أسامة أنور عكاشة: رفضت تكريم الـ «نيوزويك» بسبب نانسي عجرم
ليست "باربي" وحدها
د. علي الشعيبي
إطلالة علمية ولو أنها خاطفة وسريعة وبحاجة إلى تعميق وتشخيص لمشكلة مجتمعية يتم تجاهلها عن قصد أو التغاضي عن آثارها تحت مطرقة الاستهلاك وتوجهات هيمنة الفكر الرأسمالي المتوحش واختراق أخلاقي يسعى وبيد عدد كبير من المريدين وتجار تخريب الذوق إلى إحداث تفسخ في بنية المجتمعات وصناعة إنسان هش, لاهث خلف سوق الاستهلاك والخواء الروحي والنفسي. تلك هي بعض النقاط التي أثارتها في النفس مقالة الأستاذة الدكتورة منى البحر وعنوانها "باربي والجسد النحيل" وهي كما أقول إطلالة تستحق الكثير من الاهتمام والمتابعة والدرس.
حرقة الدكتورة منى حرقة مزدوجة. فهي مربية وأنثى من ناحية ومن ناحية أخرى هي سابرة لغور المجتمع الإنساني وخاصة مجتمع الإمارات وما يمور فيه من تحولات, ومطلعة على ما يدور تحت قشرة هذه الحياة اللاهثة نحو الخواء والفراغ والتهميش. قد تكون إطلالتها هذه محاولة جادة للنبش في الرماد بحثا عن جمر الحرقة والخوف على إنسان يتم تحويله بإصرار إلى مسخ كوني فاقد لإنسانيته, متنازل عن هويته وقيمه, متنازل عن دوره في الإبداع والعطاء.
تستعرض الدكتورة منى, عملية إعادة صياغة ونمذجة فكر الأنثى العربية من خلال دمية تسوق لفكرة الحياة على النمط الاستهلاكي, وكيف أن هذا النمط مهووس بفكرة الشكلانية والمظهر الخارجي الذي يحدد مواصفات الأنثى التي يجب أن تكون! أنثى رشيقة ذات تقاسيم محددة في الجسد وما يبرز منه وما يجب أن يكون نحيلا, وكيف أن هذا النموذج هو المحبب للجنس الآخر والمرغوب فيه, وكيفية الوصول إلى هذا الكمال في الشكل عن طريق مساحيق التجميل وبرامج التخسيس ومواد الطلاء والتكبير.
باربي نموذج للمرأة التي تقدمها شركات صناعة الأغذية والأدوية والملابس الضيقة والمثيرة. باربي النموذج, ليست أكثر من طعم لجيل من الفتيات, ليس العربيات فحسب, ولكن فتيات شعوب العالم الثالث وفتيات شعوب الثقافات الأخرى التي يجب القضاء عليها أو مسحها ليكون النموذج المنمذج هو المطلوب لتسيير عجلة الإنتاج الكمي في مصانع لا تبيع باربي السلعة فقط, ولكنها تبيع باربي ملتصقة بقيم المجتمع الاستهلاكي مخترقة منظومة القيم التي يمكن تربية البنات عليها!
ليست باربي وحدها المتهمة أختي الدكتورة منى, ولكن أنىّ تلفتِّ حولك ستجدين ألف باربي وألف نموذج يتم تسويقه ليقال لك هذه هي الأنثى النموذج, وها هي الأنثى مثيرة الغرائز والشبق, وها هي الأنثى النجسة والآثمة المتهمة بإثارة رجل مغلوب على أمره. وربما تكون وسائل الاعلام بغض النظر عن هويتها قد ساهمت وبإيعاز من شركات إنتاج سلع ترتبط بالرجل والمرأة على حد سواء, في تقديم المرأة الجسد, والمرأة الجنس, عندما فَََرَغت المرأة من كونها مبدعة ومنتجة ومربية, وقدمتها كقطعة لحم ملقاة على قارعة طريق الشهوة الذكورية, لتكون الطعم في مجمل الإعلانات الموجهة للرجل.
الحركة النسوية في أوروبا قدمت رؤيتها مفندة ذلك التشويه الذي تتعرض له المرأة في وسائل الإعلام وخاصة الإعلانات, مطالبة بإعادة النظر وتغيير التوجهات فيما يقدم من نماذج تحدد ملامح المرأة بوصفها مثيرا حسيا. فقد قدمت جمعيات نسائية كبرى في بريطانيا احتجاجا لعدد كبير من المجلات التي تستخدم المرأة وجسدها لغرض الترويج للمادة الإعلانية, أو فرض موضوعات إعلامية من خلال خلق ارتباطات شرطية بين المنتج وجسد المرأة.
