عندما وقف القديس بولس الرسول يحاكم أمام الملك هيرودس أغريباس قال له " لأنه من جهة هذه الأمور عالم الملك الذي أكلمه جهارا إذ أنا لست اصدق أن يخفى عليه شيء من ذلك . لأن هذا لم يفعل في زاوية " (أع26:26) .
وما قاله القديس بولس يؤكد على حقيقة هامة نريد أن نؤكد عليها وهي أن نقّاد الكتاب المقدس والعقائد المسيحية ، لأسباب خاصة بفكرهم وعقائدهم ، يتكلمون عن الكتاب وعقائده وكأنها خرجت من زاوية مغمورة في مكان مغمور وفي زمن شبه مجهول !!!!! ويتجاهلون حقيقة أن أحداث الإنجيل تمت وسط عشرات الآلاف بل وملايين البشر ، وعلي سبيل المثال فقد جاء في الإنجيل للقديس لوقا " وفي أثناء ذلك إذ اجتمع ربوات الشعب حتى كان بعضهم يدوس بعضا " (لو1:12) ، والربوة في العبرية واليونانية تعني أما عشرة آلاف أو عدد كثير ، وأن أعمال الرسل تلاميذ المسيح وكرازتهم كانت تتم أما عشرت الآلاف ، وعلى سبيل المثال فقد آمن بعد أول عظة للقديس بطرس حوالي ثلاثة آلاف نفس من عشرات الألوف التي حضرت هذه العظة ، وكان يقول لهم " أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال . يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما انتم أيضا تعلمون.هذا أخذتموه مسلّما بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي اثمة صلبتموه وقتلتموه " (أع22:2و23) . وكانت أعمالهم ومعجزاتهم وعظاتهم مشهورة لدرجة هزت معها أركان الإمبراطورية الرومانية لا بالسيف ولكن بالكلمة والمعجزة وتقديم المسيحيين لأنفسهم للشهادة للمسيح والاستشهاد على اسمه .
كما كان الإنجيل الشفوي منتشراً في كل الأوساط التي آمنت بالمسيح ، سواء في فلسطين أو سوريا وبقية الإمبراطورية الرومانية ، ولما كتب الإنجيل بأوجهه الأربعة كتب لهؤلاء المؤمنين ونسخوا منه نسخ لكنائسهم ولأنفسهم وأنتشر من خلالهم إلى جميع الجماعات المسيحية في كل دول حوض البحر المتوسط . أي قبلت الكنيسة الإنجيل بأوجهه الأربعة فور تدوينه واستخدمه الرسل في كرازتهم كالإنجيل المكتوب ، وكان يقرأ في الكنائس واجتماعات العبادة ، في الكنائس التي كتبت فيها ولها أولاً ، مع أسفار العهد القديم بالتساوي ، خاصة في أيام الأحد ، يقول القديس يوستينوس الشهيد في بداية القرن الثاني " وفى يوم الأحد يجتمع كل الذين يعيشون في المدن أو في الريف معاً في مكان واحد وتقرأ مذكرات الرسل (الأناجيل) أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت " (Abol. 47).
أي لم يظهر فجأة ولم يكتبه مجهولين ، بل كتب في الكنيسة وخرج منها .
1 – التقليد المسيحي :
وكان لتلاميذ المسيح ورسله خلفاء وتلاميذ ، أسمتهم الكنيسة بالآباء الرسوليين ، ومن هؤلاء من كان تلميذاً للقديس بطرس مثل أغناطيوس أسقف إنطاكية وبوليكاربوس أسقف سميرنا بآسيا الصغرى والذي كان تلميذا للقديس يوحنا الرسول تلميذ المسيح . هؤلاء استلموا منهم الإنجيل الشفوي قبل أن يكتب ، مع بقية المؤمنين ، ثم الإنجيل المكتوب ، ثم سلموه بدورهم لخلفائهم هم أيضا ، مع بقية الجماعة والكنيسة المسيحية ، وهؤلاء سلموه بدورهم لمن بعدهم حتى جاءت المجامع الكنسية سواء المحلية والتي بدأت في نهاية القرن الثاني الميلادي ، أو المسكونية التي بدأت بمجمع نيقية سنة 1325م .
