمد التي أعانتنا وقت المحنة.. مراهق في عز الاضطراب وحقيبة فقيرة وخطوات أولى في شارع الرشيد الضيق: عبثا أحاول أن أتأقلم مع الزحام المبهم، ومع الإيقاع الصاخب للمرور والعبور، ومع صياح باعة الماء البارد في ذلك الصيف القائظ، ومع الباصات الحمراء التي تحمل على كاهل حديدها طابقين من الركاب. غدوت، بعد ساعة من وصولي، مخنوقا.

قلت: على قارعة الغربة سأنفرد بدجلة وأبكي على كتفه ، غير أن النهر عافني. أخفق في إسنادي بالألفة: أيها النهر لا تسر، وانتظرني لأتبعك . لكن النهر ظل يمشي حثيثا: لا وقع خطوات للماء الراحل! وانهارت، على نحو مريع، صورة الشاب الجامعي المرسومة في ذهني، وجدتني أوبخ نفسي على أنني نجحت في الثانوية. ما كان ينبغي أن أنجح. ما كان ينبغي أصلا أن أكبر. كان يتوجب أن يبقى حضن أمي هو الملاذ حين يفشخني الأتراب في الحي . كان يتوجب أن تبقى حصة الحساب البعبع الذي نرهبه جميعا. كان يتوجب أن أواضب، بهمة عالية وإلى الأبد، على التبول الليلي.

كان يتوجب أن تستمر شقاواتي المدرسية: سرقة أقلام الرصاص من التلميذ المجاور، محاولة الغش حين يكون السؤال متعلقا بجدول الضرب المقيت، التقسيم غير المنصف لقطعة الخبز المدهونة بالسمن والمرشوشة بالسكر، القفز عن السور العالي في الفسحة، عقوبة مربي الصف حين نهمل قص الأظافر، التحرش بأولاد الصف السادس الابتدائي ب.

القرش الذي ضاع فانهمك عشرون تلميذا في البحث عنه. رائحة الجوارب لدى خلع الملابس في حصة الرياضة. زيت السمك في الحصة الرابعة. ولي الأمر المزيف الذي وعد المدير بأن نكف عن الرعونة. إفشاء الأسرار ذات المساس بالتلميذ الشاذ. أغلظ الأيمان التي حلفناها زورا وبهتانا. أعيدوا لي كل ذلك. أعيدوني إلى أمي.. إلى إبريق الشاي الحبيب.. إلى الوجبة الدسمة يوم الجمعة.. إلى العتبات الحافلة بثرثرة المغرب.. إلى خرقة الماء المبلولة على الجبين المحموم.. إلى الجورب المرتوق عند موضع الإصبع الكبير.. إلى بوط الأصابع الذي اشتريناه بعد إلحاح.

أعيدوني…

وحدي في غرفة الفندق. الغرفة بلا نوافذ، فيها مروحة مدلاة من السقف، ووسائد محشوة بإسمنت أو ما شابه، وشراشف قديمة اكتسبت لون الوسخ الشعبي، وأربعة أسرة: لي ولثلاثة نزلاء لم يحضروا بعد.

لم أشأ أن أستحم. لم أشأ أن أستريح بعد سفر بري دام 15 ساعة. جلست على طرف السرير، ووجدتني أتخيل، من قبيل المواساة، شركائي المحتملين في الغرفة: الأغلب أنهم في مثل سني. جاءوا للدراسة أيضا. أحدهم يكتب شعرا رقيقا. والثاني عاشق من جنوب العراق. أما الثالث فرياضي مرموق. وأمعنت في التخيل، فرسمت صورة للعلاقة التي ستنشأ حتما بين أربعة شبان أذكياء: الانتقال إلى شقة مثالية، الجدل السخيف لدى تقسيم العمل البيتي، الإخلاء المؤقت لصالح الصديق الذي أغوى زميلة، التدخل في الشؤون الخاصة وفتح رسائل الأهل بالنيابة، الوساطة عند الحبيبة التي جنحت إلى الحرد، استضافة لفيف من الزميلات بحجة المشاركة في عملية التعزيل المزعومة، التناوب على ارتداء القميص الأزرق، التهذيب المفرط في الجلسات المختلطة، التجول ب الشورت و الشباح في الشرفة المطلة.

