تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
عن الطفولة والذكريات (نص ممتع بحق ... إقرأ ولن تندم !) ...
#1

بقلم: عبود سعيد - كاتب من سوريا

رُبّيتُ في بيتٍ لا يعترف بليلةِ القدر التي كنتُ أسمع عنها من صديقي مالك الحرامي.
مالك قادرٌ على سرقة كلّ شيء، حتى الأحلام. كان يذهب إلى الجامع بشحّاطةٍ مهترئة، ويخرج بحذاءٍ جديد. بل هو سرق كرات القدمِ والسلّة الموجودة في غرفة الرياضة في المدرسة. وأحيانًا كان يسرقُ الشيءَ ثم يتلفه في مكانٍ آخر.
جلســنا أنا ومالــك في ليــلةٍ شتــائيــّةٍ وسألني: ماذا لو طلعَتْ لك ليلة القدر، فماذا تريد؟
قلتُ له: رأيتُ في إحدى حلقات توم وجيري أنّ توم كان لديه كريم، ما إنْ يدهن به جسدَه حتى يتوارى .أريدُ الكثير من هذا الكريم، عندها لن أحتاجَ إلى ملابس. وعندها، يمكنني الدخولُ إلى السينما من دون تذكرة، ويمكنني أن أُعرّي النساءَ المارّات، ويمكنني أن أشاركَ في الاحتجاجات. لن أحتاجَ إلى مظلّةٍ عندما تمطر، بل سأمشي تحت مظلّةِ أيِّ أحمق. كما أنني أريدُ أن تغلقَ المدرسة. أريد أنْ أجرّبَ الكونياك. أريد أن يكفَّ بابا نويل عن هذا الهراء.
ردّ مالك: في ليلة القدر، لا يحقُّ لك أكثر من ثلاثةِ طلبات.
مالك ترك الدراسة وسافر إلى السعوديّة. منذ سنةٍ رأيته في الشارع مصادفةً.
كان يرتدي جلابيّة قصيرةً، وكانت لحيته طويلةً جدًّا. لم يتوقّفْ ليصافحني، ولم يلقِ عليّ السلامَ. عندما التقت عينُه عيني، اكتفى بالابتسامة، وتابع مسيره.
❖❖❖
في مدينتي ما زالت الزفّة هي التي تُعبّرُ عن شأن الشخص. فكلّما زاد عددُ السيارات زاد العريسُ قيمةً. وفي مدينتي أيضًا يتقدّم الرجلُ المرأة ثلاثَ خطوات.
عندما كنتُ في الإعداديّة التحقتُ بدورةٍ لتعليم الإنكليزيّة خارج المدرسة. كانت المدرّسةُ شقراءَ، وترتدي بنطالاً ـــ وهذا موضوعٌ إشكاليٌّ في مدينتي. صرتُ حينها أستحمُّ كلَّ يوم، وأستعير من أصدقائي الثيابَ والأحذية لأظهرَ دائمًا بشكل متجدّد. وكنتُ آخذُ كتابًا من مكتبة البيت بشكلٍ عشوائيٍّ لألفتَ انتباهها.
ومرّةً لاحظتْ معي رواية كيف سقينا الفولاذ، وهي تعرف أنّ أهلي يعملون في خراطة المعادن وتفريزها. قالت: «براڤو عبّود، لازم تتعلّم المصلحة على أصولها وبشكل علميّ.»
الآن كبرتُ، وصار عندي حسابٌ على الفيس بوك، وصرتُ أشارك في كلِّ شيءٍ بشكلٍ افتراضيٍّ، حتى في الصفحاتِ التي تطالب بوقفِ جرائم الشرف، وكلُّ هذا من دون علمِ مدينتي.
بالمناسبة، كانت زفّة المدرسةِ كبيرة جدًّا.
❖❖❖
عندما كنتُ صغيرًا كنتُ دائمًا خارجَ المنزل حافيًا ومن دونِ سروال. وكانت لعبتي المفضّلة هي «الحُفر.» كنت أحفرُ بيديَّ العاريتين حفرًا صغيرةً جدًّا، وكان ابنُ الجيران (صديقي) الذي أكرهه لأنّ رائحته جميلةٌ ولأنه وسيمٌ وأنيقٌ يقول عن القطّةِ: CAT ويبتسمُ ببلاهةٍ وتغمره السعادةُ عندما يراها. كان غبيًّا جدًّا، لا يهتمُّ بالحفر، وكلُّ ما يعرفه عنها جملةٌ واحدةٌ يردّدها الحمقى: «مَنْ حفر حفرةً لأخيه وقعَ فيها.»