ومن أهم هؤلاء بالنسبة لدراستنا في الإنجيل للقديس يوحنا القديس بوليكاربوس والقديس أغناطيوس وإريناؤس اسقف ليون وأكليمندس الإسكندري إلى جانب بابياس وتاتيان السوري وغيرهم .
وقد أجمع هؤلاء وغيرهم وكل آباء الكنيسة على أن القديس يوحنا هو مدون الإنجيل الرابع ، كما يؤكد لنا هذه الحقيقة الانتشار الواسع واستخدام آباء الكنيسة له منذ نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني ، وكذلك انتشاره في أوساط الهراطقة واستخدام أعداء المسيحية والوثنيين له، وكذلك ترجمته إلى أقدم الترجمات (السريانية واللاتينية والقبطية) ووجوده في أقدم المخطوطات القديمة ، بل وترجع أقدم مخطوطة له لما بين 117 و135م .
ولم يشك أحد من المسيحيين في هذه الحقيقة مطلقا حتى جاءت مدارس النقد بآرائها التي ردت عليها الكنيسة وسرعان ما تراجعت عن معظم ما ادعته هذه المدارس .
وفيما يلي ما جاء في دائرة المعارف الكتابية عن هذه الجزئية :
الدليل الخارجي:
1- في نهاية القرن الثاني :
والدليل الخارجي، هو أنه في نهاية القرن الثاني، كانت الكنيسة المسيحية تمتلك أربعة أناجيل تستخدمها باعتبارها كتباً مقدسة تقرأ في الكنائس في العبادة الجمهورية، وتحظى بكل تقدير واحترام كأسفار مقدسة لها كل السلطان كسائر أسفار الكتاب المقدس القانونية، وكان الإنجيل الرابع أحد هذه الأناجيل، ويعترف الجميع أن كاتبه هو الرسول يوحنا. ونجد هذا الدليل في كتابات إيريناوس وترتليان وأكليمندس الإسكندري وكذلك في كتابات أوريجانوس. فأكليمندس يشهد عن معتقدات وممارسات الكنيسة في مصر والبلاد المجاورة لها، وترتليان عن كنائس أفريقية، أما إيريناوس – الذي كان قد تثقف في أسيا الصغرى، وأصبح معلماً في روما ثم أسقفاً في ليون في بلاد الغال (فرنسا) – فيشهد عن معتقدات الكنائس في تلك البلاد. ولم تكن هذه العقيدة محل تساؤل قط، حتى إن إيريناوس لم يحاول أن يقدم تبريراً لها. ولا يمكن إسقاط الدليل المستمد من إيريناوس وأكليمندس وغيرهم، علي أساس رغبتهم في إسناد أسفارهم المقدسة إلي الرسل، فليس هذا إلا مجرد زعم لا يمكن أن يؤخذ علي محمل الجد. ربما كان هناك مثل هذا الاتجاه، ولكن في حالة الأناجيل الأربعة، ليس ثمة دليل علي أنه كانت هناك ضرورة لذلك في نهاية القرن الثاني، بل هناك دليل واضح علي اعتقاد الكنائس – قبل نهاية القرن الثاني بكثير – بأن إنجيلين من الأناجيل الأربعة، قد كتبهما رسولان، وأن الإنجيلين الآخرين قد كتبهما رفيقان للرسل.
2- إيريناوس – ثاوفيلس :
وتتضح أهمية شهادة إيريناوس من الجهود المكثفة التي بذلت للتقليل من شأنها. ولكن كل هذه المحاولات تبوء بالفشل أمام مركزه التاريخي وأمام الوسائل التي كانت تحت يده لتأكيد معتقد الكنائس، فقد كانت هناك حلقات الربط الكثيرة بين إيريناوس والعصر الرسولي وبخاصة لارتباطه ببوليكاربوس، وهو بنفسه يصف تلك العلاقة في رسالته إلي فلورنيوس، الذي كان أيضاً تلميذاً من تلاميذ بوليكاربوس، ولكنه انحرف إلي الغنوسية التي يقول عنها: "إنني أتذكر أحداث ذلك الزمان بأكثر وضوح عن أحداث السنين الراهنة، وذلك لأن ما يتعلمه الأولاد ينمو بنمو عقولهم، ويصبح ملتصقاً بها، حتى إنني أستطيع أن أصف المكان نفسه الذي كان يجلس فيه بوليكاربوس المبارك، عندما كان يتحدث، وسيره جيئة وذهاباً ، وطريقة حياته، وهيئته، وأحاديثه إلي الناس، وقصصه عن مقابلاته مع يوحنا الرسول وغيره ممن رأوا الرب".