أنعشتني الصورة وغدوت أقل تشددا في قبول الغربة، بل إني تخليت إلى حد ما، عن موقفي الرافض للانخراط في الحياة الجديدة، وبدا لي أن الفندق الذي اخترته للإقامة المؤقتة ليس قذرا إلى حد منفر، وأن عامل النظافة لا ينوي بالضرورة، أن يسرق دراهمي، وأن لغط النزلاء في الممرات ليس مريبا بحيث يدفعني إلى الشك في أي حركة، وأن مروحة السطح لن تسقط بصورة متعمدة على رأسي.

استعدت رباطة جأشي، وأتيح لي أن أتذكر الأكل.. أنا جائع: كان جوعي مطمورا بالذهول، فلم أشعر به، وحين انحسر الذهول قليلا أينع الجوع. خرجت. قررت أن أخرج إلى أي مطعم.. خرجت..

شارع الرشيد ساعة المغيب: هبط منسوب الشرر في الهواء قليلا، وأمست درجة الحرارة مقبولة بالنسبة للعراقيين، فيما ظلت لا تطاق بالنسبة لي أنا القادم للتو من رطوبة عمان، ولاحظت أن الشارع مزدحم أيضا، ولكن لغاية الترفيه هذه المرة: كان ثمة مجاميع من الشبان بملابس فضفاضة ونعال خفيفة: ماضون إلى شارع أبو نواس ، وكان ثمة عناقيد من الصبايا الملفوفات بالعباءات السود، سرعان ما يكتشف العابر ملابس بالغة الأناقة والسفور تحتها. وكانت ثمة أغنية حزينة تصدح في المقهى ذي المقاعد الخشبية البيضاء، وكان ثمة لحن يتلهوج على نار الفحم في المطعم: ما أكثر المطاعم في بغداد، في شارع الرشيد تحديدا.

دلفت إلى المطعم. زكمتني في الحال رائحة غريبة.. رائحة يأنفها المرء، لكنه يحن إليها إذا غادر بغداد، وقد علمت، في ما بعد طبعا، أنها رائحة عشبة يتناولها العراقيون مع معظم وجباتهم. جاءني النادل بطبق من اليابسة ، وبطبق من الأرز وبرغيف أسطواني مدهون بمادة لامعة. وما إن استقرت الأطباق على مائدتي، حتى شرعت بالأكل دون تدقيق في غرابة الطعام، ودون اكتراث بغياب شروط النظافة في ذلك المطعم الشعبي!.

يبدو أن الأكل مفيد ، قلت في نفسي، ثم ابتسمت في محاولة لترسيخ شعور طارئ بالرضا، وقررت على نحو مباغت أن أذهب بعكس نصيحة جدي، إلى شارع أبو نواس : قال لي جدي، وكان مقرفصا تحت الدالية، قال: لا تذهب إلى شارع أبو نواس، فثمة مظاهر لا ترضي الله . لقد دلني من حيث لا يدري على المكان الذي يجب أن أرتاده دائما..

شارع أبو نواس: حدائق طولية ممتدة بمحاذاة دجلة، وثمة أماكن للهو والسخط، ونوافير ماء، وممشى إسمنتي مذروع بخطو العشاق المتألقين، ومسطحات خضراء تقتعدها الأسر التي أمت المكان هربا من لهيب الشقة.. وثمة، والحق يقال، نفر من السكارى الذين تهدلوا جراء الإسراف، لكنهم سكارى نموذجيون، لا يتحرشون بأحد، بل يكتفون، في أقصى سلوك شاذ، بالاستفراغ.

انتشيت. انزاح جزء من إحساسي بالغربة، وتضاعفت النشوة حين تذكرت أن شركائي في غرفة الفندق يتعين أن يكون قد وصلوا الآن. قلت: أوافيهم في الحال ، وقادتني لهفتي إلى أقرب سلوك تبذيري طائش، إذ أوقفت سيارة تاكسي وطلبت إلى السائق أن يحملني إلى الفندق.