أما أنا فقد أتعبتني الحفرُ. إلقاءُ التحيةِ حفرة، كتابةُ الشعر حفرة، متابعة نشراتِ الأخبار حفرة، النوم حفرةٌ مؤقّتة، الأصدقاء حفرٌ مبعثرة، بين فخذيكِ سيّدتي حفرةٌ مشتعلة، الوطنُ حفرةٌ ضيّقة، الحبُّ حفرةٌ عقيمة.
الآنَ بعد أن كبرتُ وصارت لديّ يدان من حديد، جاءت العاصفةُ وردمتْ كلَّ هذه الحفر .
❖❖❖
عندما تعلّمتُ التدخينَ صرت أسرقُ بيضَ الدجاج من الخمِّ وأستبدلُه بالسجائر.
وعندما أُفلسُ من السجائر أتساءل: كم شخصًا على وجه الأرض يدخّنُ في هذه اللحظة؟ وأشتمهم. أنا حاقدٌ على كلِّ شخصٍ يملكُ علبةَ سجائر، وأتمنّى أنْ يتحوّل إلى رماد.
حاقدٌ على السمّان الذي يطالبني ببضعة نقود، وأتمنّى أن يموتَ بسكتةٍ قلبيّة.
حاقدٌ على كلِّ النساءِ الجميلات؛ على: جينفر لوپيز، وماريا شربوڤا، ومايا دياب، وكاميرون دياز، وأتمنى أن يعشْن حافياتٍ بلا حذاء. حاقدٌ على الذين يجلسون في فنادق ومطاعم خمس نجوم، ويتحدّثون عن حقوق الإنسان. حاقدٌ على المرأة التي فشلتُ في مضاجعتها وأتمنّى أنْ تتزوّجَ رجلاً بلا قضيب. حاقدٌ على كلِّ الذين كشفوني ويعرفون عيوبي وأتمنّى أنْ يجرفَهم الطوفان. حاقدٌ على كلِّ شيءٍ جميل، على الليلِ والپكيني والڤودكا والجاز وحسن بلاسم ــ كم تمنّيتُ لو لم يكنْ حقيقةً. حاقدٌ على قلبي الضعيفِ الغبيِّ الذي يخذلني أحيانًا.
أصدقائي الجدد، أنا أحبّكم بشكلٍ مؤقّت .
❖❖❖
أذكرُ أنّي كنتُ أبحث في المزابل عن بقايا حزوز الجبس، وأقشطُ ما تبقّى من ثمارها. أذكرُ أني كنتُ أذهبُ إلى المدرسة بيدين متّسختين، وعندما تعاقبني الآنسة بالضرب بالعصا ترى يديَّ الملوّثتين وتقول لي «أنت مأنشح.» أذكر أنّي أمسكتُ زبّ حمار مرّةً وحاولتُ أن أنزعَه لكنّي لم أتمكّن. أذكر أنّي كنتُ أسخرُ من تحيّةِ العلَم و بنطال الأستاذ. أذكر أني حفرتُ على حائطِ المدرسة مساندَ للأقدام لكي أتمكّنَ من تسلّق الجدارِ والهرب. وكنتُ أحبُّ الشيخ إمام، وساقيْ جارتنا عندما كانت تشطفُ الدرج.
الآنَ بعد ما أصبح عمري 28 عامًا، اكتشفتُ الكروصان حين دخلتُ الجامعة. واكتشفتُ أنّ أغلبَ البشر تحتفلُ بعيد ميلادها. وها أنا الآن برفقةِ علبة سجائر، وغرفةٍ خجلة، وكأس ڤودكا رخيص، أحتفل بعيد ميلادي كشخصٍ مواظبٍ ومتمرّس .
❖❖❖
كنتُ أكرهُ بابا نويل وثياَبه الحمراء، وقلتُ عنه مرّةً إنّه رجلٌ دجّالٌ ومشعوذ.
وفي المقابل، كنتُ أحبُّ ذلك الماردَ الذي يخرج من المصباح السحريّ، ولطالما تخيّلتُ أنّه سوف يخرجُ لي من إبريق الشاي.
لن أطلبَ إليه أن يأتيني بالحلوى. لا أريدُ هدايا ولا ثيابًا لأرتديها في العيد.