ليست باربي وحدها مفروضة على ذاكرة ووجدان الفتيات العربيات. فإلى جانب باربي الدمية وقدرتها على خلق سلوك استهلاكي تقف أو تفرض نماذج أكثر قبحا وأقدر على اختراق الساتر الأخلاقي وكسر الحدود الفاصلة بين ما هو مقبول ومرفوض, وفرض المرفوض, وتحويله إلى قيمة من قيم الحياة اليومية, وتقديم نموذج قدوة لجيل تم تدميره ويتم العصف به بقوة المال. فأين يمكن أن تقف باربي الدمية المسكينة الهامدة والفاقدة للحياة, أين يمكن أن تقف أمام الموجة العجرمية العاتية عندما تقدم مطربة وتثار حولها كل تلك الحالة من السجال والغضب والرضى والقبول, حتى أن برلمانات عربية نسيت مشاكل الفقر والتعذيب في السجون ومشاكل الأمية والأخطاء الطبية ودفن النفايات النووية وتفرغت لمناقشة الظاهرة العجرمية وآثارها النفسية وتداعياتها السياسية والحضارية؟. لقد قدمت مطربة لا نشك بأن صوتها جميل, قدمت كنموذج للمرأة المثيرة حسيا والقادرة على لحس عقول مراهقين شباب وكهول في طور المراهقة المتأخرة.
وعندما تتحول العجرمية إلى ظاهرة في الثقافة العربية يحق لنا أن نسأل من الذي فرضها علينا كمتلقين؟ ومن الذي يستهدفنا لتأسيس هذا النوع من الاختراق بجيوش من أمثال شاكيرا وهيفاء وجوقة فتيات الإعلان وممثلات الصف الرابع أو الخامس وراقصات "مكعبات" الليل والغرز وشقق اللهو والعبث؟. كل أولئك يتم تقديمهن لجيل الفتيات العربيات على اعتبار أنهن نماذج للمرأة العربية التي تهز المهد بهزة الخصر!
أكثر من باربي عربية أصبح بمقدورها اختراق ذاكرة وضمير الفتيات العربيات اللاتي يتسمرن أمام الشاشة أو يلتصقن بصفحات المجلات النسائية التي أصبحت أكثر من الهم على القلب, وأكثر ما يسبب الحنق في هذه النماذج, أن الراقصات والمطربات وحتى الطقاقات مع كامل التقدير, صار من حقهن الجلوس أمام الكاميرات ومناقشة الوضع المتأزم في الشيشان, وأثر النقر على الطبلة في استقرار أسعار النقوط في الحفلة, ودور المعلاية في انكسار الأمة وسقوط الراية! هذا هو النموذج المقدم لتربية جيل من الأمهات القادرات على قيادة مسيرة التربية والبناء. أية تربية تلك عندما يكون هدف الفتاة المراهقة ذات الأربعة عشر ربيعا أن تصبح راقصة أو أن تشارك في برنامج غنائي لتكون مشهورة ومرغوبة.
إن مكمن العلة أختي الدكتورة منى, كامن في توجهات وبنية الخطاب الإعلامي العربي, وبدلا من اتهام المسكينة باربي يجب أن نفتح الجرح بقوة, وأن نحفر بنصل الخنجر في بيت الداء. فعدونا الحقيقي القادم من الخارج رغم عدم إنكار وجوده ودهائه وخبثه يبقى أكثر رحمة بنا من ذلك العدو الموشوم فوق الجلد, الساكن في مرحلة الكمون تحت أضلعنا, الناهش في لحمنا, المتلذذ بشرب دمنا... عدونا الحقيقي إن أردنا الحقيقة هو ذلك الفكر الذي يراد به أن يسير حركة الحياة والثقافة في وجداننا.
نحن مخترقون لا محالة, ولكن يدمرنا فكر أصبح متوحشا يحاول أن يمسحنا وأن يخرجنا من جلدتنا تحت شعارات العولمة والاقتصاد الحر وحضارة "الكونكريت" التي سنكتشف يوما ما أننا أهدرنا فيها العمر وأفقدنا جيلا من الشباب القدرة على الانتماء لوطن سيذوب تحت قرص شمس الحقيقة, وحولناه إلى قنابل موقوتة ودمية في يد الإرهاب البغيض ومريدي الفكر الظلامي. وكم ستضحك علينا باربي لأننا سلمناها جيلا من الفتيات العربيات وتلقينا أكبر طعنة في القلب.
|