أصدقائي: الشاعر الفذ، والعاشق الجنوبي، والرياضي المرموق: سأعانقهم تباعا. سوف لا نحتاج لأكثر من خمس دقائق لكي يتبوأ كل منا مكان الصدارة في قلب الآخر، ثم نبدأ، منذ غد عملية البحث عن شقة تلائم أربعة شبان مرهفي الحس، لديهم مكنون هائل من الجسارة والطيش.. أسرع أيها السائق الجميل .

علمت من موظف الاستقبال الذي كان مضطجعا تحت المروحة، أن الغرفة اكتمل نصابها، فرقص قلبي فرحا. لقد جاءوا أخيرا. وصعدت من فوري، إلى الغرفة. كان يمكن أن أجامل الزبائن الهائمين في الممر. كان يمكن أن أطرح التحية على عامل النظافة ذي السحنة المنفرة. كنت في وضع يسمح لي للوقوع في الحب إذا لزم الأمر.. لكني أهملت كل ذلك. كنت مجذوبا إلى الغرفة.. إلى أصدقائي. سأعانقهم تباعا. وفتحت باب الغرفة، وفوجئت بثلاثة رجال كبار في السن، لهم كروش وصلعات وملابس نوم أعطتني انطباعا بأنهم سائقو شاحنات. والأنكى من ذلك كله أنهم ليسوا عربا!.

أحد شركائي في الغرفة تعرى، ثم استلقى بكامل قيافته المعيبة، على السرير. فيما تحدث الآخران، بلغة غريبة. لم أفهم شيئا من كلامهما، لكني شعرت أنني مستهدف. شعرت أن ثمة مؤامرة تحاك، واستحضرت في أقل من دقيقة صورة سائقي الشاحنات المرسومة في ذهني: رجال بالغو الفظاظة، قمصانهم مفتوحة على الدوام، خصومتهم دامية، يأكلون بشراهة، مهربون في المجمل، يرتادون الأماكن التي تباع فيها الأنوثة المعطوبة، يرددون على الطرق الخارجية الأغاني التي تخلو من مشاعر الاحترام للنساء. رجال من هذا الطراز لا يتورعون في واقع الأمر، عن الإطاحة بمراهق لم يكتمل نمو الشعر تحت إبطه.

بقيت جالسا على طرف السرير، واضعا حقيبتي الصغيرة في حضني، ومحاولا أن أزف إلى وجهي كل التعابير التي توهمت أنها تستدر الشفقة: أنا مجرد تلميذ سيق عنوة إلى بغداد. أنا حصيلة حسابات رعناء توصلت إليها، بالسذاجة فقط، أمي المسكينة. لقد ظنت أن في مقدورها أن تجاري الأغنياء، فأرسلتني، على أرضية العناد والمماحكة، إلى الجامعة. ولكن ثقوا إنني سأعود، ولو مشيا، إلى عمان. سأحمل متاعي وخيبتي وأرميها في وجه أمي..

نام شركائي. يمكنني أن أسمع أنفاسهم وهي تتلاطم في فضاء الحناجر: أنفاس ثقيلة، غير أنها لم ترتق إلى مستوى الشخير المنظم. ومع أن هذا السلوك، أي النوم، كان قمينا بإعفائي من الشعور بالريبة، إلا أنني عقدت العزم على مغادرة الفندق. إلى أين؟ لا يهم.

بغداد نائمة. ما من صوت سوى وقع خطواتي في الشارع المعتم. ما من ضجيج سوى ذلك الدوي الذي ينفجر في داخلي حين يتساقط زخ النبض في الروح المائجة. وحدي. ما من مارة سوى خيالات تراءت لي في الأزقة التي تتفرع من الشارع الرئيسي.. وحدي.. مسكون بالخوف، ومصفوع بالعتمة. أضاعف من سرعتي، لا لشيء، ولكن لمجرد أن يتناغم خطوي مع اضطرابي.