هنالك أسئلةٌ أبحثُ عن الإجابةِ عنها منذ الصغر. مثلاً:
هل الله يشرد؟
ماذا يفعل توم وجيري وراءَ الكواليس؟ هل يمارسان الجنس؟
هل الطغاةُ يستمعون إلى الموسيقى؟ هل يعجبهم شعرُ محمود درويش؟
هل تتغوّط هيفا وهبي مثلنا؟
لماذا لا يهاجرُ القملُ من شعر الرأس إلى الذقون واللحى؟ متى أشربُ القهوةَ وأصبحُ رجلاً؟
ظهر الماردُ فجأةً. وعندما سألتُه تلعثمَ لسانُه، وأدخلَ نفسَه في المصباح عنوةً يجرُّ وراءه أذيالَ الهزيمة.
❖❖❖
كنتُ عندما أخرجُ من البيت لا أخبرُ أحدًا، وعندما أعودُ من المدرسة مثلاً لا ألقي التحيّةَ على أحد؛ فنحن في المنزلِ لا نتبادلُ التحيّةَ أو السلام إلا في الأعياد.
لم أطفئ في عيد ميلادي شمعةً. لم أكتبْ رسالةً غراميّةً لأحد، ولا مرّةً حملتُ بيدي وردةً. في الربيع كان أغلبُ التلاميذ يهدون الآنسةَ الورودَ والأزهار، أما أنا فأهديتُها أيقونةً من عظمتين وجمجمة. في درس الرسمِ طلبت الآنسة أن يرسمَ كلُّ تلميذٍ ما يحبّه، فرسمتُ مؤخّرتها على شكل شعار الخير والشرِّ الـ «ين يانغ» وكتبتُ لها في الأسفل: «كلّما داعبَ الأصدقاءُ جراحي تماثلتُ للموت.»
❖❖❖
كنتُ أحبُّ أرنولد شوارزنجر وأفلام الأكشن، ولطالما حلمتُ أن أكونَ تيرمينيتر بقضيبٍ من الفولاذِ مكسوٍّ بالأنسجة الحيّة. عندما كنتُ أجلسُ وحدي على المصطبة، أضعُ في فمي قلماً أو عوداً وأتخيّلُ أنني أدخِّن سيجارة. كنتُ أعيشُ الحالة إلى درجةِ أنني أتلمّسُ جيوبي بحثًا عن القدّاحة. وعندما كنتُ أركبُ سيّارةً أضعُ يدي على الشبّاك. وعندما أعطي حُجّةً غير مقنعةٍ أحكُّ رأسي.
لم أكنْ مهتمًّا إذا كان الهاتفُ يرنُّ أو البابُ يُطرَق. كنتُ أشتم السماءَ حين تمطر. كانت غرفُ المنزل تخرُّ علينا قطرات الماءِ وكنّا نضع وعاءً تحت شقوق الغرفة.
❖❖❖
في الحمّام لا يُعرّي الإنسانُ جسدَه فقط، وإنّما يُعرّي الحقيقة أيضًا.
لم أحبَّ الحمّامَ على رغم من أنه بسيطٌ (كان جرنًا وحنفيّةً). كنتُ أهربُ من رؤيةِ جسدي، أهربُ من شعري الذي كان يتساقط بغزارة. أهربُ من الحقيقة.
أنتم لا تعلمون: تلك المرأة التي ترتدي الهباري وتجلسُ وسط رصيفِ المدينة المزدحم وتُرضعُ ابنها، هذه أمّي. الرجل الفلاح الذي يرتدي شماخًا وجلابيّةً ودخلَ على محلٍّ لبيع الكاسيت وسأل صاحبه عن حفلة «حناجركم» لسميح شقير، هذا أبي. الشابّ الذي يحْضر العرسَ بثيابٍ ملطّخةٍ بالزيوتِ والشحوم وبرادة الحديد، ودائمًا يكسرُ حذاءه الرخيص، هذا أخي. الكتبُ التي أحرقناها في حُلّةِ الحنطة، هذه كتبي. الباب المتواضع الذي يوجد فوقه مصباحٌ أصفرُ ضعيفٌ يكاد ينطفئ، هذا بابُ بيتنا. والحقيقة أنّ أهالي أصدقائي كانوا يمنعون أبناءَهم من اللعب معي لأنني «فلتان.»
بالمناسبة، على باب بيتنا مكتوبٌ: «حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا.»