ولا نستطيع أن نقول كم كان عمر إيريناوس في ذلك الوقت، ولكنه كان – بلاشك – في سن يستطيع فيها أن يستوعب الانطباعات التي سجلها بعد ذلك ببضع سنين. وقد استشهد بوليكاربوس في 155 م، بعد أن قضي 86 سنة في الإيمان. وهكذا كانت هناك حلقة واحدة فقط بين إيريناوس والعصر الرسولى. ولقد كانت هناك حلقة ربط أخري، في علاقته ببوثنيوس الذي سبقه في أسقفية ليون. كان بوثنيوس رجلاً متقدماً جداً في العمر عندما عندما استشهد، وكان يلم بكل تقاليد وتراث كنيسة بلاد الغال. وهكذا نري أن إيريناوس – عن طريق هذين وغيرهما – كانت له الفرصة لمعرفة معتقدات الكنائس، وما يسجله ليس شهادته الشخصية فحسب، بل التراث العام للكنيسة.
ويجب أن نذكر مع إيريناوس، ثاوفيلس (أحد المدافعين عن المسيحية – 170 م) ، فهو أقدم كاتب يذكر القديس يوحنا بالاسم ككاتب للإنجيل الرابع. ففي اقتباسه لفقرة من مقدمة الإنجيل، يقول :" وهذا ما نتعلمه من الكتب المقدسة، ومن كل الناس المسوقين بالروح القدس، والذين من بينهم يوحنا .. " . ويقول جيروم إن "ثاوفيلس هذا وضع كتاباً في اتفاق الأناجيل الأربعة".
ومن إيريناوس وثاوفيلس، نقترب من منتصف القرن الثاني حيث نجد " الدياطسرون "لتاتيان ، الذي لسنا في حاجة إلى ذكر الكثير عنه ، "فالدياطسرون" هو أيضاً "اتفاق البشائر الأربعة"، وقد صدر قطعاً قبل 170 م، وهو يبدأ بالآية الأولي من إنجيل يوحنا، وينتهي بالآية الأخيرة في خاتمة هذا الإنجيل.
3- منتصف القرن الثاني:
لقد كان تاتيان تلميذاً ليوستينوس الشهيد (جستين مارتر)، وهذه الحقيقة وحدها تجعل من الأرجح أن "ذكريات الرسل" التي يستشهد بها يوستينوس كثيراً، كانت هي التي جمعها تلميذه – بعد ذلك – في "الدياطسرون". أما أن يوستينوس عرف الإنجيل الرابع، فهذا يبدو واضحاً، ولكننا لا نستطيع مناقشة هذا الموضوع هنا. ومتي ثبت ذلك، فمعناه أن الإنجيل الرابع كان موجوداً في حوالي 130م.
4- إغناطيوس :
وهناك دليل يجعلنا نعود بالإنجيل الرابع إلي 110م. "إن أول أثار واضحة للإنجيل الرابع، علي فكر ولغة الكنيسة، نجدها في رسائل إغناطيوس (حوالي 110م)، وهي أثار لا يمكن أن يخطئها أحد، وذلك واضح من تلك الحقيقة، أنه كثيراً ما يستخدم اعتماد إغناطيوس علي يوحنا، دليلاً ضد أصالة رسائل إغناطيوس" (زاهن في مقدمته – المجلد الثالث – 176). ويمكنا استخدام هذا الدليل الآن بكل ثقة منذ أن برهن لايتفوت وزاهن علي أن هذه الرسائل وثائق تاريخية. فإذا كانت رسائل إغناطيوس قد تشبعت بنغمة وبروح كتابات يوحنا، فمعني هذا أن هذا النمط من الفكر والتعبير، كان سائداً في الكنيسة في زمن إغناطيوس. وهكذا نري أنه في بداية القرن الثاني، كان هذا النمط المتميز من الفكر والقول "المنسوب إلي يوحنا" سائداً في الكنيسة.
