تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
حبيبتي سلمى : من مذكرات الجيل والحمير
#1
كنت في مكتبي عندما رن هاتفي الشخصي لأسمع صوت صديقي شادي يتصل من الداخل: "أن يا عامر أنقذ حبيبة عمرك، لقد اختطفها النظام"...
منذ اندلعت الثورة، وأنا أقفز من مكاني عندما يأتيني اتصال من بلدي، وقد كنت دوماً مخطئاً.... ولكن في هذه المرة قفزت كالمجنون بعد الاتصال، فحبيبتي سلمى في خطر...
أختي الكبيرة أيضاً أكدت لي الخبر، وأضافت بكل برود "من زماااان"....
لماذا لم تخبرني ؟ هل خافت فعلاً على مشاعري كما ادعت أم أن لها غايةً من وراء ذلك ؟!
تمنيت أن يكونا مخطئين، ولكن التفاصيل التي أعطاني إياها شادي جعلتني أصدق وأشمئز وثارت ثائرتي... فكل شيئ كان واقعياً ومؤلماً... كيف لم أدرِ طيلة هذا الوقت ؟
"عليك أن تتخذ قراراً بما تنوي فعله يا عزيزي..."... هذا كان آخر قوله قبل أن يقفل الخط...
حبيبتي سلمى اختطفت !! وشادي محق... إذ لا أحد غيري بإمكانه تحريرها...
كانت الأيام الثلاثة التي انتظرتها ريثما أركب طائرة إلى بلدٍ مجاورٍ طويلة كالدهر...
ربيت معها في نفس القرية وذهبنا إلى نفس المدرسة الابتدائية...
كان شعرها يصل إلى خصرها، ونظرتها مليئة بالبراءة والأمل...
"يا عامر، لا تتهور... فكر قبل أن تتصرف..."
شادي يطلب المستحيل... هذه سلمى التي كنت أقعد معها تحت شجرة التين لساعات... وعندما تميل الشمس نلجأ إلى خلف حائط اللبن القديم نروي تفاصيل التفاصيل تارة، ونغني أو نصمت تارات...
كنت مقيماً في بلدٍ أجنبي لكسب رزقي... وبقينا نتواصل لعامٍ ونيف...
كانت اتصالاتنا تحييني وتبعث في القدرة على العمل ومتابعة جمعي لما يمكنّني من الزواج بها وبناء أسرتنا يوماً...
"انتظر... في النهاية، أعتقد أنك يجب أن تنساها" !!!!
شادي يطلب المستحيل.... كيف أنسى سلمى ؟ كيف أنسى شجرة الجوز في كرم جدي، أو رائحة الربيع في الجبل الغربي ؟... كيف أخرج من قلبي وجسدي وعقلي وذاكرتي ؟
كيف أتركها بين براثن المجرمين يلعبون بها، بجسدها وبعقلها، بماضي ومستقبلي...
كان ضجيج الدراجة النارية التي تنقلني في الليل عبر الجبال الحدودية هو الوحيد الذي يؤنس حلكة الليل الذي ولجت فيه... بحرٌ من ليلٍ وظلامٍ يكاد لا ينتهي... وسائقٌ لا يهمه شيئ سوى ألا يعثر بصخرة أو بلغمٍ زرعه الجيش...
أين كنت يا عامر وأين أصبحت ؟
بالأمس كنت في مكتبك تستقبل الزبائن في إحدى العواصم الأوربية، واليوم تتنقل خفيةً في الليل بين مدينة ومدينة من وطنك المدمر والمسلوب.... دويّ انفجارٍ في صوب، وأصوات رصاصٍ في آخر.
"انتظر حتى تنتصر الثورة... لا تأت الآن... كل شخصٍ سيحاسب عندها... ومن ارتكب جرائم القتل والتعذيب سيدفع الثمن"...
لا... سلمى كانت حلمي وحياتي.... سلمى كانت كل شيئ بالنسبة لي...
اختلفنا قليلاً في بداية الثورة...
أرجوك افهميني، أنا أؤيد الثورة لأنني أحبك.
أنا أؤيد الثورة لأنني مؤمنٌ أنه لولا النظام الفاسد لكنا زوجين منذ سنين...
أنا أؤيد الثورة لأنك أنت الثورة وأختي الثورة وشادي الثورة وكل من أحببتهم يوماً وأردت لهم الخير.
توقفنا عن المراسلة والمهاتفة لفترة، ولكن كان لدي دوماً أمل في أن أسترجع حبها... ليست إلا غمامةً عابرة... ليس إلا مجرد خلاف بسيط....
باعني المهرب مسدساً على الطريق. "لا تعرف... قد تحتاجه في هذه الظروف الصعبة"...
أتذكرين عشية سفري كم بكينا ؟
أتذكرين الوعود التي قطعناها على أنفسنا ؟
اتصلت بشادي فور وصولي إلى قريتنا: "أين هي ؟ أين هي ؟؟؟؟"
رد بصوت يلومني به ويقرعني: "في المدرسة التي تحولت إلى معتقل... عنيد !"...
بضع شهور قضيتها يوماً بيوم يا سلمى في هذه المدرسة المعتقل...
ترى كيف تشعرين ؟ ترى ماذا عانيت ؟
أعرف سور المدرسة شبراً شبراً... فطالما هربت من فوقه خارجاً من المدرسة لأقابلك...
وهأنا أقفز من فوقه مجدداً لأبحث عنك...
كانت واقفة في أحد الصفوف...
كيف لا أميز شعرها وجسدها وحركاتها ولفتاتها...
كان الصراخ المؤلم يخرج من كل الصفوف...
وكانت ترتدي بزةً عسكرية وتعذب بضعة معتقلين، أعرفهم من قريتنا...
كان الدم يسيل من فم أحدهم، بعضهم مقيد وملقى على الأرض بدون حراك.
نظرت إلي، ورأيت مزيجاً من الخوف والمفاجأة والخجل في عينيها...
كان الدمع في عيني يغشي صورتها الجميلة...
وضغطت على الزناد...
الرد
#2
هجرت الأدب منذ دهور
وكلما قرأت عنواناً جذاباً أراوغ أمام نفسي بأني سأعود يوماً ما لقرءة ما تكتبه الروح لا العقل، لكن الآن هناك أولويات
وطال زمن الانشغال بالأولويات المتراكمة التي تستغرق ثلاثة أعمار ويزيد، وامتدت هذه "الآن" التي كنت اعتقدها وقتية لسنوات طالت
واليوم قررت أخيراً ولوج صفحة الأدب
ورأيت العنوان الذي قرأته أكثر من مرة في توقيعك:

رائعة

وسلمى بالفعل اختطفها النظام بعمليات غسيل الدماغ التي كنت أظن أنها من السذاجة بحيث من المستحيل أن تؤثر في النشء ليصدقوها، وتأثيرها الوحيد في ذلك الزمان كان في تجفيف منابع العقل لتوسيع المدارك. لكن الواقع أثبت أن عملية غسيل الدماغ تلك ليست فاشلة تماماً بدليل آلاف الشبيحة وبدليل سلمى التي ماتت مرتين، وكم سلمى في سوريا اختطف عقلها او اختطف جسدها.

كل الود
الرد
#3
شكراً لمرورك عزيزي إيلين...
لو أخبرني شادي أو أختي عن وضع سلمى بشكل مبكر، لكان من الأسهل إنقاذها.
لكن ما حصل قد حصل.

نسخة معدلة من القصة :

كنت في مكتبي عندما رن هاتفي الشخصي لأسمع صوت صديقي شادي يتصل من الداخل: "أن يا عامر أنقذ حبيبة عمرك، لقد اختطفها النظام"...
منذ اندلعت الثورة، وأنا أقفز من مكاني كلما أتاني اتصال من بلدي، وقد كنت دوماً مخطئاً ومبالغاً في تفاعلي.... ولكنني في هذه المرة قفزت كالمجنون بعد الاتصال، فحبيبتي سلمى في خطر...
أختي الكبيرة أيضاً أكدت لي الخبر، وأضافت بكل برود "من زماااان"....
لماذا لم تخبرني ؟ هل خافت فعلاً على مشاعري كما ادعت أم أن لها غايةً من وراء ذلك ؟!
تمنيت أن يكونا مخطئين، ولكن التفاصيل التي أعطاني إياها شادي جعلتني أصدق وأشمئز... وثارت ثائرتي، فكل شيئ كان واقعياً ومؤلماً...
كيف لم أدرِ طيلة هذا الوقت ؟
"عليك أن تتخذ قراراً بما تنوي فعله يا عزيزي..."... هذا كان آخر قوله قبل أن يقفل الخط...
حبيبتي سلمى اختطفت !! وشادي محق... إذ لا أحد غيري بإمكانه تحريرها...
كانت الأيام الثلاثة التي انتظرتها ريثما أركب الطائرة إلى بلدٍ مجاورٍ طويلة كالدهر...
ربيت معها في نفس القرية وذهبنا إلى نفس المدرسة الابتدائية...
كان شعرها يصل إلى خصرها، ونظرتها مليئة بالبراءة والأمل...
"يا عامر، لا تتهور... فكر قبل أن تتصرف..."
شادي يطلب المستحيل... هذه سلمى التي كنت أقعد معها تحت شجرة التين لساعات... وعندما تميل الشمس نلجأ إلى خلف حائط اللبن القديم نروي تفاصيل التفاصيل تارة، ونغني أو نصمت تارات...
كنت مقيماً في بلدٍ أجنبي لكسب رزقي... وبقينا نتواصل لعامٍ ونيف...
كانت اتصالاتنا تحييني وتبعث في القدرة على العمل ومتابعة جمعي لما يمكنّني من الزواج بها وبناء أسرتنا يوماً...
"انتظر... في النهاية، أعتقد أنك يجب أن تنساها" !!!!
شادي يطلب المستحيل.... كيف أنسى سلمى ؟
كيف أنسى شجرة الجوز في كرم جدي، أو رائحة الربيع في الجبل الغربي ؟...
كيف أخرج من قلبي وجسدي وعقلي وذاكرتي ؟
كيف أتركها بين براثن المجرمين يلعبون بها، بجسدها وبعقلها، بماضي ومستقبلي...
كان ضجيج الدراجة النارية التي تنقلني في الليل عبر الجبال الحدودية هو الوحيد الذي يؤنس حلكة الليل الذي ولجت فيه...
