تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
هنا رمضان---قصة قصيرة
#1
الشمس في عليائها تمارس تذويبنا كما العادة...في هذا الشرق الساخن الذي يحترف انتظار الماء و الارتواء...لكن لا امل في غيمة واحدة تتمرد على الافق الازرق الملتهب...انه الصيف...و الصيف شمس دائمة القهر
و ككل المواطنين الواعين بالدور التاريخي للامة العربية الاسلامية في هذا المنعطف الحاسم...فانني التزم بشرب اكثر من لترين من الماء يوميا...و بتجنب الشمس في وقت الظهيرة... و وضع كاسكيط واقي كلما سنحت الفرصة...المواطنة التزام...على الرغم من انه هنا التزام بالواجبات فقط...اما الحقوق فيمكن انتظارها في الاخرة على اقل تقدير...لكنه يبقى التزاما مبنيا على اخف الضررين...و الضرر هنا يصيبني انا المواطن البسيط...لكن لا باس...الم يقولوا لنا اطيعو الله و اولي الامر منكم
المشكل الان هو انني مضطر للتخلي عن هذا الاتزام الحيوي في تاريخ الامة...لان التزاما اخر اكثر حتمية في التاريخ حان دوره...و هو الالتزام الرمضاني العتيق...اي بعبارات دستورية سينتقل التزامي من وصاية وزراة الصحة الى وزارة الاوقاف و الشؤون الاسلامية...و انعم بها من وزارة
اليوم الاول من رمضان...اليوم الاول من الصيام...و يوم اخر من الحرارة المفرطة و الملل الاعتيادي...
كعادتي استفقت مبكرا...و منذ اول لحظات الصباح علمت ان اليوم سيكون طويلا و مرهقا...اعلم انه خطا فظيع و غير مسؤول و استهتاري ان يصحو شاب عاطل مثلي في يوم رمضاني في مثل هذا الوقت...الاستيقاظ لكل شاب عاطل يحترم نفسه يجب ان يكون بين العصر و المغرب...لا قبل و لا بعد...لكن ماذا اعمل اذا كان دماغي يرفض الانطفاء طويلا...و مع كل استيقاظة خفيفة يدخلني في دوامة لا تنتهي من الافكار و الوساوس و الالام الوجدانية التي لا اجد لها دواءا
اعلم انها افكار غير اعتيادية بالمرة...قد اقول عنها ايضا شيطانية و جهنمية...لكن محركا منطقيا لا يهدا بدا اشتغاله في عقلي و لا سبيل الى ايقافه...و انا لا انوي ذلك...يكفي ما مر من اندثار و خمول نسيت معه انني لازلت في الحياة
بحركة اعتيادية...غسلت وجهي...و كدت ان اتجرع بعض الماء...لكنني لفظته في اخر لحظة....لعن الله العادة و الاعتياد....اليوم سيكون طويلا...بدون قهوة و بدون سجائر...لا ادري فعلا كيف سيمر اليوم
جلست في غرفتي اشاهد الحائط و يشاهدني...لونه باهت...تماما كثقافتنا و نظرتنا الاحادية للحياة...خرج صرصار صغير من شرخ في الحائط الباهت...تخيلت عائلته الصغيرة تنتظره بما سياتي به من اكل...الصرصار يعمل و انا عاطل...الله يرزقه و ابقى انا بلا رزق شخصي...ليس ذنبي اقسم لكم...و اذا شككتم تعالوا و القوا نظرة بسيطة على حذائي كيف اصبح شكله...لو خرج لحذائي هذا لسان لاشتكاني في المحكمة العليا لما سببته له من معاناة و انا اطوف بين الشركات باحثا...اه يا حذائي المسكين...انا و انت ضحايا هذا العالم البائس الذي لا يستحي في قسوته
هل رايتم هلاوس الصيام...و الجوع و العطش
ارتديت ملابسي...ساحاول ان اقوم بجولة في جنب البحر لعل الوقت يمر اسرع و لعل افكاري تصفو قليلا من عكارتها...خرجت...متسلحا بواقي الشمس بكل تاكيد...و بقميص خفيف...الزنقة فارغة تماما من كل مخلوق بشري...فقط بعض القطط مستلقية باسترخاء في ظل المنازل الصامتة و جنبها بقايا سردين حوله ذباب كثيف...ان تصبح على قطة هزيلة و جثث سردين خير من ان تصبح مثلا على وجه عدنان جاري السلفي...مضيت الى الشارع...الحوانيت مقفلة و المقاهي مطوية في سكون غريب حتى بائع الجرائد مقفل...لابد انه نائم ايضا