وهناك دليل آخر علي صحة هذا الإنجيل، لا يلزمنا إلا الإشارة إليه، وهو استخدام الغنوسيين له، فقد أثبت دراموند أن الفالنتينيين والباسيليديين قد استخدموا هذا الإنجيل.
5- يوحنا الشيخ :
ولكي نقدر علي نحو صحيح، قوة الدليل السابق، يجب أن نذكر – كما سبق أن لاحظنا – أنه كان هناك كثيرون من تلاميذ يوحنا في أفسس، يعيشون في القرن الثاني، أساقفة مثل بابياس وبوليكاربوس، والشيوخ الذين يذكرهم إيريناوس كثيراً ، ويكونون سلسلة متصلة تربط بين زمن كتابة الإنجيل والنصف الأخير من القرن الثاني. وهنا يبرز السؤال الذي أثير مؤخراً بصورة واسعة حول حقيقة شخصية "يوحنا الشيخ" المذكور في وثيقة بابياس الشهيرة، والتي يحتفظ لنا بها يوسابيوس. فهل كان هناك – كما يري الكثيرون – اثنان يحملان اسم يوحنا : الرسول والشيخ؟ أم كان هناك شخص واحد فقط؟ فإن كان شخصاً واحداً فقط، فهل كان هو ابن زبدي؟ ويوجد اختلاف كبير في وجهات النظر حول هذه النقاط، فيظن هارناك أن "الشيخ" لم يكن هو ابن زبدي. ويشك ساندي في ذلك. ويعتقد موفات أن يوحنا كان هو الشيخ الوحيد في أفسس. أما زاهن ودوم تشابمان (يوحنا الشيخ والإنجيل الرابع –سنة 1911) فيعتقدان أيضاً أنه كان هناك يوحنا واحد فقط لمناقشة في أفسس ، هو يوحنا بن زبدي. ولا نري ضرورة لمناقشة الموضوع هنا، لأن التقليد المتواتر ، الذي ربط هذا الإنجيل بالرسول يوحنا في المدة الأخيرة من إقامته في أفسس، تقليد واضح وقوي، وليس ثمة أساس جدي للشك في إقامته في أفسس في ذلك الوقت.
6- الخلاصة:
إن النظرة العادلة إلي دليل الخارجي، لابد أن تبين أنه دليل قوي، بصورة غير
عادية ، فمن النادر جداً أن نجد البرهان القاطع علي وجود كتاب ما وتأثيره في غيره من الكتابات، بهذه الصورة، في وقت قريب جداً من زمان نشره مثلما نجد في حالة الإنجيل الرابع. إن تاريخ نشره هو نهاية القرن الأول، ولا يمكن أن يتأخر عن بداية القرن الثاني. فهناك دلائل واضحة علي تأثيره في رسائل إغناطيوس. كما أن رسالة بوليكاربوس (الأصحاح السابع) تقتبس من رسالة يوحنا الأولي. وفكر وأسلوب الإنجيل الرابع كان لهما أثرهما الواضح في كتابات يوستينوس الشهيد. علاوة علي ذلكن إن إنجيل يوحنا منسوج مع الأناجيل الثلاثة الأخري في "الدياطسرون" لتاتيان. وقد اقتبس منه وفسره الغنوسيون. وفي الحقيقة نجد أن الدليل الخارجي علي التاريخ المبكر للإنجيل الرابع ونسبته إلي يوحنا الرسول، دليل قوي، سواء في مداه أو في تنوعه، لا يقل عن أي دليل لأي سفر آخر من أسفار العهد الجديد، وأعظم جداً من أي دليل علي أي عمل من الأعمال الكلاسيكية.