رغم أن المشي الحثيث نوع من المواساة لرجل خائف. هل قلت رجل ؟ أتراجع عن ذلك.. أنفي عن نفسي أي صفة تتناقض مع انهياري. قسما أن الرجولة عبء.. أن الرجولة إجراء يعيق الانكسار حين تقتضي اللياقة أن ينكسر المرء.. أن الرجولة تنطوي على انحطاط، وعلى إمحاء لطاقات الإنسان الموهوب. قولوا ما شئتم، لكني أبصم على بياض: أنا لست رجلا.

أنا لا أعرف بغداد. إقامتي القصيرة في المدينة لا تؤهلني للاهتداء إلى مكان ما، ليس أمامي إذن إلا أن أتمادى في التيه: الشوارع سواسية.. الأزقة والساحات كذلك.. حين لا يكون ثمة هدف، فإن الطرقات تتشابه، تماما مثل المسامير المغروسة في نعل الحذاء.. تماما مثل حبيبات القشعريرة على الجسد المحموم.. تماما مثل طعم الملح في الأفواه.. تماما مثل الأضواء التي نراها عن بعد: ها أن ضوءا يلوح لي. إنه مكتب السفريات الذي استقدمني من عمان. كيف اهتديت إليه؟ الأغلب أنه تعمد أن يتدخل دون استئذان في لهاثي ودوخاني.. أن يسجل نقطة نظام على تخبطي.. أن يتبوأ منصبا معلوما في ضياعي..

هرولت صوب المكتب. كدت أتعثر، أكثر من مرة، بلهفتي، كدت أسقط، مدرجا بالانفعال، على الإسفلت، ولكني وصلت أخيرا: كان ثمة رجل نائما على أريكة انتظار المسافرين، وكان ثمة لوحة بأسعار السفر إلى كل من الكويت ودمشق وعمان، وكان ثمة أمتعة مركونة في إحدى الزوايا. وبلا وعي، أو بكثير من الوعي، رميت متاعي قرب كوم الأمتعة، ثم جلست من قبيل الانتساب للمسافرين على أرض المكتب وغفوت.

@ نص غير منشور للكاتب الراحل يصدر قريبا ضمن كتاب بعنوان "حين لا يكون هناك أحد"
اسهل طريقة للتحرر من الخطيئة، هو الاعتقاد بأن كل ما نفعله بصدق هو أخلاقي/ حنا مينه

إن المتنزهين في حديقة عامة لا يحفلون برجل وحيد يجلس على مقعد مزدوج. ولكنهم هم انفسهم يقفون طويلاً لتأمل لوحة على جدار يظهر فيها رجل وحيد يجلس على مقعد مزدوج في حديقة عامة./ محمد طمليه


قال في أمه :- هي امرأة من طحين، ووجهها رغيف، ويا لها من مفارقة، فقد ماتت وهي تعد قلاية بندورة لأخي علي، الذي يعود من عمله في الرابعة، ماتت وهي على رأس عملها كأم


أنا الأضحية الوحيدة التي اخذها ملحدون الى حج مرفوض سلفاً - وأنا ;الملوخية التي بتسيّل, وأنا العريس الذي ذهب في رحلة شهر عسل بمفرده. وأنا الجندي الذي مات برصاصة اطلقوها احتفالا بوقف اطلاق النار. وأنا شاخصة مرور لتحديد السرعة في طريق زراعي تعبره الدواب فقط: طريق بلا انارة: أنا العتمة هناك. وأنا قشة يتعلق بها غريق في شبر ماء .وأنا الموفد اذا اقتضت الهزيمة ان أستسلم

هو بطبيعة الحال


[صورة: tnew1yy5.jpg] http://www.nadyelfikr.com/index.php?showtopic=56352
الرد
#49
(09-01-2009, 11:14 AM)محمد الدرة كتب : الأحبة في نادي الفكر
مع مرور عام على رحيل الأديب الساخر الكبير
محمد طملية
يسعدنا في زاوية أدب ولغة رفع وتثبيت هذا الموضوع كي يأخذ الأديب( الوغد) على رأي الأديب كوكو حقه

محبتي ومودتي

نستطيع، كما أعتقد، أن نكرمه أكثر لو فتحنا له ملفاً خاصاً لمؤلفاته والمقالات التي كتبت عنه.

