التحويل الرأسمالي
على غرار مصطلح التحول الاشتراكي ، يأتي مصطلح التحويل الرأسمالي على أيدي الاشتراكيين .
ولكن السؤال إذا كان سوف يتم هذا "التحويل" وليس "التحول" (انتبهوا للكلمة جيداً) .. إن عاجلاً أو آجلاً فلماذا قام الاشتراكيين بثورتهم ومن ثم انتظار مدة من الزمن في الحكم ومن ثم القيام بعملية تحويل عكسية فاشلة كسابقتها ... ؟
هذا السؤال الذي نعتبر الإجابة عليه بديهية وسهلة من أصعب الأسئلة التي تطرح في ظل فوضى المفاهيم ...
قد يعتقد البعض أن الاشتراكيين قد أدركوا أن التوجه الصحيح هو توجه السوق أو أنه مكره أخاك لا بطل أو أو ...
لكن كل هذه الأجوبة لا تقدم تشخيصاً مقبولاً لحركة التاريخ ... ونخطأ إذا ما اعتمدنا على هذا التشخيص السطحي ...
السلطة هي المطلب الأساسي لعابديها ... ولكن كيف الطريق إليها ...
إن أصحاب رأس المال أو الإقطاع أو الأملاك الكبيرة لن يعدموا الحيلة أو الوسيلة للحصول على السلطة في المجتمع بمساعدة المال الذي هو عامل أساسي من عواملها...
لكن كيف للمحرومين والفقراء أن يأتوا إلى السلطة وأن ينازعوا الأغنياء عليها إذا لم يكن بيدهم المال الذي يساعدهم على ذلك ، وبدون المال لا أنصار ولا قوة ولا أتباع ولا شيء من حولهم ...!!
طبعاً الكل استنتج أن الحل السحري هو النظريات الأيديولوجية بكافة أشكالها وعلى اختلاف أنواعها من أقصى اليسار وصولاً إلى أقصى اليمين مروراً بالمال والاقتصاد والعرق والدين ... إلخ
تبدأ الأيديولوجية ، بتشخيص المشكلة القائمة على الأرض من قبل "الساعين للسلطة" . ومن ثم وضع مبادئ وآليات لتغيير هذا الواقع ومن ثم تطبيق هذه الآليات للوصول إلى السلطة .. ومن ثم تعميم هذه الأيديولوجية من أجل خدمة المصالح الشخصية ... وقد يعتقد البعض أن هناك من البشر من يخدم أيديولوجية معينة دون الاستفادة منها وقد يضحي بكل ما يملك أو بحياته دون الحصول على شيء ... وهذا طبعاً غير صحيح إلا في حالتين لا ثالث لهما وهما حالة الأغبياء وحالة المثاليين ...
أما الساعين للسلطة وعابديها فتضحياتهم محسوبة تؤتي ثمارها ... وفي حالات قد لا تستجيب الظروف فيذهبون هباء هم وتضحياتهم.. ولكن يخلدون بواسطة الساعين للسلطة الذين يأتون من بعدهم ، متنسمين عبق ذكراهم الطاهرة.. !!
إذاً كما كل الأيديولوجيات أتت الأيديولوجية الاشتراكية لتوصل المحرومين إلى السلطة ولتزيح الأغنياء القدماء ... وتصنع أغنياء جدد ...
وهنا تبدأ المعضلة ... بعد أن يتربع الساعين للسلطة على عرشها في مجتمعاتهم ودولهم ... يقومون يمحاولة تحويل قصرية للمجتمع واقتصاده نحو الاشتراكية والهدف الوحيد القبض على مقدرات المجتمع وإحكام السيطرة عليه ...
ولهذا الإحكام شكلين أساسيين :
الشكل الأول : السيطرة على الحكم دون تجميع الثروات الشخصية .
الشكل الثاني : السيطرة على الحكم وتجميع الثروات الشخصية .
ورغم ان الشكليين يخدمان هدف واحد وهو السلطة ... إلا أن الشكل الثاني هو الحالة الأعم والمشكلة الحقيقية لأنه الامتداد البشع للرأسمالية برداء الاشتراكية ...
إن خدعة تأميم الأملاك الخاصة لتصبح ملكاً للدولة والشعب باتت خدعة مكشوفة لأنه علينا أن نتساءل ومن يملك الدولة والشعب...؟!
عندها سيظهر واضحاً لنا أن اللعبة هي هي ولكن مرة تسمى رأسمالية ومرة تسمى اشتراكية ...
من هنا سوف نكتشف لماذا الدول والأحزاب خاضت في مرحلة ما عملية التحويل الاشتراكي ومن ثم عادت لتخوض عملية التحويل الرأسمالي "الخصخصة" أي بمفهوم أوضح بيع أملاك الشعب التي تم الاستيلاء عليها سابقاً من الشعب باسم الشعب من أجل مصلحة الشعب ... !!