ولن نتناول هنا تاريخ الجدل حول نسبة هذا الإنجيل ليوحنا، فباستثناء طائفة "ألوجي" الغامضة (الذين عزوا الإنجيل إلي كيرنثوس) في القرن الثاني، لم يرتفع صوت يتحدي نسبة كتابة هذا الإنجيل إلي يوحنا، حتي نهاية القرن السابع عشر، ولم يبدأ هجوم خطير حتي القرن التاسع عشر (برتشنايدر في 1820، وستراوس في 1835، ووايس في 1838، وبوير ومدرسته في 1844 وما بعدها، وكيم في 1865.. إلخ) . وقد صد الكثيرون من العلماء الآخرين هذه الهجمات بقوة (أولشوزن، تولوك، نياندر، ابرارد، بليك ... إلخ). وقد تبني البعض – بصور ودرجات مختلفة – افتراض أساس رسولي للإنجيل، مع اعتباره من إنتاج يد أخري متأخرة (فيزايكر ورينان وغيرهما). ومن هنا اتسعت دائرة الجدل، في تعنت متزايد من جانب المعارضين لأصالة وصحة الإنجيل، ولكنهم قوبلوا بنفس القوة والعزم من جانب المدافعين عنه " .
هذا ما جاء في دائرة المعارف بصورة إجمالية ولكني مع سياق الحوار سأقدم أن شاء الرب وعشنا دراستي الخاصة تفصيلا لإثبات صحة نسب هذا الإنجيل للقديس يوحنا .
2 – القرآن والإنجيل :ولكني أريد هنا وقبل أن نتعمق في الموضوع أن أطرح هذا الطرح ؛ وهو أن الحوار حول الإنجيل للقديس يوحنا يدور على ثلاثة محاور ، محور مسيحي إسلامي وهو الذي يثير هذه القضية لمحاولة التأكيد على الزعم القائل بتحريف الكتاب المقدس ، ومحور مسيحيي نقدي ، علماً بأن معظم النقاد تراجعوا ، مع الدراسة المستمرة عن معظم أراءهم وحصروا الإنجيل في دائرة القديس يوحنا وتلاميذه ، ومحور مسيحي إلحادي ، مبني أساسا على عدم وجود الله وبالتالي يرفض الوحي من الأساس ويعنيه أن ينفي صلة كتاب الإنجيل بالمسيح ليجعل من المسيح مجرد أسطورة أو شخص له قدرات فائقة لكن بعيدا عن الوحي والمعجزة .
وللأسف يستغل الأخوة المسلمين أراء هؤلاء النقاد ، القديمة ، ويتمسكون بها دون الالتفات إلى ما يقدمه المسيحيين من أدلة وبراهين تدل على صحة نسب الإنجيل للقديس يوحنا ، علما بأن هذه الآراء لا تهدم المسيحية وحدها بل تهدم المسيحية والإسلام معا وتنفي عن القرآن صفة الوحي تماما بل وتضعه في موقف الذي يجهل الحقائق لو افترضنا أن ما جاء به هؤلاء هو الحق !!!
تقولون لي الإسلام لم يذكر إلا الإنجيل فقط ولم يقل إنجيل يوحنا أو إنجيل متى أو غيره . حسنا ، ولكني أقول أن القرآن تكلم عن الإنجيل الذي كان مع المسيحيين ودعا أهل الإنجيل للحكم بما فيه " وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " (المائدة 46) . ووصف أهل الإنجيل بالذين في قلوبهم رأفة ورحمة " ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً " (الحديد 26) . وقال أنه كان بين يدي نبي المسلمين " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ (يا محمد) الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ (التوراة والإنجيل) وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ " (المائدة:48).
" وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ . وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ " (المائدة 47) ؟
بل ويقول أيضا و " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " (النحل 42) ، وأهل الذكر هنا هم أصحاب التوراة والإنجيل .
راجع موضوعنا "ما معني قول القرآن " يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ " ؟وهل رأى نبي الإسلام التوراة والإنجيل؟ "
http://www.nadyelfikr.net/viewthread.php?f...&tid=17678&sid=
فما هو الإنجيل الذي كان بين يدي المسيحيين وشهد لصحته القرآن ؟
وهنا نرجع للمؤرخين المسلمين بل ومن كتبوا ضد المسيحية والإنجيل ليقولوا لنا ما هو الإنجيل وما هي هذه الأناجيل التي كانت مع المسيحيين ، كما عرفوها عن المسيحيين :
1 – قال المؤرخ الإسلامي اليعقوبي (متوفي سنة 292 هـ) " وكان الأربعة الذين كتبوا الإنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا . اثنان من هؤلاء من الاثنى عشر واثنان من غيرهم " . (تاريخ اليعقوبي ط1. ص 88 – 89) .