ترائى لي البحر من بعيد...ازرقا كلون امل مستحيل...بعيدا ككل ما تمنيته في الحياة...عميقا كرغبتي في فهم العالم و ما فيه...ذهني يصفو اخيرا امام هذا الجمال الصامت الذي يخاطبك دون كلمات و دون سفسطة...فكرت ان اللغة في كثير من الاحيان اختراع فاشل و فوضوي...و انها كاداة لا تصلخ في كثير من الاحيان الا للتضليل عوض الحقيقة...انها محدودة جغرافيا و تارخيا و نسبية في معانيها الى ابعد الحدود...و قد تعني هنا شيئا و هناك شيئا...و من العبث مثلا ادعاء انني ساوجه رسالة قدسية سامية الى العالم باسره و احشرها كل جماليتها في لغة واحدة...سيكون ذلك جهلا فظيعا بفلسفة اللغة و دورها التاريخي النسبي
راسي يؤلمني...بسبب غياب القهوة و السجائر بالتاكيد...لكنني ساواصل التفكير..يكفي ما مضى من موت اكلينيكي للذاكرة و الذكاء...يكفي ما كان من جهل و وصاية
قادني التفكير في اللغة الى التفكير في دورها الاساسي...التواصل..و قلت ان هذا المفهوم الملتصق بحياتنا كل لحظة لا نتنفع منه و لا هو ينتفع منا...غائب رغم حضوره الهلامي الوهمي...لا نتقن منه الا اولياته و اشكاله الهندسية الفارغة...اما عمقه و غناه الانساني فنحن لا نعرفه...ربما لانه يستلزم الحرية...حريتنا و حرية الاخر...هو في التعبير و نحن في الاستماع و القبول و الاحترام...رمضان مثلا...هل سيقبل احد من سواد هذا البشر الكثيف الفارغ ان يتواصل معك حول جدواه و حرية قبوله ام رفضه...هنا سينمحي التواصل...و ستبدا اللعنات...ستخرج السيوف من اغمادها و تسن الالسن العقيمة لتلفظ في وجهك ايات التكفير و التذكير...ستنمحي اللغة ليحل مكانها الترديد و اخراج ما في الجوف...لن تكون لغة..ستكون فقط انقباضات احبال صوتية في حنجرة حيوان ثدي يسمى مجازا بالانسان
الم اقل لكم افكاري اصبحت شيطانية...لكن لماذا شيطانية-ماكينة المنطق ترفض ان تتوقف كما تعلمون-هل كل من فكر بحرية ما خارج نطاق سور الدين العظيم كما لقنوه لنا يصبح فاسقا و العوبة في يد الشيطان...هذا ايضا حكم مسبق و لافتة ملصقة بعناية في لاوعينا...لاتخلص منها و ارى
تذكرت ازمتي...البطالة و الفراغ...على الرغم من انني مجاز و بامتياز في شعبة علمية جيدة...لكن كل الابواب تحترف لفظي و ترمقني عتباتها بازدراء...اذ ما هو مجاز فقير و من طبقة شعبية...لا شيء...الطز سينتظرك من كل الافواه المسؤولة...تسائلت لماذا فقط اولاد القحبة و الانتهازيون هم من يمسك بسدة الامور في هذا البلد التعيس...هناك خلل جوهري لا احد يريد ان يلقي عليه الضوء...طابو يخاف منه الكل...نحن متخلفون...و جدا...و كثيرا...يطيب للسلفيين ان يقولوا اننا في الحضيض العفن لاننا بعيدون عن دين الله....كيف ذلك و الشعب كله مسلم...كيف ذلك و المساجد ممتلئة و اللحي كالطوفان تجتاح الوجوه و العقول...كيف و الحجاب فوق كل الرؤوس و الافكار....كيف....يقولون لا يكفي...لكنه كفى في افغانستان طالبان و في السعودية و في السودان...و هؤلاء كلهم معنا في هاوية الفراغ...لم يشفع لهم ايمان الدولة او دولة الايمان من ان يتخلصوا من عاهاتهم المستديمة على مستوى الاقتصاد و السياسة و المجتمع....حتى هنا...الكل صائم يتعبد الله بالجوع و العطش...و التراويح تستقطب لقيامها اكثر من ما تستقطب جامعات البلد كله....فلماذا لا يتغير شيء
ساقوم بجولة في الشوارع...بدات اشعر بالملل و الشمس ايضا اشتد لهيبها
في ممر الراجلين و رغم الضوء الاحمر...مرت سيارة فخمة بسرعة فائقة و كادت تدهسني...سائقها لا يخاف القانون على ما يبدو....ابن قحبة اخر...تبا..ما اكثرهم في هذا البلد...