سوف أسعى إلى هذا وأهدي الملف إلى زميلنا العزيز الكريم "أبو جعفر" (جعفر علي).

واسلموا لي
العلماني

ما دُمتَ محترماً حقّي فأنتَ أخي --- آمنتَ بالله أم آمنتَ بالحجر
الرد
#50
النبيذ

كتبهامحمد طمليه ، في 24 شباط 2007 الساعة: 07:50 ص






لا النكبة أشبعتني. ولا النكسة كانت شافية. وما زلت ارغب في المزيد.

ما احوجني لهزيمة تسحقني. وأريدها متكاملة, بما في ذلك الفرار. والخيام. والذباب على المخاط تحت مناخير الاطفال العراة في الأزقة. و»كرت اعاشة«. وفصائل تبدأ »ثورية«, ثم تتحول الى »احزاب داجنة« في الشتات. وشعراء تفعيلة. ومعاهدات فيها ذلّ يشفي الغليل.

تلك نكبة بنكهة النفط. وكذلك النكسة. ولكن المطلوب هذه المرّة هو الوحل: ما اشهى طعم الوحل: ضع مقدار ملعقة على الجرح يبرد. من قال »جرح«? اللعنة, لم يكن ثمة الم, وانما معاناة فاخرة. واستسلام كامل للمجريات. ورفاهية. وبصراحة, راحت على الشهداء, وحفنة قبضت على الجمر, وما اسخفها.

نعم, ما زلت في حاجة لمبرر اخر كي اتباكى اكثر: الصفع لم يكن كافياً, وثمة في الخد متسع. والمنفى عزيز: يسمونهم »عرب 48«, ونحن لاجئون. وفي رواية اخرى: »عائدون«, ولهذا غنّت »فيروز«: »جسر العودة«, وانصحها ان تغني للمعابر. فيسمعها »عرب 2007«, وهلمجرا.

يسألون »سبارتاكوس« عن النبيذ الجيد. فيجيب ان اجود نبيذ هو الذي نشربه في الوطن, مهما كان نوعه.

انا لا اريد نبيذاً. اعطني »ربعية« واتركني, ولن احضر اي مهرجان خطابي يدور فيه حديث عن… »الوطن«.
اسهل طريقة للتحرر من الخطيئة، هو الاعتقاد بأن كل ما نفعله بصدق هو أخلاقي/ حنا مينه

إن المتنزهين في حديقة عامة لا يحفلون برجل وحيد يجلس على مقعد مزدوج. ولكنهم هم انفسهم يقفون طويلاً لتأمل لوحة على جدار يظهر فيها رجل وحيد يجلس على مقعد مزدوج في حديقة عامة./ محمد طمليه


قال في أمه :- هي امرأة من طحين، ووجهها رغيف، ويا لها من مفارقة، فقد ماتت وهي تعد قلاية بندورة لأخي علي، الذي يعود من عمله في الرابعة، ماتت وهي على رأس عملها كأم


أنا الأضحية الوحيدة التي اخذها ملحدون الى حج مرفوض سلفاً - وأنا ;الملوخية التي بتسيّل, وأنا العريس الذي ذهب في رحلة شهر عسل بمفرده. وأنا الجندي الذي مات برصاصة اطلقوها احتفالا بوقف اطلاق النار. وأنا شاخصة مرور لتحديد السرعة في طريق زراعي تعبره الدواب فقط: طريق بلا انارة: أنا العتمة هناك. وأنا قشة يتعلق بها غريق في شبر ماء .وأنا الموفد اذا اقتضت الهزيمة ان أستسلم

هو بطبيعة الحال


[صورة: tnew1yy5.jpg] http://www.nadyelfikr.com/index.php?showtopic=56352
الرد


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  تعويذة أخرى للعشق ( سرد نثري ) داليا 0 1,453 03-10-2006, 07:54 PM
آخر رد: داليا

التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 1 ) ضيف كريم