❖❖❖
لم أذهبْ إلى مدينة الملاهي، ولا ركبتُ القطارَ، ولا جرّبتُ أن أطيّرَ طيّارةً ورقيّةً. ودائمًا كانت خيوطُ حذائي مفلولة. كان عندي شيءٌ اسمه «جطل،» اصطدتُ فيه عصفورًا واحدًا، وكان لا يقوى على الطيران؛ كنتُ أنا سبب انتهاءِ حياةِ هذا العصفور.
أنا مَنْ هدمَ داليَة العنبِ واتّهمتُ أخي بذلك. وأنا مَنْ كسرَ زجاجَ النافذة بكرةِ القدم. أنا مَنْ كنتُ أسكبُ الكازَ في غار النمل، وأعطّلُ مكابحَ السيّارات. أنا مَن تسبّبَ بحادثِ الأميرة ديانا. أنا الذي قتلتُ غودو، فلا تنتظروه. أنا من أغرقَ سفينةَ التايتانك. أنا الذي سلّمتُ بغدادَ مقابل وجبة همبرغر. أنا الذي نمتُ مع قِردةٍ وجلبتُ لكم فايروس الإيدز. أنا الذي أقنعتُ آدمَ بأن يأكلَ التفاحة.
أنا سببُ كلِّ كلِّ هذا.
أنا سيّدُ الكون.
أميرُ الخراب.
❖❖❖
لم تكن عندي ألعابٌ مثل سيّارة تتحرّك بواسطةِ البطاريّات. لم يكنْ عندي «دبدوب» يضعونه على السرير. لم يكن عندي سريرٌ، ولا سرير عندي إلى الآن ـــ فأنا أنامُ على فراشٍ على الأرض، وهو مِنْ صنع أمّي. كان لديّ سيفٌ من خشبٍ، وكان لصديقي أيضًا مثلُه، وكنّا نتبارزُ.
وكنتُ عندما أرى هرّةً أو كلبًا، أُسرعُ وأنتشلُ حصاةً وأنفخُ عليها «نفخة البركة،» ثم أصوّبُ.
كنتُ ألعب لعبةَ البصاق: أقفُ أنا وأصدقائي على مستوى واحد، ونستعرضُ مَنْ بصقتُه أقوى وأبعد. كنتُ أبصقُ على أطفال الدببة، على أصحابِ السيوف الحديديّة، على الذين كانوا يخيفونني، على معاون مدير المدرسة الذي كان يحملُ عصًا وعندما تمطرُ يقول: «خيرُ آذار هذا خيرُ آذار.»
كنتُ أبصق على برّاد بيتٍ، على الإعلام السوريّ، على ربطاتِ العنق والمكياج والواجبات، على مصابيح الكهرباءِ والشموع ومجلسِ الأمن. الآن، وقد كبرتُ وأصبح فمي جافًّا، أقولُ لهؤلاء: تفووووووووووووووووووو.
❖❖❖
يقول أخي: «إنّ الحُلمَ ناتجٌ عن عمل الدماغ بشكلٍ عشوائيّ، ويقوم بمزجٍ بين الأشياء والشخصيّات والأزمنة.»
حلمتُ مرّةً: أنّني كنتُ أمشي وسطَ قطيعٍ من النمل بحجم الإنسان. كان هناك دماءٌ وأطفالٌ مشوّهون. وكنتُ أنا المسخ (غريغور سامسا) الذي تحوّلَ إلى حشرةٍ ضخمة.
جاء جسدٌ مجهول الهويّةِ والتهم حنجرتي. وكان هناك شخصٌ يُصلَبُ وهو يصرخ: «الجمالُ سينقذ العالمَ.» وكان البشرُ يتوافدون إلى قطارٍ يقولون إنه ذاهبٌ إلى المستقبل. عندما رأيتُه صرتُ أركض بسرعةِ مَنْ يطاردهُ كلبٌ مسعور. ركضتُ بأقصى جهدي. عبرتُ البحارَ والمحيطات والحدود. بقيتُ أركضُ سنواتٍ مثل فورست غامب. أركضُ وأركض. كان قريبًا جدًّا، على مرمى نظر، لكنّني لم أستطع الاقتراب منه.
في الصباحِ، عندما استيقظتُ، قال لي أخي إنني كنتُ أهذي وأنا نائمٌ وأقول: «المجزرة ستنقذُ العالم.»
❖❖❖
عندما كنتُ صغيرًا كانت أمّي تقول: «هذول الأجانب كلّهم رح يروحون عالنار.» أنا محظوظٌ إذًا! فهذا يعني أنّني من الذين سوف يذهبون إلى الجنّة، وفي الجنّة خمرٌ وحوريّات. هناك لن تظهرَ أصبعُ قدمي الكبيرة من جوربي مثل سلحفاة حالمة، وهناك ستكون لديّ جارةٌ جميلةٌ، ومسمارٌ لأعلّقَ عليه معطفي وأحلامي.