الشوارع فارغة دائما...الكل مختبئ و لا يريد الخروج...تذكرت احصائية تقول ان كل الخدمات العمومية تنخفض جودتها و نسبتها و وتيرتها في رمضان...امر عادي...كيف سيشتغل الانسان و طلباته الحيوية البيولوجية مفتقدة...تنتظر غروب الشمس...او غروب الانسان ذاته...شخصيا لا احب المجازفة في ادارة عمومية في رمضان...لانني غير ما مرة اواجه مواقف لا احسد عليها من طرف الموظفين الصائمين المتعبدين بصيامهم...احدهم ذات مرة كاد ان يبصق في وجهي و يضربني...و لو استطاع لمزقني اربا و عمل مني شربة معتبرة...لكن زميلة هداه ثم قال لي بقرف لا تاخد عليه انه صائم..ارجع في وقت اخر
لم ارجع
الموظف صائم اكرمكم الله
و الموظفون الاخرون مختبئون ايضا في مكاتبهم يقتلون الوقت و ينتظرون كالسجين ساعة العصر....ساعة الافراج
عدت الى المنزل...و تاملت الحائط مرة اخرى...
في العصر عاد الوالد و الوالدة من العمل...وجه امي كان اصفرا على غير عادته...قلت ربما بسبب الشاي الذي لم تشربه...ابي دخل كالمجنون الى غرفة النوم و قال بصوت ضعيف ايقظوني حينما يؤذن
ربطت امي راسها بمنشفة صغيرة...و قالت اذهب للسوق احضر هاته اللائحة...مسكينة امي
السوق ممتلئ...و الباعة المتجولون منتشرون كالفطر في جنباته...كل الاعمار تجدها هنا...و كل الالوان...فقط يجمعهم شيء واحد...الجوع...هو الذي يحركهم في كل هاته الاركان بكل هاته الخفة و السرعة و اللهفة...انهم يشترون كل شيء...كل المواد الغذائية تختفي بسرعة كبيرة...و الكل يشتري من الشيء اثنين و ثلاثة...لا اظن ان كل هذا سيؤكل...لماذا يشترونه اذا....هل المجاعة غذا و انا لا اعلم
لكي اشتري لتري حليب كان يجب ان احارب....و احارب هنا ليست مصطلحا مجازيا...انها فعلا ما قمت به....الكل يحارب من اجل الحليب...اني لها
بعد المعركة الاولى...تيقنت ان معاركا اخرى تنتظرني...استعددت لذلك نفسانيا و قكرت ان اقوم ببعض الحركات التسخينية...لكنني قلت ان منظري سيكون سخيفا...على كل ان جيد الان بعد معركة الحليب الاولى....
خضت المعارك الاخرى كالتالي...السكر...الخبز...بعض الحلويات...ثم التوابل
قلت مع نفسي و انا اخرج منتصرا...ان هاته التصرفات تكاد تكون عفوية...جب البقاء هو الذي يدفع هاته الكائنات الى شراء كل هذا الكم...لاواعيا يشكل لهم الجوع خطرا يهدد البقاء...يهلوس نظرتهم الى الحياة و يدفعهم للجشع و رغبة الاحتكار...احتكار الطعام
هذا الهلع يثبث ان الناس لا يصومون باقتناع او رغبة حرة واعية بنيت على اختيار عقلاني راشد...انما اعتيادا فقط...اباؤنا كانوا يصومون...اذا يجب ان نصوم...الحشو التقليدي للافكار مورس منذ الصغر...صعب ان براه هؤلاء بعين غير هاته...السؤال الاخر هو هل الصيام كمنظومة للايمان يفي فعلا بغرضه...و هل هو صالح لزماننا؟
كمعزز للايمان لا اظن ذلك...قرون و قرون من رمضانات طويلة عريضة لم تغير فينا شيئا...لم نتقدم...لم ننتج...لم نتطور...راوحنا في مكاننا وربما نحو الاسفل...نحو القاع...لا شيء تغير في سلوك الناس....لا شيء
الصلاحية منتهية ايضا...نظام اسس في ماضي عتيق و في صحراء قاحلة لا مكان له واقعيا في زماننا
افكاري شيطانية...لكنني مسؤول عنها...و ساتبناها...يكفي خوفا و تبعية للقطيع
دخلت الى المنزل....وضعت الحاجيات...ذهبت الى غرفتي...اشعلت سيجارة...
دخنت
الرد


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  النفق (قصة قصيرة) رائد قاسم 0 3,188 12-24-2013, 03:49 PM
آخر رد: رائد قاسم
  اشباح النهار ( قصة قصيرة) رائد قاسم 0 3,229 12-11-2013, 11:23 AM
آخر رد: رائد قاسم
  شياطين الفجر الأسود (قصة خيالية) رائد قاسم 0 2,706 11-20-2013, 07:16 PM
آخر رد: رائد قاسم
  شقشقه ( قصة قصيرة) رائد قاسم 0 2,994 11-14-2013, 11:34 PM
آخر رد: رائد قاسم
  الرؤيا (قصة قصيرة) رائد قاسم 0 2,820 03-28-2013, 02:48 PM
آخر رد: رائد قاسم

التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 1 ) ضيف كريم