2- وقال المسعودى (متوفى 346 هجرية) : قال عن كتاب الأناجيل " أما الذين نقلوا الإنجيل فهم : " لوقا ومارقس ( مرقس ) ويوحنا ومتي " (مروج الذهب للمسعودى ج 1 : 312) .
3 – ولا المؤرخ العربي الأندلسي الشهير ابن خلدون (متوفي سنة 1406) : والذي قال في كتاب " العبر وديوان المبتدأ والخبر " (ص 232 -233) : " وافترق الحواريون شيعاً ودخل اكثرهم بلاد الروم داعين الى دين النصرانية. وكان بطرس كبيرهم فنزل برومة دار ملك القياصرة ثم كتبوا الانجيل الذي انزل على عيسى صلوات الله عليه في نسخ اربع على اختلاف رواياتهم: فكتب متى انجيله في بيت المقدس بالعبرانية ونقله يوحنا بن زيدى منهم الى اللسان اللاطيني وكتب لوقا منهم انجيله باللطيني الى بعض اكابر الروم وكتب يوحنا بن زبدى منهم انجيله برومة وكتب بطرس انجيله باللطيني ونسبه الى مرقاص تلميذه. واختلفت هذه النسخ الاربع من الانجيل مع انها ليست كلها وحياً صرفاً بل مشوبة بكلام عيسى عليه السلام وبكلام الحواريين وكلها مواعظ وقصص والاحكام فيها قليلة جداً" .
أنظر الرابط التالي :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.as...W=الحواريين#SR1
4 – وقال ابو الفداء الحافظ ابن كثير (متوفي سنة774 هـ) في كتابه " البداية والنهاية " عن الأناجيل " وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عن أربعة : لوقا ومتى ومرقس ويوحنا. وبين هذه الأناجيل الأربعة تفاوت كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة ، وهؤلاء الأربعة اثنان ممن أدرك المسيح ورآه وهما متى ويوحنا. ومنهم اثنان من أصحاب أصحابه ، وهما مرقس ، ولوقا " (البداية والنهاية جـ 2 : 100 ط مكتبة المعارف ببيروت 1990م) .
5 - " الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام " ، (والذي كتب سنة 684 هـ ) ، وقد جاء فيه " وأما هذا الكتاب الذي يدّعي النصارى أنه الإنجيل فقد توافق هؤلاء النصارى على أنه إنما تلقي عن اثنين من الحواريين وهما متاؤوس ويوحنا ، وعن اثنين من تلاميذ الحواريين وهما ماركش ولوقا . وأن عيسي لم يشافههم بكتاب مكتوب عن الله كما فعل موسى ، ولكن لما رفع الله عيسى إليه تفرق الحواريون في البلاد والأقاليم كما أمرهم عيسى فكان منهم من كتب بعض سيرة عيسى وبعض معجزاته وبعض أحواله حسب ما تذكر ، وما يسر الله عليه منه " .
6 - " الملل والنحل " للشهرستاني (479 - 548 هـ) الذي قال : " ثم أن أربعة من الحواريين اجتمعوا وجمع كل واحد منهم جمعا سماه الإنجيل وهم : متي ولوقا ومرقس ويوحنا . وخاتمة إنجيل متي أنه قال : أنني أرسلكم الأمم كما أرسلني أبي إليكم . فاذهبوا وادعوا باسم الآب ، والابن ، وروح القدس ، وفاتحة إنجيل يوحنا : علي القديم الأزلي كانت الكلمة وهوذا الكلمة كانت عند الله . والله هو كان الكلمة ، وكل بيده " (الملل والنحل للشهرستانى ج 1 : 22) .
7 - ابن الأثير ( متوفى 630 هجرية ) : قال أن ملك الروم " نفي يوحنا الحواري كاتب الإنجيل إلى جزيرة في البحر " (الكامل في التاريخ لأبن الأثير ج 1 : 28) .
8 - الأمام عماد الدين (متوفى 740 هـ) قال أن " الإنجيل نقله عنه (المسيح) أربعة : لوقا ومتي ومرقس ويوحنا 000 وهؤلاء الأربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه وهما متي ويوحنا ومنهم اثنا من أصحاب أصحابه م قس ولوقا " (البداية والنهاية للأمام عماد الدين ج 2 : 100) .