بحرٌ من ليلٍ وظلامٍ يكاد لا ينتهي... وسائقٌ لا يهمه شيئ سوى ألا يعثر بصخرة أو بلغمٍ زرعه الجيش...
أين كنت يا عامر وأين أصبحت ؟
بالأمس كنت في مكتبك تستقبل الزبائن في إحدى العواصم الأوربية، واليوم تتنقل خفيةً في الليل بين مدينة ومدينة من وطنك المدمر والمسلوب.... دويّ انفجارٍ في صوب، وأصوات رصاصٍ في آخر.
"انتظر حتى تنتصر الثورة... لا تأت الآن... كل شخصٍ سيحاسب عندها... ومن ارتكب جرائم القتل والتعذيب سيدفع الثمن"...
لا... سلمى كانت حلمي وحياتي.... سلمى كانت كل شيئ بالنسبة لي...
اختلفنا قليلاً في بداية الثورة...
أرجوك افهميني، أنا أؤيد الثورة لأنني أحبك.
أنا أؤيد الثورة لأنني مؤمنٌ أنه لولا النظام الفاسد لكنا زوجين منذ سنين...
أنا أؤيد الثورة لأنك أنت الثورة وأختي الثورة وشادي الثورة وكل من أحببتهم يوماً وأردت لهم الخير هم الثورة.
توقفنا عن المراسلة والمهاتفة لفترة، ولكن كان لدي دوماً أمل في أن أسترجع حبها... ليست إلا غمامةً عابرة... ليس إلا مجرد خلاف بسيط....
باعني المهرب مسدساً على الطريق. "لا تعرف... قد تحتاجه في هذه الظروف الصعبة"...
أتذكرين عشية سفري كم بكينا ؟
أتذكرين الوعود التي قطعناها على أنفسنا ؟
أتذكرين عهدنا بألا ينسى أحدنا الآخر، وأن نفعل المستحيل كي نبقى سوياً ؟
اتصلت بشادي فور وصولي إلى قريتنا: "أين هي ؟ أين هي ؟؟؟؟"
رد بصوت يلومني به ويقرعني: "في المدرسة التي تحولت إلى معتقل... عنيد !"...
بضع شهور قضيتها يوماً بيوم يا سلمى في هذه المدرسة المعتقل...
ترى كيف تشعرين ؟ ترى ماذا عانيت ؟
أعرف سور المدرسة شبراً شبراً... فطالما قفزت من فوقه هارباً من المدرسة لأقابلك...
وهأنا أقفز من فوقه مجدداً لأبحث عنك...
كانت واقفة في أحد الصفوف...
كيف لا أميز شعرها وجسدها وحركاتها ولفتاتها...
كان الصراخ المؤلم يخرج من كل الصفوف...
وكانت ترتدي بزةً عسكرية وتعذب بضع معتقلات أعرفهن من قريتنا...
كان الدم يسيل من فم أحدهن. بعضهن مقيد وملقى على الأرض بدون حراك.
نظرت إلي، ورأيت مزيجاً من الخوف والمفاجأة والخجل في عينيها...
كان الدمع في عيني يغشي صورتها الجميلة...
وضغطت على الزناد...
الرد


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  مذكرات سائح فى المريخ العارف 2 1,601 06-17-2008, 02:39 AM
آخر رد: العارف
  حزن حبيبتي ضياء 2 1,926 10-18-2007, 10:30 PM
آخر رد: عادل نايف البعيني
  حبيبتي جرمانيوس 0 1,260 05-14-2006, 03:17 PM
آخر رد: جرمانيوس
  حبيبتي جرمانيوس 0 1,189 05-14-2006, 03:06 PM
آخر رد: جرمانيوس
  مذكرات على خارطة الشمس \ قصة \ داليا 4 2,389 09-27-2005, 03:19 PM
آخر رد: داليا

التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 1 ) ضيف كريم