البشرُ هناك لا يحتاجون إلى النجدة، وپوپايْ لن يحتاجَ إلى سبانخ. لن تحتاج إلى وسائل إعلامٍ ولا إلى شفرات حلاقة. وهذا لا يعني أنك سلفي،ّ لأنّ الحياةَ هناك لا لِحًى فيها ولا شوارب. الحياةُ هناك جميلةٌ مثل حمص، لذيذةٌ مثل غيمةٍ بين قطعتيْ بسكويت، شائقة مثل سيّارةٍ مسرعة.
الحياةُ هناك لا تشبهني أبدًا.
الآن أشعلُ سيجارةً وأضع قدمي اليسرى فوقَ اليمنى وأقولُ: أنا محظوظٌ إذًا.
أنظر إلى أمّي التي تركت الصلاة، أمّي التي قلتُ عنها مرّةً إنها لا تقرأ ولا تكتب وتقول عن النبيذ: «إنه لذيذٌ وليس حرامًا.»
❖❖❖
في المدرسة، عندما يعلّموننا الكتابةَ والقراءة، كان أمامنا على الطاولة كتابٌ فيه دروس عن باسم ورباب وحرب تشرين التحريريّة. يقولُ الأستاذ «اقرأ الدرس.» طبعًا يجب أن تقرأ وأنتَ تتبّعُ بأصبعك لكي لا تضيعَ وتتخطّى أيَّ كلمة. كانت إصبعي تصطاد بعض الكلمات أو العبارات مثل: حجر، بول، يعدو، تغوّط في باحةِ المدرسة، شبح، ليل، نار، باسم يحدّقُ إلى مؤخّرة رباب، رباب حامل، نمش، سخرية، ريح، زلزال، دفنوها وهي على قيد الحياة، حلمة خائفة، وأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة. وهناك كلماتٌ كنتُ لا أتوقّفُ عندها ولا أراها، كلماتٌ أقلّ من أصبعي بكثير، مثل: انتصر، عصافير، قهوة، جُملة يليها صفة «طلائعيّة،» حبّ، شمس، مطر، ياسمين، أحلام سعيدة، سماء صافية، لا تقطع الشارع، الإشارةُ حمراء، يجب غسلُ اليدين قبل الطعام وبعده، يجب أنْ يحبَّ الزوجُ الزوجةَ، ويجب أن ينتصرَ البطل في نهاية الفيلم ويتزوّج المرأة الجميلة.
الآن كبرتُ، وصارت إصبعي في سنِّ اليأس، وكلماتي تكاد تهلك.
❖❖❖
كنتُ عاملاً سوريًّا في لبنان، أعيش في غرفةٍ من الحديد داخلَ المصنع الذي أعملُ به. كانت الغرفة رديئةً جدًّا، تشبهُ كتاباتي. بقيتُ سنتين وأنا أعيشُ على البيض والبيرة. لم أكن أعرفُ ماذا تعني كلمة «شهيّة»؛ كلُّ ما كان يهمّني هو إرضاءُ الدود الذي يمرحُ في معدتي ودماغي. لديّ الكثير من الدود وبمختلفِ الأنواع: دود اليأس، دود الخوف، دود الحقد (وهذا كان الأنشط مساءً)، دود الغريزة، دود الكراهية، دودة الحريّة، حتى دودة الڤالنتاين كانت أحيانًا تدغدغني ويا للغرابة.
اليومَ، بعد أن اشتريتُ درّاجةً هوائيّة، انطلقتُ بها مقلّدًا المراهق ريناتو في فيلم مالينا. بعد بضعة أمتار أسقط ودرّاجتي في البئر. أصرخُ: «أنجدوني!.» أُصاب بالخيبة. فيأكلني الدود .

----

منقول عن صفحة "الفيسبوك" لمجلة "الآداب" ...

ما دُمتَ محترماً حقّي فأنتَ أخي --- آمنتَ بالله أم آمنتَ بالحجر
الرد
#2
نص رائع جداً وممتع فعلاً
الرد


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  قصص قصيرة لأحبابنا الصغار...ليت الطفولة تعود يوما بسام الخوري 175 69,536 12-24-2009, 10:01 PM
آخر رد: -ليلى-

التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 1 ) ضيف كريم