يبقى أن نوضح فوائد التحويل الرأسمالي " الخصخصة" للاشتراكيين الجدد ..
إن الرأسمالية بأشكالها المتطورة تجلب بحكم الضرورة الديمقراطية معها على اختلاف أشكالها... ورغم أن الديمقراطية الغربية ليست ديمقراطية الشعوب بل هي ديمقراطية رأس المال إلا أنها أفضل من لا شيء قليلاً...
فالإعلام الممسوك من قبل شركات كبرى لتوجيه الرأي العام ، يصبح مشكوكاً بأمره كإعلام أي سلطة في دولة من دول العالم الثالث أو الاشتراكي .
والانتخابات التي تكلف مئات الملايين من الدولارت تصبح محط تساؤل عن الفرق بينها وبين الانتخابات الاشتراكية فواحدة توجه الأصوات بالعصا والأخرى بالجزرة ..!!
ويصبح الفرق بين الديمقراطية الغربية ودكتاتورية دول العالم الثالث فرقاً في الشكل لا أكثر مع ترجيح الكفة بعض الشيء للديمقراطية الغربية ...
فالشركات الرأسمالية في الدول الكبرى هي المُسيّر لعجلة الاقتصاد وهي المسهل لأقوات الشعوب داخل هذه الدول وخارجها ، وبالتالي هي صاحبة الأمر والنهي ولكن ضمن ضوابط ومفاهيم متفق عليها للإبقاء على السفينة مبحرة من أجل مصلحة الجميع .. وهذه الضوابط والمفاهيم تسمى لديهم بالقانون والدستور والدولة تسهر على تنفيذهما .. ليس حباً بالدستور والقانون ولكن لمعرفة الجميع أنه في لحظة ما سيحتاج إلى حَكم أو عضد يلجأ إليه وقت الشدة ، فلا أحد يبقى قوياً إلى الأبد وفق تقلبات الأسواق واجتماع الآخرين ضده ..
بينما في أنظمة دول العالم الثالث غالباً لا يوجد إلا شركة واحدة مسيطرة ولها رئيس مجلس إدارة واحد ألا وهي الدولة ، والشعب يعمل لدى هذه الشركة وقلما تجد مساهمين حقيقيين في هذا الشركة من أبناء الشعب خارج دائرة المنتفعين والأصدقاء والأقرباء .... فلذلك لا ترى إلا قانون واحد وهو قانون هذه الشركة لأنه وببساطة شديدة لا يوجد غيرها ...
إذاً بعد كل هذا السؤال الذي يطرح نفسه هل الديمقراطية على الطريقة الغربية أو على أي طريقة مسموحة في دول العالم الثالث ..؟
أعتقد أن التسرع في الاجابة على هذا السؤال سوف يؤدي بنا إلى تشكيل رؤية خاطئة ورأي سطحي عما يحيط بنا من ظروف ويعترينا من عوامل ...
ومن أهم هذه العوامل عاملين اثنين :
1- النضج الحقيقي للشعوب التي تسعى إلى الديمقراطية ... وهذا أمر لا يحتاج إلى كثير شرح .
2- إرادة الدول الكبرى في تحقيق الديمقراطية أو غض الطرف عن الارهاصات الداخلية التي تؤدي إلى الديمقراطية في هذه الدول (ما يسمى بنظرية المؤامرة) .
فالرأسمالية العالمية ممثلة بالدول الغربية تفضل التعامل مع دول العالم الثالث ممثلة بطرف واحد ويفضل أن يكون هذا الطرف فاقد للشرعية الشعبية كي تكون المفاوضات على المصالح أسهل وأيسر ... مع التشديد على ان تعدد أصحاب رأس المال في دول العالم الثالث وتداول السلطة قد يكسب هذه الدول بعض المزايا ويفقدها مزايا أخرى ، ففي النهاية في صراع الأسواق الغلبة لمن يملك رأس المال الأقوى والرؤية الأوضح والاستراتيجية البعيدة المدى .
مما سبق ... أصبح استنتاج سبب التحويل الرأسمالي من قبل الاشتراكيين الجدد بعد قيامهم بعملية التحويل الاشتراكي مفهوماً .
فالقضية تتعلق بأمرين اثنين لا ثالث لهما (المال والسلطة) ... ففي فترة الصعود نحتاج إلى التحويل الاشتراكي للوصول والتربع على العرش وفي فترة البقاء نحتاج إلى التحويل الرأسمالي للحفاظ على المصالح وتوازن القوى ...
إلى هنا سأكتفي ... ولي عودة مع موضوع جديد من السلة ...