9 - " هداية الحياري في أجوبة اليهود والنصاري " لابن قيم الجوزية الذي عاش فى الفترة (691-751هـ) والذي قال عن الأناجيل " وأما " الأناجيل " فهي أربعة أناجيل أخذت على أربعة نفر ، أثنان منهم لم يريا المسيح أصلا وهما : مرقس ولوقا ، وأثنان رأياه واجتمعا به وهما : متى ويوحنا ، وكل منهم يزيد وينقص ويخالف إنجيله إنجيل أصحايه في أشياء ، وفيها ذكر القول ونصيبه " (هداية الحيارى دراسة وتحقيق وتعليق محمد على أبو العباس ص142) .
10 - " الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة في الرد على اليهود والنصارى " للأمام شهاب الدين أحمد بن القرافي (626-684هـ) والذي قال عن الأناجيل " إن الأناجيل خمسة يعرف النصاري منها أربعة مشهورة ، والخامس لا يعرفه إلا القليل منهم ، فالأربعة ، الأول : إنجيل متى ، وهو من الحواريين الاثني عشر ، وبشر بإنجيله باللغة السريانية بأرض فلسطين بعد صعود المسيح إلى السماء بثمان سنين ثمانية وستون إصحاحا ، الثاني إنجيل مرقس ، وهو من السبعين وبشر بإنجيله باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد صعود المسيح - عليه السلام - باثنتى عشر عاما وعدد إصحاحاته ثمانية وأربعةن إصحاحا [الثالث] إنجيل لوقا وهو من السبعين ، وبشر بإنجيله بالأسكندرية باللغة اليونانية .. [الرابع] إنجيل يوحنا وهو من الاثنى عشر بشر بإنجيله في مدينة أفسس من بلاد رومية بعد صعود المسيح – عليه السلام - بثلاثين سنة وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحا " (الأجوبة الفاخرة ص 41و42 دراسة وتحقيق مجدي محمد الشهاوي) .
11- " المختار في الرد على النصارى للجاحظ المتوفي سنة 255هـ والذي كتب يقول عن النصارى " إنهم إنما قبلوا دينهم عن أربعة أنفس اثنان منهم من الحواريين بزعمهم " يوحنا ومتى واثنان من المستجيبة وهما مارقس ولوقش وهؤلاء الأربعة لايؤمن عليهم الغلط ، ولا النسيان ، ولا تعمد الكذب " (تحفة الآريب ص 14) .
12 – " تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب " والذي كتبه أنسلم تورميدا الشهير بعبد الله الترجمان الأندلسي ألف هذا الكتاب باللغة العربية سنة 823 هـ وكان هذا الرجل راهبا مسيحيا ثم أعتنق الإسلام . ويقول " أعلموا - رحمكم الله – أن الذين كتبوا الأناجيل أربعة هم : متى ، وماركوس (مرقس) ، ولوقا ، ويوحنا " (تحفة الآريب تقديم وتحقيق وتعليق محمود على حماية ط 1984 ص61) .
فإذا كانت الأناجيل (أو الإنجيل بأوجهه الأربعة) كما كانت مع المسيحيين كما أكد التقليد المسيحي وكما شهد بذلك الكتاب المسلمين منذ فجر الإسلام هي التي لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا ، وأن القرآن شهد لسلامة الإنجيل الذي كان مع المسيحيين وكان بين يدي نبي المسلمين بتعبير القرآن وطالبهم بالحكم بما جاء فيه !! إذا فهذه شهادة من القرآن على صحة الإنجيل بأوجهه الأربعة وصحة نسب كل إنجيل منهم لكاتبه المعروف ومنهم الإنجيل للقديس يوحنا !!!!! ومن يقل بغير ذلك ينفي عن القرآن صفة الوحي وينعته بأنه جهل حقائق كشفتها مدارس النقد فيما بعد ، هذا إذ صح ما تدعيه مدارس النقد الإلحادية زمن تأثر بها بعد ذلك .
مع تحياتي
الراعي / عمانوئيل